الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
فإن الله - سبحانه وتعالى - قد بين فضل العلم وحث عليه في كتابه الكريم ، قال - تعالى - : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات[1] ، وقال - تعالى - : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ[2] وقال - تعالى - : وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ[3] .
والمقصود بالعلم :هو العلم الشرعي الموصل إلى معرفة الله - سبحانه وتعالى - بأسمائه وصفاته ، وأنه الإله الحق ، الذي لا يستحق أحد أن يعبد سواه ، وأنه الرب الخالق الرازق والمتصرف بهذا الكون ، والمنعم على جميع العالمين .
والموصل - أيضاً - إلى معرفة رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه الرسول الخاتم ، المبلغ عن الله شرعه ووحيه ، والموصل إلى معرفة هذا الدين الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - عن الله ، وبلغنا به في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بما يشمل جميع نواحي حياتنا في : الاعتقاد والسياسة والاجتماع وفي القضاء والتشريع والاقتصاد ، وجميع ما يحتاجه المسلمون في أمور حياتهم ومعادهم .
فهذا هو العلم الحقيقي الذي أثنى الله على حملته ، ورفع قدرهم ، وجعلهم من الشهداء على وحدانيته ، قال - تعالى - : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[4] ، ووصفهم - سبحانه - بأنهم أخشى الناس لله - سبحانه - فقال - تعالى - : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ[5] .
والمعنى : الخشية الكاملة ، وعلى رأسهم الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - .
وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده المؤمنين ، بأن تنفر طائفة منهم للتعلم والتفقه في هذا الدين ؛ ليكونوا على بصيرة ونور من الله ، وليعلموا أحكامه وشرائعه ، ويبلغوا أقوامهم ويوجهوهم إلى الصراط المستقيم بسلوك هذا الدين والالتزام به ، قال تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[6] .
ومن نعم الله العظيمة على المسلمين في هذه المملكة – أعني المملكة العربية السعودية – وفي جميع بلاد المسلمين ، أن قيض لهم من يقوم بهذا الدين كلما خبا نوره وتزاحمت عليه قوى الكفر ، وخيم على المسلمين الجهل ، فيبعث الله من القادة الصالحين والعلماء والأفاضل والحكام المخلصين من يقوم بنصر هذا الدين ، وإحياء ما أماته الجهلاء من رسومه ، ونشر العلم وتعليمه ، وتحكيم شريعة الله ، وكبت الباطل وأهله .
ومن فضل الله على هذه الجزيرة ، أن قام فيها الإمام الشيخ / محمد بن عبد الوهاب ، والإمام / محمد بن سعود – رحمة الله عليهما – وتعاهدا على نصرة هذا الدين ، وصدقا في ذلك ؛ فنصرهما الله ، ومكن لهم في الأرض ؛ وقامت بذلك حلق العلم بالمساجد وانتشر التدريس فيها ، وأخذ العلماء أماكنهم في توعية الناس بدينهم ، وتعليمهم أحكامه وشرائعه ، واستمرت على ذلك حتى انتشر العلم في أرجاء هذه البلاد والبلدان المجاورة ، وفتحت المدارس والمعاهد العلمية ، وانتشرت في عدة قرى ومدن في هذه الجزيرة العربية ، وكذا الكليات وغيرها من وسائل نشر العلم .
ولقد كان للمعاهد العلمية التابعة لـ ( جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ) الأثر العظيم في نشر علوم العقيدة والشريعة ، وتربية الأجيال الناشئة على فهم كتاب الله وفقهه، ومعرفة علوم اللغة العربية – لغة القرآن والسنة - .
وإن ثمار هذه المعاهد وما حصل بها من الخير العظيم والنفع العميم ، لتظهر واضحة جلية على ناشئة شباب هذه البلاد ، وغيرها من البلاد التي فتحت فيها معاهد تابعة لهذه الجامعة.
فنسأل الله أن يوفق القائمين عليها للزيادة من كل خير ، وأن يعينهم ، وأن يضاعف من جهودهم في الإكثار منها والحرص عليها .
كما أنه من فضل الله ، أن وفق ولاة الأمر للأمر بفتح بعض هذه المعاهد خارج المملكة العربية السعودية ؛ لتقوم بإبلاغ الحق والخير ، ونشر العقيدة الصحيحة الصافية الخالية من شوائب الشرك والوثنية ، وتعليم أحكام الشريعة الغراء .
ونرجو الله - سبحانه وتعالى - أن يوفقهم للإكثار منها في جميع البلدان ، وأن يوفق القائمين عليها لاختيار الأشخاص الأتقياء ، والدعاة المخلصين لإدارة هذه المعاهد والتعليم فيها – كما هو الواقع الآن – وهذا هو سبيل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه بإحسان ، كما قال الله - تعالى - : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [7] ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة )) ، رواه مسلم ، وفي الحديث المتفق عليه عن معاوية - رضي الله عنه – قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) .
فنحمد الله - سبحانه وتعالى - أن يسر هذه الأماكن لنشر العلم - وهيأ أسبابها - ونسأله أن يوفق القائمين عليها ، وأن يكلل جهودهم بالتوفيق والنجاح . وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .

الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز


 


[1][2][3][4][5][6][7]