الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة الأفاضل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإن أعظم نعمة أنعم الله بها علينا نعمة الإسلام التي لا تدانيها أي نعمة أخرى، فلقد أكرمنا الله نحن المسلمين بهذا الدين. وجعلنا خير أمة أخرجت للناس وأكمل لنا ديننا الذي رضيه لنا يقول تبارك وتعالى:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا}[1]، وكمال الدين يعني: وفاءه بكل متطلبات الحياة العاجلة والآجلة ومعالجته لكل شئونها، ويعني: استقلال الشريعة الإسلامية أصولها وفروعها، وشمولها لكل ما يحتاج إليه الناس.
يقول سبحانه وتعالى:
{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}[2] ويقول عز وجل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[3]، ومعلوم أن هذا الدين متلقى عن وحي الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اللذين قال فيهما صلى الله عليه وسلم: ((لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي))، وبوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي بعد أن كمل الدين واستقر، ولقد تعهد الله بحفظه بقوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[4]، ولقد طبق الإسلام أتم تطبيق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده.
وقيض الله له من بعد من حمل دعوته للعالمين، فاتسعت رقعة الدولة الإسلامية، ودخل الناس في دين الله أفواجا من مختلف الشعوب والأمم، وانصهر الجميع في العقيدة الإسلامية التي ربطتهم بخالقهم، وجعلت ولاءهم لله ولرسوله وأخوتهم أخوة الإيمان والإسلام، وتتابع على المسلمين منذ عهد الرسالة حتى العصر الحديث العديد من الدول والحكومات، ومرت على المسلمين فترات تراجع وانحسار وانكماش نتيجة لعوامل عدة خارجية وداخلية وبتتبعها يدرك ذوو البصيرة أن لارتباطهم بكتاب الله وسنة رسوله والاعتصام بهما أثرا عظيما في ذلك، فحينما يتمسكون بدينهم ويجتمعون على هديه يكون لهم التقدم والغلبة والنصر، وحينما يتهاونون في ذلك أو ينحرفون عنه يدب فيهم النزاع فيغلبون ويتراجعون. ولقد قيض الله للإسلام منذ عهد الرسالة حتى اليوم علماء مصلحين نقلوه للناس، وبينوا أحكامه، ونافحوا عنه، وعالجوا به قضايا الناس وشئونهم واستنبطوا الأحكام لكل ما جد من الوقائع التي لا نص فيها، وكان لهؤلاء العلماء المصلحين أثرهم البارز في تقوية وازع الدين لدى الناس، وإزالة الشبهات والشكوك، ومحاربة المعاصي والبدع، ودعوة الناس إلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كان لهؤلاء الدعاة أثرهم القوي في ذلك مما نتج عنه قوة المجتمع المسلم وتقدم المسلمين واجتماع كلمتهم.
ومن أبز هؤلاء الدعاة المصلحين الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر الهجري رحمه الله الذي وفقه الله للقيام بدعوة إصلاحية عظيمة أعادت للإسلام في الجزيرة العربية قوته وصفاءه ونفوذه وطهر الله به الجزيرة من الشرك والبدع، وهداهم به إلى الصراط المستقيم. وامتدت آثار هذه الدعوة المباركة إلى أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي وتأثر بها عدد من العلماء والمصلحين فيه، وكان من أقوى أسباب نجاح هذه الدعوة أن هيأ الله لها حكاما آمنوا بها ونصروها وآزروا دعاتها، ذلكم هم الحكام من آل سعود بدءاً من الإمام المجاهد محمد بن سعود رحمه الله مؤسس الدولة السعودية ثم أبنائه وأحفاده من بعده.
إن دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هي الدعوة الإسلامية التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وسلف هذه الأمة الصالح، ولهذا نجحت وحققت أثارا عظيمة رغم كثرة أعدائها ومعارضيها في العالم الإسلامي أثناء قيامها وذلك مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله)).
وهذه الدعوة وإن كانت سلسلة دعوة الإصلاح ومرتبطة بمذهب السلف الصالح، السابق لها؛ ولم تخرج عنه إلا أنها تستحق المزيد من الدراسة والعناية وتبصير الناس بها؛ لأن الكثير من الناس لا يزال جاهلا حقيقتها، ولأنها أثمرت ثمرات عظيمة لم تحصل على يد مصلح قبله بعد القرون المفضلة، وذلك لما ترتب عليها من قيام مجتمع يحكمه الإسلام، ووجود دولة تؤمن بهذه الدعوة وتطبق أحكامها تطبيقاً صافياً نقياً في جميع أحوال الناس في العقائد والأحكام والعادات والحدود والاقتصاد وغير ذلك، مما جعل بعض المؤرخين لهذه الدعوة يقول: إن التاريخ الإسلامي بعد عهد الرسالة والراشدين لم يشهد التزاما تاما بأحكام الإسلام كما شهدته الجزيرة العربية في ظل الدولة السعودية التي أيدت هذه الدعوة ودافعت عنها. ولا تزال هذه البلاد والحمد لله تنعم بثمرات هذه الدعوة أمنا واستقرارا ورغدا في العيش وبعدا عن البدع والخرافات التي أضرت بكثير من البلاد الإسلامية حيث انتشرت فيها.
والمملكة العربية السعودية حكاماً وعلماء يهمهم أمر المسلمين في العالم كله، ويحرصون على نشر الإسلام في ربوع الدنيا لتنعم بما تنعم به هذه البلاد. ومن هنا فإن الدولة السعودية منذ قيامها وحتى الآن تتيح الفرص والمناسبات لبيان حقيقة هذه الدعوة التي تعتمد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتحرص على إزالة الشبهات التي تثار من الجاهلين بهذه الدعوة أو المغرضين، فكانت اللقاءات تتم للمناقشة حول الدعوة وآثارها، والرد على المعارضين، وكانت الرسائل تبعث، والكتب تؤلف، ولا زالت والحمد لله.
ويأتي هذا الاجتماع الذي دعت إليه جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ونظمته ضمن تلك الجهود السابقة، ومؤيداً لها، ومن أولى بهذا من الجامعة التي تضم خيرة تلاميذ هذه الدعوة وعلمائها، والتي أسست أول ما أسست لتخدم هذه الدعوة وتعلمها للناس وتدعوا العباد إليها، وذلك حينما تشاور جلالة الملك عبد العزيز وسماحة شيخنا العلامة الشيخ محمد ابن إبراهيم رحمهما الله وأجزل لهما المثوبة في إيجاد هذه المؤسسة لتقوم بواجب الدعوة والتعليم وفق مذهب السلف الذي دعا إليه الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ففتحت المعاهد العلمية ثم الكليات ثم اتسع نطاقها لتكون جامعة إسلامية تحمل اسم مؤسس الدولة السعودية الأول، وناصر الدعوة الإسلامية الإمام محمد بن سعود، وقد خرجت الجم الغفير من العلماء ممن كان له الأثر الكبير في نهضة هذه البلاد، لقد قامت هذه الجامعة ولا تزال بتدريس مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب وبخاصة في العقائد ومؤلفات مشاهير أئمة السلف ممن سبقه كالإمام ابن تيمية وابن القيم والطحاوي والحافظ ابن كثير وغيرهم رحم الله الجميع، وأجزل لهم المثوبة لقاء جهادهم في سبيل الله، والذب عن دينه، وبيان الحق الذي أوجب الله بيانه وعرفته للناس.
أيها الإخوة الكرام، إن الاجتماع لدراسة مذهب السلف الصالح ومنه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتعريف الناس بها، وحثهم على الاستمساك بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وسلف هذه الأمة أمر واجب ومن أعظم القرب إلى الله؛ لأنه تعاون على الخير، وتشاور في المعروف، وبحث للوصول إلى الأفضل، وكثيرا ما تزول الشبه عند التقاء العلماء وبحث المسائل مشافهة، وأنا على يقين أن هذا الاجتماع سيكون له إن شاء الله الآثار الكبيرة الطيبة في العالم الإسلامي كله ليجتمعوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويبتعدوا عن البدع في الدين، والتفرق فيه الذي أوهن شوكة المسلمين وقوى أعداءهم عليهم، ولا شك أن هذه النخبة المختارة التي تجتمع اليوم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي لمناقشة الأبحاث والأفكار، وتلمس أفضل الطرق لعودة الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإحياء مذهب السلف الصالح من هذه الأمة- ستصل إلى نتائج إيجابية بإذن الله تقدمها للمسلمين كافة، وتدعوهم إلى كلمة سواء متجردين عن التعصب الأعمى، ومبتعدين عن الغلو في الأشخاص والأفكار، فالحق واضح لا لبس فيه فما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وما وسعهم يجب أن نكون عليه جميعا وأن يسعنا في مختلف ديارنا وأوطاننا ما وسعهم وهذا هو لب الدعوة السلفية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وإن من أهم الآثار الإيجابية التي ترتبت على هذه المناسبة جمع مؤلفات الشيخ رحمه الله ورسائله، وتحقيقها وطبعها وتقديمها للناس، ووضع كشاف تحليلي موضوعي لها، وطبعه وتوزيعه أيضا.
وكما أن من ثماره الأبحاث الكثيرة التي قدمت من العلماء في موضوعات هامة تتصل بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب واعتمادها على الكتاب والسنة، وصلتها بمذهب السلف، وآثارها في الجزيرة العربية وفي العالم الإسلامي كله، والشبهات التي أثيرت حولها ومناقشتها. وإني إذ أشيد بهذه الإنجازات آمل أن يتمخض هذا الاجتماع عن توصيات وقرارات هامة تدعو إلى تقوية جميع المراكز والهيئات والمؤسسات التي تقوم على نشر مذهب السلف الصالح والدعوة إليه، ودعمها والتمكين لها، وتدعو أيضا إلى ربط الناشئة بكتب السلف ومناهجهم عن طريق الدراسة والبحث، وتدعو أيضا إلى المزيد من اللقاءات التي من شأنها بيان مذهب أهل السنة والجماعة والدعوة إليه، ومعالجة العقبات التي تقف دون انتشاره واعتماد الناس عليه.
وإن جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مشكورة على جهودها في هذا الميدان، ومطالبة من الجميع بالاهتمام بهذه القضايا، والتعاون مع جميع الجهات التي تعني بمذهب السلف والدعوة إليه ونشره على مختلف المستويات والميادين، ودعم الأشخاص الذين يسهمون بجهودهم وآرائهم في محاربة البدع والخرافات عن منهج الحق.

وإني على يقين بأن حكومة المملكة العربية السعودية السنية وفقها الله لما فيه رضاه ونصر بها الحق، لن تتوانى في دعم توصياتكم ومقرراتكم فيما يخدم الإسلام والمسلمين كما هي عادتها في هذا الشأن، وإن من جهودها منذ عهد الملك عبد العزيز رحمه الله نشر كتب السلف والعناية بها وتدريسها، ومعاونة الجماعات والأفراد الذين يهتمون بها ويحرصون على انتشارها- مشهورة معلومة لدى الخاص والعام، وذلك من فضل الله عليها ومما تشكر عليه هذه الدولة التي قامت على مذهب السلف، وطبقته في مجتمعها وإني من جانبي سأحرص ما استطعت على التعاون معكم عموما ومع هذه الجامعة المباركة وسائر الجامعات التي تعني بالإسلام وأهله، ومع الدعاة إلى الله على منهج رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهج صحابته الكرام، وسلف الأمة الصالح حسب الطاقة والإمكان، أيها الإخوة، أعضاء الأسبوع، لقد كنت راغبا في لقياكم والحديث معكم، ومناقشة الأبحاث المقدمة، والآراء المعروضة والاشتراك معكم في حلقاتكم ودراساتكم؛ لأن في ذلك تعاونا على الخير، ولكني شغلت عن ذلك بالمجلس الأعلى العالمي للمساجد المنعقد في مكة المكرمة، ومن بعده المجمع الفقهي اللذين تنظمهما رابطة العالم الإسلامي التي تلتقي معكم في اهتمامكم وجهودكم مما حال دون تحقيق رغبتي في مشاركتكم هذه الفرصة الطيبة، وجعلني أكتب إليكم هذه الكلمة راجياً للجميع التوفيق والسداد مع وصيتي لنفسي ولجميع إخواني بتقوى الله والعمل بما يرضيه، والنشاط المتواصل في الدعوة إلى سبيله، وأشكر لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض رعايته لحفل الافتتاح، كما أشكر للإخوة المشرفين على تنظيم هذا الأسبوع جهودهم وإسهامهم، وللأعضاء من العلماء الأفاضل مشاركتهم وإسهامهم، وأسأل الله أن يتقبل عمل الجميع، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يجعلنا جميعا من الهداة المهتدين إنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.