من حديث (لا يغرم السارق إذا أُقيم عليه الحد)

وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُغَرَّمُ السَّارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ.
وَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ؟ فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمِّيَّةٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ لَمَّا أَمَرَ بِقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ: هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ، وَالْحَاكِمُ.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ. فَقَالُوا إِنَّمَا سَرَقَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: اقْطَعُوهُ فَقَطَعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةِ، فقال: اقتلوه فذكر مثله ثم جيء به الثالثة فذكروا مثله، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الْخَامِسَةِ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِيُّ، وَاسْتَنْكَرَهُ. وَأَخْرجَ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ نَحْوَهُ. وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقَتْلَ فِي الْخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث كلها تتعلق بالسرقة فالحديث الأول حديث عبدالرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم يروي عن النبي ﷺ أنه قال: لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد. ولكنه ضعيف عند أهل العلم ومنقطع فالسارق يغرم ويقام عليه الحد جميعًا، يغرم ما أخذ من المال ويقام عليه الحد هذا هو الحق الذي عليه أهل العلم، والحديث هذا ضعيف فلا يحتج به.
والحديث الثاني: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ لما سئل عن الثمر المعلق يعني في الشجرة من رطب أو تفاح أو غيره من الفواكه فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه العقوبة والغرامة وفي رواية النسائي وجماعة: غرامة مثليه، ومن خرج بشيء منه بعد أن يؤويه الجرين فعليه القطع، فهذا يدل على أن السارق إذا سرق من الثمر المعلق بفيه يعني أخذ أكل من فمه تمرات أو تفاح فلا شيء عليه لأن هذا في العادة يتسامح الناس فيه ولا قطع فيه ولا عقوبة فيه فإن خرج بشيء منه فعليه العقوبة وغرامة مثليه يعني الثمرة مرتين مع جلدات إذا كان أكثر في رواية أخرى عند النسائي بسند صحيح، أما ما خرج من الجرين بعد أن يحرز فعليه القطع الجرين هو الحوش الذي يجمع فيه الثمر ونحوه يقال له جرين ويسمى بأسماء أخرى فالحاصل أن ما أخذ بعدما يحرز يقطع.
والحديث الثالث: حديث صفوان بن أمية أنه كان نائمًا في المسجد وجاء إنسان وسرق ثوبه من تحت رأسه فأمسكه وذهب به إلى النبي ﷺ فأمر بقطعه فقال له صفوان: أنا أسمح عنه فقال له النبي ﷺ: هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به، هذا معناه أن الحدود إذا بلغت الحاكم السلطان فلا شفاعة فيه ولا تسقط بل يجب أن تنفذ كما في الحديث الآخر: إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع، وفي حديث المخزومية أتشفع في حد من حدود الله فدل ذلك على أن السارق إذا سرق ما يقطع فيه ثم عفا عنه صاحب السرقة فالحد ثابت والعفو إذا عفا عن ماله فلا بأس أما الحق فيقام عليه الحد.
وهكذا الحديث الأخير حديث جابر في قطع اليد الثانية والرجل الثانية الحديث ضعيف منكر؛ لأنه من رواية مصعب بن ثابت وهو لين الحديث، وحديث الحارث بن حاطب كذلك منكر الحديث، وقد ذكر ذلك جماعة من أهل العلم كالنسائي وغيره، وذكر الشافعي رحمه الله: أنه منسوخ عند الجميع لو صح يعني فالحاصل أنه إذا سرق في الثانية لا يقطع ولكن يعزر ويؤدب بما يراه ولي الأمر الحاكم أو السلطان من سجن أو جلدات ولا يقطع كما أفتى بهذا علي رضي الله عنه هذا هو الصواب الذي عليه أهل العلم.
والحديثان الأخيران حديث جابر والحارث بن حاطب حديثان ضعيفان أو منسوخان والصواب أنهما ضعيفان ومنكرا المتن، وعلى قول الشارح رحمه الله أن ذلك منسوخ وحكى قول أهل العلم.
وفق الله الجميع.
الأسئلة:
س: في رواية النسائي فعليه غرامة مثليه، فهل هذا يدل على مشروعية التعزير بالمال؟
ج: نعم هذا من أدلة التعزير بالمال. وهو صحيح عليه مع مثليه جلدات نكالاً تأديبًا له بدلاً من القطع.
س: قوله: هلا كان قبل أن تأتينا به، الشفاعة كيف تكون في قول النبي ﷺ يعني أنك تسمح عنه أو كيف؟
ج: يسمح عنه قبل أن يذهب به إلى السلطان.
 
 بَابُ حَدِّ الشَّارِبِ وَبَيَانِ الْمُسْكِرِ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - فِي قِصَّةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَقَبَةَ - جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجلد أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجلد عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ - إِلَيَّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأْ الْخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ: إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ [الثَّانِيَةِ] فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةِ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الرَّابِعَةِ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالْأَرْبَعَةُ. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ صَرِيحًا عَنْ الزُّهْرِيِّ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه
أما بعد: فهذه الأحاديث تتعلق بشرب الخمر، والخمر كل ما خامر العقل كل ما أسكر يسمى خمرًا، كما قال عمر رضي الله عنه: والخمر ما خامر العقل كما يأتي، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: كل مسكر حرام كما سيأتي أيضًا، فكل شراب أو مأكول أسكر فهو خمر وما أسكر كثيره فقليله حرام كما يأتي سواء كان من تمر أو عنب أو عسل أو شعير أو غير ذلك  قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90، 91] لما نزلت قال عمر رضي الله عنه: انتهينا انتهينا وكان الخمر أولاً مباحًا ثم نهي عنه عند قرب الصلاة، قال: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43] وفي غير الصلاة يشرع، ثم حرمه الله تحريمًا باتًا لهذه الآية وما جاء في معناها  وفي قوله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219]  فاشتبه على الناس وقال عمر: اللهم بين اللهم بين، فأنزل الله آية المائدة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90] فحرمت تحريمًا باتًا.
وفي حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ أتي برجل شرب الخمر فجلدته بجريدتين نحو أربعين وهكذا في عهد أبي بكر فلما كانت خلافة عمر استشار الناس وقال: إن الناس قد تساهلوا في هذا الأمر واستهانوا بالعقوبة فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله  عنه الزهري أحد العشرة المبشرين بالجنة أخف الحدود ثمانون حد القذف فجعله عمر ثمانين سدًا لباب شرب المسكرات لما أكثر الناس منها وتهانوا بالحد
وهكذا قال علي رضي الله عنه: جلد النبي ﷺ أربعين وجلد الصديق أربعين وجلد عمر ثمانين وهذا أحب إليّ وجلد أربعين هو فالأصل أنه أربعون وإذا رأى ولي الأمر أن يجعل ثمانين كما فعل عمر فهذه سنة كما قال  النبي عليه الصلاة والسلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وفي بعض الأحاديث أنه أمر أن يزاد الشارب بالجريد والنعال والأيدي فهذا يضرب بيده وهذا بثوبه وهذا بنعله ثم تحدد الجلد بأربعين وإذا جلد ثمانون فهو سائغ لكونه مما فعله عمر رضي الله عنه وهو خليفة راشد ولأنه أزجر للناس وأبعد عن تناول هذا الأمر ولأن الرسول ﷺ لم يحد فيه حداً كما قال علي تارة بالنعال وتارة بالأيدي والثياب وتارة بالجريد، فدل على أنه أقرب إلى التعزير ولهذا جعله عمر ثمانين حماية للعقول من هذا البلاء وحماة للمسلمين من هذا البلاء.
وفي الحديث الآخر أنه أتي بشارب خمر فقال: اجلدوه ثم أتي به فقال: اجلدوه،ثم أتي به الثالثة، فقال: اجلدوه ثم أتي به الرابعة فقال: اضربوا عنقه، ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه منسوخ، والمشهور عند العلماء أنه لا قتل فيه وإنما فيه حد وإن تكرر والأكثرون على أن القتل منسوخ، بل جاء له شواهد تدل على القتل وجاء أحاديث تدل على أنه لا يقتل والأصل حرمة دم المسلم فإذا جلد في الرابعة والخامسة حتى ينتهي فهذا أحوط من قتل خروجًا من الخلاف والمسألة مهمة عظيمة تحتاج إلى مزيد عناية.
ويقول ﷺ: إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه يجوز للإنسان أن يضرب في ظهره في جنبه لكن يتقي وجهه؛ لأنه قد يصيب في وجهه شيء يضره كثيرًا ولهذا قال ﷺ: إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه لا في الحدود ولا في غيرها يجب أن يتقى الوجه لا يضرب الوجه لا في حد ولا غيره. والمقصود تأديبه وليس المقصود قتله وليس المقصود تشويه خلقته فيجلد في غير الوجه وهكذا الضرب على الرأس لأن الرأس خطر.
الأسئلة:
س: الصواب في نجاسة الخمر؟
ج: الجمهور على أنها نجسة يجب توقيها إذا وصلت الثوب والبدن، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها طاهرة؛ لأنها إما تمر أو نحوه فسد فلا يكون نجسًا بهذا ولكنها نجاسة تحريم ولا رجس يعني محرمة خبيث وبعض أهل العلم استدل بالرجس على أنه النجس ولكن الرجس يطلق على الخمر وعلى الميسر، والميسر معاملة ما هي بشيء يلمس الجسم هي معاملة قمار والأنصاب والأزلام كذلك ما هي نجسة.
س: والأرجح هل هي طاهرة أو نجسة؟
ج: الأقرب والله أعلم أنها طاهرة، لكن إذا غسله احتياطًا خروجًا من الخلاف يكون أحوط.
س: ما الحكم في استخدام الكلونيا التي فيها كحول؟
ج: الواجب عدم استخدامها لأنه وسيلة للشرب.
س: هل تنجس؟
ج: فيها خلاف كما سمعتم والجمهور على أنها تنجس والقول الآخر أنها لا تنجس؛ لأن الصحابة لما حرمت عليهم الخمور أراقوا ما عندهم في الأسواق، فاستدل بعض أهل العلم قال: لما أراقوها في الأسواق فهذا دليل على أنها ليست بنجسة.