فضل النصيحة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

أيها المستمعون الكرام حديثي معكم اليوم في وجوب النصيحة.

ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم هذا الحديث الصحيح يدلنا على أن النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، هي الدين كله، وهي بمعنى الإخلاص والصدق والعمل، تقول العرب: ذهب ناصح، يعني سليم من الغش ليس به دغل، وتقول العرب أيضًا: عسل ناصح الذي قد صفي من شمعه وما قد يعتريه من الأذى، فالنصيحة لله هي الإخلاص له في العمل والصدق في العمل ... الإنسان ولكن ليس عنده النصيحة في عمله، فالرسول ﷺ يبين لنا أن الدين هو النصيحة، وأن الواجب على المؤمن أن ينصح لله في عمله، وهكذا المؤمنة عليها أن تنصح لله في عملها.

وأصل النصيحة وأساسها الإخلاص لله سبحانه ... بالعبادة ... القرب إليه في جميع الأعمال، وذلك بأن تكون صلاتك لله، صيامك لله، زكاتك لله، حجك لله لا رياء ولا سمعة، وهكذا دعواتك، وهكذا نذرك، وهكذا ذبحك، ... كله لله وحده سبحانه وتعالى هو الذي يدعى ويعبد جل وعلا كما قال سبحانه إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5]، وقال : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر: 14]، وقال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5] والمعنى أن العباد خلقوا ليوحدوا الله بعبادتهم ولا يشركوا به جل وعلا...، وهو خلق الخلق لذلك فقال : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وبعث الرسل لهذا الأمر فقال جل وعلا: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] المعنى وحدوا الله واتركوا عبادة من سواه جل وعلا.

والرسل بعثوا لإرشاد الناس وتوجيههم إلى عبادة الله وحده، وطاعة أوامره، وترك نواهيه ، فالواجب على العباد النصح بهذا، وذلك بأن تكون العبادة لله وحده خالصة، ليس فيها شائبة لغيره، فلا يدعوا إلا الله، ولا يستغيثوا إلا بالله، ولا يتوكلوا إلا عليه، ولا يصلوا إلا له، ولا يسجدوا إلا له، ولا يتقربوا بالذبائح والنذور إلا لله ، لا يتقرب بها إلى الموتى في القبور، ولا إلى الأشجار والأحجار والكواكب، ولا إلى الأصنام ولا إلى غير ذلك من المخلوقين، بل يتقرب بها العباد إلى الله وحده، فيدعوه، ويستغيث به، ويذبح له، وينذر له، وإن كان النذر لا ينبغي كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، قال: إنه لا يأتي بخير لكن متى فعله يكون لله، وأن يوفي به إذا كان طاعة لله .

وبهذا يعلم أن ما يتعاطاه بعض الجهلة حول بعض القبور من دعاء الميت والاستغاثة به والذبح له والنذر له والطواف بقبره تقربا إليه أو ما أشبه ذلك، أن هذا من عبادة غير الله، وأن هذا من الشرك بالله ، هو من عمل أهل الشرك فيما مضى من الزمان في الجاهلية، وقد سار على نهج أهل الشرك في هذا الباب كثير من الجهال في بلاد كثيرة حول القبور بها يستغيثون، ولها ينذرون، وبقبورهم يطوفون، إلى غير ذلك من الشرك بالله .

والطواف على القبر إذا كان صاحبه يقصد بذلك التقرب إلى الميت ورجاء شفاعته أو رجاء شيئا آخر من الثواب فإن هذا يكون شركا بالله عز وجل وعبادة لصاحب القبر، أما إن طاف بقبر يظن أنه طيب ويقصد بذلك وجه الله والتقرب إليه فإن هذا يكون بدعة وضلالة، لأن الطواف لا يكون إلا بالكعبة المشرفة في مكة، لا يكون في القبور، وبكل حال الطواف بالقبور من المنكرات العظيمة، فهو بين بدعة وشرك.

وهكذا الاستغاثة بالموتى، والنذر للموتى، والاستعانة بالموتى، وسؤالهم شفاء المرضى، والنصر على الأعداء، وما أشبه ذلك، كل هذا ضد النصيحة لله، وخلاف دين الله، ومن أعمال الجاهلية ومن الشرك بالله .

ومن النصيحة لله تعظيم أوامره، تعظيم نواهيه حتى لا يتساهل في أمره، وحتى لا يتساهل أيضا في نهيه، هكذا النصح لله يعظم أوامر الله فيبادر إليها، ويعظم نواهيه فيحذرها ويتباعد عنها.

ومن النصيحة لله دعوة الناس إلى توحيده وإرشادهم إلى ما خلقوا له من طاعته وعبادته وتحذير الناس من عصيانه سبحانه ... كل هذا من النصيحة لله .

والنصيحة لكتاب الله الإيمان بأنه كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ليس ككلام غيره، ومن النصيحة لكتاب الله أيضا العمل به وطاعة ما فيه من الأوامر، وترك ما فيه من النواهي، وتدبر معانيه، والاستفادة منه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، إلى غير ذلك من النصيحة لكتاب الله ، وأعظم ذلك العمل بكتاب الله، أهم النصيحة أن تعمل بكتاب الله ... العمل لا مجرد التلاوة، المهم أن يعمل به من تدبر وتعقل، ونفذ ما فيه من الأوامر والنواهي كما قال في كتابه العظيم إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9]، وقال سبحانه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 29].

فيا عبدالله، ويا أمة الله، هذا كتاب أنزل للعمل لا للتلاوة فقط فعلينا جميعا أن نعمل بكتاب الله، وأن نقبل عليه، وأن نسارع إلى تنفيذ أوامره وترك نواهيه، وأن نعتبر بأمثاله والقصص التي فيه، هكذا النصيحة لكتاب الله.

أما النصيحة للرسول ﷺ: فبالإيمان به، وأنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين، وبطاعته وباتباع شريعته، ودعوة الناس إلى ذلك، وحث الناس على ذلك، هكذا النصح للرسول ﷺ الإيمان بأنه رسول الله حقا إلى جميع الناس، إلى جميع الثقلين، والبدار بطاعته واتباع شريعته، والحذر مما نهى عنه، وعدم الابتداع في دينه، علينا أن نتبع ولا نبتدع، علينا أن نعظم شرع الله وأن نستقيم على شريعته التي جاء بها الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وأن نحذر كل ما يخالف ذلك.

وأما النصيحة لأئمة المسلمين: فإنها تكون بالسمع والطاعة بالمعروف، وبتوجيه النصيحة إليهم فيما يهمهم ويهم المسلمين، وبتذكيرهم بأمر الله والدعوة إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالأسلوب الحسن، بالحكمة والرفق مع الإخلاص في ذلك، وحث الناس على السمع والطاعة في المعروف وحث عمالهم وأمرائهم وموظفيهم على النصح وأداء الأمانة، والحذر من الخيانة كل هذا من النصيحة لولاة الأمور.

أما النصيحة لعامة المسلمين: فبدعوتهم إلى الخير وتحذيرهم من الشر، وبتعليمهم كتاب الله وما يجب عليهم من شريعة الله، وبأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وبإقامة الحدود عليهم التي شرعها الله جل وعلا حتى يستقيموا وحتى يسلموا من أسباب غضب الله، والدعاء لهم بظهر الغيب أن الله يوفقهم ويهديهم ويصلحهم، كل هذا من النصيحة لعامة المسلمين.

فنسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين لهذه النصيحة العظيمة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه سبحانه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

حقيقة التقوى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، نبينا وإمامنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

أيها المستمعون الكرام حديثي معكم اليوم في وجوب لزوم التقوى وحفظ اللسان، يقول الله سبحانه في كتابه المبين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

يأمر الله في هذه الآية الكريمة بالتقوى والقول السديد، وقد أكثر في كتابه العظيم من أمر التقوى، تارة يأمر الناس عامة كما قال سبحانه يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء: 1]، وتارة يأمر بها المؤمنين لأنهم أكمل في الامتثال وأعلم بمراد الله كهذه الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب: 70-71].

والتقوى كما عرفها سلفنا الصالح هي: أداء فرائض الله، وترك محارم الله، الإخلاص لله سبحانه وعن إيمان به وبرسله، وعن تصديق لكل ما أخبر الله به ورسوله، وعن خوف بما عند الله من العقوبة، وعن رغبة لما عند الله من المثوبة، هكذا التقوى وحقيقتها أن يجعل الإنسان بينه وبين غضب ربه وعقابه وقاية تقيه من ذلك بفعل أوامر الله وترك نواهي الله، يرجو ثواب الله ويخشى عقاب الله، ولهذا قال بعض السلف: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تدع معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله، وقال بعضهم: ليس تقوى الله بصيام النهار وقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله أداء فرائض الله وترك محارم الله، وإن ... بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير.

والخلاصة أن التقوى هي: خوف الله ومراقبته وتعظيمه سبحانه، وذلك بفعل الأوامر وترك النواهي، فعل أوامر الله وترك نواهي الله، مع تعظيمه سبحانه وخشيته والإخلاص له في العمل والصدق في ذلك، هكذا يكون المتقي، وهكذا تكون التقوى، وهي كلمة جامعة يدخل فيها فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، فالإيمان والتقوى والهدى والإسلام والبر كلمات متقاربة في المعنى، حقيقتها هي فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله، عن إيمان وتصديق وعن إخلاص لله سبحانه، وعن إسلام له وانقياد لأمره ونهيه جل وعلا، وعن اجتهاد في جميع ما يحبه الله ويرضاه، والحذر مما يسخطه ، وقد وعد الله المتقين خيرا كثيرا، ورتب على التقوى السعادة في الدنيا والآخرة، فالتقوى هي مفتاح الخير وهي سبب كل خير عاجله وآجله، كما قال سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق: 5]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الحجر: 45]، إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [القلم: 34]، وبهذا يظهر أن التقوى يحصل بها كل خير، يحصل بها تفريج الكروب وتيسير الأمور، والرزق الطيب، والفوز في الآخرة بالجنة والنجاة من النار، فحقيق بكل مؤمن وكل مؤمنة المسارعة إلى التقوى والحرص عليها، والبدار إليها ولزومها في جميع الأحوال في الشدة والرخاء، في السفر والإقامة.. في كل وقت، ولهذا في وصية النبي ﷺ لمعاذ قال له: اتق الله حيثما كنت.

أما قوله سبحانه: وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب: 70] فهذا أمر بالقول الطيب، القول السديد هو القول الطيب السليم الذي ليس فيه ما يغضب الله، فأنت يا عبدالله مأمور بحفظ لسانك وصيانته عما يغضب الله جل وعلا، وذلك هو القول السديد يعني الصواب الموافق للخير والحق، وهذا يطابق في المعنى قوله سبحانه: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114]، ويوافق قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. فعليك يا أخي أن تحفظ لسانك وأن تصونه عن كل ما يغضب الله جل وعلا من الغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور والسب والشتم والفحشاء وغير هذا مما يغضب الله جل وعلا، هكذا يكون المؤمن حافظا للسانه صائنا له عما لا ينبغي، واللسان خطره عظيم، فقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها -يعني ما يتثبت فيها- يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي اللفظ الآخر: إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فهذا يبين لنا على خطر اللسان، وأن الواجب علينا أن نصون اللسان وأن نحفظه حتى لا نقول إلا خيرا، ومن عظم شأن اللسان أن خصه الله بالذكر بقوله: وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70] وإلا فالقول السديد هو التقوى، داخل في التقوى، ولكن لعظم شأن اللسان وخطره خصه الله بالذكر وحده بعد أن ذكر التقوى ليهتم المؤمن بذلك، وليحرص المؤمن على حفظ لسانه وصيانته، ثم بين أن الذي يتقي الله ويقول القول السديد يصلح الله عمله ويغفر ذنبه، هذا من ثوابه، من ثوابك يا عبدالله ومن ثوابك يا أمة الله على التقوى وحفظ اللسان، من الثواب على ذلك إصلاح الله العمل، إصلاح الله عمل هذا المتقي وغفران الذنب، فالمتقي لله الذي يحفظ لسانه يصلح الله عمله ويغفر ذنبه.

فعليك يا أخي بهذا الخير العظيم إن كنت حريصا على الفوز بالجنة والنجاة من النار، وتفريج الكروب وتيسير الأمور وصلاح الأعمال وغفران الذنوب، فعليك بتقوى الله، عليك بحفظ لسانك، فبهذا يحصل لك من ربك الفوز بالجنة والنجاة من النار، ويحصل لك أيضًا في الدنيا والآخرة تفريج الكروب وتيسير الأمور، ويحصل لك أيضًا مع ذلك صلاح عملك وغفران ذنبك، فيا لها من نعمة، ويا له من خير عظيم، فاتق الله يا عبدالله وسارع إلى مراضي الله واحذر معصية الله، فإن في طاعة الله كل خير وسعادة، وفي معاصيه العاقبة السيئة، في معاصيه العواقب الوخيمة، فإن المعاصي من أسباب غضب الله ومن أسباب دخول النار، والتقوى بضد ذلك، التقوى من أسباب السعادة والفرج في الدنيا والآخرة، والمعاصي بضد ذلك.

ونسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين لما فيه رضاه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يهدينا جميعا صراطه المستقيم، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه..

وجوب الصدق والنصح في المعاملة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين.

أما بعد:

فحديثي معكم اليوم أيها المستمعون الكرام في وجوب الصدق والنصح في المعاملة.

ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما متفق على صحته، وهذا حديث صحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام يدلنا على فوائد منها: أن البيعين بالخيار، وهو البائع والمشتري ما داما في المجلس، فإذا أحب البائع أن يرجع أو المشتري أن يرجع فلا حرج ما داما في المجلس؛ لأن البائع قد يبيع ثم يندم، والمشتري قد يشتري ثم يندم، فجعل الله لهما فسحة ما داما في المجلس من شاء الرجوع فيرجع ما لم يقل أحدهما الآخر، فإذا أقال أحدهما الآخر وقال: اختر فاختار إمضاء البيع مضى البيع مضى. أما إذا سكتا فكل واحد بالخيار إن شاء البائع أمضى وإن شاء رجع، وإن شاء المشتري أمضى وإن شاء رجع ما داما في مجلسهما لم يتفرقا، وهذا معنى قوله: البيعان بالخيار.. هذا من تيسير الله ورحمته سبحانه ولطفه بعباده جل وعلا.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما وهذا يفيدنا وجوب الصدق والبيان في المعاملات، وأنه لا يجوز للمؤمن أن يغش أخاه ويكذب عليه حتى يبرر سلعته بمال، لو علم المشتري الحقيقة ما بدله، والمسلم أخو المسلم لا يكذبه ولا يخذله ولا يحقره ولا يغشه ولا يخونه ولا يحسده، ولا يفعل معه ما لا ينبغي، فهكذا جاءت السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والله جل وعلا .. في كتابه العظيم سمى عباده أخوة، وهكذا رسوله ﷺ قال: المسلم أخو المسلم.

فعليك يا عبدالله أن تعنى بأخيك، وأن تجتهد في النصح له في المعاملات في البيع والشراء، في التجارة، في غير ذلك من المعاملات لا تغشه ولا تخونه ولا تكتم عليه عيبا في المبيع، بل تبين له الحقيقة ولا تكتم عليه شيئا، سواء كان البيع سيارة أو بيتا أو دكانا أو أرضا أو حيوانا أو غير ذلك، توضح له الحقيقة على ما هي عليه ولا تكتمه شيئا، لو علمه لتغير حاله ... بين له الحقيقة، فأنت أخوه وهو أخوك، والمسلم أخو المسلم، وفي الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا فعليك أن توضح لأخيك الحقيقة، وأن لا تكتمه شيئا، وبذلك تحصل لكم البركة، تحصل للبائع البركة في الثمن، وللمشتري البركة في المبيع، أما إذا كان الكتمان من البائع أو من المشتري فإن هذا من أسباب محق البركة، ومن اسباب غضب الله على من غش أخاه، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعها إن صدقا في الخبر وبينا الحقيقة بورك لهما في بيعهما، وإن كتما ما فيه من العيوب وكذبا في الأخبار محقت بركة بيعهما، فالبائع يبين حال المبيع، والمشتري يبيع حال الثمن إن كان معينا، ولا يغشه فيه، سواء كان معينا أو غير معين، عليه أن يدفع الحقيقة السليمة، ويدفع البائع كذلك البيع السليم، فإن كان هناك عيب بينه وأوضحه حتى يقدم المشتري على بصيرة، والخيانة عاقبتها وخيمة، والكذب عاقبته شر، أما الصدق والبيان فعاقبتهما حميدة، والرب يرضى .. عملك الصدق والبيان والبركة تحصل لك، أما عن الكذب والكتمان فأنت على خطر من غضب الله ، ومع ذلك متوعد بمحق البركة، وكثير من الناس لا يبالي بهذه الأمور ويغش، ويرى أن هذا من الكياسة ومن الحذق في البيع ومن النشاط في طلب المال، وهذا لا شك خداع ومكر وطاعة للشيطان، فمن ذلك في حق من يبيع سيارة أو شبهها يعلم ما فيها من العيوب.. أو يبيع دارًا ويعلم ما فيها عيوب ولا يبينها، أو يبيع حيوانا ويعلم فيه عيبًا لكنه لا يبينه، أو يبيع تمرًا أو حبوبًا ظاهرها طيب وباطنها فيه عيوب، تمر كثير جملة من التمر أو الحبوب فيه خلل لكن الظاهر لا بأس به والباطن فيه خلل، فالواجب أن يبين ذلك، كذلك إذا كان يبيع حطبًا أو فحمًا أو فاكهة فيجعل الطيب ظاهرا ويجعل الرديء من داخل حتى لا يراه المشتري، فهذا أيضا من الغش والخيانة، أو يقول اشتريتها بكذا، اشتريتها بمائة وهو يكذب، ما اشتراها إلا بثمانين، أو يقول اشريتها بمائة وهو يكذب ما شراها إلا بثمانين أو سبعين، كل هذا من الغش ومن أمور التدليس والكذب، فالواجب على كل من البائع والمشتري أن يتقي الله وأن يصدق فيما يقول، وأن يحذر الغش لأخيه والخيانة لأخيه حتى يحصل له من ذلك مرضاة الله عز وجل وبراءة الذمة، وحتى يسلم من ظلم أخيه والتعدي عليه، وحتى يسلم أيضا من محق البركة... المبارك خير من ... لا بركة فيها، ومرضاة الله فوق كل شيء، مرضاته سبحانه والحذر من غضبه جل وعلا فوق كل شيء، فوق الدنيا كلها، فاتق الله يا عبدالله، واتق الله يا أمة الله في المعاملة، عليكما بالصدق والبيان، واحذرا الكتمان والكذب.

والله نسأله أن يوفقنا والمسلمين للصدق والبيان في المعاملات، والنصح لله ولعباده، وأن يعيذنا والمسلمين من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه سبحانه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.