177 من حديث: (كان فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم من أدم، حشوه ليف)

 
17/507- وعن عائشةَ رضي اللَّه عنها قَالَتْ: "كَانَ فِرَاشُ رسول اللَّه ﷺ مِن أدمٍ، حَشْوُهُ لِيفٌ" رواه البخاري.
18/508- وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قَالَ: "كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رسولِ اللَّه ﷺ، إِذْ جاءَ رَجُلٌ مِن الأَنْصارِ فسلَّم علَيهِ، ثُمَّ أَدبرَ الأَنْصَارِيُّ، فقال رَسُول اللَّه ﷺ: يَا أَخَا الأَنْصَارِ، كَيْفَ أَخِي سعْدُ بنُ عُبادةَ؟ فَقَالَ: صَالحٌ، فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ: مَنْ يعُودُهُ مِنْكُمْ؟ فَقام وقُمْنا مَعَهُ، ونَحْنُ بضْعَةَ عشَر، مَا علَينَا نِعالٌ، وَلا خِفَافٌ، وَلا قَلانِسُ، وَلا قُمُصٌ، نَمْشِي في تلكَ السِّبَاخِ حَتَّى جِئْنَاهُ، فاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْله حتَّى دنَا رسولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحابُهُ الَّذِين مَعهُ" رواه مسلم.
19/509- وعن عِمْرانَ بنِ الحُصَينِ رضي اللَّه عنهما، عن النَّبي ﷺ أَنه قَالَ: خَيْرُكُمْ قَرنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يلُونَهم، ثُمَّ الَّذِينَ يلُونَهُم، قَالَ عِمرَانُ: فَمَا أَدري قَالَ النبيُّ ﷺ مَرَّتَيْن أَو ثَلاثًا، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يشهدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهم السِّمَنُ متفقٌ عَلَيْهِ.

الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث كالتي قبلها في الحثِّ على عدم التشاغل بالدنيا، والحرص على الإعداد للآخرة، وأن يكتفي المؤمنُ من الدنيا بما يُعينه على طاعة الله، وألا يُشغل بالتَّكاثر فيها، وقد ذمَّ الله قومًا فقال: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1- 2]، فالمؤمن يأخذ منها حاجته، ويستعين بها على طاعة ربِّه، ولا يُشغل بها عن الآخرة.
فقد كان السلفُ الصالح وعلى رأسهم نبينا عليه الصلاة والسلام خير زاهدٍ فيها، ومن أزهد الناس في هذه الدنيا، ومن أقلهم عنايةً بها، حتى كان فراشه ﷺ من أدم -من جلدٍ- حشوه ليف، فما كان يعتني بالتَّنعم الذي يعتني به أهل الدنيا.
وهكذا لما خرج ليعود سعد بن عبادة وهو مريض، وخرج معه جماعةٌ من الصحابة ليس عليهم نعالٌ، ولا خِفافٌ، ولا قلانس، عليهم الأُزر ونحوها، من قلَّة المال.
فالحاصل أنَّ المؤمن ينبغي له أن يستعدَّ للآخرة، ويحرص على عمل الآخرة، وألا يُشغل بهذه العاجلة، فينبغي له أن تكون همته عاليةً في طلب الآخرة والاشتغال بما يُقربه من الله ، والحذر مما يصدّه عن ذلك.
كذلك حديث عمران: يقول ﷺ: خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قومٌ يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، وينذرون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمَن يعني: تتغير الأحوال بعد القرون الثلاثة من أجل الإقبال على الدنيا: فيشهدون بالزور، ويخونون في الأمانة، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن، أي: يكثر فيهم السمن؛ لإقبالهم على الدنيا وشهواتها.
فالمشروع للمؤمن أن يتقلل مما يصدّه عن الآخرة، ولكن ليس معنى هذا أن يترك الدنيا، لا، عليه أن يكتسب ويعمل ويحرص على ما ينفعه؛ حتى يستغني عن الناس وعمَّا في أيديهم، كما تقدم في قوله ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ويقول ﷺ لما سُئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور، وقال ﷺ: لأن يأخذ أحدُكم حبلَه فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكفّ بها وجهَه؛ خيرٌ له من سؤال الناس، أعطوه، أو منعوه، وكان عبدالرحمن بن عوف والصديق وعمر وجماعة من أغنى الناس، وقد نفع الله بهم الإسلام، ونفعوا المسلمين، ونفعوا الفقراء، وأيَّدوا الرسالة، ونصروا النبيَّ ﷺ بسبب ما أعطاهم الله من المال.
فالمال إذا كان من كسبٍ حلالٍ واستعان به المؤمنُ على طاعة الله لا يضره، ولكن يضره إذا شُغِلَ به عن الآخرة، هذا هو الذي يضره، أمَّا إذا اكتسبه من الطرق الشرعية، واستعان به على طاعة الله؛ فـنعم المال الصالح للرجل الصالح كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:
س: ما معنى قوله ﷺ: ولا يستشهدون؟
ج: يعني: يشهدون بالباطل.
س: تقدَّموا ولم تُطْلَب منهم أصلًا؟
ج: لا، يعني: يشهدون بغير الحق، ولا يُستشهدون، بل يشهدون بالباطل، أمَّا مَن كانت عنده شهادة ويُؤدِّيها بحقٍّ: ألا أُنبئكم بخير الشُّهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها، إذا كانت عنده شهادةُ حقٍّ وأدَّاها فهو مأجورٌ.
س: يعني: لأجل ذلك يزهد الناسُ في شهادتهم؛ لأنَّهم أهل خيانةٍ، فلا تُطلب منهم الشَّهادة؟
ج: لا، معناه: أنهم ما استُشْهِدُوا، وما عندهم شهادة، إنما هي خيانة، وشهادة بالزور، إمَّا لمالٍ، أو لصداقةٍ، أو لغير ذلك –نسأل الله العافية.
س: هل السِّمَن مذموم؟
ج: إذا نشأ عن الغفلة والإعراض عن الآخرة، أمَّا إذا نشأ عن غير ذلك فلا يضرّه.
س: عقبة الشيطان ما الصواب فيها؟
ج: كونه يتَّكئ على يديه، وينصب ساقيه وفخذيه، مثل جلسة الذئب والشيطان.
س: يعني: تكون في جلسة الصلاة؟
ج: نعم، في جلسة الصلاة.
س: فقط في الجلسة؟
ج: نعم.
س: وقول الإمام مسلم رحمه الله وما رواه في "صحيحه" أنها السنة، يعني: نصب القدمين، ووضع الدبر على العقبين؟
ج: هذا يروى عن ابن عباس أنَّه يُسَمَّى: إقعاء، وهو سنة، جلسته على عقبيه، ويديه على فخذيه، هذا نوعٌ من السنة، لكن أفضل منها الافتراش: نصب اليمنى، وافتراش اليُسرى، هذا هو الأفضل –أفضل السنتين.
س: ما تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [يوسف:24] على الصحيح؟
ج: همَّ بالفاحشة، وهمَّت بالفاحشة.
س: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24]؟
ج: رأى برهان ربِّه الذي منعه من الإقدام على الفاحشة.
س: هل هو التقوى؟
ج: الله أعلم، فقد رأى ما يصدّه عن الباطل، ويُعينه على العِفَّة.