إلى من يراه من المسلمين سلك الله بنا وبهم سبيل عباده المؤمنين، وأعاذنا وإياهم من طريق المغضوب عليهم والضالين آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فالموجب لهذا هو نصيحتكم ووصيتكم بتقوى الله، وترغيبكم فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة، وتحذيركم مما يضركم في الدنيا والآخرة عملا بقول الله سبحانه في كتابه الكريم: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب، وقوله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْر * ِإِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر * ٍإِلا الَّذِينَ آمَنُوا * وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، فأمر سبحانه وتعالى بالتعاون على البر والتقوى وحذر من التعاون على الإثم والعدوان، وتوعد من خالف ذلك بشدة العقاب، وأخبر عز وجل في هذه السورة القصيرة العظيمة أن الناس قسمان: خاسرون ورابحون، وبين أن الرابحين هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، فمن استكمل هذه الصفات الأربع فهو من الفائزين بالربح الكامل والسعادة الأبدية والعزة والنجاة في الدنيا والآخرة، ومن فاته شيء من هذه الصفات فاته من الربح بقدر ما فاته منها وأصابه من الخسران والغبن والفساد بقدر ما معه من التقصير والغفلة والإعراض عما يجب عليه، فاتقوا الله عباد الله وتخلقوا بأخلاق الرابحين وتواصوا بها بينكم، واحذروا صفات الخاسرين وأعمال المفسدين، وتعاونوا على تركها وتحذير الناس منها تفوزوا بالنجاة والسلامة والعاقبة الحميدة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فمن أهم الأمور التي يجب فيها التناصح والتواصي تعظيم كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام والتمسك بهما ودعوة الناس إلى ذلك في جميع الأحوال؛ لأنه لا سعادة للعباد ولا هداية ولا نجاة في الدنيا والآخرة إلا بتعظيم كتاب الله وسنة نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم اعتقادا وقولا وعملا، والاستقامة على ذلك، والصبر عليه حتى الوفاة؛ لأن الله سبحانه أمر عباده بطاعته وبطاعة رسوله، وعلق كل خير بذلك، وتهدد من عصى الله ورسوله بأنواع العذاب والخزي في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ، وقال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
وقال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وقال عز وجل: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جنات تجري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ العظيم * ومن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ففي هذه الآيات المحكمات الأمر بطاعة الله ورسوله، والحث على اتباع كتابه المبين، وتعليق الهداية والرحمة ودخول الجنات بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتعليق الفتنة والعذاب المهين بمعصية الله ورسوله، فاحذروا أيها المسلمون ما حذركم الله منه، وبادروا إلى ما أمركم به بإخلاص وصدق ورغبة ورهبة تفوزوا بكل خير وتسلموا من كل شر في الدنيا والآخرة. ومن أعظم الطاعة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام التحاكم إلى شريعته والرضى بحكمها والتواصي بذلك والحذر كل الحذر مما يخالفها، عملا بقول الله عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً[7]أقسم الله سبحانه في هذه الآية الكريمة أن العباد لا يؤمنون حتى يحكموا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم، وينقادوا لحكمه راضين مسلمين من غير كراهة ولا حرج، وهذا يعم مشاكل الدين والدنيا، فهو صلى الله عليه وسلم هو الذي يحكم فيها بنفسه في حياته وبسنته بعد وفاته ولا إيمان لمن أعرض عن ذلك أو لم يرض به، وقال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ[8] فهو سبحانه هو الذي يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه في هذه الدار، وذلك بما أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من القرآن والسنة، وفي يوم القيامة يحكم بين الناس بنفسه عز وجل، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول إنِ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[9] يأمر الله سبحانه في هذه الآية بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن في ذلك خير الدنيا والآخرة وعز الدنيا والآخرة والنجاة من عذاب الله يوم القيامة، ويأمر بطاعة أولي الأمر عطفاً على طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم من غير أن يعيد العامل، لأن أولي الأمر إنما تجب طاعتهم فيما هو طاعة لله ولرسوله، وأما ما كان معصية لله ورسوله فلا تجوز طاعة أحد من الناس فيه كائنا من كان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الطاعة في المعروف، وقال صلى الله عليه وسلم: لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ثم أمر الله سبحانه عباده أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فقال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ[10] والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه الكريم، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته عليه الصلاة والسلام وإلى سنته بعد وفاته، ثم قال سبحانه: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[11] يرشد عباده إلى أن رد مشاكلهم كلها إلى الله والرسول خير لهم وأحسن عاقبة في العاجل والآجل، فانتبهوا رحمكم الله واعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام تفوزوا بالحياة الطيبة والسعادة الأبدية، كما قال الله سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون[12]، وإن من أقبح السيئات وأعظم المنكرات: التحاكم إلى غير شريعة الله من القوانين الوضعية والنظم البشرية وعادات الأسلاف والأجداد وأحكام الكهنة والسحرة والمنجمين التي قد وقع فيها الكثير من الناس اليوم وارتضاها بدلا من شريعة الله التي بعث بها رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن ذلك من أعظم النفاق، ومن أكبر شعائر الكفر والظلم والفسوق وأحكام الجاهلية التي أبطلها القرآن وحذر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا[13] قال تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُون[14]؛ وقال عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون[15]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[16]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون[17]، وهذا تحذير شديد من الله سبحانه لجميع العباد من الإعراض عن كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والتحاكم إلى غيرهما، وحكم صريح من الرب عز وجل على من حكم بغير شريعته بأنه كافر وظالم وفاسق ومتخلق بأخلاق المنافقين وأهل الجاهلية[18]، فاحذروا أيها المسلمون ما حذركم الله منه، وحكموا شريعته في كل شيء، واحذروا ما خالفها وتواصوا بذلك فيما بينكم، وعادوا وأبغضوا من أعرض عن شريعة الله وتنقصها أو استهزأ بها وسهل في التحاكم إلى غيرها، لتفوزوا بكرامة الله وتسلموا من عقاب الله، وتؤدوا بذلك ما أوجب الله عليكم من موالاة أوليائه، الحاكمين بشريعته، الراضين بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومعاداة أعدائه الراغبين عن شريعته المعرضين عن كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والله المسئول أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يعيذنا وإياكم من مشابهة الكفار والمنافقين، وأن ينصر دينه ويخذل أعداءه إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.