تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ }

السؤال: وردت إلى البرنامج الرسالة التالية من بعض الإخوة من السودان يسألوا في رسالتهم عن الشرك بالمفهوم، ويطلبوا تفسير هذه الآية، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35] صدق الله العظيم، أفيدونا بالصواب ولكم الأجر والثواب من الله تعالى؟

الجواب: الشرك على اسمه هو تشريك غير الله مع الله في العبادة، كأن يدعو الأصنام يستغيث بهم، ينذر لهم، يصلي لهم، يصوم لهم، يذبح لهم، يذبح للبدوي ، يذبح للعيدروس ، يذبح لفلان، يصلي لفلان، يطلب المدد من الشيخ عبدالقادر، من الرسول ﷺ، من العيدروس في اليمن، من أشباه ذلك من سائر المعبودين من دون الله، هذا يقال له: شرك.
وهكذا إذا دعا الكواكب أو الجن أو استغاث بهم أو طلبهم مدد، أو ما أشبه ذلك.
فإذا فعل شيء من هذه العبادات مع المخلوقين أو مع الأموات صار هذا شركًا بالله ، قال الله جل وعلا: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، قال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].
ومن الشرك أيضًا: أن يعبد غير الله عبادة كاملة، فإنه يسمى شركًا ويسمى كفرًا، فمن أعرض عن الله بالكلية وجعل عبادته لغير الله للأشجار أو الأحجار أو الأصنام أو الجن أو بعض الأموات ممن يسمونهم بالأولياء، يعبدهم يصلي لهم يصوم لهم وينسى الله بالكلية هذا أعظم كفرًا وأشد كفرًا وأشد شركًا، نسأل الله العافية.
وهكذا من ينكر وجود الله، ويقول: إنه ليس هناك إله والحياة مادة، كـالشيوعيين والملاحدة المنكرين وجود الله، هؤلاء أكفر الناس وأضلهم، وأعظمهم شركًا وضلالًا نسأل الله العافية.
فالمقصود أن هذه الاعتقادات وأشباهها كلها تسمى شركًا وتسمى كفرًا بالله .
وقد يغلط بعض الناس لجهله فيسمي دعوة الأموات والاستغاثة بهم وسيلة، هذا غلط، هذه وسيلة للكفر ما هي بوسيلة مباحة، الله جل وعلا يقول: اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35] الوسيلة القربة يعني: بطاعته، هذه الوسيلة عند أهل العلم جميعًا، الوسيلة التقرب إلى الله بطاعته، فالصلاة قربى إلى الله وسيلة، الذبح لله وسيلة كالضحايا والهدايا، الصوم وسيلة، الصدقات وسيلة، ذكر الله وقراءة القرآن وسيلة، هذا معنى قوله جل وعلا: اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ [المائدة:35] يعني: ابتغوا إلى القرب إليه بطاعته، هكذا قال ابن جرير وابن كثير و البغوي وغيرهم من أئمة التفسير.
المعنى: التمسوا القربة إليه بطاعته، وابتغوها اطلبوها أينما كنتم بما شرع الله لكم من صلاة وصوم وصدقات وغير ذلك.
وهكذا قوله في الآية الأخرى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57] ليبتغوا من ربهم القرب يعني بطاعته، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57] هكذا الرسل وأتباعهم، في التقرب إلى الله بالوسائل التي شرعها من جهاد من صوم من صلاة من ذكر من قراءة القرآن إلى غير هذا من وجوه الوسيلة.
أما ظن بعض الناس أن الوسيلة هي التعلق بالأموات والاستغاثة بالأولياء والنذر لهم هذا خطأ وظن باطل، وهذا اعتقاد المشركين الذين قال فيهم سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18] هذا عمل المشركين، يدعون الأموات ويستغيثون بالجن، ويستغيثون بالملائكة ويدعون أنهم وسائلهم إلى الله.
وقال تعالى في كتابه الكريم: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] قال الله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3] فسماهم كذبة كفرة، كذبة في قولهم أنها تقرب من الله، وكفرة في قولهم: إن الله أمرهم بهذا، ... ، فهو سبحانه لم يأمر بهذا، فهم كذبة في قولهم كفرة في فعلهم، ولهذا قال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3]، مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا [الزمر:3]، فهي لا تقربهم ولا تدنيهم من الله بل تبعدهم من الله ومن رحمته ، فهم كذبة في هذا القول، كفرة في هذا الفعل الذي نسبوه إلى الله وجعلوه دينًا له .
والله يقول: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:2] ويقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، وهذا معنى لا إله إلا الله، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]. نعم.

فتاوى ذات صلة