038 فصول في هديه صلى الله عليه وسلم في العبادات - فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء

فَصْلٌ

فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْوُضُوءِ

كَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِي غَالِبِ أَحْيَانِهِ، وَرُبَّمَا صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ

وَكَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ تَارَةً، وَبِثُلُثَيْهِ تَارَةً، وَبِأَزْيَدَ مِنْهُ تَارَةً، وَذَلِكَ نَحْوُ أَرْبَعِ أَوَاقٍ بِالدِّمَشْقِيِّ إِلَى أُوقِيَّتَيْنِ وَثَلَاثٍ.

وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ النَّاسِ صَبًّا لِمَاءِ الْوُضُوءِ، وَكَانَ يُحَذِّرُ أُمَّتَهُ مِنَ الْإِسْرَافِ فِيهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ مَنْ يَعْتَدِي فِي الطُّهُورِ وَقَالَ: إِنَّ لِلْوَضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: الْوَلْهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ.

الشيخ: وهذا يُبين لنا أنَّ السنة في الوضوء الاقتصاد وعدم الإسراف في الماء، هذا هو السنة؛ ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ بالمدِّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمدادٍ، وتوضأ بثلثي مدٍّ عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أم عمارة، فالسنة الاقتصاد وعدم الإكثار في صبِّ الماء، ولو كنت على نهرٍ جارٍ، ولو كنتَ في موضعٍ كثير الماء.

وَمَرَّ عَلَى سعدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تُسْرِفْ فِي الْمَاءِ، فَقَالَ: وَهَلْ فِي الْمَاءِ مِنْ إِسْرَافٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ.

الشيخ: أيش قال عليه؟

الطالب: رواه ابن ماجه، وأحمد في "المسند"، وقال البُوصيري في "الزوائد": إسناده ضعيف؛ لضعف حي بن عبدالله المعافري، وابن لهيعة.

الشيخ: نعم، نعم.

وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَفِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مَرَّتَيْنِ، وَبَعْضِهَا ثَلَاثًا.

وَكَانَ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ تَارَةً بِغَرْفَةٍ، وَتَارَةً بِغَرْفَتَيْنِ، وَتَارَةً بِثَلَاثٍ.

وَكَانَ يَصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ؛ فَيَأْخُذُ نِصْفَ الْغَرْفَةِ لِفَمِهِ، وَنِصْفَهَا لِأَنْفِهِ، وَلَا يُمْكِنُ فِي الْغَرْفَةِ إِلَّا هَذَا، وَأَمَّا الْغَرْفَتَانِ وَالثَّلَاثُ فَيُمْكِنُ فِيهِمَا الْفَصْلُ وَالْوَصْلُ، إِلَّا أَنَّ هَدْيَهُ ﷺ كَانَ الْوَصْلَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. وَفِي لَفْظٍ: تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ. فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَلَمْ يَجِئِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ الْبَتَّةَ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ". وَلَكِنْ لَا يُرْوَى إِلَّا عَنْ طلحة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَلَا يُعْرَفُ لِجَدِّهِ صُحْبَةٌ.

الشيخ: علَّق عليه؟

الطالب: حديث طلحة -وهو ابن مُصرف- عن أبيه، عن جدِّه: رواه أبو داود، وفي سنده ليث ابن أبي سليم، وهو ضعيف، ومُصرف والد طلحة مجهول، وانظر: ترجمة كعب بن عمرو ..... والد مُصرف في "التهذيب".

الشيخ: نعم.

س: ..............؟

ج: الفصل كونه يأخذ غرفةً للمضمضة، وغرفةً للاستنشاق، وأما الوصل يعني: غرفة واحدة، بعضها للمضمضة، وبعضها للاستنشاق، هذا هو المحفوظ عنه ﷺ: ثلاث غرفات، كل غرفةٍ بعضها للمضمضة، وبعضها للاستنشاق، بكفٍّ واحدةٍ، ثلاث مرَّات.

س: ..............؟

ج: ما في صحيح إلا حديث طلحة هذا، وهو ضعيف كما قال المؤلف، وكما قال الحافظُ ابن حجر أيضًا في "البلوغ".

وَكَانَ يَسْتَنْشِقُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، وَيَسْتَنْثِرُ بِالْيُسْرَى، وَكَانَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ كُلَّهُ، وَتَارَةً يُقْبِلُ بِيَدَيْهِ وَيُدْبِرُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ مَنْ قَالَ: مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُكَرِّرْ مَسْحَ رَأْسِهِ، بَلْ كَانَ إِذَا كَرَّرَ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ أَفْرَدَ مَسْحَ الرَّأْسِ، هَكَذَا جَاءَ عَنْهُ صَرِيحًا، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﷺ خِلَافُهُ الْبَتَّةَ.

الشيخ: يعني أنَّ مَن قال: مرتين، أراد قوله: هكذا، هكذا، ثم هكذا، مرتين بالفعل، لكن الحديث فيه مرة؛ لأنها غرفة واحدة، فبدأ بمُقدم الرقبة، ثم ردَّهما؛ لأنها مسحة واحدة بماءٍ واحدٍ، مسحتان لكن بماءٍ واحدٍ، ولم يأتِ عنه أنه مسح بأكثر من ذلك، ولا غرفتين.

وذكر أبو داود وغيرُه أنَّ التثليث في المسح لا يصحّ، وإنما المحفوظ مرة واحدة في المسح، أما التثليث في الوجه واليدين والرِّجلين، الرأس ليس فيه تثليث، ولكنَّها مسحة واحدة، والأفضل فيها أن يبدأ بمقدم رأسه، فيذهب بيديه إلى قفاه، ثم يردّهما إلى المكان الذي بدأ منه، هذا أصحّ ما ورد في ذلك من حديث عبدالله بن زيد في "الصحيحين".

وكيفما مسح أجزأ، إن مسح بواحدةٍ هكذا، أو بمسح بالثِّنتين: أدبر ثم أقبل، أو مسح بواحدةٍ من وسط الرأس: فأقبل وأدبر، كله يُجزئ، كله من مسح الرأس، لكن كونه يتحرى الصِّفة التي فعلها الرسولُ ﷺ هذا هو الأفضل، وهو الأكمل.

وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﷺ خِلَافُهُ الْبَتَّةَ، بَلْ مَا عَدَا هَذَا إِمَّا صَحِيحٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ: "تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا"، وَكَقَوْلِهِ: "مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ"، وَإِمَّا صَرِيحٌ غَيْرُ صَحِيحٍ: كَحَدِيثِ ابن البيلماني، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عمر: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا، وَهَذَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وابن البيلماني وَأَبُوهُ مُضَعَّفَانِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ أَحْسَنَ حَالًا. وَكَحَدِيثِ عثمان الَّذِي رَوَاهُ أبو داود: أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا.

وَقَالَ أبو داود: أَحَادِيثُ عثمان الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةٌ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ الْبَتَّةَ، وَلَكِنْ كَانَ إِذَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ كَمَّلَ عَلَى الْعِمَامَةِ.

فَأَمَّا حَدِيثُ أنسٍ الَّذِي رَوَاهُ أبو داود: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ".

فَهَذَا مَقْصُودُ أنسٍ بِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْقُضْ عِمَامَتَهُ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ مَسْحَ الشَّعَرِ كُلِّهِ، وَلَمْ يَنْفِ التَّكْمِيلَ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَغَيْرُهُ، فَسُكُوتُ أنسٍ عَنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ.

الشيخ: يعني أنَّ الجمعَ بين النصوص واجبٌ، وأنَّ هذه يُفسر بعضُها بعضًا، فالمغيرة قال: "مسح على ناصيته، وعلى العمامة"، قال: هكذا ..... وغير ذلك، فالذي أثبت المسحَ -المسح على العمامة مع مقدم الرأس- يقدم .....

وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ﷺ إِلَّا تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَلَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ كَانَ وُضُوؤُهُ مُرَتَّبًا، مُتَوَالِيًا، لَمْ يُخِلَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً الْبَتَّةَ.

وَكَانَ يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ تَارَةً، وَعَلَى الْعِمَامَةِ تَارَةً، وَعَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ تَارَةً، وَأَمَّا اقْتِصَارُهُ عَلَى النَّاصِيَةِ مُجَرَّدَةً فَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

الشيخ: وهذا يدل على أنَّ المضمضةَ لا بدَّ منها، وأنها فرضٌ؛ لأنها جزء من الوجه، فالوجه يجب غسله ..... في حكم الظاهر، وقد ثبت عنه في الأحاديث الصَّحيحة أنه كان يتمضمض ويستنشق، فوجب ذلك، جاء الأمر بذلك أيضًا، فوجب أن يكون من جملة الفرض، ولم يُجزئ مسح بعض الرأس؛ لعدم نقله، فالعبادات توقيفية، والرسول هو المبين عليه الصلاة والسلام لمعنى كلام الله، الله قال: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، فهذا من الوجه، الأنف والفم من الوجه.

س: لو تركهما ناسيًا؟

ج: لم يصحّ الوضوء، هذا الصواب، وهكذا الغسل، لا بدَّ من تكميل الوضوء في ذلك -في غسل الوجه- ثم النبي توضأ مرتبًا، مُتواليًا، فيجب الترتيب والموالاة، توضأ مُرتبًا: الوجه، ثم الذِّراعين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرِّجلين. هذا الترتيب مع التَّوالي، لا يترك حتى تنشفَ الأعضاءُ ثم يُكمل، لا، بل يتوضأ مُتواليًا، كما فعله المصطفى عليه الصلاة والسلام.

وَأَمَّا اقْتِصَارُهُ عَلَى النَّاصِيَةِ مُجَرَّدَةً فَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

الطالب: في الحاشية: فيه نظر؛ فقد جاء في مسح .....: روى الشافعي من حديث عطاء: أنَّ رسول الله ﷺ توضأ، فحسر العمامةَ عن رأسه، فمسح مُقدم رأسه. وهو مُرسل، لكنه سبب لنفس مجيئه من وجهٍ آخر موصولًا. أخرجه أبو داود من حديث أنسٍ، وفي إسناده أبو معقل، لا يُعرف حاله، وقد اعتضد كلٌّ من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوةُ من الصورة المجموعة.

وفي الباب أيضًا عن عثمان في صفة الوضوء قال: "ومسح مُقدم رأسه"، أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن زيد ابن أبي مالك، مُختلف فيه.

وصحَّ عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قال المنذري وغيره: ولم يصحّ عن الصحابة إنكار ذلك. قاله ابنُ حزم، وهذا كله مما يقوى به المرسل المتقدم ذكره، والله أعلم.

الشيخ: ليس بجيدٍ، الأحاديث الضَّعيفة لا تُعارض الأحاديث الصَّحيحة، وقول الصَّحابي لا يُعارض الأحاديث الصَّحيحة.

............

وَكَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُونَا فِي خُفَّيْنِ وَلَا جَوْرَبَيْنِ، وَيَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إِذَا كَانَا فِي الْخُفَّيْنِ أَوِ الْجَوْرَبَيْنِ.

............

وَكَانَ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ، وَكَانَ يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا، وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي مَسْحِ الْعُنُقِ حَدِيثٌ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى وُضُوئِهِ شَيْئًا غَيْرَ التَّسْمِيَةِ، وَكُلُّ حَدِيثٍ فِي أَذْكَارِ الْوُضُوءِ الَّذِي يُقَالُ عَلَيْهِ فَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ، لَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَا عَلَّمَهُ لِأُمَّتِهِ.

الشيخ: يعني المحفوظ التَّسمية في أوله، والشَّهادة بعد الفراغ منه، وجاء في لفظٍ عند النَّسائي قد يُوهم أنه يقوله عند غسل الأعضاء، لكن ليس بالصريح؛ لأنَّ فيه: كان إذا توضأ دعا اللهم ..... وذكر دعوات ليس فيها صراحة بأنه يقولها عند غسل اليدين، أو عند غسل الوجه.

والمقصود ليس هناك حديثٌ صحيحٌ صريحٌ يدل على أنه يدعو عند الوجه بكذا، وعند اليدين بكذا، وعند الرِّجْلَين بكذا، وإنما المحفوظ التَّسمية في أوله، والشَّهادة بعد الفراغ، أيش قال المحشي عليه؟

الطالب: ولا ثبت عنه غير التَّسمية في أوله، أخرجها أبو داود، وأحمد، وابن ماجه، والدَّارقطني، والحاكم.

الشيخ: على قوله: البتة؟ ما تعرَّض له بشيءٍ؟

الطالب: ولا ثبت عنه غير التَّسمية في أوله، أخرجها أبو داود، وأحمد، وابن ماجه، والدَّارقطني، والحاكم، والبيهقي، من طريق محمد بن ..... المخزومي، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ: لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له، ولا وضوءَ لمن لم يذكر اسمَ الله عليه، ويعقوب مجهول الحال، وأبو سلمة اللّيثي غريب الحديث، وأخرجه الدَّارقطني والبيهقي من طريق محمود بن محمد ..... عن أيوب.

الشيخ: ........

وَلَا ثَبَتَ عَنْهُ غَيْرُ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّلِهِ، وَقَوْله: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ فِي آخِرِهِ.

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي "سُنَنِ النَّسَائِيِّ" مِمَّا يُقَالُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَيْضًا: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.

الطالب: علَّق على هذا: رواه بهذا اللَّفظ الترمذيٌّ في "الطهارة" باب "فيما يُقال بعد الوضوء"، من حديث أبي إدريس الخولاني .....

الشيخ: نعم.

الطالب: .....، ورواه ابنُ السني في "عمل اليوم والليلة" من حديث أبي سعيدٍ الخدري، وفي سنده ..... ابن واضح، وهو سيئ الحفظ، وكذا الرَّاوي عنه، وهو يوسف بن أسباط.

الشيخ: نعم.

وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ فِي أَوَّلِهِ: نَوَيْتُ رَفْعَ الْحَدَثِ، وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. لَا هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ.

الشيخ: يعني بخلاف ما يفعل بعضُ الناس: نويتُ أن أتوضأ، وأن أُصلي. كل هذا لا أصلَ له، وإنما النية محلُّها القلب.

وَلَمْ يَتَجَاوَزِ الثَّلَاثَ قَطُّ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ تَجَاوَزَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، وَلَكِنْ أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَيَتَأَوَّلُ حَدِيثَ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ غَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدَيْنِ، وَرِجْلَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقَيْنِ، فَهُوَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إِدْخَالِ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِطَالَةِ.

الشيخ: وهو الحجَّة في إدخالهما، وأنَّ "إلى" بمعنى "مع"، فإنه إذا غسل يديه يشرع في العضد، وإذا غسل رجليه يشرع في الساق، وجّه على أنَّ قوله تعالى: إِلَى الْمَرَافِقِ، إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6] المعنى "مع"، وأنهما يُغسلان.

س: ..............؟

ج: ظاهر إسنادها لا بأس به، ظاهر إسنادها فيما أذكر لا بأس به.

وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَادُ تَنْشِيفَ أَعْضَائِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ.

الشيخ: قرأتُها في "عمل اليوم والليلة".

وَلَا صَحَّ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ الْبَتَّةَ، بَلِ الَّذِي صَحَّ عَنْهُ خِلَافُهُ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عائشة: "كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ"، وَحَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ عَلَى وَجْهِهِ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ" فَضَعِيفَانِ، لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِمَا: فِي الْأَوَّلِ سليمان بن أرقم، مَتْرُوكٌ. وَفِي الثَّانِي عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، ضَعِيفٌ. قَالَ الترمذي: وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ.

الشيخ: ويبقى من باب الجواز، لا من باب السنة، يبقى من باب الجواز، تنشيف الوضوء من باب الجواز، مَن تنشَّف فلا بأس، ومَن ترك فلا بأس، أما في الغُسل فالأفضل التَّرك؛ لأنَّ ميمونة أتته بمنديلٍ فردَّه، وجعل ينفض الماءَ بيده عليه الصلاة والسلام.

وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ كُلَّمَا تَوَضَّأَ، وَلَكِنْ تَارَةً يَصُبُّ عَلَى نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا عَاوَنَهُ مَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ أَحْيَانًا لِحَاجَةٍ، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّهُ صَبَّ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ لَمَّا تَوَضَّأَ.

وَكَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ أَحْيَانًا.

س: تنشف الغسل إذا كان من أجل البرد؟

ج: النبي ما نهى عنه، وإنما أفضل، ومَن نشَّف فلا بأس.

وَكَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ أَحْيَانًا، وَلَمْ يَكُنْ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِيهِ: فَصَحَّحَ الترمذيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ.

وَقَالَ أحمدُ وَأَبُو زُرْعَةَ: لَا يَثْبُتُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ حَدِيثٌ.

وَكَذَلِكَ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ لَمْ يَكُنْ يُحَافِظُ عَلَيْهِ، وَفِي "السُّنَنِ" عَنِ المستورد بن شداد: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ.

وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ عَنْهُ فَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَحْيَانًا؛ وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ الَّذِينَ اعْتَنَوْا بِضَبْطِ وُضُوئِهِ: كعثمان، وعلي، وعبدالله بن زيد، والربيع، وَغَيْرِهِمْ، عَلَى أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدَاللَّهِ بْنَ لَهِيعَةَ.

الشيخ: لكن أصحّ منها حديث لقيط: وخلل من الأصابع .....، وهو صحيح، أيش قال المحشي؟

الطالب: حديث صحيح، رواه الترمذي في "الطهارة" باب "ما جاء في تخليل اللحية"، وابن ماجه في "الطهارة" باب "ما جاء في تخليل اللحية"، وابن حبان، والحاكم في "المستدرك"، عن عثمان . وفي سنده عامر بن شقيق، وهو لين الحديث، وباقي رجاله ثقات، وله شاهد من حديث أنسٍ أخرجه أبو داود، وله طرق أخرى عند الحاكم وابن عدي .....، وشواهد: من حديث عائشة عند أحمد، وأبي أمامة عند ابن أبي شيبة، وعمار عند الترمذي وابن ماجه، وابن عمر عند الطبراني في "الأوسط"، وانظر "التلخيص".

الشيخ: والصَّواب مثلما تقدم أنه بعض الأحيان يُخلل، وبعض الأحيان لا يُخلل، فمن أنواع هذه الطرق تدل على أنَّ التَّخليل له أصل، وأنه يفعله في بعض الأحيان عليه الصلاة والسلام، وبعض الأحيان يتركه، يسيل الماء على لحيته، يعمّها بالماء على وجهه ويكتفي بذلك، هذا هو المعروف بالأحاديث الصَّحيحة الكثيرة: أنه كان يغسل وجهه، ويسيل الماء على لحيته عليه الصلاة والسلام.

وَأَمَّا تَحْرِيكُ خَاتَمِهِ: فَقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ مِنْ رِوَايَةِ معمر بن محمد بن عبيدالله ابن أبي رافع، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ. ومعمر وَأَبُوهُ ضَعِيفَانِ، ذَكَرَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ.

الشيخ: والغالب أنَّ الخاتم ..... فيه الماء، فغير محتاجٍ إلى التَّحريك؛ لأنَّ ما يستره من الأصبع قليل، والماء يدخل من بين ذلك عند غسل اليدين، علَّق المحشِّي؟

الطالب: رواه ابن ماجه في "الطهارة" باب "تخليل الأصابع"، قال البُوصيري في "الزوائد": إسناده ضعيف؛ لضعف معمر وأبيه محمد بن عبيدالله.

الشيخ: فقط؟

الطالب: نعم.

الشيخ: .........

الطالب: في تعليق على "إذا توضأ يدلك أصابع رجليه".

الشيخ: أيش قال عليه؟

الطالب: رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وفيه عندهم ابنُ لهيعة، وهو سيئ الحفظ، لكن قال الحافظ في "التلخيص": تابعه الليثُ بن سعد، وعمرو بن الحارث، أخرجه البيهقي .....، والدَّارقطني في "غرائب مالك"، من طريق .....، وصححه ابنُ القطان، وقد ثبت له بتخليل الأصابع من حديث لقيط بن صبرة، رواه الشافعي وأبو داود والنَّسائي وأحمد وابن ماجه والترمذي بلفظ: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا، وصححه ابنُ حبان والحاكم، وأقرَّه الذَّهبي، وهو كما قالوا، وصححه أيضًا ابنُ القطَّان والنَّووي وابنُ حجر.

الشيخ: وهو كذلك.

س: هل يكون سنةً؟

ج: نعم، التَّخليل سنة.

فَصْلٌ

فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ

صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَلَمْ يُنْسَخْ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَوَقَّتَ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ حِسَانٍ وَصِحَاحٍ.

وَكَانَ يَمْسَحُ ظَاهِرَ الْخُفَّيْنِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ مَسْحُ أَسْفَلِهِمَا إِلَّا فِي حَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى خِلَافِهِ.

وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ، وَمَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا، وَمَعَ النَّاصِيَةِ، وَثَبَتَ عَنْهُ ذَلِكَ فِعْلًا وَأَمْرًا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، لَكِنْ فِي قَضَايَا أَعْيَانٍ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً بِحَالِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَيُحْتَمَلُ الْعُمُومُ كَالْخُفَّيْنِ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الشيخ: المسح على العمامة مثل المسح على الخفَّين: سنة لمن كانت عليه عمامة، أو خفَّان يمسح إذا لبسهما على طهارةٍ.

س: ..............؟

ج: مثل الخفَّين.

وَلَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّفُ ضِدَّ حَالِهِ الَّتِي عَلَيْهَا قَدَمَاهُ، بَلْ إِنْ كَانَتَا فِي الْخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَنْزِعْهُمَا، وَإِنْ كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ غَسَلَ الْقَدَمَيْنِ وَلَمْ يَلْبَسِ الْخُفَّ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَفْضَلِ مِنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ، قَالَهُ شَيْخُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الشيخ: الأفضل -يعني- لا يتكلف: إن صادفه الوضوء وعليه خُفَّان مسح، وإن صادفه الوضوء ولا خفَّان عليه غسل قدميه، ولكن لو دعت الحاجةُ إلى لبسهما ليمسح لا بأس، فلو جاء وقتُ المغرب أو العشاء وهو محتاجٌ للخفَّين، وهو على طهارةٍ؛ لبسهما ليمسح لا بأس؛ لأنَّ السبب موجود، أو الفجر: صلَّى آخر الليل وليس عليه الخفَّان، ثم لبسهما ليمسح في صلاة الفجر لا بأس، لكن الأفضل ألا يتكلَّف.

س: ..............؟

ج: إذا خلعهما بعد الحدث يعني.

فَصْلٌ

فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي التَّيَمُّمِ

كَانَ ﷺ يَتَيَمَّمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ، وَلَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَهُ مِنْ عِنْدِهِ.

وَكَذَلِكَ كَانَ يَتَيَمَّمُ بِالْأَرْضِ الَّتِي يُصَلِّي عَلَيْهَا، تُرَابًا كَانَتْ، أَوْ سَبْخَةً، أَوْ رَمْلًا.

وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: حَيْثُمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ، فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي الرَّمْلِ، فَالرَّمْلُ لَهُ طَهُورٌ.

وَلَمَّا سَافَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَطَعُوا تِلْكَ الرِّمَالَ فِي طَرِيقِهِمْ وَمَاؤُهُمْ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ حَمَلَ مَعَهُ التُّرَابَ وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ فِي الْمَفَاوِزِ الرِّمَالَ أَكْثَرُ مِنَ التُّرَابِ، وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْحِجَازِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا قَطَعَ بِأَنَّهُ كَانَ يَتَيَمَّمُ بِالرَّمْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

الشيخ: وهذا هو الصواب ..... إن صادف الأرضَ التي يُصلي فيها أنها تُرابية تيمم من التراب، وإن صادفها رملية أو سبخة تيمم منها والحمد لله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، فالصعيد الذي في الأرض حسبما تيسر، إن تيسر فيها التراب تيمم فيه، وعلق به التراب، وظهر معنى قوله سبحانه: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6]، وإذا كان المكانُ رمليًّا أو سبخةً أو جبليًّا تيمم منها على حسب حاله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

............

وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ مِنْ وَضْعِ بُطُونِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظُهُورِ الْيُمْنَى.

الشيخ: لكن لو قدر أنَّ في المستشفى لم يسمحوا تيمم على حسب حاله في الأرض التي عنده، أو الجدار الذي عنده: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، لا يخلّ الصلاة، لا يُؤخرها.

ثُمَّ إِمْرَارِهَا إِلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ إِدَارَةِ بَطْنِ كَفِّهِ عَلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ.

الشيخ: السنة هكذا: الوجه والكفّين، أما الذِّراع إلى المنكب فهذا فعله بعضُ الصحابة لما لم يعلم، لما تيمموا بعضهم تيمم إلى المرفق، وبعضهم إلى الآباط، لم يعلموا حتى علَّمهم النبيُّ ﷺ، وصاروا يتيممون لما علَّمهم: الكفّين والوجه، ضربة واحدة، وجاء عن ابن عمر وجماعة ضربتان، لكن المحفوظ عن النبي ﷺ هو ضربة واحدة، كما في حديث عمار في "الصحيحين".

وَإِقَامَةِ إِبْهَامِهِ الْيُسْرَى كَالْمُؤَذِّنِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى إِبْهَامِهِ الْيُمْنَى فَيُطْبِقُهَا عَلَيْهَا، فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَا عَلَّمَهُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَلَا اسْتَحْسَنَهُ، وَهَذَا هَدْيُهُ، إِلَيْهِ التَّحَاكُمُ.

الشيخ: يعني أنه كالماء، إذا تيمم للمغرب صلَّى به العشاء، صلَّى به الظهر، صلَّى به العصر، إذا جاء وهو على طهارةٍ صلَّى؛ لأنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماءَ عشر سنين، الحديث الصحيح: جُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا كما في "الصحيحين"، سمَّاها: طهورًا، كما سمَّى الماء طهورًا، فالصواب أنه رافعٌ كالماء، ومَن قال: أنه مُبيحٌ، فقوله ضعيف، الصواب أنه رافعٌ إلى وجود الماء، أو إلى وجود الحدث، فما دام على طهارته صلَّى به النَّوافل والفرائض، وقرأ به المصحف، وصلَّى به الفرائض المستقبلة حتى يجد الماءَ أو يُحدث.

.............

وَكَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَا أَمَرَ بِهِ، بَلْ أَطْلَقَ التَّيَمُّمَ وَجَعَلَهُ قَائِمًا مَقَامَ الْوُضُوءِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، إِلَّا فِيمَا اقْتَضَى الدَّلِيلُ خِلَافَهُ.

فَصْلٌ

فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ

كَانَ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَبْلَهَا، وَلَا تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ الْبَتَّةَ، وَلَا قَالَ: أُصَلِّي لِلَّهِ صَلَاةَ كَذَا، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا. وَلَا قَالَ: أَدَاءً، وَلَا قَضَاءً، وَلَا فَرْضَ الْوَقْتِ. وَهَذِهِ عَشْرُ بِدَعٍ.

الشيخ: وهذا واضحٌ في الناس، ولكن قلّة المنبه وقلّة المعلم تجعل هذه البدع تروج وتبقى، ولو أنَّ أهل العلم في كل مكانٍ تواصوا بإنكار ما يقع من البدع، وصبروا؛ قلَّت، ولكن السّكوت والإعراض والغفلة وقلّة العلم وقلّة السؤال كل هذا يُربي البدع ويُنميها.

قوله: نويتُ أن أُصلي كذا وكذا لله، أداءً، أو قضاءً. إذا كانت قضاءً أربع ركعات كالعشاء، أو ثلاث ركعات كالمغرب، أو ركعتين كالفجر، مع الإمام جماعةً، أو إمامًا. كل هذا مما أحدثها الناسُ، كلها من البدع المحدثة، كان النبي ﷺ يقف، ثم يأمر الناس بتعديل الصفوف، ثم يُكبر، ولا يقول: نويتُ كذا وكذا. فهذا هو المشروع، وهكذا في الوضوء لا يقول: نويتُ أن أتوضأ، نويتُ أن أطوف، نويتُ أن أسعى. هذا مما أحدثه الناس، النية محلها القلب: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، والنية هاهنا محلها القلوب ..... اللسان.

وَهَذِهِ عَشْرُ بِدَعٍ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ قَطُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا مُسْنَدٍ وَلَا مُرْسَلٍ لَفْظَةً وَاحِدَةً مِنْهَا الْبَتَّةَ، بَلْ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا اسْتَحْسَنَهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنَّمَا غَرَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الصَّلَاةِ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ كَالصِّيَامِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا بِذِكْرٍ"، فَظَنَّ أَنَّ الذِّكْرَ تَلَفُّظُ الْمُصَلِّي بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالذِّكْرِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَيْسَ إِلَّا، وَكَيْفَ يَسْتَحِبُّ الشَّافِعِيُّ أَمْرًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ؟!

الشيخ: يعني أنَّ الصلاة تبدأ بالتكبير، وهو ذكر، أما الإحرام والصيام فلا يبدأ بشيءٍ إلا بنيَّةٍ، ينوي ..... الطعام والشراب، ونية الصوم، لا يبدأ بالذكر، لكن نيّة، وهو إمساكه عن الطعام والشراب بنية الصيام، هكذا في الحجِّ نيته الدخول في النُّسك: من حجٍّ، أو عمرةٍ، هذا الإحرام، ثم يُشرع أن يُلبي فيقول: "لبيك حجًّا، لبيك عمرةً"، ونحو ذلك.

وَهَذَا هَدْيُهُمْ وَسِيرَتُهُمْ، فَإِنْ أَوْجَدَنَا أَحَدٌ حَرْفًا وَاحِدًا عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ قَبِلْنَاهُ، وَقَابَلْنَاهُ بِالتَّسْلِيمِ وَالْقَبُولِ، وَلَا هَدْيَ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِمْ، وَلَا سُنَّةَ إِلَّا مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ ﷺ.

وَكَانَ دَأْبُهُ فِي إِحْرَامِهِ لَفْظَةَ "اللَّهُ أَكْبَرُ" لَا غَيْرَهَا، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْهُ سِوَاهَا.

الشيخ: يعني ما يُقال: الله أجلّ، أو الله أعظم، أو الله كبير، هكذا "الله أكبر"، هذا مبدأ الصلاة، وهذا تحريمها، وهناك حديث عليٍّ: مفتاح الصلاة الطّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التَّسليم، فالمبدأ "الله أكبر"، وهكذا قالت عائشةُ رضي الله عنها وغيرها: كان يفتتح الصلاةَ بالتكبير.

وَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَهَا مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ، مُسْتَقْبِلًا بِهَا الْقِبْلَةَ إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ. وَرُوِيَ: إِلَى مَنْكِبَيْهِ.

فأبو حميدٍ السَّاعدي وَمَنْ مَعَهُ قَالُوا: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا الْمَنْكِبَيْنِ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ.

وَقَالَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: إِلَى حِيَالِ أُذُنَيْهِ.

وَقَالَ البراءُ: قَرِيبًا مِنْ أُذُنَيْهِ.

وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْعَمَلِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ.

وَقِيلَ: كَانَ أَعْلَاهَا إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، وَكَفَّاهُ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، فَلَا يَكُونُ اخْتِلَافًا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي مَحَلِّ هَذَا الرَّفْعِ.

الشيخ: وهذا هو السنة: أدناه إلى حيال المنكبين، وأعلاه إلى فروع الأذنين، هكذا وهكذا، كلها ثابتة عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر، وأبي حميدٍ، ومالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، وجماعة، يرفع يديه هكذا ممدودةً لا مُفرَّجةً، مضمومةً هكذا، ممدودة، يستقبل بها القبلة، أدناها إلى المنكبين، وأعلاها إلى فروع الأذنين، هكذا السنة، وهكذا عند الرفع من الركوع، وهكذا عند القيام من التَّشهد الأول إلى الثالثة.

س: طيب إلى الصَّدر كما جاء عند أبي داود؟

ج: ما أعرف شيئًا ثابتًا في هذا إلا إلى حيال منكبيه، أو إلى حيال أذنيه، الصدر محل نظرٍ، يُنظر في الرواية.

ثُمَّ يَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ الْيُسْرَى.

وَكَانَ يَسْتَفْتِحُ تَارَةً بِـاللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

الشيخ: هكذا، يضع اليمنى على اليسرى هكذا، على كفِّها، والرسغ على الرسغ، والساعد هذا، الساعد هكذا: طرفه على الكفِّ، ووسطها على الرسغ، وأطرافها على الساعد.

وجاء في حديث سهل بن سعد: على ذراعه اليسرى، والظاهر أنَّ هذا من باب المبالغة؛ لأنَّ أطراف الأصابع على السَّاعد، وهو الذِّراع، ففي حديث وائل عند أبي داود والنَّسائي وغيرهما: على كفِّه اليُسرى والرسغ والساعد. وعند البخاري من حديث سهلٍ: على ذراعه اليسرى، فإما أن يكون في بعض الأحيان، وإما أن يكون أراد بذلك مدَّ اليد إلى الساعد؛ لأنَّ أطراف الأصابع تكون على الساعد، وهذا هو السنة، أما إرسالها هكذا فهذا خلاف السنة، لكن الصلاة صحيحة، لو صلَّى مُرسلًا الصلاة صحيحة، وهو واقع في مذهب مالك وجماعة، لكنه مرجوح، السنة قبضها وعدم إرسالها، هكذا جاء من حديث وائل وسهل بن سعد وقبيصة بن هلب، عن أبيه، عن طاووس بن كيسان مرسلًا، صحيح.

س: ................؟

ج: يُروى عن ابن الزبير، لكن لا يثبت.

س: ................؟

ج: كأنَّ سكوته يقتضي أنه ليس عنده شيء، لكن وضعها كذا يعني: سواء رفعها هنا أو هنا، أو تحت السرة، ظاهر ..... أنَّ الأمر واسع، وقد جاء في حديث عليٍّ وضعها تحت السرة: "من السنة وضع اليمنى على اليسرى تحت السرة"، ولكنه ضعيف، حديث عليٍّ ضعيف، المحفوظ حديث وائل، وله شواهد، وحديث سهل عند البخاري أيضًا.

..............

وَكَانَ يَسْتَفْتِحُ تَارَةً بِـاللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ.

الشيخ: لأنَّ من المصائب الغلو في هذه المسائل والتَّشديد، كما يقع عند إخواننا كثيرًا في إفريقية وغيرها؛ يحصل من التقاطع والفتنة الشيء الكثير عند الضمِّ والإرسال، وهذا مما لا ينبغي، ينبغي أن تكون هذه المسائل باللطف والحكمة والرفق، تُحَلُّ بلطفٍ وحكمةٍ؛ لأنَّ هذا مُقلِّد لقومٍ، وهذا مُقلِّد لقومٍ، قد ما يكون له نشاط في اتِّباع السنة، المستقلّ، والغالب على الناس اليوم الغالب عليهم هذا التَّعصب، الغالب عليهم التَّقليد الأعمى، هذا قلَّد قومًا، وهذا قلَّد قومًا، وأما إذا وُفِّق للسنة وعلم السنة فلا يتعصب، وتكون الفُرقة والاختلاف، قد يعذره بما عنده من جهلٍ، وبما عنده من تقليدٍ، فلا يحمله على مُعاداته ومُخاصمته، وربما أفضى بهم حتى لا يُصلي خلفه، كأنه فعل كبيرةً عظيمةً، والله المستعان، وكلها من باب المستحبَّات، قبض أو أرسل، الصلاة صحيحة، وقصارى مَن أرسل أنه ترك الأفضل.

وَتَارَةً يَقُولُ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعَهَا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.

وَلَكِنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّ هَذَا الِاسْتِفْتَاحَ إِنَّمَا كَانَ يَقُولُهُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ.

الشيخ: هذا فيه نظر، المحفوظ في الأحاديث الصَّحيحة إطلاق بعض الروايات الحديث عن أبي أيوب وغيره تطوعًا، وجاء معناه في روايات أبي أيوب، وفي الرِّوايات الأخرى، وهذا الذي ذكره المؤلفُ أكملها، كما رواه مسلمٌ في "الصحيح" من حديث عليٍّ، وفي بعضها: وأنا أول، وأنا من المسلمين، وأنا أول، تليق على النبي ﷺ لأنه أوّل أمته، فكل نبيٍّ أول بالنسبة إلى أمته، أما الآحاد فالأليق في حقِّه: "وأنا من المسلمين"، كما في الرواية الأخرى، وهذا استفتاح طويل، ومنها حديث ابن عباس: اللهم لك الحمد أنت نور السَّماوات .. إلى آخره، وهو استفتاح طويل أيضًا، وأخصرها: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وهي أنواع صحيحة، إذا استفتح الإنسانُ بواحدٍ منها فقد أدَّى السنة.

س: ..............؟

ج: نعم.

س: على قوله: ولكن المحفوظ أنَّ هذا الاستفتاح كان يقوله في قيام الليل، بل كان يقوله في المكتوبة أيضًا، وقد ثبت في "صحيح ابن خزيمة" وغيره أنه كان إذا قام إلى المكتوبة يقول .. إلى آخره، وإسناده صحيح؟

ج: ..... معناه جاء في النَّسائي .....، أظنه جاء في رواية النَّسائي ..... من حديث جابر، ومن حديث أبي أيوب، لكن حديث أبي أيوب أو جابر تطوعًا، ثم قاعدة: ما جاء في النَّافلة ساغ في الفريضة، وما جاء في الفريضة ساغ في النافلة، الأصل أنهما سواء إلا أن يُخصص.

وَتَارَةً يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

وَتَارَةً يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ... الْحَدِيثَ.

وَسَيَأْتِي فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ.

وَتَارَةً يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ.

وَتَارَةً يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُسَبِّحُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَحْمَدُ عَشْرًا، ثُمَّ يُهَلِّلُ عَشْرًا، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ عَشْرًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي عَشْرًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الْمُقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَشْرًا.

الشيخ: أيش قال المحشي على الأول، على "الله أكبر"؟

الطالب: رواه الإمامُ أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وفي سنده عاصم بن عمير العندي، ذكره ابن حبان .....، وصحح حديثه هذا ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي سعيدٍ الخدري قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا قام من الليل كبَّر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السَّميع من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه، ثم يقرأ. وسنده حسن.

وروى مسلمٌ وأبو عوانة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما نحن نُصلي مع رسول الله ﷺ إذا قال رجلٌ من القوم: "الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا"، فقال رسولُ الله ﷺ: مَن القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجلٌ من القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبتُ لها؛ فُتحتْ لها أبوابُ السَّماء.

الشيخ: ليس بصريحٍ في الاستفتاح، نعم.

............

فَكُلُّ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ صَحَّتْ عَنْهُ ﷺ.

وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِـسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عليِّ بن عليٍّ الرفاعي، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي، عَنْ أبي سعيدٍ، عَلَى أَنَّهُ رُبَّمَا أَرْسَلَ.

وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي قَبْلَهُ أَثْبَتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِهِ فِي مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَجْهَرُ بِهِ، وَيُعَلِّمُهُ النَّاسَ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عمر، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَحَ بِبَعْضِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن الِاسْتِفْتَاحِ كَانَ حَسَنًا.

وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا لِعَشَرَةِ أَوْجُهٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى:

مِنْهَا: جَهْرُ عمر بِهِ يُعَلِّمُهُ الصَّحَابَةَ.

وَمِنْهَا: اشْتِمَالُهُ عَلَى أَفْضَلِ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ"، وَقَدْ تَضَمَّنَهَا هَذَا الِاسْتِفْتَاحُ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ أَخْلَصُ لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، وَغَيْرُهُ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعَاءِ، وَالثَّنَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الدُّعَاءِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهَا أُخْلِصَتْ لِوَصْفِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ "سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ" أَفْضَلَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، فَيَلْزَمُ أَنَّ مَا تَضَمَّنَهَا مِن الِاسْتِفْتَاحَاتِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِن الِاسْتِفْتَاحَاتِ.

الشيخ: هذا المقام جديرٌ بأن يُكتب فيه رسالة، الاستفتاحات وأنواعها جديرٌ بأن يُكتب فيه رسالة خاصَّة في الاستفتاح وأنواعه.

الطالب: في للشيخ ابن تيمية رسالة مخطوطة.

الشيخ: عجيب، ما سمعتُ إلا منك.

س: ...............؟

ج: عندك طبعت.

س: ...............؟

ج: ترونها إن شاء الله، جزاك الله خيرًا، أنا كنت ..... من بعض الإخوان، لو أحد تفرَّغ وجمع ما ورد لعلَّ الشيخ استوفى إن شاء الله.

س: ...............؟

ج: حيدر أباد؟

الطالب: نعم.

الشيخ: جزاهم الله خيرًا.

وَمِنْهَا: أَنَّ غَيْرَهُ مِن الِاسْتِفْتَاحَاتِ عَامَّتُهَا إِنَّمَا هِيَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ فِي النَّافِلَةِ، وَهَذَا كَانَ عمرُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُهُ النَّاسَ فِي الْفَرْضِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا الِاسْتِفْتَاحَ إِنْشَاءٌ لِلثَّنَاءِ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى، مُتَضَمِّنٌ لِلْإِخْبَارِ عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ، وَنُعُوتِ جَلَالِهِ، وَالِاسْتِفْتَاحُ بِـ"وَجَّهْتُ وَجْهِيَ" إِخْبَارٌ عَنْ عُبُودِيَّةِ الْعَبْدِ، وَبَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا.

وَمِنْهَا: أَنَّ مَنِ اخْتَارَ الِاسْتِفْتَاحَ بِـ"وَجَّهْتُ وَجْهِيَ" لَا يُكْمِلُهُ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِقِطْعَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ وَيَذَرُ بَاقِيَهُ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ بِـ"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ"؛ فَإِنَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ يَقُولُهُ كُلَّهُ إِلَى آخِرِهِ.

الشيخ: يعني أنه في الغالب مَن عني بالسنة ما يأتي به، ببعضه، ما يأتي به كله؛ لأنَّ بعض الناس قد يتكاسل ويتقاعس ولا يُكمل، بخلاف "سبحانك اللهم وبحمدك" فإنه قليل مختصر؛ ولهذا لا يتقاعس عن إكماله.

س: ...............؟

ج: هو مُطلق، كلام مطلق، يعني: بعض الناس قد يكسل.

وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَكَانَ يَجْهَرُ بِـ"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" تَارَةً، وَيُخْفِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَجْهَرُ بِهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهَا دَائِمًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ أَبَدًا، حَضَرًا وَسَفَرًا، وَيَخْفَى ذَلِكَ عَلَى خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَلَى جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِ بَلَدِهِ فِي الْأَعْصَارِ الْفَاضِلَةِ، هَذَا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ، حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى التَّشَبُّثِ فِيهِ بِأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ، وَأَحَادِيثَ وَاهِيَةٍ، فَصَحِيحُ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ غَيْرُ صَرِيحٍ، وَصَرِيحُهَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَهَذَا مَوْضِعٌ يَسْتَدْعِي مُجَلَّدًا ضَخْمًا.

وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ مَدًّا، يَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ.

الشيخ: وهذا هو المحفوظ، المحفوظ في هذا والأصح، وأنه كان يسردها، كما قال أنسٌ وعائشة وغيرهما، لكن رُوي عنه ما يدل على الجهر في بعض الأحيان للتعليم، أيش قال المحشي عليه؟

الطالب: الثابت عنه ﷺ عدم الجهر به، وقد روى البخاريُّ في "صفة الصلاة" باب "ما يقول بعد التكبير" عن أنسٍ : أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون الصلاة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].

وأخرجه الترمذي، وعنده "القراءة" بدل "الصلاة"، وزاد: عثمان.

وأخرجه مسلمٌ في "الصلاة" باب "حجة مَن قال: لا يجهر بالبسملة"، وفي لفظٍ: صليتُ مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم".

ورواه أحمد، والطحاوي، والدَّارقطني، وقالوا فيه: وكانوا لا يجهرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم".

ورواه ابنُ حبان في "صحيحه"، وزاد: ويجهرون بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وفي لفظٍ للنَّسائي وابن حبان: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ"بسم الله الرحمن الرحيم".

وفي لفظٍ لأبي يعلى الموصلي في "مسنده": وكانوا يستفتحون القراءةَ فيما يجهر به بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وفي لفظ الطبراني في "معجمه"، وأبي نعيم في "الحلية"، وابن خُزيمة في "صحيحه"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار": وكانوا يُسرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم".

قال الزيلعي في "نصب الراية": ورجال هذه الرواية كلهم ثقات مُخرّج لهم في الصحيح جمع.

الشيخ: أحسن ما ورد في هذا -في الجهر- حديث أبي هريرة في "السنن": أنه صلَّى بالناس وجهر بـ"بسم الله"، وصلَّى صلاةً كاملةً وقال: "إني لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ"، هذا محتمل أنه داخلٌ في ذلك جهره بالصلاة، ويحتمل أنه أراد في أفعاله: في نهوضه، وجلوسه، ولم يُرد الجهر بـ"بسم الله"، وهذا الاحتمال أظهر؛ حتى يُطابق الأحاديث الأخرى الصَّحيحة الدالة على السر وعدم الجهر، وإن ثبت الجهرُ -كما قاله جمعٌ- فهو من باب التعليم، ومن باب الإيضاح أنها تُقرأ.

س: ...............؟

ج: كما فعل عمر فيها وفي الاستفتاح بعض الأحيان للتعليم.

س: حديث أبي هريرة صحيح؟

ج: صحيح، نعم.

س: ...............؟

ج: السنة يُسرّ بها، لكن إذا جهر بعض الأحيان ليُعلم الناس أنها تُقرأ، ليعلموا أنها تُقرأ؛ كان حسنًا بعض الأحيان، يعني: جهرًا يسمعه مَن حوله.

وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ مَدًّا؛ يَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ، وَيَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَالَ: آمِينَ، فَإِنْ كَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ، وَقَالَهَا مَنْ خَلْفَهُ.

وَكَانَ لَهُ سَكْتَتَانِ:

سَكْتَةٌ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، وَعَنْهَا سَأَلَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.

وَاخْتُلِفَ فِي الثَّانِيَةِ؛ فَرُوِيَ أَنَّهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ.

وَقِيلَ: إِنَّهَا بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ.

وَقِيلَ: هِيَ سَكْتَتَانِ غَيْرُ الْأُولَى، فَتَكُونُ ثَلَاثًا.

وَالظَّاهِرُ إِنَّمَا هِيَ اثْنَتَانِ فَقَطْ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلَطِيفَةٌ جِدًّا لِأَجْلِ تَرَادِّ النَّفَسِ، وَلَمْ يَكُنْ يَصِلُ الْقِرَاءَةَ بِالرُّكُوعِ، بِخِلَافِ السَّكْتَةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ كَانَ يَجْعَلُهَا بِقَدْرِ الِاسْتِفْتَاحِ، وَالثَّانِيَةُ قَدْ قِيلَ: إِنَّهَا لِأَجْلِ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ.

فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي تَطْوِيلُهَا بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلِلرَّاحَةِ وَالنَّفَسِ فَقَطْ، وَهِيَ سَكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَذْكُرْهَا فَلِقِصَرِهَا، وَمَنِ اعْتَبَرَهَا جَعَلَهَا سَكْتَةً ثَالِثَةً، فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

وَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ السَّكْتَتَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ سمرة، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبو حاتم فِي "صَحِيحِهِ"، وسمرة هو ابن جندب.

وَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ مَنْ رَوَى حَدِيثَ السَّكْتَتَيْنِ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وَقَدْ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7].

وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ سَكَتَ. وَهَذَا كَالْمُجْمَلِ، وَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ مُفَسِّرٌ مُبَيِّنٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ: لِلْإِمَامِ سَكْتَتَانِ، فَاغْتَنِمُوا فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ: إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا قَالَ: "وَلَا الضَّالِّينَ"، عَلَى أَنَّ تَعْيِينَ مَحَلِّ السَّكْتَتَيْنِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ تَفْسِيرِ قتادة؛ فَإِنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ عَنِ الحسن، عَنْ سمرة قَالَ: "سَكْتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ"، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عمران فَقَالَ: "حَفِظْنَاهَا سَكْتَةً"، فَكَتَبْنَا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالْمَدِينَةِ، فَكَتَبَ أُبي: أَنْ قَدْ حَفِظَ سمرة، قَالَ سعيد: فَقُلْنَا لقتادة: مَا هَاتَانِ السَّكْتَتَانِ؟ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ"، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَإِذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]".

قَالَ: وَكَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَتَرَادَّ إِلَيْهِ نَفَسُهُ، وَمَنْ يَحْتَجُّ بالحسن عَنْ سمرة يَحْتَجُّ بِهَذَا.

الشيخ: تكلم المحشي على سكتتين .....؟

الطالب: علَّق على قوله ..... رواه الإمامُ أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن الحسن: أنَّ سمرة بن جندب، وعمران بن حصين .. إلى آخره. والحسن لم يسمع من سمرة، ولا من عمران، فهو مُنقطع.

وأخرج أبو داود من طريق أشعث، عن الحسن، عن سمرة: أنه ﷺ كان يسكت سكتتين: إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة كلها.

وقال الترمذي وهو: قال غيرُ واحدٍ من أهل العلم: يستحبّ للإمام أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة، وبعد الفراغ من القراءة. وبه يقول أحمد وإسحاق وأصحابنا.

الشيخ: ..... يعني يتَّضح أنَّ السَّكتة الثانية هي التي فيها الخلاف، أما السَّكتة الأولى فقد ثبت في الأحاديث الصَّحيحة من حديث أبي هريرة في "الصحيحين"، ومن حديث غيره، وفيها يقول دعاء الاستفتاح، هذه مجمع عليها، لا خلافَ فيها، وإنما الكلام في السَّكتات: هل هي بعد الفاتحة، أو في آخر القراءة؟ هذا هو محل اختلاف الرواة، والحديث في سنده بعض المقال من جهة الحسن عن سمرة، والحسن عن عمران، ثم اختلاف الرواة في موضعها: هل هو بعد الفاتحة، أو بعد الفراغ من القراءة؟ إذا سكت سكتةً خفيفةً بعد الفاتحة وبعد القراءة فقد أتى بالسنة واحتاط، ولكنها سكتة خفيفة حتى يفصل قراءةَ الفاتحة بقراءة ما بعدها، أما القول بأنها بقدر ما يقرأ المأمومُ الفاتحةَ، فهذا يحتاج إلى دليلٍ، لم يرد في الأحاديث ما يُبين مقدارها، والقول بأنها سكتة تتسع لقراءة المأموم للفاتحة يحتاج إلى دليلٍ، وأما السكتة الأخيرة التي قبل الركوع فهذه معناها ..... بالنفس، حتى يتراد إليه نفسه ويطمئن ثم يُكبر.

وينبغي أن تجمع هذه الأحاديث من السنن والمسانيد و"مصنف ابن أبي شيبة" و"مصنف عبدالرزاق" وغيرها: حديث الحسن عن سمرة، وحديث عمران، وحديث أُبي بن كعب، كلها، الثلاثة تُجمع طرقها وما جاء في معناها أيضًا حتى يتميز حالها.

فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْفَاتِحَةِ أَخَذَ فِي سُورَةٍ غَيْرِهَا، وَكَانَ يُطِيلُهَا تَارَةً، وَيُخَفِّفُهَا لِعَارِضٍ مِنْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ.

الشيخ: يقول بعضُ أهل العلم: كم ترك الأولُ للأخير. ونحن الآن في القرن الخامس عشر .....، ومع هذا توجد أشياء بالنسبة إلى علمنا لم نقف على شيءٍ فيها محقق، فهذا مصداق ما قيل: كم ترك الأول للأخير. وهذا يقع في مسائل كثيرةٍ تمرّ في مسائل الخلاف تحتاج إلى مزيد علمٍ، ومزيد تتبعٍ عمَّا كتبه أهلُ العلم، وقد يكون شيء كتبه فيه، ولكن لعله لم يُطبع، أو لم يُعثر عليه، وإلا فالأوَّلون تعبوا وجمعوا وألَّفوا، ولكن بسبب أن مطابع ..... جديدة تلف كثير من المخطوطات، أو خفي ..... في كتبٍ أخرى.

فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْفَاتِحَةِ أَخَذَ فِي سُورَةٍ غَيْرِهَا، وَكَانَ يُطِيلُهَا تَارَةً، وَيُخَفِّفُهَا لِعَارِضٍ مِنْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيتَوَسَّطُ فِيهَا غَالِبًا.

وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِنَحْوِ سِتِّينَ آيَةً إِلَى مِئَةِ آيَةٍ، وَصَلَّاهَا بِسُورَةِ (ق) وَصَلَّاهَا بِالرُّوم،ِ وَصَلَّاهَا بِـإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير]، وَصَلَّاهَا بِـإِذَا زُلْزِلَتِ [الزلزلة] فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَصَلَّاهَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَكَانَ فِي السَّفَرِ، وَصَلَّاهَا فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ "الْمُؤْمِنُونَ" حَتَّى إِذَا بَلَغَ ذِكْرَ مُوسَى وَهَارُونَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ.

وَكَانَ يُصَلِّيهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِـ"الم تَنْزِيلُ" السَّجْدَةِ، وَسُورَةِ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ [الإنسان] كَامِلَتَيْنِ، وَلَمْ يَفْعَلْ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ قِرَاءَةِ بَعْضِ هَذِهِ، وَبَعْضِ هَذِهِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَقِرَاءَةِ السَّجْدَةِ وَحْدَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ.

الشيخ: يعني أنَّ السنة أن يقرأ "الم تنزيل" السجدة في الأولى كاملة، ثم يقرأ سورة الإنسان كاملةً في الثانية، هذا هو الذي فعله النبيُّ ﷺ في صلاة الفجر يوم الجمعة، بعض الناس قد يقسم الثِّنتين، أو يقرأ ببعض هذه، وبعض هذه، وكل هذا خلاف السنة، لكن المقصود من قراءتهما بيان ما فيهما من العظة والذِّكْرى، والتَّذكير بالآخرة والجنة والنار، وخلق آدم، فالسنة قراءتهما جميعًا.

وَأَمَّا مَا يَظُنُّهُ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ: أَنَّ صُبْحَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فُضِّلَ بِسَجْدَةٍ، فَجَهْلٌ عَظِيمٌ؛ وَلِهَذَا كَرِهَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ قِرَاءَةَ سُورَةِ السَّجْدَةِ لِأَجْلِ هَذَا الظَّنِّ، وَإِنَّمَا كَانَ ﷺ يَقْرَأُ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ لِمَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَبْدَأ وَالْمَعَادِ، وَخَلْقِ آدَمَ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَذَلِكَ مِمَّا كَانَ وَيَكُونُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ.

الشيخ: وفي الجمعة خُلق آدم، وفيه مات آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أُهبط منها، وفيه تقوم الساعة، ووقعت فيه حوادث كثيرةٍ.

فَكَانَ يَقْرَأُ فِي فَجْرِهَا مَا كَانَ وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ تَذْكِيرًا لِلْأُمَّةِ بِحَوَادِثِ هَذَا الْيَوْمِ، كَمَا كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ الْعِظَامِ -كَالْأَعْيَادِ وَالْجُمُعَةِ- بِسُورَةِ (ق) وَ"اقْتَرَبَتْ" وَ"سَبِّحْ" وَالْغَاشِيَةِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الظُّهْرُ فَكَانَ يُطِيلُ قِرَاءَتَهَا أَحْيَانًا.

الشيخ: في رواياتها نكارة، هذه .....؛ لأنَّ صهيبًا هذا مقبول، ليس من المشهورين بالرواية والثِّقة، والآية الكريمة فيها الكبائر مطلقًا، والكبائر ما تنحصر بسبعٍ، كما قال ابنُ عباسٍ: بل هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبعٍ.

وَأَمَّا الظُّهْرُ فَكَانَ يُطِيلُ قِرَاءَتَهَا أَحْيَانًا، حَتَّى قَالَ أبو سعيدٍ: كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ وَيُدْرِكُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى؛ مِمَّا يُطِيلُهَا. رَوَاهُ مسلم.

الشيخ: وهذا في بعض الأحيان لأسبابٍ تقتضي ذلك.

وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا تَارَةً بِقَدْرِ "الم تَنْزِيلُ"، وَتَارَةً بِـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل]، وَتَارَةً بِـوَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج]، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق].

وَأَمَّا الْعَصْرُ فَعَلَى النِّصْفِ مِنْ قِرَاءَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا طَالَتْ، وَبِقَدْرِهَا إِذَا قَصُرَتْ.

وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَكَانَ هَدْيُهُ فِيهَا خِلَافَ عَمَلِ النَّاسِ الْيَوْمَ؛ فَإِنَّهُ صَلَّاهَا مَرَّةً بِالْأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَمَرَّةً بِـ"وَالطُّورِ"، وَمَرَّةً بِـ"وَالْمُرْسَلَاتِ".

الشيخ: يعني عادة الناس في عصره، وقبل عصره، وفي عصرنا أيضًا الغالب على الناس القراءة بالقصار في المغرب، قال بعضُهم: وهذه سنة مروان أمير المدينة؛ كان يقرأ بالقصار، أما النبي ﷺ فكان تارةً وتارةً: ربما قرأ بالقصار، وربما قرأ بالوسط، وربما قرأ بالطوال، فالسنة في المغرب أن يكون تارةً وتارةً: تارة يُطيل فيها، وتارةً يتوسط، وتارةً يقرأ قراءةً قصيرةً؛ حتى يُوافق بهذا سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام.

قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِالْبَرِّ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِـالمص [الأعراف]، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِالصَّافَّاتِ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِـ"حم" الدُّخَانِ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى]، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِـوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين]، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِالْمُرْسَلَاتِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ. قَالَ: وَهِيَ كُلُّهَا آثَارٌ صِحَاحٌ مَشْهُورَةٌ. انْتَهَى.

وَأَمَّا الْمُدَاوَمَةُ فِيهَا عَلَى قِرَاءَةِ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ دَائِمًا فَهُوَ فِعْلُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَقَالَ: "مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ؟! قَالَ: قُلْتُ: وَمَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ؟ قَالَ: الْأَعْرَافُ. وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ.

الشيخ: ما علَّق عليه؟ رواه البخاري هذا؟

الطالب: رواه البخاري في "صفة الصلاة" باب "القراءة في المغرب" دون تفسير الطوليين، ورواه أبو داود في "الصلاة" باب "قدر القراءة في المغرب"، والنَّسائي في "افتتاح الصلاة" باب "القراءة في المغرب بـالمص [الأعراف]"، وسنده صحيح.

الشيخ: وفي حديث عائشة أنه فرَّقها في الركعتين.

وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ.

فَالْمُحَافَظَةُ فِيهَا عَلَى الْآيَةِ الْقَصِيرَةِ وَالسُّورَةِ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَهُوَ فِعْلُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ.

الشيخ: وجاء في حديث أنسٍ عند النَّسائي أنه كان يقرأ في المغرب بقصاره، قال الحافظ: ..... صحيح، وهذا محمولٌ -يعني- في بعض الأحيان، أو في كثيرٍ من الأحيان، لا في الدائم.

س: قول ابن عبدالبر: أنَّ الرسولَ عليه الصلاة والسلام صلَّى المغربَ بـ"التين والزيتون"، يعني قسمها في الرَّكعتين؟

ج: لا، يعني في إحدى الرَّكعتين.

س: ما ذكر إلا "التين" فقط؟

ج: تساهل في هذا وقرأها في العشاء مرةً تامَّةً، كما في "الصحيحين"، قرأ بـ"التين والزيتون" حتى في العشاء.

س: يعني في ركعةٍ واحدةٍ؟

ج: ركعة واحدة، نعم.

وَأَمَّا الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ فَقَرَأَ فِيهَا ﷺ بِـوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين]، وَوَقَّتَ لمعاذٍ فِيهَا بِـوَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس]، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل] وَنَحْوِهَا، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ قِرَاءَتَهُ فِيهَا بِالْبَقَرَةِ بَعْدَمَا صَلَّى مَعَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأَعَادَهَا لَهُمْ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَقَرَأَ بِهِمْ بِالْبَقَرَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا معاذ؟! فَتَعَلَّقَ النَّقَّارُونَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَا قَبْلَهَا، وَلَا مَا بَعْدَهَا.

الشيخ: لأنَّ النَّقارين تعلَّقوا "أفتَّان"، وصاروا ينقرونها، وهذا من الغلط والجفاء، فلا يجوز النَّقر، ولا يجوز التَّطويل الذي يضرّ الناس، ولكن على الهيئة التي فعلها النبيُّ ﷺ، يُتابع سنَّته، ويتحرى فعله عليه الصلاة والسلام.

وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِسُورَتَيِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ كَامِلَتَيْنِ، وَسُورَةِ سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ.

وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى قِرَاءَةِ أَوَاخِرِ السُّورَتَيْنِ مِنْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى آخِرِهَا فَلَمْ يَفْعَلْهُ قَطُّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِهَدْيِهِ الَّذِي كَانَ يُحَافِظُ عَلَيْهِ.

الشيخ: وفي صورةٍ ثالثةٍ أيضًا قرأ بالجمعة وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية]، ثبت عنه ﷺ ثلاث صفات: الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة، يعني الجمعة والمنافقون، والجمعة وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، وسبِّح والغاشية، كل هذا ثبت عنه في الجمعة، يقرأها كاملةً، وهكذا في فجرها بـالم ۝ تَنْزِيلُ [السجدة]، وهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ [الإنسان] كاملةً، يقرأ السُّورتين كاملتين: الم ۝ تَنْزِيلُ في الأولى، وهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ في الثانية بعد الفاتحة، ولو قرأ غيرها فلا بأس، لكن هذا هو الأفضل، ولو قرأ في الجمعة وفي صلاة الفجر بغيرها فلا بأس.

س: ...............؟

ج: السنة أن يقرأها، ويقرأ: هَلْ أَتَى [الإنسان] في الثانية، لا يُخالف سنة النبي ﷺ.

س: ...............؟

ج: ..... في صلاة الجمعة، آخر صلاة الجمعة، يعني: بعض الناس يقرأ آخر سورة الجمعة، وآخر سورة المنافقين، نقول أنَّ هذا خلاف السنة، والأفضل أن يقرأ السورتين كاملتين في صلاة الجمعة.

ومما ينبغي التَّنبيه عليه أنَّ بعض الناس قد يختصر جدًّا في قراءة الجمعة، ويُطول الخطبة، وهذا خلاف السنة، السنة أن يُطيل الصلاةَ، ويقصر الخطبة، كما قال ﷺ: إنَّ طول صلاة الرجل وقصرَ خُطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة رواه مسلم في "الصحيحين" عن عمار بن ياسر.

فالسنة للخطيب أن يتحرى الاقتصاد في خطبة الجمعة، وأن ..... المهمات، وأن يُطيل في الصلاة إطالةً لا تشقّ على الناس، مثل فعله ﷺ، أما تقصير الصلاة والقراءة فيها، وإطالة الخطبة، فهو عكس السنة.

س: قد يحتاج إلى التَّطويل في الأيام هذه؛ للتَّنبيه على بعض الأمور؟

ج: إذا دعت الحاجةُ، لكن لا يكون عادةً، العادة الاقتصاد، وإذا دعت الحاجةُ إلى الإطالة كما كان يفعل، قد يُطول النبي بعض الأحيان، لكن للحاجة، إذا دعت الحاجةُ: إما حدث حادثٌ، وإلا منكر كثر وأراد أن يُنبه عليه، أو ما أشبه ذلك، لكن لا يكون عادةً مُستمرةً.

س: ................؟

ج: يتحرى ويتقصد فلا يُطول طولًا يشقّ على الناس، يأتي لهم بالنُّعاس والنوم.

س: ..............؟

ج: ما في تحديد من الشارع، لكن تكون صلاته أطول.

س: ..............؟

ج: لا، ما في تحديد، يتحرى كل خطيبٍ؛ لأنَّ الأوقات تختلف، والحاجة تختلف، النبي ﷺ في يومٍ من الأيام خطب الناسَ بعد صلاة الفجر إلى الظهر، ثم صلَّى الظهر وخطب الناس إلى العصر، ثم صلَّى العصر وخطب الناس إلى الغروب، يومه كله، لما دعت الحاجةُ إلى ذلك.

وَأَمَّا قِرَاءَتُهُ فِي الْأَعْيَادِ فَتَارَةً كَانَ يَقْرَأُ سُورَتَيْ (ق) وَ(اقْتَرَبَتْ) كَامِلَتَيْنِ، وَتَارَةً سُورَتَيْ سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ، وَهَذَا هُوَ الْهَدْيُ الَّذِي اسْتَمَرَّ ﷺ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ لَقِيَ اللَّهَ ، لَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ.

وَلِهَذَا أَخَذَ بِهِ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ: فَقَرَأَ أبو بكرٍ فِي الْفَجْرِ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ حَتَّى سَلَّمَ مِنْهَا قَرِيبًا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَادَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ! فَقَالَ: "لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنَا غَافِلِينَ".

وَكَانَ عمرُ يَقْرَأُ فِيهَا بِيُوسُفَ وَالنَّحْلِ، وَبِهُودٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَنَحْوِهَا مِنَ السُّوَرِ.

الشيخ: يعني النبيُّ كان يقرأ فيها بالستين إلى المئة، بالستين آية إلى مئة آية.

وَلَوْ كَانَ تَطْوِيلُهُ ﷺ مَنْسُوخًا لَمْ يَخْفَ عَلَى خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَيَطَّلِع عَلَيْهِ النَّقَّارُونَ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مسلم فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق]، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا. فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "بَعْدُ" أَيْ: بَعْدَ الْفَجْرِ، أَيْ: إِنَّهُ كَانَ يُطِيلُ قِرَاءَةَ الْفَجْرِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، وَصَلَاتُهُ بَعْدَهَا تَخْفِيفًا.

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ أم الفضل وَقَدْ سَمِعَتِ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا [المرسلات]، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ. فَهَذَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: "وَكَانَتْ صَلَاتُه بَعْدُ" غَايَةٌ قَدْ حُذِفَ مَا هِيَ مُضَافَةٌ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ إِضْمَارُ مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، وَتَرْكُ إِضْمَارِ مَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ، وَالسِّيَاقُ إِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ صَلَاتَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ كَانَتْ تَخْفِيفًا، وَلَا يَقْتَضِي أَنَّ صَلَاتَهُ كُلَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ كَانَتْ تَخْفِيفًا، هَذَا مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُرَادَ لَمْ يَخْفَ عَلَى خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ فَيَتَمَسَّكُونَ بِالْمَنْسُوخِ وَيَدَعُونَ النَّاسِخَ.

س: ................؟

ج: نعم، نعم.

س: ................؟

ج: الله أعلم.

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: أَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، وَقَوْلُ أنسٍ : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَفَّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ"، فَالتَّخْفِيفُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ يَرْجِعُ إِلَى مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ، لَا إِلَى شَهْوَةِ الْمَأْمُومِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهُمْ بِأَمْرٍ ثُمَّ يُخَالِفُهُ.