38 باب قول الله تعلى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}

وقوله: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة: 24].
عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين أخرجاه.
ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار وفي رواية: لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى... إلى آخره.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك. ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك؛ وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا" رواه ابن جرير.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ قال: "المودة".

الشيخ:
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
يقول المؤلف رحمه الله وهو أبو عبدالله الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي شيخ الإسلام في زمانه والمجدد لما اندرس من معالم الإسلام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري في هذه الجزيرة يقول رحمه الله: باب ما جاء في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة: 165 - 166] هذه الآية الكريمة تدل على أن بعض الناس أشرك مع الله في المحبة لأندادهم وأصنامهم حتى عبدوها من دون الله، وهذه المحبة محبة العبادة شرك أكبر، سواء كان الند صنمًا أو ملكًا أو وليًا أو شجرة أو غير ذلك، يجب أن يكون حب العبادة لله وحده، حب التعبد والذل والانكسار وطلب الحاجات هذا يختص بالله .
أما الحب الطبيعي: حب النساء، حب المال، هذا ليس له دخل في العبادة، إنما حب العبادة الذي يتضمن الخضوع والذل والانكسار وطلب الحاجات؛ هذا هو حب العبادة الذي فرضه الله على عباده أن يحبوا ربهم حبًا كاملاً، بل يجب أن يكون أحب إليهم من كل شيء، من الأهل والمال، ولهذا في الحديث: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا  يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار.
والمقصود من هذا أن الواجب إخلاص المحبة لله محبة العبودية، وأنه لا يجوز أن يُحب مع الله لا ملك ولا نبي ولا شجر ولا حجر محبة معناها التعبد، معناها اعتقاد العبودية فيه وأنه ينفع ويضر، أو أنه يصلح للعبادة، أو أنه يخاف ويُرجى أو أنه يصلي له ويسجد أو ما أشبه ذلك محبة العبادة.
أما المحبة الطبيعية: محبة المال، أو محبة الأقارب، أو محبة الزوجة، هذه غير داخلة في هذا إلا إذا آثرها على محبة الله، إذا آثرها على محاب الله وقدم هواه صارت معصية، قدم هواه في الزنا، أو في طاعة الزوجة في المعصية، أو في طاعة الأولاد في المعصية؛ صار ذلك معصية ونقصًا في الإيمان، ولهذا يقول الله في الآية الكريمة: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا [التوبة: 24] يعني إيثار هذه المحاب محبة الآباء والأبناء والأهل ونحو ذلك على الجهاد في سبيل الله وعلى طاعة يكون منكرًا عظيمًا وصاحبه مستحق للوعيد ولهذا قال: فتربصوا.
فمن آثر أولاده أو زوجته على الجهاد في سبيل الله أو على ما أوجب الله فهذا يكون منكرًا عظيمًا وخطرًا كبيرًا، بل يجب أن تخضع هذه الأمور لطاعة الله جل وعلا واتباع مرضاته، وأن لا يقدم شيئا منها على ما أوجب الله لا الجهاد ولا غيره. ولهذا قال ﷺ: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
قال عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي! قال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك! فهذه محبة العبادة يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من كل شيء بعد الله محبة صادقة محبة تقتضي اتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31].
فالاتباع هو علامة المحبة، أما من ادعى محبة الله وهو يعصيه أو ادعى محبة الرسول وهو يعصيه، فدعواه كاذبة ليست صادقة بل ناقصة، حتى يؤدي ما أوجب الله ويدع ما حرم الله؛ فإن مقتضى المحبة الصادقة مقتضاها أداء ما أوجب الله وترك ما حرم الله وعدم طاعة الهوى أو الزوجة أو الولد في معصية الله .
وهكذا قوله ﷺ: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما يعني يؤثر محاب الله ومحاب الرسول على كل شيء، هذه علامة قوة الإيمان وكمال الإيمان. وفي اللفظ الآخر: لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يكون كذلك، لا يجدها حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما إلى آخر الحديث.
وأثر ابن عباس: "من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك" يعني حتى يحب في الله ويبغض في الله، ويوالي في الله ويعادي في الله، قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله جل وعلا: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة: 166] قال: المودة، يعني المودة التي لغير الله تقطعت بهم ما تنفعهم، إنما تنفعهم المودة التي في الله والحب في الله والبغضاء في الله هذا هو الذي ينفع، أما المحبة للنسب أو للمال أو للمصاهرة أو كذا ما تنفع، إنما المحبة التي تنفع في الدنيا والآخرة ويحصل للعبد بها الأجر هي المحبة في الله والبغضاء في الله .
وفق الله الجميع.
س: كيف يعرف أنه يحبه في الله؟
الجواب: هو أعلم بما في نفسه، ومن علامات ذلك مجالسة الصالحين، وكونهم من جلسائه وأصدقائه، هذه من علامات الحب في الله، وبغض الفاسقين والبعد عن مجالسهم هذه من علامات الصدق، أما إذا ادعى محبة الله ومحبة رسوله وهو يهجر أهل الخير ويصاحب أهل الشر فهذا دال على كذب الدعوى.