هذا القبر الذي ذكره السائل لا نعرف صاحبه، ولكن بكل حال فلا يجوز إتيان القبور لدعائها والاستغاثة بأهلها والنذر لهم، سواء كان هذا القبر أو غيره، لا قبر فتحي ولا غيره، فلا يجوز للمسلمين ذكوراً كانوا أو إناثاً أن يأتوا القبور لدعائها، والاستغاثة بأهلها، أو النذر لهم أو التمسح بقبورهم، أو ما أشبه ذلك؛ فهذا منكر ولا يجوز ومن الشرك الأكبر؛ لأن دعاء الميت والاستغاثة به من الشرك الأكبر، فعلى أهل العلم أن يوضحوا للنساء وغير النساء أن هذا لا يجوز، وأن عليهن أن يسألن الله جل وعلا، إذا نزل بهن بأس من مرض أو غيره أن يسألن الله، ويضرعن إليه في سجودهن، وفي آخر الصلاة وفي آخر الليل، وبين الأذان والإقامة وفي غير ذلك من الأوقات يسألن الله جل وعلا الشفاء والعافية.

ومن ذلك الاستشفاء بالرقية، فيرقي بعضهن بعضاً بالرقية الشرعية: ((اللهم رب الناس أذهب البأس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً))، وبقراءة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين، والفاتحة وآية الكرسي، وغير ذلك من الآيات القرآنية.

فالمقصود أن إتيان القبور لسؤال أهلها الشفاء أو النصر أو ما أشبه ذلك، منكر ومن الشرك الأكبر، وهذا من عمل الجاهلية، وإنما تزار القبور للسلام على أهلها والدعاء لهم، والترحم عليهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين))، ويدعو لهم: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، ونحو هذا، فهذه هي الزيارة الشرعية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزور قبور البقيع فيقول: ((السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر)).

هذه هي الزيارة الشرعية، أما الزيارة لدعاء الميت، أو الاستغاثة بالميت فهذا من الشرك الأكبر، وهكذا الطواف بقبره يرجو شفاعته أو يرجو عائدته أو يرجو أن يشفي مرضه، فكل هذا من الشرك الأكبر، وهكذا التمسح بتراب القبر والاستشفاء بتراب القبر، فهذا من عمل الجاهلية ومن الشرك الذي حرمه الله عز وجل.

فالواجب على أهل العلم أن ينبهوا العامة، وأن يوضحوا لهم أن هذا لا يجوز، وأن الله هو الذي يسأل سبحانه وتعالى ويرجى لشفاء المرض والنصر على الأعداء ونحو ذلك سبحانه وتعالى. وهو القائل جل وعلا: فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا[1]، والقائل: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[2]، وقال سبحانه وتعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ[3].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الدعاء هو العبادة))، فلا يجوز أن يدعى غير الله، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الدعوة لله وحده وهو الذي يرجى ويدعى سبحانه وتعالى.

ولا يجوز أن يقال: يا رسول الله، اشف مريضي، انصرني، أو يا شيخ فتحي أبو عبد الله انصرني، أو يا شيخ عبد القادر الجيلاني انصرني أو اشف مريضي، أو يا سيدي البدوي، أو يا سيدي الحسين، أو ما أشبه ذلك؛ فكل هذا منكر، وكله من الشرك الأكبر، فالواجب التنبه لهذا الأمر من الإخوان في العراق وغيرها.

والواجب على أهل العلم وفقهم الله أن يوضحوا للناس حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك، وأن ينكروا على العامة ما يقعون فيه من الشرك بالله عند قبور من يسمونهم بالأولياء.

فالحاصل: أن هذه أمور عظيمة يجب على أهل العلم أن يهتموا بها وأن يعتنوا بها حتى ينقذوا العامة من الشرك، وحتى يوجهوهم إلى توحيد الله والإخلاص له، ودعائه سبحانه، ورفع الأيدي له جل وعلا، فهو الذي يشفي ويكفي سبحانه وتعالى، فهو الشافي لعباده سبحانه وهو المالك لكل شيء، وهو القادر على كل شيء سبحانه وتعالى.

وأما ما قد يقع لبعض الناس من كونه يدعو الميت ويشفى فهذا قد يقع استدراجاً وابتلاءً وامتحاناً، والله هو الشافي سبحانه وتعالى، وقد يكون المرض من أسباب الشياطين؛ يسببون المرض للإنسان حتى إذا دعا الميت كفوا عنه ما قد فعلوا به.

فالحاصل: أن هذا ليس بحجة، فكون المريض يأتي إلى الميت ويدعوه، ويستغيث فيشفى سريعاً، هذا قد يكون استدراجاً وابتلاءً وامتحاناً، حتى يمتحن صبره وإيمانه، فلا يغتر بهذا.

وقد يصادف القدر الذي قدره الله بالشفاء، فيظن أنه من أسباب الميت، وقد يكون شيء من أسباب الشيطان، فقد يفعل الشيطان بالإنسان شيئاً، يعني يعمل له عملاً يؤذيه ويضره ويمرض منه، فإذا ذهب إلى الميت ودعاه وسأله كف عنه هذا الشيطان، حتى يغريه بالشرك، وحتى يوقعه بالشرك، وحتى يظن هذا الجاهل أن هذا من عمل الولي، وأنه هو الشافي، وهذا من أقبح الغلط والمنكر. فالله هو الذي يشفي ويعافي سبحانه وتعالى.

والولي وغير الولي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فهو مملوك لله سبحانه وتعالى، وهو النافع الضار عز وجل، فينبغي التنبه لهذا الأمر.