043 فصل فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة

وَفِي "مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ" مِنْ حَدِيثِ أم سلمة: أَنَّهُ ﷺ عَلَّمَ ابْنَتَهُ فاطمة لَمَّا جَاءَتْ تَسْأَلُهُ الْخَادِمَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ عِنْدَ النَّوْمِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَإِذَا صَلَّتِ الصُّبْحَ أَنْ تَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَشْرَ مَرَّاتٍ.

الشيخ: علَّق عليه؟

الطالب: رواه الإمامُ أحمد في "المسند"، وفي سنده شهر بن حوشب، والقسم الأول منه صحيح؛ أخرجه البخاري ومسلم من حديث عليٍّ : أنَّ فاطمةَ رضي الله عنها اشتكت ما تلقى من الرّحاء في يدها، وأتى النبيَّ ﷺ سبيٌ، فانطلقت ولم تجده، ولقيت عائشة رضي الله عنها فأخبرتها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشةُ بمجيء فاطمة إليها، فجاء النبيُّ ﷺ إلينا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم فقال النبيُّ ﷺ: على مكانكما، فقعد إلينا حتى وجدتُ بردَ قدميه على صدري، ثم قال: ألا أُعلمكما خيرًا مما سألتُما؟ إذا أخذتُما مضاجعَكما أن تُكبر الله ثلاثًا وثلاثين، وتُسبِّحاه ثلاثًا وثلاثين، وتحمداه ثلاثًا وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من خادمٍ.

والقسم الثاني من الحديث يشهد له حديث أبي أيوب الذي بعده.

الشيخ: صارت الأحاديثُ العشر خمسةً: حديث فاطمة، وحديث أبي أيوب، وحديث أبي ذرّ، وحديث عبدالرحمن بن غنم، وحديث أبي عيَّاش، خمسة كلها يشهد بعضُها لبعضٍ، كلها فيها العشر بعد المغرب، وفي بعضها بعد الفجر، وفي بعضها فيهما جميعًا.

............

وَفِي "صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ" عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ يَرْفَعُهُ: مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ كُتِبَ لَهُ بِهِنَّ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ بِهِنَّ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ بِهِنَّ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكُنَّ لَهُ عِدْلَ عَتَاقَةِ أَرْبَعِ رِقَابٍ، وَكُنَّ لَهُ حَرَسًا مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ إِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ دُبُرَ صَلَاتِهِ فَمِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الِاسْتِفْتَاحِ: "اللَّهُ أَكْبَرُ عَشْرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَشْرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَشْرًا، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَشْرًا، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَشْرًا، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي عَشْرًا، وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَشْرًا"، فَالْعَشْرُ فِي الْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ كَثِيرَةٌ.

وَأَمَّا الْإِحْدَى عَشْرَةَ فَلَمْ يَجِئْ ذِكْرُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْبَتَّةَ، إِلَّا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ ذَكَرَ أبو حاتم فِي "صَحِيحِهِ".

الشيخ: يعني ابن حبان؛ لأنَّ عندهم كما لا يخفى عندهم أبو حاتم الرازي المعروف، ليس له كتاب معروف، وإنما له كتاب ولده عبدالرحمن يروي عنه ..... وغيره، وهو أوثق من أبي حاتم ابن حبان، وأشهر، وهو محمد بن إدريس بن المنذر، الرازي، المعروف، الإمام الحافظ الكبير، توفى سنة 277، وأما أبو حاتم ابن حبان فهو متأخِّر، وهو محمد بن حبان المعروف، صاحب "الصحيح"، وصاحب "روضة الأذكار"، وصاحب ..... المتوفى سنة 354 .....

وَقَدْ ذَكَرَ أبو حاتم فِي "صَحِيحِهِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صَلَاتِهِ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي جَعَلْتَهُ عِصْمَةَ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي جَعَلْتَ فِيهَا مَعَاشِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ نِقْمَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.

وَذَكَرَ الحاكمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ" عَنْ أبي أيوبَ أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ نَبِيِّكُمْ ﷺ إِلَّا سَمِعْتُهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَذُنُوبِي كُلَّهَا، اللَّهُمَّ أَنْعِمْنِي، وَأَحْيِنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ، إِنَّهُ لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَصْرِفُ عَنْ سَيِّئِهَا إِلَّا أَنْتَ.

الشيخ: ما علَّق على ابن حبان والحاكم؟

الطالب: الحديث الأول رواه ابن حبان من حديث ابن أَبِي السَّرِيِّ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: وَأَنَا أَسْمَعُ. قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ كَعْبًا حَلَفَ لَهُ بِالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى أَنَّا نَجِدُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ.

وهو ابن أبي السَّري، وهو محمد بن المتوكل، ضعيف، كثير الغلط، له مناكير كثيرة.

وجاء في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة، من غير تقييدٍ: أنه ﷺ كان يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دُنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياةَ زيادةً لي في كل خيرٍ، واجعل الموتَ راحةً لي من كل شرٍّ.

الشيخ: وهذا من الدَّعوات المطلقة التي ثبتت عنه ﷺ، من الدَّعوات المطلقة، غير مقيدة بالصلاة ولا غيرها. رواه مسلم، نعم. ذكر في الحاشية شيئًا؟

الطالب: رواه الحاكم، وفي سنده محمد بن سنان .....، وهو ضعيف، وعمرو بن مسكين لم يُوثقه غير ابن حبان، قال القاري: لا يُتابع عليه. وفي الباب عن أبي أمامة عند ابن السني، وفي سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف.

الشيخ: ينبغي للمؤمن أن يتحرى الأحاديث الصَّحيحة ويحرص عليها؛ لأنها أهم، أما الرِّوايات الضَّعيفة فهذه قد تشغله عمَّا هو أهمّ.

الطالب: الحديث السابق ..... علَّق عليه فيما مضى، قال: تارة يقول: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر"، الذي بعده: وتارةً يقول: "الله أكبر" عشر مرات، ثم يُسبح عشر مرات، ثم يحمد عشرًا، ثم يُهلل عشرًا، ثم يستغفر عشرًا، ثم يقول: "اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني" عشرًا، ثم قال: "اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة" عشرًا. المقام بالضم؟

الشيخ: الأظهر الفتح للقيام، يعني: ما هو للإقامة.

الطالب: حديث صحيح؛ رواه أبو داود في "الصلاة" باب "ما يُستفتح به للصلاة"، وابن ماجه في "الإقامة" باب "ما جاء في الدعاء إذا قام الرجلُ من الليل"، والنَّسائي في "صلاة الليل" باب "ذكر ما يُستفتح به القيام"، وأحمد في "المسند"، والطبراني في "الأوسط"، من حديث عائشة.

وَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" عَنِ الحارث بن مسلم التَّميمي قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْتَ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ يَوْمِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَكَ جِوَارًا مِنَ النَّارِ، وَإِذَا صَلَّيْتَ الْمَغْرِبَ فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَكَ جِوَارًا مِنَ النَّارِ.

الشيخ: في سنده التابعي هذا ليس بمعروفٍ بالعدالة، أيش قال المحشي عليه؟

الطالب: رواه ابن حبان، وأبو داود، وفي سنده مجهول، فهو ضعيف.

............

الشيخ: قد تتبعتُه فيما تقدم فما رأيتُ له شيئًا .....، الحاصل أنَّ التَّابعي الذي رواه عن أبيه ليس معروفًا.

س: ...............؟

ج: أبو داود مثلما هو قال.

س: ...............؟

ج: ما هو بظاهرٍ، محل نظرٍ؛ إن قاله الإنسانُ على سبيل التَّحري، لا من باب الجزم أنه سنة، من باب الرغبة في الخير لعل ولعل.

.............

وَقَدْ ذَكَرَ النَّسَائِيُّ فِي "السُّنَنِ الْكَبِيرِ" مِنْ حَدِيثِ أبي أُمامة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ، عَنْ أبي أمامة. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الحسين بن بشر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حِمْيَرَ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُصَحِّحُهُ، وَيَقُولُ: الحسين بن بشر قَدْ قَالَ فِيهِ النَّسَائِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ثِقَةٌ.

وَأَمَّا الْمُحَمَّدَانِ فَاحْتَجَّ بِهِمَا الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، قَالُوا: فَالْحَدِيثُ عَلَى رَسْمِهِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مَوْضُوعٌ. وَأَدْخَلَهُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ "الْمَوْضُوعَاتِ"، وَتَعَلَّقَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ حِمْيَرَ، وَأَنَّ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ قَالَ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ.

وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، وَوَثَّقُوا محمدًا، وَقَالَ: هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَجَلُّ مَنْ صَنَّفَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ الْبُخَارِيُّ، وَوَثَّقَهُ أَشَدُّ النَّاسِ مَقَالَةً فِي الرِّجَالِ: يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ.

وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عبدالله بن حسن، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ إِلَى الصَّلَاةِ الْأُخْرَى.

وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ أبي أمامة، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. وَفِيهَا كُلِّهَا ضَعْفٌ، وَلَكِنْ إِذَا انْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ مَعَ تَبَايُنِ طُرُقِهَا وَاخْتِلَافِ مَخَارِجِهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَهُ أَصْلٌ، وَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ.

وَبَلَغَنِي عَنْ شَيْخِنَا أبي العباس ابن تيمية قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا تَرَكْتُهَا عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ.

الشيخ: "التقريب" حاضر؟ انظر: الحسين بن بشر.

وَفِي "الْمُسْنَدِ" وَالسُّنَنِ: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ.

وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ"، والحاكم فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مسلم. وَلَفْظُ الترمذي: "بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ".

الطالب: الحسين بن بشر الطرسوسي، لا بأس به، من الحادية عشرة. (س).

الشيخ: انظر محمد بن حمير.

وَفِي "مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ" وَ"مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ" مِنْ حَدِيثِ عمر بن نبهان، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ عَنْ جابرٍ يَرْفَعُهُ: ثَلَاثٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ الْإِيمَانِ دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ، وَزُوِّجَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ حَيْثُ شَاءَ: مَنْ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ، وَأَدَّى دَيْنًا خَفِيًّا، وَقَرَأَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص]، فَقَالَ أبو بكر : أَوْ إِحْدَاهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَوْ إِحْدَاهُنَّ.

الشيخ: وأيش قال عليه؟

الطالب: ذكره الهيثمي في "المجمع"، ونسبه إلى أبي يعلى وقال: وفيه عمر بن نبهان، وهو متروك.

الشيخ: أيش قال على حديث محمد بن حمير؟

الطالب: رواه ابنُ حبان من حديث محمد بن حمير، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة. وإسناده صحيح، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب": رواه النَّسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح. وقال شيخنا أبو الحسن: وهذا شرط البخاري وابن حبان في كتاب "الصلاة" وصححه، وزاد الطبراني في بعض طرقه: وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  [الإخلاص]، وإسناده في هذه الزيادة جيد أيضًا. وقال الهيثمي في "المجمع": رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" بأسانيد، وأحدها جيد، وحديث أبي أمامة أخرجه ابن السني، وحديث المغيرة بن شعبة أخرجه أبو نعيم في "الحلية"، وسنده حسن.

طالب آخر: محمد بن حمير بن أنيس السّلمي -بفتح أوله ومُهملتين- الحمصي، صدوق، من التاسعة، مات سنة مئتين. (البخاري، وأبو داود في "المراسيل"، والنَّسائي).

الشيخ: السلمي نسبة إلى بني سلمة من الأنصار، والحاصل أنَّ هذا الحديث لا بأس به، وجيد، وله شواهد، وسنده كما هو ظاهر الآن واضح في الصحة، وهو يدل على استحباب قراءة آية الكرسي بعد كل صلاةٍ، يعني: سرًّا بينه وبين نفسه، آية الكرسي، بعد الاستغفار والذكر المشروع المعروف يأتي بآية الكرسي، وكذلك قراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين بعد كل صلاةٍ، كل هذا من المستحبَّات، مع التَّكرار ثلاثًا في المغرب وفي الفجر، في المعوذتين وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُستحبّ أن تُكرر ثلاثًا في المغرب والفجر.

س: ..............؟

ج: هذا ضعيف، الذي فيه قراءة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عشر مرات هذا ضعيف؛ لأنَّ عمر بن نبهان هذا مثلما قال المحشي: متروك.

س: ..............؟

ج: يعني ما هو بمعروفٍ، لكنه حمله عليه دينه وخوفه من الله.

س: ..............؟

ج: ذكر سبعة شواهد، لكن فيها مقال، كلها فيها مقال، لكن أحسنها رواية محمد بن حمير، عن محمد بن زياد.

س: ..............؟

ج: تصير شواهد له تدل على أنَّ له أصلًا .....

وَأَوْصَى معاذًا أَنْ يَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.

الشيخ: وكذلك الحديث الجيد الصَّحيح: اللهم أعني على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، أخرجه أحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي، وسنده جيد، يدل على شرعية هذا الدُّعاء، وألصق ما يكون قبل السلام؛ لأنه ..... محل الدعاء، وإن قاله بعد السلام أو بعد الذكر فلا بأس، لكن الدَّعوات في آخرها قبل السلام أكمل.

.............

وَدُبُرُ الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَكَانَ شَيْخُنَا يُرَجِّحُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ السَّلَامِ، فَرَاجَعْتُهُ فِيهِ، فَقَالَ: دُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ، كَدُبُرِ الْحَيَوَانِ.

الشيخ: هذا هو الأصل: أنَّ الدُّبر متَّصل، ويُطلق على ما حول الشيء وقربه، وما يتَّصل به يُسمَّى: دبرًا، ما كان حول الشيء فهو دبر، لكنه دبر مُنفصل، مثلما قال في حديث المغيرة في الصحيح: كان النبي ﷺ إذا سلَّم في دُبر كل صلاةٍ يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، سمَّاه: دبرًا بعد السلام لأنه متَّصل.

فَصْلٌ

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى إِلَى الْجِدَارِ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرَ مَمَرِّ الشَّاةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَتَبَاعَدُ مِنْهُ، بَلْ أَمَرَ بِالْقُرْبِ مِنَ السُّتْرَةِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى إِلَى عُودٍ أَوْ عَمُودٍ أَوْ شَجَرَةٍ.

الشيخ: في حديث أبي سعيدٍ قال: إذا صلَّى أحدُكم فليُصلِّ إلى سترةٍ، وليدنُ منها رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولكن يقرب والله أعلم أنَّ المراد أن يكون بينه وبين السُّترة ممر الشَّاة، يعني بينه وبين محلِّ السجود، يعني يكون بينه وبين محل السجود شيء يسير؛ حتى لا يصطدم بالسترة، ليس المراد أنَّ بينه وبين السترة محل قدميه، لا، لو كان محل القدمين ما أمكنه السجود ولا الركوع .....، ولكن المراد يعني بين السترة وبين محل السجود هذا ممر الشاة، يعني: قدر شبرٍ أو نحوه؛ حتى لا يصطدم بالسترة.

ويدل على هذا أنه لما صلَّى بالكعبة جعل بين موضع قدميه وبين الجدار الغربي ثلاثة أذرع، فدلَّ ذلك على أن السنة في الوقوف خلف السترة أن يكون هكذا بينه وبينها نحو ثلاثة أذرع أو ما يُقارب ذلك؛ حتى لا يصطدم في سترته من عودٍ أو كرسيٍّ أو غيره، قد يغفل فيصطدم إذا كان قريبًا.

وَكَانَ إِذَا صَلَّى إِلَى عُودٍ أَوْ عَمُودٍ أَوْ شَجَرَةٍ جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَلَمْ يَصْمُدْ لَهُ صَمْدًا.

الشيخ: هذا فيه نظر؛ فإنه جاء عن بعض الأحاديث هذا المعنى، ولكنها أحاديث فيها ضعف، وظاهر السنة أنه يستقبل السترةَ استقبالًا، ويجعلها أمامه، لا عن يمينه، ولا عن شماله، بل أمامه، أما هذا الخبر: "لا يصمد إليها صمدًا، بل يجعلها عن حاجبه الأيمن أو الأيسر"، ففيه ضعف، وليس بمحفوظٍ، وإنما السنة أن يستقبله استقبالًا؛ ولهذا في حديث أبي هريرة: إذا صلَّى أحدُكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، وحديث أبي سعيدٍ في "الصحيحين": إذا صلَّى أحدُكم فليجعل شيئًا يستره من الناس، وحديث أبي سعيدٍ الثاني: إذا صلَّى أحدُكم فليُصلِّ إلى سترةٍ، وليَدْنُ منها.

فقوله: "إلى" ظاهره أنه يُقابلها، وأنها تكون أمامه؛ ولأنَّ الستر هكذا يكون ..... أمام الإنسان، لا عن يمينه، ولا عن شماله.

والعجب من المؤلف: كيف خفي عليه هذا وعلى شيخه رحمه الله؟! وتتبعتُ هذا فلم أجد ما يدل على صحة هذا السند، بل فيه ضعف.

وَكَانَ يَرْكُزُ الْحَرْبَةَ فِي السَّفَرِ وَالْبَرِّيَّةِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، فَتَكُونُ سُتْرَتَهُ، وَكَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، وَكَانَ يَأْخُذُ الرَّحْلَ فَيَعْدِلُهُ فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ.

الشيخ: كذا عندك: يعرض؟ الذي أعرف: يعرض.

الطالب: ضبطها في الهامش: أخرجه البخاري في "السترة" باب "الصلاة إلى الراحلة"، وقوله: "يعرض" بضم الياء وتشديد الراء المكسورة، أي: يجعلها عرضًا. وقوله: "يعدله" بفتح أوله وسكون العين وكسر الدال، أي: يُقيمه تلقاء وجهه.

الشيخ: الضَّبط هذا محل نظرٍ ..... إذا عرض هذه جعلها أمامه مُعترضةً، يعرضها: يجعلها أمامه مُعترضةً، أما يعرض بالتَّشديد محل نظرٍ.

وَأَمَرَ الْمُصَلِّيَ أَنْ يَسْتَتِرَ وَلَوْ بِسَهْمٍ أَوْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا فِي الْأَرْضِ.

قَالَ أبو داود: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: الْخَطُّ عَرْضًا مِثْلُ الْهِلَالِ.

الشيخ: ..... هكذا مُقوس، وهو ظاهر النص؛ لأنه إذا كان الخطُّ هكذا كان أمامه، أما الخط المستقيم لا يكون كما ينبغي في السُّترة.

وَقَالَ عبدُالله: الْخَطُّ بِالطُّولِ، وَأَمَّا الْعَصَا فَتُنْصَبُ نَصْبًا.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُتْرَةٌ فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ: الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ.

وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ أبي ذرٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِاللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ.

وَمُعَارِضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وَصَرِيحٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. فَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِهَا لِمُعَارِضٍ هَذَا شَأْنُهُ.

الشيخ: نعم، مثلما قال المؤلفُ: الأحاديث صحيحة، والمعارض لها إما صحيح غير صريح، وإما صريح غير صحيح.

فإذا مرَّ بين يدي المصلي كلبٌ أسود أو حمار أو امرأة قطع صلاته، إلا إذا كان من وراء السترة، أما إذا كان بين يديه، قريبًا منه، أو بينه وبين السترة، فإنَّ هذه الثلاث تقطع صلاته كما قال ﷺ: يقطع صلاةَ المرء المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مُؤخرة الرَّحْل: المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسود، خرَّجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي ذرٍّ، وقال: يا رسول الله، ما بال الأسود من الأحمر والأصفر؟! قال: الأسود شيطان، وهكذا جاء من حديث أبي هريرة عند مسلم أيضًا، وابن عباس عند النَّسائي وغيره، كلها صحيحة.

س: هذا عام حتى في الحرمين؟

ج: المشهور عند العلماء استثناء مكة خاصَّة، ما قرب قرب الكعبة، خاصة المسجد الداخلي الذي حول الكعبة؛ لأنه في الغالب محل الزحام، وكان الصحابةُ لا يتوقون ذلك.

............

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَائِمَةٌ فِي قِبْلَتِهِ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَالْمَارِّ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَكُونَ لَابِثًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَكَذَا الْمَرْأَةُ يَقْطَعُ مُرُورُهَا الصَّلَاةَ دُونَ لُبْثِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

..........

الشيخ: هذا ما يضرّ، ليس بمرورٍ، يدل على جواز الصلاة إلى المعترض النَّائم.

س: ..............؟

ج: على كل حالٍ، المرور غير الاعتراض، غير الجلوس، وغير الاضطجاع.

س: قول عائشة: شبَّهتُمونا بالكلاب؟

ج: هذا اجتهادها، واجتهادها ما يُعارض به السنة، كلامها ما يُعارض السنة.

فَصْلٌ

فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ

كَانَ ﷺ يُحَافِظُ عَلَى عَشْرِ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ دَائِمًا، وَهِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا ابْنُ عُمَرَ: "حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ".

فَهَذِهِ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهَا فِي الْحَضَرِ أَبَدًا، وَلَمَّا فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ قَضَاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَدَاوَمَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَقَضَاءُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ عَامٌّ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ.

الشيخ: هذا فيه نظر، أما سنة الفجر فقد جاء فيها حديثٌ خاصٌّ بعد الصلاة لا بأس، أما العصر فقد سُئل عن هذا فقال: لا، وهكذا غيرها لا يُقضى في أوقات النَّهي، إنما هذا جاء في سنة الفجر خاصَّة، وفي الفرائض.

ثم في حديث عائشة رضي الله عنها ما يدل على أنَّ الأفضل في الظهر أن يكون قبلها أربع، قالت عائشةُ رضي الله عنها: "كان لا يدع أربعًا قبل الظهر"، ولعله يأتي به المؤلفُ.

وابن عمر حفظ عشرًا، وعائشة وجماعة وأم حبيبة وجماعة حفظوا اثنتي عشرة، كلها رواتب، كان يُحافظ عليها في حال الإقامة: أربع قبل الظهر، وثنتان بعدها، وثنتان بعد المغرب، وثنتان بعد العشاء، وثنتان قبل صلاة الصبح. وهذه التي جاءت في حديث أم حبيبة، رواه مسلم: مَن صلَّى ثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته بنى اللهُ له بهنَّ بيتًا في الجنة.

وأما المحافظة على صلاةٍ بعد العصر، وأنه استدامها، فهذا من خصائصه كما روت عائشةُ رضي الله عنها: أنه كان لم يدعها بعد العصر، وكان إذا عمل شيئًا أثبته. هذا من خصائصه فقط؛ لأنَّ بعد العصر وقت نهيٍ، وهكذا بعد الصبح وقت نهيٍ، لكن من خصائصه ﷺ أنه صلَّى ركعتين بعد العصر، وينهى عنها غيره.

س: إذا فاتته بعدية الظُّهر متى يقضيها؟

ج: يقضيها قبل العصر، قبل وقت العصر، يُصليها في وقتها، وإذا جاء العصرُ انتهت، فات وقتها، سنة فات وقتها.

س: ..............؟

ج: على كلٍّ، النبي سُئل عنها فأجاب بأن لا، وإن ثبت عن بعض الصحابة فلم يبلغه النَّهي، أم سلمة سألته قالت: أقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا.

وَأَمَّا الْمُدَاوَمَةُ عَلَى تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ فَمُخْتَصٌّ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ خَصَائِصِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَكَانَ يُصَلِّي أَحْيَانًا قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، كَمَا فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ.

فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَهَذَا أَظْهَرُ.

وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: كَانَ يَفْعَلُ هَذَا، وَيَفْعَلُ هَذَا، فَحَكَى كُلٌّ مِنْ عائشة وَابْنِ عُمَرَ مَا شَاهَدَهُ، وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ لَا مَطْعَنَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَ لَمْ تَكُنْ سُنَّةَ الظُّهْرِ، بَلْ هِيَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَانَ يُصَلِّيهَا بَعْدَ الزَّوَالِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ السَّائِبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ، وَقَالَ: إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ.

الطالب: رواه الإمامُ أحمد في "المسند"، والترمذي في "الصلاة" باب "ما جاء في الصلاة عند الزوال"، وإسناده حسن، وفي الباب عن أبي أيوب عند الطيالسي، وهو حسنٌ بالشَّواهد.

الشيخ: إن صحَّ فهو موافقٌ لحديث عائشة، ولا مانع أن يكون هو الراتبة هذا قبل الظهر؛ لأنَّ قبل الظهر يكون بعد الزوال، فلا منافاةَ، فمحتمل أن يكون هذا تارة وتارة عليه الصلاة والسلام، وقول عائشة: "لا يدع" حسب علمها، وابن عمر حسب علمه: رآه يُصلي قبل الظهر ثنتين حسب علمه، ويحتمل أنه كان هذا في آخر حياته، فإنه كان اجتهد في آخر حياته ..... الأعمال الصَّالحة، فزاد في راتبة الظهر، وجعلها أربعًا عليه الصلاة والسلام.

فالحاصل أنَّ أربعًا قبل الظهر أفضل، وإن اقتصر على ثنتين كفى ذلك؛ لكونه يُصلي أربعًا قبل الظهر، تكون الرواتب ثنتا عشرة، يكون هذا هو الأفضل؛ لأنَّ الزيادة مطلوبة، وإن صلَّى قبلها أربعًا وبعدها أربعًا كان أفضل وأفضل، كما روت أمُّ حبيبة: كان يُصلي أربعًا قبل الظهر، وأربعًا بعدها. و..... رضي الله عنها أن النبي قال: مَن صلَّى أربعًا قبل الظهر وأربعًا بعدها حرَّمه الله على النار.

س: ...............؟

ج: ما في حدٍّ محدود، وإن صلَّى حتى قبل الظهر، وإن صلَّى أكثر ما في بأس، إن صلَّى ستًّا أو ثمانيًا أو عشرًا ما في بأس، ما هو بوقت نهيٍ، هكذا قبل العصر، وهكذا قبل الجمعة، ما في حدٍّ محدود، صلَّى ثنتين أو أربعًا أو ستًّا أو ثمانيًا أو عشرًا أو أكثر، وقت صلاةٍ إلى أن يدخل الخطيبُ، وقت واسع، كان الصحابةُ بعضهم يُصلي إلى أن يأتي الخطيبُ، والنبي قال: مَن أتى منكم الجمعةَ ثم صلَّى ما قدر له، ولم يُحدد شيئًا عليه الصلاة والسلام.

س: ..............؟

ج: وقت الجمعة الصحيح، ذكر العلماء على الصحيح أنه ليس فيه وقت نهيٍ، مُستثنًى.

س: ..............؟

ج: في حديثٍ فيه ضعف عن أبي قتادة ..... الجمعة، لكن الأحاديث في الحثِّ على الصلاة إلى خروج الإمام، وعلى استثناء النبي له دلَّ على أنَّ يوم الجمعة غير داخلٍ، وفعل الصَّحابة كذلك.

وَفِي السُّنَنِ أَيْضًا عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا لَمْ يُصَلِّ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ صَلَّاهُنَّ بَعْدَهَا.

الطالب: رواه الترمذي في "الصلاة" باب "ما جاء في الركعتين بعد الظهر"، وإسناده حسن.

وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا فَاتَتْهُ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ صَلَّاهَا بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ.

وَفِي الترمذي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ".

وَذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ عائشةَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، يُطِيلُ فِيهِنَّ الْقِيَامَ، وَيُحْسِنُ فِيهِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ".

الطالب: رواه ابن ماجه في "إقامة الصلاة" باب "في الأربع ركعات قبل الظهر"، وفي إسناده قابوس بن أبي .....، وهو لين الحديث كما قال الحافظ في "التقريب"، ورجاله ثقات.

س: ..............؟

ج: نعم، هذا الأفضل: يُصليها بعدها؛ لأنَّ وقتها واحد، ظاهر رواية الترمذي فيما أعلم أنه يُصليها أولًا، ثم يُصلي الثِّنتين، وظاهر رواية ابن ماجه أنه يُصليها ثنتين، ثم أربعًا، لكن تراجع رواية ابن ماجه، والمؤلف رحمه الله علَّق الكتابَ في السفر، ولا يعتني ببعض الأسانيد رحمه الله؛ لأنه قد لا يتمكن من ذلك وهو في حال السفر، أيش قال على رواية ابن ماجه؟

الطالب: وقال ابنُ ماجه: كان رسولُ الله ﷺ إذا فاتته الأربعُ قبل الظهر صلَّاها بعد الركعتين. بعدها.

الشيخ: ما علَّق عليه؟

الطالب: بلى: رواه ابنُ ماجه، وهو حسن بما قبله.

الشيخ: ما يكفي، هذه عبارة مجملة، الذي أذكر من رواية الترمذي أنه يُقدمها، وهو أظهر في المعنى؛ لأنها مُتقدمة، فتُقدم، والأمر في هذا واسعٌ إن شاء الله.

س: ..............؟

ج: نعم، إذا جاء وقتُ العصر انتهت، سنَّة فات محلُّها.

س: ...............؟

ج: لا، لا، ما في قياس.

...............

فَهَذِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ هِيَ الْأَرْبَعُ الَّتِي أَرَادَتْ عائشةُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُنَّ.

وَأَمَّا سُنَّةُ الظُّهْرِ فَالرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ قَالَ عبدُالله بن عمر، يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ سُنَّتُهَا رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وَالْفَجْرُ مَعَ كَوْنِهَا رَكْعَتَيْنِ، وَالنَّاسُ فِي وَقْتِهَا أَفْرَغُ مَا يَكُونُونَ، وَمَعَ هَذَا سُنَّتُهَا رَكْعَتَانِ.

وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَرْبَعُ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ وِرْدًا مُسْتَقِلًّا، سَبَبُهُ انْتِصَافُ النَّهَارِ وَزَوَالُ الشَّمْسِ.

الشيخ: الله أعلم، لكن ظاهر السنة أنها سنة للظهر، ووافقت هذا الوقت، فسنة الظهر وفيها مناسبة انصراف الشمس ودخول وقت الظهر؛ ولهذا عدَّتها أمُّ حبيبة في روايتها عن النبي ﷺ تبع الظهر.

س: ..............؟

ج: تصير ستًّا: ثنتين الراتبة، وأربعًا زيادة على قول ابن القيم رحمه الله، ولكن الأفضل والأولى هي المشروعة، هي التي تسنّ قبل الظهر.

س: إذا نام عن صلاة الصبح، واستيقظ وقت طلوع الشمس، ينويها قضاءً أو أداءً؟

ج: يُصليها والأمر سهل ..... يُصلي سنةَ الفجر، ثم يُصلي الفريضة، تُسمَّى: قضاءً، وتُسمَّى: أداءً؛ لأنه القضاء هو الأداء، قضى كذا يعني: فعل كذا، أدَّى كذا، وهو عُرف اصطلاحي، ما يترتب عليه حكم.

وَكَانَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُصَلِّي بَعْدَ الزَّوَالِ ثَمَان رَكَعَاتٍ، وَيَقُولُ: "إِنَّهُنَّ يَعْدِلْنَ بِمِثْلِهِنَّ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ".

الشيخ: هذا يحتاج إلى أمرين:

الأول: ثبوت السند.

والثاني: هل يُقال أنَّ هذا مما لا يجوز فيه النَّظر، وأنه يكون بحكم المرفوع؟

وَسِرُّ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ انْتِصَافَ النَّهَارِ مُقَابِلٌ لِانْتِصَافِ اللَّيْلِ، وَأَبْوَابُ السَّمَاءِ تُفَتَّحُ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَيَحْصُلُ النُّزُولُ الْإِلَهِيُّ بَعْدَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ، فَهُمَا وَقْتَا قُرْبٍ وَرَحْمَةٍ، هَذَا تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَهَذَا يَنْزِلُ فِيهِ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا.

الشيخ: وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأنَّ التَّنزل الإلهي في الأحاديث المحفوظة في الثلث الأخير بعد مضي الثلثين، كما في حديث أبي هريرة في "الصحيحين" وغيره من الأحاديث المحفوظة الصَّحيحة: حين يمضي الثلثان، ويبقى الثلثُ الأخير، وفي روايةٍ: حين يمضي شطرُ الليل. ولكن أكثر الرِّوايات على حين يمضي الثُّلثان.

وَقَدْ رَوَى مسلمٌ فِي "صَحِيحِهِ" مِنْ حَدِيثِ أم حبيبة قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ.

وَزَادَ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ فِيهِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ.

قَالَ النَّسَائِيُّ: وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ بَدَلَ: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَصَحَّحَهُ الترمذيُّ.

وَذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عائشةَ تَرْفَعُهُ: مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنَ السُّنَّةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ.

وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ -أَظُنُّهُ قَالَ- قَبْلَ الْعَصْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ -أَظُنُّهُ قَالَ- وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ.

وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ مُدْرَجًا فِي الْحَدِيثِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ مَرْفُوعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْأَرْبَعُ قَبْلَ الْعَصْرِ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي فِعْلِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَدِيثُ عاصم بن ضمرة، عَنْ عليٍّ -الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ- أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي النَّهَارِ سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا لِصَلَاةِ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَكَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَبَعْدَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.

وَفِي لَفْظٍ: كَانَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الْعَصْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الظُّهْرِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَيُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا، وَيَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ.

وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَدْفَعُهُ جِدًّا، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ. وَيُذْكَرُ عَنْ أبي إسحاق الجوزجاني إِنْكَارُهُ.

الشيخ: الجوزجاني معروف، من بلاد جوزجان، حافظ، جيد، شيخ النَّسائي وأبي داود.

وَيُذْكَرُ عَنْ أبي إسحاق الجوزجاني إِنْكَارُهُ.

وَقَدْ رَوَى أحمد، وأبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَعَلَّلَهُ غَيْرُهُ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيَّ عَنْ حَدِيثِ محمد بن مسلم بن المثنى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا. فَقَالَ: دَعْ ذَا. فَقُلْتُ: إِنَّ أبا داود قَدْ رَوَاهُ، فَقَالَ: قَالَ أبو الوليد: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: "حَفِظْتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، فَلَوْ كَانَ هَذَا لَعَدَّهُ. قَالَ أَبِي: كَانَ يَقُولُ: "حَفِظْتُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً"، وَهَذَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ أَصْلًا.

الشيخ: يعني أنَّ هذا قول، وابن عمر ذكر شيئًا من فعل النبي ﷺ، وهذا من قوله، لا من فعله.

وَهَذَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ أَصْلًا؛ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ إِنَّمَا أَخْبَرَ بِمَا حَفِظَهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ، لَمْ يُخْبِرْ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْبَتَّةَ.

الشيخ: تقدم ..... المؤلف بأنه لم يصحّ، وهنا ظاهره الصحة حديث ابن عمر، وقد سبق لي أن تتبعتُه منذ ثلاث سنوات، واتَّضح لي أنه صحيحٌ، حديث ابن عمر هذا صحيح، وأنه مثلما أشار ابنُ القيم هنا، ففي قوله في أول الكلام أنه لم يصحّ، فيه تناقض، ولكنه رجع أخيرًا في هذا الكلام إلى صحَّته. أيش قال المحشي؟

الطالب: رواه أحمد في "المسند"، والترمذي في "الصلاة" باب "ما جاء في الأربع قبل العصر"، وأبو داود في "الصلاة" باب "الصلاة قبل العصر"، وسنده حسن، وصححه ابنُ حبان.

الشيخ: هذا هو المعتمد، هذا لا بأس به.

الطالب: والذي قبله؟

الشيخ: أيش؟

الطالب: حديث عاصم بن ضمرة؟

الشيخ: ما تتبعتُه، وعاصم فيه كلام كثير، ولا تتبعته، المحشي أيش قال؟

الطالب: رواه أحمد في "المسند"، والترمذي نحوه، وقال ابن ماجه في "إقامة الصلاة" باب "ما جاء فيما يُستحبّ من التَّطوع في النهار"، وقال الترمذي: حديث حسن. وهو كما قال، وقال إسحاق بن راهويه: أحسن شيءٍ رُوي في تطوع النبي ﷺ هذا.

الشيخ: الإمام أحمد رواه في "مسند عليٍّ"، ويأتي إن شاء الله "مسند عليٍّ" في درس الصبح، رواه فيما أذكر ..... عاصم بن ضمرة، وعاصم بن ضمرة هذا المعتمد لا بأس به، له روايات كثيرة عن عليٍّ، ولا أعلم فيه قادحًا يُسبب الحكم بأنه موضوع أو ضعيف، فالعجب من أبي العباس! الحكم من أبي العباس عجيب جدًّا! يحتاج إلى مزيد تأوُّلٍ في روايته.

الطالب: الشيخ ناصر ذكره في "السلسلة الصحيحة"، وصحَّحه .....؟

الشيخ: ما هو ببعيد.

الطالب: ابنُ القيم يقول: لم يصحّ عنه عليه الصلاة والسلام في فعلها شيء؟

الشيخ: يعني من هذا الحديث، حديث عاصم بن ضمرة.

س: ..............؟

ج: وأما أيش؟

الطالب: وأما الأربع قبل العصر فلم يصحّ عنه عليه السلام في فعلها شيء إلا حديث عاصم بن ضمرة.

الشيخ: في فعلها؟

الطالب: نعم.

الشيخ: حينئذٍ لا تناقض، انظر: عاصم بن ضمرة، "التقريب" حاضر؟

وَأَمَّا الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَصْحَابَهُ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ يَرَاهُمْ يُصَلُّونَهُمَا، فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ وَلَمْ يَنْهَهُمْ.

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ عَبْدِاللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.

وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ: أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّتَانِ، مَنْدُوبٌ إِلَيْهِمَا، وَلَيْسَتَا بِسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ كَسَائِرِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ.

الشيخ: ليست واجبةً، ليستا بسنةٍ، يعني: سنة لازمة، لما أمر قال: صلُّوا، وصلُّوا يقتضي الوجوب، ولما قال: لمن شاء زالت ظنيةُ الوجوب وحكم الوجوب، وبقي الاستحبابُ.

الطالب: عاصم بن ضمرة السَّلولي الكوفي، صدوق، من الثالثة، مات سنة أربعٍ وسبعين.

الشيخ: طيب، ما ..... في "الصحيحين" المحشي؟ حديث عبدالله المزني.

الطالب: رواه البخاري في "الصلاة في التطوع" باب "الصلاة قبل المغرب"، وفي "الاعتصام" باب "نهي النبي ﷺ عن التحريم إلا ما تعرف إباحته"، وأبو داود في "الصلاة" باب "الصلاة قبل المغرب"، وأحمد في "المسند"، من حديث عبدالله بن مغفل المزني، عن النبي ﷺ: صلوا قبل صلاة المغرب. قال في الثالثة: لمن شاء؛ كراهية أن يتَّخذها الناسُ سنةً.

ورواه مسلم في "صلاة المسافرين" باب "بين كل أذانين صلاة"، ولفظه: بين كل أذانين صلاة، قالها ثلاثًا، قال في الثالثة: لمن شاء.

ورواه ابن حبان في "الصلاة" باب "الصلاة قبل المغرب"، بلفظ: أن رسول الله ﷺ صلَّى قبل المغرب ركعتين. وإسناده صحيح.

الشيخ: المؤلف رحمه الله كأنه خفي عليه .....، أما صلوا هذه عند البخاري فقط، كما ذكر الحافظ وغيره، أما بين كل أذانين صلاة لفظ آخر غير لفظ: صلوا، هذا عام: بين كل أذانين هذا عام في الصَّلوات كلِّها.

س: ..............؟

ج: في محلِّه.

س: ..............؟

ج: ..... لكن كأنه تأدُّبٌ من المحشي، كأنه اعتراض فيه تأدب، فرواية مسلم ليست بهذا اللفظ، بل بلفظٍ آخر، بل ينبغي أن يُصرح: هذا اللَّفظ ليس في مسلمٍ، وإنما الذي في مسلم كذا وكذا.

وَكَانَ يُصَلِّي عَامَّةَ السُّنَنِ وَالتَّطَوُّعَ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ فِي بَيْتِهِ، لَا سِيَّمَا سُنَّة الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْبَتَّةَ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حنبل: السُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ.

الشيخ: سبق لنا في "سنن أبي داود" أنه لا بأس به، أنه صلَّاها في المسجد في بعض الأحيان وأطال أيضًا. ذكر الشارح أنَّ هذا يُحمل على أنه في بعض الأحيان، وأنَّ الغالب أنه صلَّاها في بيته عليه الصلاة والسلام، مرَّ قريبًا في "سنن أبي داود"، حطّ عليه إشارة.

كَذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ؛ قَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِذَا انْصَرَفُوا مِنَ الْمَغْرِبِ انْصَرَفُوا جَمِيعًا، حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ، كَأَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى أَهْلِيهِم. انْتَهَى كَلَامُهُ.

فَإِنْ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ، وَتَقَعُ مَوْقِعَهَا؟

اخْتَلَفَ قَوْلُهُ، فَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عبدالله أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي الْمَسْجِدِ مَا أَجْزَأَهُ. فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ هَذَا الرَّجُلُ! وَمَا أَجْوَدَ مَا انْتَزَعَ!

الشيخ: وهذا فيه نظر لأمرين:

الأمر الأول: فعل الصلاة في البيت من باب الفضيلة، كما قال ﷺ: أفضل صلاةِ المرء في بيته إلا المكتوبة، جعلها أفضلَ فقط، كما في "الصحيحين"، يدل على أنه إذا صلَّاها في المسجد فلا بأس.

الأمر الثاني: ما تقدم أنه صلَّاها في بعض الأحيان في المسجد -سنة المغرب- هذه قاعدة، لكن إذا صليت في المسجد فلا بأس، لكن الأفضل في البيت؛ ولهذا في "الصحيحين" من حديث زيد بن ثابتٍ ، عن النبي ﷺ أنه قال: أفضل، ما قال: لا تُصلوا إلا في البيت. أو لا يجوز إلا في البيت. قال: أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، فدلَّ على أنه إذا صلَّى الضُّحى في المسجد أو سنة الظهر أو المغرب أو العشاء أو الفجر في المسجد كله لا بأس به، لكنه ترك الأفضل فقط.

قَالَ أبو حفصٍ: وَوَجْهُهُ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ.

وَقَالَ المروزي.

الشيخ: لعله المروذي؛ لأنَّ المروزي في "صحيح مسلم": محمد بن نصر.

س: .............؟

ج: ما أعلم في أصحاب أحمد إلا هذا: أبو بكر المروذي، تارة يترك كنيته، وتارة ..... كنيته.

وَقَالَ المروذي: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي الْمَسْجِدِ يَكُونُ عَاصِيًا. قَالَ: مَا أَعْرِفُ هَذَا، قُلْتُ لَهُ: يُحْكَى عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ عَاصٍ.

الشيخ: وهذا غلط أيضًا قبيح، غلط فاحش.

قَالَ: لَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: اجْعَلُوهَا فِي بُيُوتِكُمْ، قَالَ أبو حفص: وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْفَرْضَ فِي الْبَيْتِ، وَتَرَكَ الْمَسْجِدَ أَجْزَأَهُ، فَكَذَلِكَ السُّنَّةُ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَلَيْسَ هَذَا وَجْهَهُ عِنْدَ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا وَجْهُهُ أَنَّ السُّنَنَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا مَكَانٌ مُعَيَّنٌ، وَلَا جَمَاعَةٌ، فَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الشيخ: هذا هو الصواب، نعم ..... أشبع المقام في هذه المسائل، مع كونه ذكر أنه كتبه في السفر، هذا يدل على حفظٍ عظيمٍ، كيف إذا كان في الحضر؟ كيف تكون الحال؟ والله المستعان، سبحان الله! ما أعظم شأنه! يُعطي الحفظَ من يشاء .

س: ...............؟

ج: كان هناك بعض الكتب، لكن على كل حالٍ ما هو مثل حاله في البلد، غير، كتب السفر غير كتب البلد، أقلّ، كأنه قد يسَّر اللهُ له من الكتب الشيء الكثير، وكان إذا ارتحل ارتحل بشيءٍ كثيرٍ من الكتب، لكن له مثل الذي في البلد.

س: ...............؟

ج: ظاهر كلامه، ظاهر كلامه.

وَفِي سُنَّةِ الْمَغْرِبِ سُنَّتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ بِكَلَامٍ.

قَالَ أحمدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ الميموني والمروزي.

الشيخ: لعله: المروذي، الميموني والمروذي. إذا أراد المروزي نبَّه عليه.

فِي رِوَايَةِ الميموني والمروذي: يُسْتَحَبُّ أَلَّا يَكُونَ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَهُمَا كَلَامٌ.

وَقَالَ الحسنُ بن محمد: رَأَيْتُ أحمد إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَامَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، وَلَمْ يَرْكَعْ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الدَّارَ.

قَالَ أبو حفص: وَوَجْهُهُ قَوْلُ مكحولٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ رُفِعَتْ صَلَاتُهُ فِي عِلِّيِّينَ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَّصِلُ النَّفْلُ بِالْفَرْضِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

الشيخ: هذا مرسل، ولا تقوم به الحُجَّة، ولا سيما مراسيل مكحول وأشباهه، لا قيمةَ له، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يقوم بعد الصلاة بعدما يأتي بالأذكار الشَّرعية، ثم يدخل بيته فيُصلي الراتبةَ في بيته، وربما صلَّاها في المسجد بعض الأحيان، وليس في الكلام بينها وبين الصلاة شيء يثبت، فإذا صلَّى وأتى بالأذكار الشَّرعية فلا مانع من أن يتكلم مع سائلٍ، ويُسلم على مَن سلَّم، ويرد السلام، إلى غير هذا من المسائل، ولا حرج في ذلك.

وسنة الفجر ألصق بالفجر، ومع هذا يتكلم بعد سنة الفجر، وهي ألصق بالفجر من المغرب وسنَّتها، فكيف بسنة المغرب؟ من باب أولى.

المقصود أنه يتكلم بعد الفريضة قبل أن يُصلي الراتبة بما شاء من الكلام الجائز، وردّ السلام، ويبدأ بالسلام، ويتحدث مع مَن يتحدث: في المسجد، أو في الطريق، كل هذا لا حرجَ فيه، أما مرسل مكحول فلا يُعول عليه، ما علَّق عليه؟

الطالب: بلى، ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" في "الصلاة" باب "الترغيب في الصلاة بين المغرب والعشاء"، عن مكحولٍ يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: مَن صلَّى بعد المغرب قبل أن يتكلم ركعتين -وفي روايةٍ: أربع ركعاتٍ- كُتبت صلاته في عليين. وقال: ذكره رزين، ولم أرهُ .....، وإسناده مُنقطع.

الشيخ: زيادات رزين لا قيمةَ لها أيضًا، ليس لها أصل، مرسل، ومن جهة رزين فقد جمع فيه بلاءان.

............

الشيخ: على ما جمع من "الصحيحين" و"سنن أبي داود"، والنسائي، والترمذي، والسادس نسيته: "الموطأ" أو ابن ماجه، هو أصل "جامع الأصول"، رزين بن معاوية العبدري زيادته، يُوجد له زيادات لا أصلَ لها، والعجب من المؤلف ابن القيم: كيف جزم بهذا؟! وهذا مما يُتعجب له! مع حفظه وفهمه وإتقانه رحمه الله.

وَالسُّنَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تُفْعَلَ فِي الْبَيْتِ، فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ، وأبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ بَعْدَهَا، فَقَالَ: هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ.

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَالَ فِيهَا: ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ.

الشيخ: هذا هو الأفضل، أيش قال عليه المحشي؟

الطالب: رواه النَّسائي في "صلاة الليل" باب "الحث على الصلاة في البيوت"، والترمذي في "الصلاة" باب "ما ذكر في الصلاة بعد المغرب أنه في البيت أفضل"، وأبو داود في "الصلاة" باب "ركعتي المغرب أين تُصليان"، وفي سنده إسحاق بن كعب، وهو مجهول الحال، وباقي رجاله ثقات، لكن رواية محمود بن لبيد السابقة تشهد له وتُقويه، وأما رواية رافع بن خديج عند ابن ماجه ففيها عبدالوهاب بن الضحاك العرضي، فهو متروك، وكذَّبه أبو حاتم.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ فِعْلُ عَامَّةِ السُّنَنِ وَالتَّطَوُّعِ فِي بَيْتِهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "حَفِظْتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ".

وَفِي "صَحِيحِ مسلم" عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي بَيْتِي أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ".

وَكَذَلِكَ الْمَحْفُوظُ عَنْهُ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ، إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهِ كَمَا قَالَتْ حفصةُ.

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ.

وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذِكْرِ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا، وَالصَّلَاةِ قَبْلَهَا، عِنْدَ ذِكْرِ هَدْيِهِ فِي الْجُمُعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: أَيُّهَا النَّاسُ، صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ.

الشيخ: وهذا رواه الشَّيخان عن زيد بن ثابت أنه قال: "أفضل صلاةِ المرء في بيته إلا المكتوبة".

س: ..............؟

ج: لا، ما تُقضى إلا التَّهجد بالليل، يُصلَّى الضحى، إذا فاته التَّهجد بالليل صلَّاها الضُّحى.

س: ..............؟

ج: هو هذا: صلاته النَّوافل في بيته: بعد الظهر في بيته، بعد العشاء في بيته، بعد المغرب في بيته، في أوقاتها، أما بعد خروج أوقاتها لا تُقضى إلا التَّهجد بالليل يُصليها نهارًا.

س: ................؟

ج: هذا عن أم سلمة، لكن هذا خاصٌّ به عليه الصلاة والسلام.

وَكَانَ هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِعْلَ السُّنَنِ وَالتَّطَوُّعَ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لِعَارِضٍ، كَمَا أَنَّ هَدْيَهُ كَانَ فِعْلَ الْفَرَائِضِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا لِعَارِضٍ: مِنْ سَفَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَمْنَعُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ.

وَكَانَ تَعَاهُدُهُ وَمُحَافَظَتُهُ عَلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ أَشَدَّ مِنْ جَمِيعِ النَّوَافِلِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهَا هِيَ وَالْوِتْرَ، سَفَرًا وَحَضَرًا، وَكَانَ فِي السَّفَرِ يُوَاظِبُ عَلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ أَشَدَّ مِنْ جَمِيعِ النَّوَافِلِ دُونَ سَائِرِ السُّنَنِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِي السَّفَرِ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى سُنَّةً رَاتِبَةً غَيْرَهُمَا؛ وَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَيَقُولُ: "سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَ أبي بكر وعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَكَانُوا لَا يَزِيدُونَ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ".

وَهَذَا وَإِنِ احْتَمَلَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُرَبِّعُونَ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا السُّنَّةَ، لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: "لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ"، وَهَذَا مِنْ فِقْهِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ خَفَّفَ عَنِ الْمُسَافِرِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ شَطْرَهَا، فَلَوْ شُرِعَ لَهُ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا لَكَانَ الْإِتْمَامُ أَوْلَى بِهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ: أَيُّ الصَّلَاتَيْنِ آكَدُ: سُنَّةُ الْفَجْرِ أَوِ الْوِتْرُ؟

عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الْوِتْرِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي وُجُوبِ سُنَّةِ الْفَجْرِ.

وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ: سُنَّةُ الْفَجْرِ تَجْرِي مَجْرَى بِدَايَةِ الْعَمَلِ، وَالْوِتْرُ خَاتِمَتُهُ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ وَالْوِتْرَ بِسُورَتَيِ الْإِخْلَاصِ، وَهُمَا الْجَامِعَتَانِ لِتَوْحِيدِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَتَوْحِيدِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَتَوْحِيدِ الِاعْتِقَادِ وَالْقَصْدِ. انْتَهَى.

الشيخ: وهذه المناسبة وجيهة؛ ولهذا كان يُحافظ على سنة الفجر في السفر والحضر، وهي مبدأ عمل النهار، والوتر هو ختام صلاة الليل، وكان يُحافظ على الوتر أيضًا كذلك، فهذه المناسبة لها وجاهتها، ويقرأ في سنة الفجر: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون]، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص]، وهما سورتا الإخلاص، سورتا التوحيد، وهكذا في ركعتي الوتر يقرأ في الثانية من الثِّنتين: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وفي الوتر: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، كانت المناسبة في ختام صلاة الليل بسورتي الإخلاص، وفي بدء صلاة النهار بسورتي الإخلاص، وهكذا أيضًا يقرأهما في سنَّة المغرب، فيجعل هاتين السُّورتين في أول النهار، وفي أول الليل، وفي خاتمة الليل.

فَسُورَةُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَوْحِيدِ الِاعْتِقَادِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَمَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلرَّبِّ تَعَالَى مِنَ الْأَحَدِيَّةِ الْمُنَافِيَةِ لِمُطْلَقِ الْمُشَارَكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَالصَّمَدِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا يَلْحَقُهَا نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَنَفْيِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الصَّمَدِيَّةِ، وَغِنَاهُ وَأَحَدِيَّتِهِ، وَنَفْيِ الْكُفْءِ الْمُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَالتَّنْظِيرِ.

فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إِثْبَاتَ كُلِّ كَمَالٍ لَهُ، وَنَفْيَ كُلِّ نَقْصٍ عَنْهُ، وَنَفْيَ إِثْبَاتِ شَبِيهٍ أَوْ مَثِيلٍ لَهُ فِي كَمَالِهِ، وَنَفْيَ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وَهَذِهِ الْأُصُولُ هِيَ مَجَامِعُ التَّوْحِيدِ الْعِلْمِيِّ الِاعْتِقَادِيِّ الَّذِي يُبَايِنُ صَاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضَّلَالِ وَالشِّرْكِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَدَارُهُ عَلَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ، وَالْإِنْشَاءُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَإِبَاحَةٌ.

وَالْخَبَرُ نَوْعَانِ: خَبَرٌ عَنِ الْخَالِقِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ. وَخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ.

فَأَخْلَصَتْ سُورَةُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الْخَبَرَ عَنْهُ، وَعَنْ أَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ، فَعَدَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَخَلَّصَتْ قَارِئَهَا الْمُؤْمِنَ بِهَا مِنَ الشِّرْكِ الْعِلْمِيِّ، كَمَا خَلَّصَتْ سُورَةُ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ مِنَ الشِّرْكِ الْعَمَلِيِّ الْإِرَادِيِّ الْقَصْدِيِّ.

وَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَهُوَ إِمَامُهُ وَقَائِدُهُ وَسَائِقُهُ، وَالْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَمُنْزِلُهُ مَنَازِلَهُ، كَانَتْ سُورَةُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ تَكَادُ تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ، وَالْحَدِيثُ بِذَلِكَ فِي الترمذي مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَرْفَعُهُ: إِذَا زُلْزِلَتِ [الزلزلة] تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص] تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون] تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ. رَوَاهُ الحاكم فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

الطالب: رواه الترمذي في "ثواب القرآن" باب .....، والحاكم في "المستدرك"، وفي سنده جمهان بن المغيرة .....، وهو ضعيف، لكن .....

الشيخ: نعم.

وَلَمَّا كَانَ الشِّرْكُ الْعَمَلِيُّ الْإِرَادِيُّ أَغْلَبَ عَلَى النُّفُوسِ لِأَجْلِ مُتَابَعَتِهَا هَوَاهَا، وَكَثِيرٌ مِنْهَا تَرْتَكِبُهُ مَعَ عِلْمِهَا بِمَضَرَّتِهِ وَبُطْلَانِهِ؛ لِمَا لَهَا فِيهِ مِنْ نَيْلِ الْأَغْرَاضِ، وَإِزَالَتُهُ وَقَلْعُهُ مِنْهَا أَصْعَبُ وَأَشَدُّ مِنْ قَلْعِ الشِّرْكِ الْعِلْمِيِّ وَإِزَالَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَزُولُ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ صَاحِبُهُ أَنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ شِرْكِ الْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَرْتَكِبُ مَا يَدُلُّهُ الْعِلْمُ عَلَى بُطْلَانِهِ وَضَرَرِهِ لِأَجْلِ غَلَبَةِ هَوَاهُ، وَاسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ عَلَى نَفْسِهِ، فَجَاءَ مِنَ التَّأْكِيدِ وَالتَّكْرَارِ فِي سُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون] الْمُتَضَمِّنَةِ لِإِزَالَةِ الشِّرْكِ الْعَمَلِيِّ مَا لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ فِي سُورَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص].

وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ شَطْرَيْنِ: شَطْرًا فِي الدُّنْيَا وَأَحْكَامِهَا، وَمُتَعَلَّقَاتِهَا، وَالْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَغَيْرِهَا. وَشَطْرًا فِي الْآخِرَةِ وَمَا يَقَعُ فِيهَا، وَكَانَتْ سُورَةُ إِذَا زُلْزِلَتِ [الزلزلة] قَدْ أُخْلِصَتْ مِنْ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا لِهَذَا الشَّطْرِ، فَلَمْ يُذْكُرْ فِيهَا إِلَّا الْآخِرَةُ وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ أَحْوَالِ الْأَرْضِ وَسُكَّانِهَا، كَانَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ، فَأَحْرَى بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ وَلِهَذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ؛ وَلِأَنَّهُمَا سُورَتَا الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ كَانَ يَفْتَتِحُ بِهِمَا عَمَلَ النَّهَارِ، وَيَخْتِمُهُ بِهِمَا، وَيَقْرَأُ بِهِمَا فِي الْحَجِّ الَّذِي هُوَ شِعَارُ التَّوْحِيدِ.

فَصْلٌ

وَكَانَ ﷺ يَضْطَجِعُ بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ.

س: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ تعدل ربع القرآن. يصل إلى درجة الحسن؟

ج: فيه نظر.