مشروعية زيارة المسجد النبوي وحرمة الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام

السؤال: نسمع الكثير من الحجاج وغيرهم إذا دخلوا المسجد النبوي نادى رسول الله ﷺ بقوله: يا رسول الله! أتيتك من بلاد كذا وكذا فاشف مريضي واقض حاجتي وارزقني كذا وكذا إلى آخره، فما هو توجيه سماحتكم لهؤلاء أعزكم الله؟

الجواب: الزيارة للمسجد النبوي سنة وقربة وطاعة ويشد لها الرحال، لقوله ﷺ: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى فهذه الثلاثة المساجد هي أفضل مساجد الدنيا ولهذا شرع الله شد الرحال لها للعبادة، المسجد الحرام للحج والعمرة والصلاة فيه والقراءة والاعتكاف، والمسجد النبوي للصلاة فيه والقراءة والذكر والاعتكاف والتعلم والتعليم كما في المسجد الحرام، لكن يختص المسجد الحرام بالطواف؛ لأن الله شرع الطواف به ويقصد لأداء الحج والعمرة أما المسجد النبوي فيقصد لما يقصد في بقية المساجد من الصلاة فيه والقراءة فيه والذكر والاعتكاف ونحو ذلك، لقول النبي ﷺ: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة فهذا فضل عظيم، والسنة للزائر إذا زار المسجد أن يسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، يقف على قبره وقبر صاحبيه ويسلم على الجميع عليه الصلاة والسلام، فيقف أمام القبر الشريف ويقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله عن أمتك أفضل الجزاء وأحسنه. وإن اكتفى بالسلام فقط وانصرف فلا بأس، ثم يأخذ عن يمينه قليلاً فيسلم على الصديق ويقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق ورحمة الله وبركاته جزاك الله عن أمة محمد خيراً ورضي الله عنك فلقد نصحت وأديت الأمانة.. ونحو ذلك، وهكذا ينحرف قليلاً عن يمينه أيضاً ويسلم على عمر الفاروق كما سلم على الصديق ويدعو له رضي الله عن الجميع، هذا السنة.
أما أن يناديه من قريب أو من بعيد يقول: يا رسول الله! أغثني أو اشف مريضي أو جئتك من بلاد بعيدة لتشفيني أو لتعطيني كذا وكذا، هذا هو الشرك الأكبر هذا لا يجوز لا مع النبي ﷺ ولا مع غيره ولا مع الصديق ولا مع عمر ولا مع أي أحد من الناس؛ لأن العبادة حق الله وحده، والدعاء هو العبادة فلا يجوز صرفه لغير الله كائناً من كان والأموات لا يسألون ولا يدعون ولا يستغاث بهم سواء كانوا من الأنبياء أو من غير الأنبياء، فالواجب إخلاص العبادة لله وحده كما قال الله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] وقال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] وقال سبحانه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] فقوله: (أحداً) نكرة في سياق النهي تعم الأنبياء وتعم الصالحين وتعم الأصنام والأشجار والملائكة وغير ذلك: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] يعني: كائناً من كان، وهكذا قوله سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتََ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] يعني: المشركين، وكل من سوى الله لا ينفع ولا يضر، فالله سبحانه هو النافع الضار وهو الذي يجعل المنفعة فيمن يشاء ويسلبها عمن يشاء ويجعل المضرة فيمن يشاء ويسلبها عمن يشاء، هو سبحانه النافع الضار المعطي المانع القوي العزيز جل وعلا، فهو الذي يسأل ويطلب ، فإذا جئت إلى رسول الله للسلام عليه أو إلى أي مقبرة للسلام على القبور والدعاء لهم فاحذر أن تدعوهم مع الله، لا تقول: يا سيدي فلان اشف مريضي أو اقض حاجتي أو أنا في حسبك أو أنا في جوارك أو قد جئتك قاصداً لك لتغفر لي أو لترحمني أو لتشفي مريضي أو لتسهل كربتي لا مع النبي ﷺ ولا مع غيره، هذا حق الله سبحانه وتعالى ولكن تسلم على الرسول ﷺ وعلى صاحبيه وتترضى عنهما وتصلي على رسول الله ﷺ وتشهد له بأنه بلغ الرسالة أدى الأمانة نصح الأمة هذا حق، أما الزيادة على هذه بأن تقول: يا رسول الله! اشفع لي أو انصرني أو اشف مريضي أو أنا في جوارك أو أنا في حسبك أو أنا مظلوم فانصرني أو أمتك قد أصابها ما أصابها فانصرها أو اشفها مما أصابها أو ما أشبه ذلك فهذا لا يجوز، هذا من الشرك بالله ، ولكن هذا يطلب من الله تطلب في صلاتك في المسجد النبوي وغيره في بيتك، تقول: يا ربي انصرني، يا ربي أصلح أمة محمد يا ربي وفقهم يا ربي اجمع كلمتهم على الحق يا ربي احمهم من شر أعدائهم يا ربي اغفر لي يا ربي اشفي مريضي، هذا بينك وبين الله سبحانه وتعالى في المساجد في الصلاة في غير ذلك، أما المخلوق وإن كان نبياً لا يملك هذا كله بيد الله ، يقول الله سبحانه لنبيه ﷺ لما قنت مدة من الزمن يدعو على أحياء من العرب أنزل الله في حقه: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:128] فالأمر لله ، هو الذي بيده الهداية والإضلال والضر والنفع والعطاء والمنع وغير ذلك، كله بيده سبحانه وتعالى هو المالك لكل شيء والشفاعة حق لله : قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44] ملك له يعطيه من يشاء، وقد أخبر رسوله ﷺ أن الله يشفعه يوم القيامة، ما في حاجة إلى أن تسأله أنت وهو في قبره، إذا كان يوم القيامة إن كنت من أهل الجنة دخلت في شفاعته وكذلك يشفع في أهل الموقف يقضى بينهم وأنت منهم، فلا حاجة إلى أن تسأله ...... تسألها الله، تقول: اللهم شفع في نبيك اللهم اجعلني من أهل شفاعته اللهم اجزه عنا خيراً وما أشبه ذلك أما أنتطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم فلا، أما في حياته فلا بأس إن كان حياً بين الناس عليه الصلاة والسلام تقول: يا رسول الله! اشفع لي أن الله يهديني أن الله يرزقني، كان يشفع لأصحابه، ولما أصابهم الجدب والقحط في بعض السنوات أتى بعضهم إليه وهو يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا، فرفع يديه عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا فأنشأ الله السحاب ثم أمطر، فخرج الناس في المطر كل يهم نفسه أن يصل إلى بيته ولم يزل المطر إلى الجمعة الأخرى ثم جاء ذلك الرجل أو غيره في الجمعة الأخرى وقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكه عنا،، فرفع يديه صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فانقشع السحاب ووقف المطر عن المدينة وأجاب الله دعوته في الحال في الأولى والأخرى عليه الصلاة والسلام وذلك من علامات نبوته وأنه رسول الله حقاً عليه الصلاة والسلام، ففي حياته لا مانع أن يطلب منه أن يستغيث للمسلمين أن يشفع لهم، وهكذا يوم القيامة وهو بين أظهرهم يوم القيامة يتوجه إليه المؤمنون ويسألونه أن يشفع حتى يريح الله الناس من هول موقف وحتى يقضي بينهم ثم يطلب الله أيضاً لهم للمؤمنين أن يدخلوا الجنة يشفع إلى الله سبحانه في دخول أهل الجنة الجنة، هذا حق جاءت به النصوص.
أما وهو في قبره بعد البرزخ بعدما مات عليه الصلاة والسلام فإنه لا يطلب منه شيء بل يصلى عليه عليه الصلاة والسلام وتتبع سنته ويعظم أمره ونهيه، أما أن يسأل شفاء المرضى أو قضاء الحاجات عند قبره أو في أي بلد فهذا هو الذي لا يجوز، هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه الله على عباده في قوله سبحانه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] وفي قوله : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72] وفي قوله سبحانه: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُواا يَعْمَلُونَ[الأنعام:88] وفي قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فالواجب على كل مكلف وعلى كل إنسان أن ينتبه لهذا الأمر سواء كان حاجاً أو غير حاج فليحذر الاستغاثة بالأنبياء أو بالصالحين أو بالملائكة أو بالجن في أي مكان بل يجعل دعاءه لله وحده ويخص ربه بالدعاء والاستغاثة ويلجأ إليه سبحانه ويسأله قضاء حاجاته وتفريج كروبه فهو سبحانه القادر على كل شيء جل وعلا، أما الأنبياء والملائكة والجن وسائر الخلق فليس في أيديهم شيء، الملك لله وحده سبحانه وتعالى هو المالك لكل شيء جل وعلا: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:120] ، فاتق الله يا عبد الله واحذر ما حرم الله عليك وانصح من معك من إخوانك وبين لهم ما شرع الله لهم في الحج وفي غيره وحذرهم مما حرم الله عليهم وهكذا النساء يعلمن ويوجهن إلى ما يرضي الله ويقربهن إليه ويبين لهن أيضاً ما شرع الله لهن في الحج حتى يكون الجميع على بصيرة في حجهم وفي زيارتهم للمسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.
المقدم: جزاكم الله خيراً. 

فتاوى ذات صلة