هل من ترك الصلاة عمداً يكون كافراً؟

السؤال:

سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

نرجعوا من سماحتكم أن تقولوا لنا رأيكم في مسألة أحترنا فيها بسبب تعدد الأراء، وهي:

يقول الرسول ﷺ : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر. ويقول عليه الصلاة والسلام: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. فنرجو من سماحتكم أن توضحوا لنا معنى كلمة: (الكفر)؟ ومتى يُعد المرء كافراً؟ وهل المقصود من الحديث أن تارك الصلاة يُعتبر كافراً إذا تركها تكاسلاً وخمولاً، أم إذا تركها جحوداً وإنكاراً، أم إذا تركها بأي حال من الأحوال؟ أفتونا في ذلك، جزاكم الله خيراً.

الجواب:

ترك الصلاة من أعظم الجرائم ومن أعظم الكبائر؛ لأن الصلاة عمود الإسلام ولأنها أعظم الأركان بعد الشهادتين، فإن تركها جاحداً لوجوبها أو مستهزءاً بها أو ساخراً بها، ولو فعلها فهذا يكون كافراً بإجماع المسلمين، ويكون مرتداً عن الإسلام إذا تركها جاحداً لوجوبها أو استهزأ بها أو سخر منها فإن هذا يعتبر كافراً كفراً أكبر، ومرتداً عن الإسلام بإجماع المسلمين.

أما إذا تركها تكاسلاً وتساهلاً ويعلم أنها واجبة وليس ساخراً بها ولا مستهزءً بها ولكنه يحترمها ولكنه ربما تركها لبعض الأوقات تساهلاً وتكاسلاً كما يفعل بعض الناس في صلاة الفجر لا يصليها وربما ترك صلاة العصر أو صلاة العشاء أو نحو ذلك فهذا فيه خلاف من أهل العلم، فمن أهل العلم من قال أنه يكون كافراً كفراً أكبر ويحتج بالحديثين الذين ذكرتهما أيها السائل، وهما حديثان صحيحان عن النبي ﷺ أحدهما قوله ﷺ: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر خرجه الأمام أحمد بن حنبل في المسند بإسنادٍ جيد وخرجه أيضاً أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون بإسناد صحيح عن بريده بن حصيب الأسلمي  النبي ﷺ أنه قال: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر. والحديث الثاني قوله ﷺ: بين الرجل وبين الكفرو الشرك ترك الصلاة. خرجه الإمام مسلم في صحيحه، عن جابربن عبدالله رضي الله تعالى عنهما- عن النبي ﷺ قالوا: والكفر إذا عُرِّف فهو كفر أكبر، وهكذا الشرك إذا عُرِّف فهو الشرك الأكبر، فالمعنى بين الرجل وبين الوقوع في الكفر الأكبر والشرك الأكبر تركه الصلاة، وهذا يعم من تركها جاحداً ومن تركها متكاسلاً، وهذا القول هو الصواب، وهو الأصح من قولي العلماء أن من تركها تكاسلاً يكون كافراً كفراً أكبر، ويدل على هذا أيضاً الحديث الثالث وهو قوله ﷺ لما سئل عن الأمراء الذين يخلّون بالدين بعده -عليه الصلاة والسلام- قال: إنه سيأتي عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، قالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم قال: لا، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان. هكذا جاء في الحديث الصحيح في الصحيحين. وفي رواية : ما أقاموا فيهم الصلاة. فدل على أن ترك الصلاة وعدم إقامتها يعتبر من الكفر البواح الذي يوجب القيام على الوالي إذا ترك ذلك ويعتبر بذلك كافراً كفراً بواحاً يجب أن يقام عليه من المسلمين حتى يُولى غيره على المسلمين، فالمقصود أن ترك الصلاة على الأصح يعتبر كفراً بواحاً.

وذهب آخرون من العلم إلى تأويل هذين الحديثين وأن المراد كفر دون كفر وشرك دون شرك، وأنه لا يكفر بذلك إلا إذا جحد وجوبها أو استهزأ بها، بل يكون عاصياً أو قد أتى جريمة عظيمة أوكبيرة عظيمة ولكن لا يكون كافراً كفراً أكبر وأن يرى المعروف عند الإمام مالك والشافعي وأبي حنيفة وجماعة، ولكن القول الأول الأصح وأصوب وأقرب للدليل، فالواجب على كل مسلم أن يحذر ذلك، وأن يستقيم على أداء الصلاة، وألا تمنعه وظيفته أو شهواته من إقامة الصلاة في وقتها، بل يجب أن يحذر ذلك، وكذلك لا يجوز له أن يطاوع جلساء السوء في ذلك، بل يجب أن يحذر ذلك، وأن يكون قوياً على جلساء السوء يأمرهم بالصلاة ويعينهم عليها، وإذا تركوها فارقهم وخالفهم وأداها في وقتها، هذه نصيحتي لكل مسلم فليتق الله كل مسلم وليحذر ترك الصلاة فإن تركها من أعظم الجرائم، بل تركها كفر أكبر في أصح قولي العلماء، بسببه لا يجوز له أن تبقى معه زوجته المسلمة، بل عليها أن تفارقه وأن تمتنع منه حتى يتوب إلى الله من ترك الصلاة، وفق الله الجميع للعافية والهداية.

المقدم: اللهم آمين، إذاً إذا أذن لي سماحة الشيخ في ملخص للإجابة: من تركها تكاسلاً وتهاوناً فهو كافر؟

الشيخ: نعم، كفر أكبر في الصحيح -في أصح قولي العلماء-.

المقدم: فمن تركها جاحداً لوجوبها؟

الشيخ: ... من تركها جاحداً هذا بالإجماع، فقد أجمع المسلمون على أنه كافر كفراً أكبر، لكن من تركها تكاسلاً وهو يعلم أنها واجبة ويعترف أنها واجبة ولكن يحمله الكسل والتهاون وقلة المبالاة على تركها فهذا هو الذي فيه الخلاف، والصواب أنه يكون كافراً كفراً أكبر للأحاديث التي سمعتها في الجواب.

فتاوى ذات صلة