06 من أعظم نعم الله على خلقه إرسال الرُّسل إليهم

وَقَدْ ذَكَرُوا فُرُوقًا بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ، وَأَحْسَنُهَا: أَنَّ مَنْ نَبَّأَهُ اللَّهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ إِنْ أَمَرَهُ أَنْ يُبَلِّغَ غَيْرَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ رَسُولٌ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُبَلِّغَ غَيْرَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ وَلَيْسَ بِرَسُولٍ.

فَالرَّسُولُ أَخَصُّ مِنَ النَّبِيِّ، فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسُولًا، وَلَكِنَّ الرِّسَالَةَ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهَا، فَالنُّبُوَّةُ جُزْءٌ مِنَ الرِّسَالَةِ؛ إِذِ الرِّسَالَةُ تَتَنَاوَلُ النُّبُوَّةَ وَغَيْرَهَا، بِخِلَافِ الرُّسُلِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ الْأَنْبِيَاءَ وَغَيْرَهُمْ، بَلِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، فَالرِّسَالَةُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهَا، وَأَخَصُّ مِنْ جِهَةِ أَهْلِهَا.

وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَخُصُوصًا مُحَمَّدًا ﷺ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164]، وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

الشيخ: إنما كانت بعثة محمدٍ عليه الصلاة والسلام أعظم لأنَّ رسالته عامَّة، وفيها من التَّبشير والتَّيسير والتَّخفيف ما فيها، فهي لعمومها وتفصيلها وتيسيرها صارت أعظم نعمة، وأكبر نعمة، فإنَّ الله جعله رحمةً للعالمين: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، كان كل رسولٍ يُبعث في قومه خاصَّة، فبعث الله محمدًا ﷺ إلى الناس عامَّة، وجعل شريعته كاملة أفضل الشرائع، وجعلها مُنتظمة لمصالح العباد في المعاش والمعاد، وإن غلط فيها مَن غلط، وإن جهل مَن جهل، ولكنها رسالة عامَّة مضمونها الرحمة والإحسان، وتنظيم شؤون العباد في دنياهم وفي أُخراهم، وتوجيههم إلى أسباب النَّجاة فيما يتعلق بعبادتهم لله، وبما يتعلق فيما بينهم من الحقوق والمعاملات وغير ذلك، مضمونها الإنصاف والعدالة، وإلزام الناس بذلك، ومنعهم من الجور والظلم، وجعلهم سواسيةً؛ لا فضلَ لأحدٍ على أحدٍ إلا بالتقوى، إلى غير ذلك مما فيه سعادة المجتمع ونجاته وصلاحه ووقوف كل فردٍ وجماعةٍ عند حدِّه الذي حدَّ له.

وتقدم في الفرق بين الرسول والنبي: أن القول الثاني لعله هو الأظهر والأبين؛ أن الرسول هو المستقل الذي ليس بتابعٍ لشريعةٍ قبله، هذا أخصّ باسم الرسول: كهود وصالح وموسى وإبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فهؤلاء مُستقلون وأخصّ باسم الرسالة، ويُسمون: أنبياء، وهم أنبياء، كل مَن أمر بشرعٍ فهو نبي ورسول أيضًا، لكن إن كان مستقلًّا فهو أخص باسم الرسالة، وإن كان تابعًا لشريعةٍ قبله فهو أخصّ باسم النبوة: كأنبياء بني إسرائيل؛ فإنهم تابعون لشريعة التَّوراة، وإن جاء بعضهم ببعض التَّخفيف كما جاء في شريعة عيسى: الإنجيل، ولكنه جاء مُقررًا لشريعة التَّوراة، وآمرًا بها، وحاكمًا بها، ما عدا ما نسخ منها .......

ومحمد جاء مُستقلًّا، غير تابع للتوراة، ولا تابع للإنجيل، بل جاء برسالةٍ مستقلةٍ، وهو تشريع خاصٌّ، وأحكام خاصَّة، قد تُوافق بعض ما في التَّوراة، وقد لا تُوافق، ومما وافقت فيه التَّوراة قوله جلَّ وعلا: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، فيكون في التَّوراة، وجاء القرآن بموافقة ذلك؛ لأنَّ النفس بالنفس، والعين بالعين، والأذن بالأذن، والسن بالسن، كما في التوراة، وكما في شريعة محمدٍ عليه الصلاة والسلام.

وزادت شريعةُ محمدٍ ﷺ بأنها مُخففة مُيسرة، قد وضع الله عنهم الآصار والأغلال التي كانت في التَّوراة، وقد جعلها عامَّة للعرب والعجم، ليست خاصَّة ببني إسرائيل، بل عامَّة للعرب والعجم، والجن والإنس، والحاضرة والبادية، والذكور والإناث، هذا هو الفرق بين الرسول والنبي، ويُؤيد هذا قوله سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52]، فجعل الرسالة عامَّة للأنبياء والمرسلين، وبيَّن أنَّ هناك نبيًّا وهناك رسولًا، فالنبي مرسل، والرسول مرسل، لكن إن كان هذا النبي مستقلًّا كان أخصَّ باسم الرسالة، وإن كان تابعًا لرسالةٍ قبله وشريعةٍ قبله فهو أخص باسم النبوة.

س: ......... القول الأول والقول الثاني يُنسب إلى مَن؟

ج: .............

س: معنى قوله: فالرسالة أعمّ من جهة نفسها، وأخصّ من جهة أهلها؟

ج: أعم من جهة نفسها تشمل أمرين: تشمل بعثه إلى الناس، والإيحاء إليه بشرعٍ، والنبوة أخصّ؛ لأنها وحي له بشرعٍ فقط، ما فيها أمر له بإبلاغ الناس على هذا التَّعريف، فصارت الرسالةُ فيها أمران: الوحي والأمر بالتَّبليغ، والنبوة لها أمر واحد وهو الوحي فقط، هذا معنى كون الرسالة أعم من جهة نفسها، ولكنها أخصّ من جهة أهلها.

قَوْلُهُ: (وَأَنَّهُ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ) قَالَ تَعَالَى: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40].

 

الشيخ: يُسمَّى: خاتم النَّبيين؛ حتى لا تبقى شبهة، خاتم النبيين، خاتم أي رسالة، كل رسول نبي، إذا قال: "خاتم النبيين" عمَّ جميع مَن بُعث بشرعٍ، سواء سُمي: نبيًّا بشرع مَن قبله، أو سُمي: رسولًا بشرعٍ جديدٍ، فالرسول محمد خاتمهم، ليس بعده نبي ولا رسول.

وَقَالَ ﷺ: مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بِنَاؤُهُ، وَتُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ، فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بِنَائِهِ، إِلَّا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، لَا يَعِيبُونَ سِوَاهَا، فَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، خُتِمَ بِيَ الْبُنْيَانُ، وَخُتِمَ بِيَ الرُّسُلُ أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ".

الشيخ: وهذا من باب التَّحقيق، تحقيق الخاتمة، وأنه خاتمهم، ليس بعده نبي ولا رسول، وأنَّ الله قد أحكم كل شيءٍ، وأحسن إلى عباده قبل محمدٍ ﷺ وبعده، قد أرسل لهم الرسل، وأنزل الكتب، ولم يبقَ إلا موضع اللَّبنة، فختم الله بعثة الرسل بهذا النبي العظيم الذي كمل به البناء، وتمَّت رحمة الله على عباده جلَّ وعلا.

وَقَالَ ﷺ: إِنَّ لِي أَسْمَاء: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي، يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ، وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ.

وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي الْحَدِيثَ.

وَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَإِمَامُ الْأَتْقِيَاءِ) هُوَ ﷺ الْإِمَامُ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ، أَيْ: يَقْتَدُونَ بِهِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا بُعِثَ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، وَكُلُّ مَنِ اتَّبَعَهُ وَاقْتَدَى بِهِ فَهُوَ مِنَ الْأَتْقِيَاءِ.

الشيخ: وفي الآية الأخرى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] في أخباره وصفاته.

قَوْلُهُ: (وَسَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ) قَالَ ﷺ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشيخ: وفي هذا دلالة على أنه لا يخرج من قبره إلا أن تقوم القيامة، أول مَن ينشق عنه قبره يوم القيامة هو محمد ﷺ، هذا يدل على أنه لا يخرج من قبره أبدًا، وأن ما تقوله الصوفية الآن من أنه يحضر تجمعاتهم وحفلاتهم، ويحضر موالدهم، ويقومون يقولون: جاء النبي، وهو لا يُرى! هذا من خُرافاتهم، ومن كذبهم، ومن ضلالاتهم، فهو ﷺ لا يخرج إلا يوم القيامة مع الناس، فهو أول مَن ينشق عنه القبر يوم القيامة، دلَّ ذلك على أنه من جنس غيره في هذا الباب مع الأموات، حتى يبعث الله الجميعَ يوم القيامة، ويكون أوَّلهم عليه الصلاة والسلام، وهذا مصداق قوله جلَّ وعلا: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ۝ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون:15، 16]، فجعل الله بعثهم يوم القيامة لا قبله.

فدعوى هؤلاء الصوفية الذين يزعمون أنه يحضر حفلاتهم واجتماعاتهم ويقرّها هذا تخريف باطل لا أساسَ له، وهو قولٌ على الله بغير علمٍ، وافتراء لا سبيلَ إلى صحَّته.

وَفِي أَوَّلِ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.

فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ ﷺ: لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى؛ فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَأَجِدُ مُوسَى بَاطِشًا بِسَاقِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي: هَلْ أَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ؟ خَرَّجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، فَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ؟

فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا كَانَ لَهُ سَبَبٌ؛ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ قَالَ يَهُودِيٌّ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَلَطَمَهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ: أَتَقُولُ هَذَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟! فَجَاءَ الْيَهُودِيُّ فَاشْتَكَى مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا؛ لِأَنَّ التَّفْضِيلَ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَمِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ وَهَوَى النَّفْسِ كَانَ مَذْمُومًا، بَلْ نَفْسُ الْجِهَادِ إِذَا قَاتَلَ الرَّجُلُ حَمِيَّةً وَعَصَبِيَّةً كَانَ مَذْمُومًا، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْفَخْرَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:55]، وَقَالَ تَعَالَى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة:253]، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَذْمُومَ إِنَّمَا هُوَ التَّفْضِيلُ عَلَى وَجْهِ الْفَخْرِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الِانْتِقَاصِ بِالْمَفْضُولِ.

وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ إِنْ كَانَ ثَابِتًا، فَإِنَّ هَذَا قَدْ رُوِيَ فِي نَفْسِ حَدِيثِ مُوسَى، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: إنَّ فِيهِ عِلَّةً، بِخِلَافِ حَدِيثِ مُوسَى فَإِنَّهُ صَحِيحٌ لَا عِلَّةَ فِيهِ بِاتِّفَاقِهِمْ.

وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ: لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى، وَقَوْلَهُ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ نَهْيٌ عَنِ التَّفْضِيلِ الْخَاصِّ، أَيْ: لَا يُفَضَّلُ بَعْضُ الرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ بِعَيْنِهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، فَإِنَّهُ تَفْضِيلٌ عَامٌّ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ.

وَهَذَا كَمَا لَوْ قِيلَ: فُلَانٌ أَفْضَلُ أَهْلِ الْبَلَدِ، لَا يَصْعُبُ عَلَى أَفْرَادِهِمْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ لِأَحَدِهِمْ: فُلَانٌ أَفْضَلُ مِنْكَ.

ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُ الطَّحَاوِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ أَجَابَ بِهَذَا الْجَوَابِ فِي "شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ".

الشيخ: وفيه جوابٌ آخر: أن النبي ﷺ قال هذا من باب التَّواضع، ومن باب سدِّ النزاع والخصام والتَّفضيل بغير الطرق الشرعية، فأراد بهذا سدَّ باب النزاع والخصام والتَّفضيل الذي يُفضي إلى التَّعصب والحمية، كما في الجواب الأول، وفيه أيضًا التواضع منه ﷺ؛ لئلا يقع الناسُ في الغلو المذموم: لا تُفضلوا بين الأنبياء، لا تُفضلوني على موسى، وفي الحديث الآخر لما قيل له: يا خير البرية، قال: ذاك إبراهيم، والحديث الرابع: لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خير من يونس بن متى.

هذه الأحاديث كلها من باب التَّواضع، ومن باب التَّحذير من الحطِّ من بعض الأنبياء، أو التَّنقص لبعض الأنبياء، أو إيهام ما يدل على ذلك، فأراد بها سدَّ الباب عليه الصلاة والسلام، وأن يكون التَّفضيل على النصوص فقط، ما جاءت به النصوصُ وجب الأخذ به، وما لا فلا، فلا يُفضل بين الأنبياء إلا بنصٍّ واضحٍ بتفضيل فلانٍ على فلانٍ، وإلا فالتفضيل لمجرد التَّعصب أو الهوى أو الحمية أو ما أشبه ذلك هذا هو الممنوع.

فأراد أن يُبين ﷺ أنَّ هذه الأمور لله، هو الذي يُفضل مَن يشاء، وهو الذي يعلم أحوالهم ، ويعلم منازلهم، فلا يُفضَّل أحدٌ على أحدٍ إلا بالنصِّ، وإلا فقد يُؤدي إلى التَّعصب والحمية، ويُفضي إلى النزاع والخصام، فدخل في ضمنه التَّواضع منه عليه الصلاة والسلام، وفي ضمنه أيضًا سدّ الباب للتَّفضيل الذي قد يقع بغير نظرٍ، وبغير أدلةٍ شرعيةٍ، بل بمجرد ما في نفس الإنسان من تعصبٍ وهوى وحميةٍ على غير أساسٍ ............

تعليق: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ صحيح، وهو رواية من حديث أبي هريرة المتقدم من طريق عبدالرحمن الأعرج عنه، قال: بينما يهودي يعرض سلعةً له، أُعطي بها شيئًا كرهه أو لم يرضه، قال: لا والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر. فسمعه رجلٌ من الأنصار فلطم وجهه، قال: تقول: والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر! وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أظهرنا؟! قال: فذهب اليهودي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: يا أبا القاسم، إنَّ لي ذمَّةً وعهدًا، وقال: فلان لطم وجهي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لم لطمتَ وجهه؟ قال: قال يا رسول الله: والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر، وأنت بين أظهرنا! قال: فغضب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرف الغضبُ في وجهه، ثم قال: لا تُفضلوا بين أنبياء الله، فإنَّه يُنفخ في الصور فيُصعق مَن في السَّماوات ومَن في الأرض، إلا مَن شاء الله، قال: ثم يُنفخ فيه أخرى فأكون أول مَن بُعث –أو: في أول مَن بُعث- فإذا موسى عليه السلام آخذ بالعرش، فلا أدري: أحُوسب بصعقته يوم الطور، أو بُعث قبلي، ولا أقول: إنَّ أحدًا أفضل من يونس بن متى عليه السلام أخرجه البخاري ومسلم.

وقد غمز الشارحُ في صحَّته، ولا أعلم له علَّةً، ولم يتكلم عليه الحافظُ في "الفتح"، وله شاهد من حديث أبي سعيدٍ الخدري مرفوعًا بلفظ: لا تُخيروا بين الأنبياء، فإنَّ الناس يُصعقون .. الحديث نحوه، أخرجه البخاري ومسلم وأحمد، وروى أبو داود الجملة الأولى منه، وهي رواية لأحمد.

الشيخ: ........

وَأَمَّا مَا يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ قَالَ: لَا يُفَسِّرُ لَهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى يُعْطَى مَالًا جَزِيلًا، فَلَمَّا أَعْطَوْهُ فَسَّرَهُ بِأَنَّ قُرْبَ يُونُسَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ كَقُرْبِي مِنَ اللَّهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَعَدُّوا هَذَا تَفْسِيرًا عَظِيمًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِمْ بِكَلَامِ اللَّهِ وَبِكَلَامِ رَسُولِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اللَّفْظُ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ قَالَ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، فَقَدْ كَذَبَ.

وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَ نَفْسَهُ عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، لَيْسَ فِيهِ نَهْيُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُفَضِّلُوا مُحَمَّدًا عَلَى يُونُسَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ الْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ، أَيْ: فَاعِلٌ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ، وَقَالَ تَعَالَى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، فَقَدْ يَقَعُ فِي نَفْسِ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ يُونُسَ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ؛ إِذْ لَا يَفْعَلُ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ.

...........

فَقَدْ يَقَعُ فِي نَفْسِ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ يُونُسَ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ؛ إِذْ لَا يَفْعَلُ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ، هذا الكلام فيه شيء.

الشيخ: فقد يظن بعضُ الناس أنه أفضل من يونس؛ لأنه لم يفعل ما يُلام عليه؛ لأنه مُستقيم، ما فعل شيئًا يُلام عليه، فيقع في نفسه أنه خير من يونس بن متى، فالنبي قطع هذا وقال: لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خير من يونس بن متى، ولو كان يونس قد فعل ما فعل مما حصلت به المغاضبة، وصار به ملومًا، لكنه نبي كريم، له أعمال أخرى، وله صالحات ودعوة عظيمة، فهو من جملة الرسل الذين هم خيرة عباد الله، وإن جرى منه ما جرى، فهو لدين الله؛ غيرة لله .

فالحاصل أن هذا الكلام فيه شيء .........

وَمَنْ ظَنَّ هَذَا فَقَدَ كَذَبَ، بَلْ كُلُّ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ يَقُولُ مَا قَالَ يُونُسُ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، كَمَا قَالَ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ وَآخِرُهُمْ، فَأَوَّلُهُمْ: آدَمُ قَدْ قَالَ: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، وَآخِرُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ -حَدِيثِ الِاسْتِفْتَاحِ- مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ .. إِلَى آخِرِهِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ .. إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.

وَكَذَا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:16].

وَأَيْضًا فَيُونُسُ ﷺ لَمَّا قِيلَ فِيهِ: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:48]، فَنُهِيَ نَبِيُّنَا ﷺ عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِ، وَأَمَرَهُ بِالتَّشَبُّهِ بِأُولِي الْعَزْمِ حَيْثُ قِيلَ لَهُ: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، فَقَدْ يَقُولُ مَنْ يَقُولُ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ! وَلَيْسَ لِلْأَفْضَلِ أَنْ يَفْخَرَ عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَفْضَلَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ.

وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ.

فَاللَّهُ تَعَالَى نَهَى أَنْ يُفْخَرَ عَلَى عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ عَلَى نَبِيٍّ كَرِيمٍ؟

فَلِهَذَا قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، فَهَذَا نَهْيٌ عَامٌّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَتَفَضَّلَ وَيَفْتَخِرَ عَلَى يُونُسَ.

وَقَوْلُهُ: مَنْ قَالَ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، فَقَدْ كَذَبَ، فَإنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ، فَهَذَا الْكَلَامُ يَصِيرُ نَقْصًا، فَيَكُونُ كَاذِبًا، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، بَلْ هُوَ تَقْدِيرٌ مُطْلَقٌ، أَيْ: مَنْ قَالَ هَذَا فَهُوَ كَاذِبٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقُولُهُ نَبِيٌّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، وَإِنْ كَانَ ﷺ مَعْصُومًا مِنَ الشِّرْكِ، لَكِنَّ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ لِبَيَانِ مَقَادِيرِ الْأَعْمَالِ.

وَإِنَّمَا أَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ؛ لِأَنَّا لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ إِلَّا بِخَبَرِهِ، إِذْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ يُخْبِرُنَا بِعَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ، كَمَا أَخْبَرَنَا هُوَ بِفَضَائِلِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ﷺ أَجْمَعِينَ؛ وَلِهَذَا أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا فَخْرَ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ.

وَهَلْ يَقُولُ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: أَنَّ مَقَامَ الَّذِي أُسْرِيَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَهُوَ مُقَرَّبٌ مُعَظَّمٌ مُكَرَّمٌ؛ كَمَقَامِ الَّذِي أُلْقِيَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ وَهُوَ مُلِيمٌ؟! وَأَيْنَ الْمُعَظَّمُ الْمُقَرَّبُ مِنَ الْمُمْتَحَنِ الْمُؤَدَّبِ؟! فَهَذَا فِي غَايَةِ التَّقْرِيبِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ التَّأْدِيبِ.

فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ؛ لِأَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى الْمُحَرَّفِ لِلَفْظٍ لَمْ يَقُلْهُ الرَّسُولُ، وَهَلْ يُقَاوِمُ هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ عُلُوِّ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ خَلْقِهِ الْأَدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الْقَطْعِيَّةَ عَلَى عُلُوِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ، الَّتِي تَزِيدُ عَلَى أَلْفِ دَلِيلٍ، كَمَا يَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الشيخ: هذا ردٌّ على مَن قال: لما كان في بطن الحوت في قعر البحر شابَهَ محمدًا ﷺ لما كان في الملإ الأعلى فوق السَّماء السابعة، جاهل مركب، هذا صوفي جاهل لا يدري ما يقول ........

قَوْلُهُ: (وَحَبِيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ثَبَتَ لَهُ ﷺ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمَحَبَّةِ، وَهِيَ الْخُلَّةُ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَقَالَ: وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ.

وَالْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحِ، وَهُمَا يُبْطِلَانِ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَالْمَحَبَّةُ لِمُحَمَّدٍ، فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٌ حَبِيبُهُ.

الشيخ: والصواب أنهما خليلان، والمحبَّة مُشتركة، فهما حبيبا الرب عزَّ وجلَّ، وهما خليلاه، والمحبَّة مُشتركة بين أهل الإيمان كلهم؛ يقول سبحانه: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، والخلة خاصَّة بالخليلين: لإبراهيم وحفيده محمد عليه الصلاة والسلام، هذان هما الخليلان، وليس لغيرهما خُلَّة، وهي أعلى المحبَّة ونهايتها، والله جلَّ وعلا يُحبهما أكثر من غيرهما، والمحبَّة مُشتركة لجميع الرسل وجميع الأنبياء والمؤمنين جميعًا، فهو يُحب أولياءه وأهلَ طاعته: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:4] إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة:42]، لكن محبَّة الأنبياء والرسل محبَّة خاصَّة أكثر من غيرهم، ومحبة الخليلين محبَّة زائدة بلغت الخلَّة عليهما الصلاة والسلام ...........

وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ.

وَالْمَحَبَّةُ قَدْ ثَبَتَتْ لِغَيْرِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران:76]، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222].

فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ خَصَّ الْخُلَّةَ بِإِبْرَاهِيمَ وَالْمَحَبَّةَ بِمُحَمَّدٍ، بَلِ الْخُلَّةُ خَاصَّةٌ بِهِمَا، وَالْمَحَبَّةُ عَامَّةٌ.

وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ الَّذِي فِيهِ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ لَمْ يَثْبُتْ.

تعليق: ضعيف؛ لضعف زمعة بن صالح وسلمة بن وهرام أيضًا.

...........

وَالْمَحَبَّةُ مَرَاتِبُ:

  • أَوَّلُهَا: الْعَلَاقَةُ، وَهِيَ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِالْمَحْبُوبِ.
  • وَالثَّانِيَةُ: الْإِرَادَةُ، وَهِيَ مَيْلُ الْقَلْبِ إِلَى مَحْبُوبِهِ وَطَلَبُهُ لَهُ.
  • الثَّالِثَةُ: الصَّبَابَةُ، وَهِيَ انْصِبَابُ الْقَلْبِ إِلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُهُ صَاحِبُهُ، كَانْصِبَابِ الْمَاءِ فِي الْحُدُورِ.
  • الرَّابِعَةُ: الْغَرَامُ، وَهِيَ الْحُبُّ اللَّازِمُ لِلْقَلْبِ، وَمِنْهُ الْغَرِيمُ؛ لِمُلَازَمَتِهِ، وَمِنْهُ: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان:65].
  • الْخَامِسَةُ: الْمَوَدَّةُ وَالْوُدُّ، وَهِيَ صَفْوُ الْمَحَبَّةِ وَخَالِصُهَا وَلُبُّهَا، قَالَ تَعَالَى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96].
  • السَّادِسَةُ: الشَّغَفُ، وَهِيَ وُصُولُ الْمَحَبَّةِ إِلَى شغَافِ الْقَلْبِ.
  • السَّابِعَةُ: الْعِشْقُ، وَهُوَ الْحُبُّ الْمُفْرِطُ الَّذِي يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْهُ، وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ تَعَالَى، وَلَا الْعَبْدُ فِي مَحَبَّةِ رَبِّهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ.

وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ الْمَنْعِ: فَقِيلَ: عَدَمُ التَّوْفِيقِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَلَعَلَّ امْتِنَاعَ إِطْلَاقِهِ: أَنَّ الْعِشْقَ مَحَبَّةٌ مَعَ شَهْوَةٍ.

 

الشيخ: الأمر الأول: عدم وروده في النصوص في محبَّة الله لعباده، وفي محبَّتهم له .

الأمر الثاني: ما أشار إليه الشارحُ من أن العشق في الغالب يكون مع شهوةٍ؛ شهوة الرجل للمرأة، أو المرأة للرجل، شهوة الأنوثية المعروفة، فلا تليق بالله سبحانه وتعالى؛ ولهذا لا يُقال: عشقتُ الله، ولا عشقني الله، وإنما يقال: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]، هذه المراتب معروفة عند العرب، مراتب المحبَّة معروفة عند العرب وعند غيرهم بلغتهم.

الطالب: هذا سلمة؟

الشيخ: نعم.

الطالب: سلمة بن وهرام بالراء، اليماني، صدوق، من السادسة. الترمذي وابن ماجه.

الشيخ: ......... في آخر، عباد بن يعقوب.

تعليق: عباد بن يعقوب الرواجني -بتخفيف الواو، وجيم مكسورة، والنون الخفيفة- أبو سعيد الكوفي، صدوق، رافضي، حديثه في البخاري مقرون، بالغ ابن حبان فقال: يستحق الطرد. من العاشرة، مات سنة 50، البخاري والترمذي وابن ماجه.

  • الثَّامِنَةُ: التَّيْمُ، وَهُوَ بِمَعْنَى: التَّعَبُّدِ.
  • التَّاسِعَةُ: التَّعَبُّدُ.

 

الشيخ: يعني: يعبده، يتَّخذ الصاحبة معبودًا، يقول الشاعر:

لا تدعني إلا بيا عبدها فإنَّ ذلك أحب أسمائي

يعني: لزوم التَّذلل لها، التَّذلل للمحبوب والالتصاق به والخضوع له، وهذا لا يليق إلا بالله سبحانه وتعالى، فهو المستحق لأن يُعبد ويذل له الذلّ الكامل؛ ولهذا قال ابنُ القيم رحمه الله:

وعبادة الرحمن غاية حبّه مع ذلِّ عابده هما القطبانِ

فغاية الحب لله مع كمال الذل لله هذا هو العبادة الحقيقية، صادرة عن ذلٍّ وخضوعٍ ومحبَّةٍ في أداء الأوامر، فإذا أدَّى الأوامر وترك النَّواهي لله عن غاية حبٍّ مع غاية ذلٍّ فهذا كمال العبادة، فالتَّعبد لا يليق إلا بالله ، ولكن الشعراء والعُشاق يُطلقون هذا على أنفسهم، ومنه الحديث الصحيح: تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم؛ لأنه ذلَّ له وانقاد له، فصار يرضى له ويغضب له، فصار عبدًا له، نسأل الله السلامة.

  • الْعَاشِرَةُ: الْخُلَّةُ، وَهِيَ الْمَحَبَّةُ الَّتِي تَخَلَّلَتْ رُوحَ الْمُحِبِّ وَقَلْبَهُ.

وَقِيلَ فِي تَرْتِيبِهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ تَقْرِيبٌ حَسَنٌ، يُعْرَفُ حُسْنُهُ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعَانِيهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ وَصْفَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَحَبَّةِ وَالْخُلَّةِ هُوَ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ، كَسَائِرِ صِفَاتِهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ بِالْإِرَادَةِ وَالْوُدِّ وَالْمَحَبَّةِ وَالْخُلَّةِ، حَسْبَمَا وَرَدَ النَّصُّ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَحْدِيدِ الْمَحَبَّةِ عَلَى أَقْوَالٍ، نَحْو ثَلَاثِينَ قَوْلًا، وَلَا تُحَدُّ الْمَحَبَّةُ بِحَدٍّ أَوْضَحَ مِنْهَا، فَالْحُدُودُ لَا تَزِيدُهَا إِلَّا خَفَاءً، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْوَاضِحَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَحْدِيدٍ، كَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَالْجُوعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

 

الشيخ: محبَّة العبد لغيره واضحة، لكن يجب أن يكون حبُّه لله فوق كل شيءٍ، وأن يكون حبًّا مُتضمنًا للخضوع والذلِّ له، وطاعة أوامره، وترك نواهيه، وتخصيصه بالعبادة ، فأحب حبيبٍ، وأولى حبيبٍ، وأحق حبيبٍ بالطاعة والامتثال، والقيام بالواجب، والكفّ عمَّا لا ينبغي هو الرب ، وتعريفها لا يزيدها إلا جهالةً، فمعناها واضح، ولكن كسائر الصِّفات لا يعلم كيفية الحبِّ من الله لعباده إلا هو ، فليست صفاته مثل صفات خلقه، فصفاته تليق به سبحانه وتُناسبه، ولا يُشابه فيها خلقه جلَّ وعلا: كاستوائه، وسمعه، وبصره، وإرادته، وعلمه، وغير ذلك، كلها صفات حقّ ثابتة لله جلَّ وعلا، صفاته لا تُحصى، قد دلَّ عليها الكتابُ والسنةُ؛ كما في حديث أبي هريرة وغيره، وإن كان تعدادها مُدرجًا كما هو المحفوظ، لكن المقصود أنَّ لله أسماء كثيرةً، معانيها ثابتة لله سبحانه وتعالى، مشتقة، أخبرنا بها جلَّ وعلا، لكن لا يعرف كيفيتها إلا هو ، يعلم العلماء معانيها في اللغة العربية، كما قال مالك رحمه الله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، وقد جاء معنى ذلك عن أم سلمة، وربيعة ابن أبي عبدالرحمن من أجلّ شيوخ مالك، ولكن نفس الكيفية لا يعلمها إلا هو .

الاستواء معلوم، والسمع معلوم، والعلم معلوم، والإرادة معلومة، والحب معلوم، وهكذا السمع والبصر، وهكذا الضحك، وهكذا الرضا .. كلها صفات معلومة، لكن كيفية وقوعها من ربنا لا يعلمها إلا هو ، لا يُشبَّه بخلقه، كما قال : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4] فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل:74] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

وقد أشكل هذا المعنى على طوائف كثيرةٍ من الجهمية والمعتزلة ومَن سلك مسلكهم؛ فضلوا عن سواء السبيل، وحرَّفوا هذه الأسماء، ونفوا معانيها عن الله ، وأثبت بعضُهم أسماء مجردة، وبعضهم نفى الأسماء والصِّفات جميعًا فضلَّ وأضلَّ، وقوم تناقضوا؛ فأثبتوا بعضًا، ونفوا بعضًا، وأوَّلوا في الغالب كالأشاعرة.

أما أهل السنة والجماعة: فوفَّقهم الله إلى الحقِّ الذي جاء به رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، فأثبتوا ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام من الأسماء والصِّفات على الوجه اللائق بالله ، وقالوا: إنَّ معانيها معلومة، وأنها لائقة بالله، وأنها حقيقة ثابتة ليست مجازًا، ولكن كيفيتها وكنهها ليس إلينا، بل هذا إلى الله ، هو الذي يعلم كيفيتها وكنهها جلَّ وعلا، وإنما نعلم جنس المعنى، وأن الحب غير الكراهة، نعلم هذا من لغة العرب، ونعلم أن الرضا غير الغضب، ونعلم أن السمع والبصر غيران، ليسا شيئًا واحدًا، ونعلم أنَّ الكلام غير المحبة، وأنَّ المحبة غير الكلام وغير السمع والبصر، هذه صفات معلومة، الله خاطب الناس بما يعرفون، وكلَّمهم بما يعقلون، ولكن طوى عنهم الكيفية، ولم يُخبرهم بالكيفية .

فعلى العباد أن يُسلِّموا لله ما أخبرهم به وما طوى عنهم، وأن لا يخوضوا فيما لا يعلمون، وكفاهم بهذا علمًا، وكفاهم بهذا أدبًا، وكفاهم بهذا استقامةً؛ ولهذا لما خاض قومٌ في هذا الباب ضلُّوا ما بين محرّف مُعطل مُؤَوِّل، وما بين غالٍ مُشَبِّهٍ لله بخلقه كالمشبهة.

ولكن أهل السنة والجماعة وهم الأمة الوسط هداهم الله إلى خير الأمور، وإلى الحقِّ في جميع الأبواب؛ فصاروا وسطًا بين أهل الضَّلالات، وبين الأطراف المنحرفة، فالحمد لله.

وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْوَاضِحَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَحْدِيدٍ، كَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَالْجُوعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وهناك طائفة أخرى قد يشتبه في أمرهم، وهم المفوضة، وقد يظن بعضُ الناس أنَّ هؤلاء هم السلف، وهذا غلط، المفوضة معناه أنهم قالوا: نُفوض معانيها، يعني: لا ندري ما هو المعنى، لا نعرف الكراهة هي المحبَّة أو غير المحبَّة؟ ولا نعرف ما معنى السمع، ولا معنى البصر؟ نُفوض هذا إلى الله. هذا جهل شديد، حتى رُوي عن أحمد وغيره أنهم شرٌّ من المؤولة؛ لأنهم اعتقدوا أنَّ الله خاطب الناسَ وكلَّمهم بما لا يعقلونه ولا يفهمونه، وكيف يعقل أن يكون معنى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:75] لا يعقل ولا يفهم؟ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:173]، إن الله جواد كريم.

هذا لا يقوله مَن يعقل ويفهم.

الله خاطب الناسَ بصفات تُعلم وتُعقل؛ كي يُرى بها كماله وعظمته ، وأنه المستحق للعبادة، فالتفويض باطل، وليس أهل السنة والجماعة مُفوضة، أهل السنة والجماعة يُؤمنون بالمعاني، ويعقلون أنَّ لها معانٍ تليق بالله، وأنها حقّ، ولكنَّها ليست من جنس صفات المخلوقين، ولا معاني المخلوقين، بل هي أعلى وأكمل وأعظم، فالله سميع والعبد سميع، والله بصير والعبد بصير، لكن سمع الله غير سمع المخلوق، وبصره غير بصره، وبينهما ما لا يخفى من الفضل والفوت، سمع الله لا يُداني ولا يُقارب سمع المخلوقين، وهكذا بصره، وهكذا علمه، وهكذا جوده وكرمه، وهكذا علوه فوق جميع خلقه، إلى غير ذلك.

فصفاته سبحانه لها الكمال المطلق، فهي تليق بالله، وصفات المخلوقين لها النقص اللائق بها، واللائق بأهلها، فلا يُساوي هذا هذا، ولا يُشبه هذا هذا، والعبد محلّ النقص والموت والمرض، تكون عليه آثام، والله له البقاء والدوام والحياة الكاملة سبحانه وتعالى، فهو الحي الذي لا يموت: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:27]، فكيف يُقال: إن هذه الصِّفات تُفوَّض ولا تُعقل ولا يُدرى ما هي؟!

لا يقول هذا مَن يؤمن بالله واليوم الآخر حقًّا، لا يقول هذا مَن يعقل أنَّ الله أنزل كتابه هدايةً للناس ورحمةً وذكرى وموعظةً، كيف يكون هدايةً وهو ما بيَّن هذه الأمور؟

فينبغي أن يعلم هذا، ويكون منه على بالٍ، فإنَّ في كتب العقائد أغلاطًا بين المتكلمين ينبغي الحذر منها، وأن لا يقع فيها طالبُ العلم عن غرةٍ وعن حسن ظنٍّ بأحدٍ، بل يحذر ويعلم أنَّ أسماء ربي وصفاته أمر معلوم معقول مفهوم، دالٌّ على معانٍ عظيمةٍ جليلةٍ كاملةٍ تليق بالله، لكن لا يعلم كيفيتها إلا هو، ولا يُشبه بخلقه بشيءٍ، بل هو الكامل بكل شيءٍ، والعبد هو الناقص بكل أموره، محل النقص في كل الأمور: سمعه وبصره وحياته وكلامه، بعض الناس أخرس لا يتكلم، وبعض الناس لا يسمع أصلًا، وبعض الناس لا يُحسن الكلام كما يُريد بالكلام، إلى غير ذلك.

والمخلوقون في نهاية أمرهم الضَّعف ثم الموت، والله ليس ينتهي إلى ضعفٍ، ولا إلى موتٍ، بل هو القوي العظيم دائمًا، والحي القيوم دائمًا سبحانه وتعالى.

س: ما الفرق بين التَّفويض والقول بأنَّ الكيفية مجهولة؟

ج: الفرق مثل ما بين السماء والأرض، والليل والنهار؛ التفويض معناه: ما يُعرف معناه، ما يعرف شيء، يعني: يمكن أن يكون السمع هو البصر، والبصر هو الكلام، والكلام هو الكرامة، والكلام هو اليد، وهو القدم، وغير ذلك، هذا معنى التَّفويض؛ لا يُدرك شيء.

وأما نفي الكيفية: فأعرف السمع أنه سمع الأصوات، وأعرف البصر أنه بمعنى: يُبصر الأشياء، وأعرف الكلام أنَّ الله يتكلم به، ويسمع، لكن ما أدري كيفية الكلام، كيف يتكلم؟ كيف يسمع؟ كيف يُبصر؟ ما أعرف هذا.

قَوْلُهُ: (وَكُلُّ دَعْوَى النُّبُوَّةِ بَعْدَهُ فَغَيٌّ وَهَوًى) لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، عُلِمَ أَنَّ مَنِ ادَّعَى بَعْدَهُ النُّبُوَّةَ فَهُوَ كَاذِبٌ، وَلَا يُقَالُ: فَلَوْ جَاءَ الْمُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْخَارِقَةِ وَالْبَرَاهِينِ الصَّادِقَةِ كَيْفَ يُقَالُ بِتَكْذِيبِهِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُوجَدَ، وَهُوَ مِنْ بَابِ فَرْضِ الْمُحَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَأْتِيَ مُدَّعٍ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَلَا يُظْهِرُ أمَارَةَ كَذِبِهِ فِي دَعْوَاهُ.

وَالْغَيُّ: ضِدُّ الرَّشَادِ. وَالْهَوَى: عِبَارَةٌ عَنْ شَهْوَةِ النَّفْسِ، أَيْ: أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَى بِسَبَبِ هَوَى النَّفْسِ، لَا عَنْ دَلِيلٍ، فَتَكُونُ بَاطِلَةً.

الشيخ: وهذا كلام واضح؛ فإنَّ الله يُقيم على كل شيءٍ دليلًا وبرهانًا، فلما سبق في علمه واقتضت حكمتُه أنَّ هذا الخلق يحتاج إلى رسالةٍ، ويحتاج إلى تعريفٍ بحقِّه سبحانه؛ بعث الرسل، وأنزل الكتب؛ إقامةً للحجة، وقطع المعذرة، وأقام الدلائل والبراهين على ذلك؛ حتى يصدق الناس ويعلموا بمقتضى ما جاءت به الرسل، فلما بيَّن سبحانه أنَّ محمدًا خاتم النَّبيين، فإنه لا يُقيم على دعوى مُدعي النبوة بعده ما يُصدقها؛ لأنه حكيم عليم جلَّ وعلا، فهو لا يُصدق الكاذب، ولا يُكذب الصادق سبحانه وتعالى، بل يُقيم الدلائل على صدق الصادق، وعلى كذب الكاذب.

فإذا جاء مَن يدَّعي النبوة بعد محمدٍ ﷺ في أي مكانٍ كان، أو في أي وقتٍ كان؛ فهو كاذب، ولا بدَّ أن تكون هناك دلائل وبراهين وحجج على بطلان دعواه يُقيمها في نفس الشخص، وفي نفس ما يدعو إليه، وفيما يحتفُّ به بعد ذلك.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمَبْعُوثُ إِلَى عَامَّةِ الْجِنِّ وَكَافَّةِ الْوَرَى بِالْحَقِّ وَالْهُدَى، وَبِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ) أَمَّا كَوْنُهُ مَبْعُوثًا إِلَى عَامَّةِ الْجِنِّ، فَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ الْجِنِّ: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:31]، وَكَذَا سُورَةُ الْجِنِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَبْلَهُ. وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ.

الشيخ: وهو قول على الله بغير علمٍ، الله خلق الجنَّ ليعبدوه، فهم في حاجةٍ إلى بيانٍ، كما أن الإنس في حاجةٍ إلى بيانٍ.

فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:130]، وَالرُّسُلُ مِنَ الْإِنْسِ فَقَطْ، وَلَيْسَ مِنَ الْجِنِّ رَسُولٌ. كَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الرُّسُلُ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَمِنَ الْجِنِّ نُذُرٌ.

الشيخ: لأنَّ الله قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف:109]، فعند الإطلاق ظاهره الإنس، لكن قد يكون مِنْكُمْ يقتضي تقوية مَن قال: إنَّ فيهم رسلًا.

وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْجِنِّ: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف:30] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى مُرْسَلٌ إِلَيْهِمْ أَيْضًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ فِي الْجِنِّ رُسُلًا، وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.

وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَلَيْسَتْ بِصَرِيحَةٍ، وَهِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَقَوْلِهِ: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22]، وَالْمُرَادُ: مِنْ أَحَدِهِمَا.

الشيخ: هذا ليس ببيِّنٍ، قول مَن قال: إنَّ منهم رسلًا على ظاهر الآية أقوى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:130]، هذا ظاهر صريح، وجعله لأحدهما يحتاج إلى دليلٍ، وهكذا قوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22] القول بأنه من المالح فقط ليس بجيدٍ أيضًا، قول ضعيف، الله أخرج للناس اللؤلؤ والمرجان منهما جميعًا، فقول مَن قال من الناس: إنَّ هذا في البحر المالح خاصَّة. غلط، بل هو منهما جميعًا، وقد صرح بهذا كثيرٌ من أهل العلم.

وحدَّثني مَن لا أتهم من أهل البحر الذين كانوا يغوصون للآلئ أنهم يجدون في البحر المالح والحلو من اللآلئ في هذا وفي هذا، وليس خاصًّا بالبحر المالح.

فالحاصل أنَّ الآية التي اعتمدوا عليها وجعلوها كآية الأنعام أخطئوا في هذه، وفي هذه، وقول مَن قال: إنَّ الرسل من الجن والإنس جميعًا. وإن كانوا قليلين، قولهم أظهر للأدلة ..........

وَأَمَّا كَوْنُهُ مَبْعُوثًا إِلَى كَافَّةِ الْوَرَى: فَقَدْ قَالَ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وَقَالَ تَعَالَى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19] أَيْ: وَأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79]، وَقَالَ تَعَالَى: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ الْآيَةَ [يونس:2]، وَقَالَ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20].

وَقَالَ ﷺ: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

الشيخ: ما هي هذه الشَّفاعة الخاصَّة التي أُعطيها؟

الشَّفاعة العظمى هي المقام المحمود بين الأمم، بين أهل الموقف كلهم.

فيه شفاعة غيرها بما يخصّه، هو الشفاعة العظمى، والشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة، والشفاعة في أبي طالب خاصَّة به، والباقي مُشتركة، يعني: مَن دخل النار يخرج له، وللملائكة، والمؤمنين، والأفراط.

وَقَالَ ﷺ: لَا يَسْمَعُ بِي رَجُلٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّارَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَكَوْنُهُ ﷺ مَبْعُوثًا إِلَى النَّاسِ كَافَّةً مَعْلُومٌ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالضَّرُورَةِ.

وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ النَّصَارَى أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً: فَظَاهِرُ الْبُطْلَانِ؛ فَإِنَّهُمْ لَمَّا صَدَّقُوا بِالرِّسَالَةِ لَزِمَهُمْ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ.

الشيخ: هذا واضح؛ مَن صدَّقه في أنه رسول الله، ولو للعرب؛ لزمه أن يُصدقه في كل شيءٍ؛ لأنَّ الرسول لا يكذب؛ لأنه إن اعترف بأنه ولو للأُميين، ولو للعرب، لزمه أن يُصدقه في كل شيءٍ، ولكن الغالب على اليهود والنَّصارى الجحد وعدم الإيمان بالنبوة جميعًا، فإنه مَن أقرَّ منهم بأنه رسول إلى العرب والأميين، فهذا يلزمه أن يُصدقه في كل شيءٍ، وأن يعترف برسالته للعامَّة: للثقلين جميعًا؛ لأنه لما اعترف بأنه رسول لزمه أن يُصدقه في كل شيءٍ.

وَقَدْ قَالَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَالرَّسُولُ لَا يَكْذِبُ، فَلَزِمَ تَصْدِيقُهُ حَتْمًا، فَقَدْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَبَعَثَ كُتُبَهُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ وَالْمُقَوْقِسِ وَسَائِرِ مُلُوكِ الْأَطْرَافِ، يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ.

وَقَوْلُهُ: (وَكَافَّةِ الْوَرَى) فِي جَرِّ (كَافَّةِ) نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ تُسْتَعْمَلْ "كَافَّةٌ" فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَّا حَالًا، وَاخْتَلَفُوا فِي إِعْرَابِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28] عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهَا حَالٌ مِنَ الْكَافِ فِي "أَرْسَلْنَاكَ"، وَهِيَ اسْمُ فَاعِلٍ، وَالتَّاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ: إِلَّا كَافًّا لِلنَّاسِ عَنِ الْبَاطِلِ. وَقِيلَ: هِيَ مَصْدَرُ كَفَّ، فَهِيَ بِمَعْنَى: كَفًّا، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَكُفَّ النَّاسَ كَفًّا، وَوُقُوعُ الْمَصْدَرِ حَالًا كَثِيرٌ.

الثَّانِي: أَنَّهَا حَالٌ مِنَ النَّاسِ.

وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ حَالَ الْمَجْرُورِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنِ الْعَرَبِ كَثِيرًا، فَوَجَبَ قَبُولُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَيْ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا لِلنَّاسِ كَافَّةً.

الشيخ: وهذا هو الأرجح، القول الثاني هذا هو الأظهر: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ والمعنى: وما أرسلناك إلا للناس كافَّة، إلا للناس جميعًا، هذا مثل قوله: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] مثلها في المعنى.

الثَّالِثُ: أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: رِسَالَةً كَافَّةً.

وَاعْتُرِضَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ إِلَّا حَالًا.

وَقَوْلُهُ: (بِالْحَقِّ وَالْهُدَى، وَبِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ) هَذِهِ أَوْصَافُ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الدِّينِ وَالشَّرْعِ الْمُؤَيَّدِ بِالْبَرَاهِينِ الْبَاهِرَةِ مِنَ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ.

وَالضِّيَاءُ: أَكْمَلُ مِنَ النُّورِ؛ قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس:5].

الشيخ: ....... النور في الغالب لا حرارةَ فيه، والضياء: نور معه حرارة، معه قوة؛ ولهذا الشمس ضياء، فيها قوة؛ لما فيها من الحرارة المحرقة، وفيها نور، والضياء: نور بلا حرارة، فالقرآن العظيم والشريعة فيها نور، وفيها حرارة إقامة الحدود وردع المجرمين وقتل مَن يستحق القتل، فهو نور معه قوة، مع ضياء معه حرارة تردع المجرمين، وتُقيم الحدود على مُستحقيها؛ ولهذا أُتي بالجميع: بالنور والضياء، ففيها النور، وهي نور، وفيها ضياء يحرق أهل الباطل، ويحرق مَن يستحق الإحراق، ويدمغ مَن يستحق العقوبة .........

وفي الحديث قال: الصدقة نور، والصبر ضياء سُمي: ضياء؛ لأنَّ فيه نورًا، لكن فيه حرارة، ما كل أحدٍ يتحمل الصبر، بل يحتاج إلى جهدٍ، وإلى تعبٍ على ما يُخالف ما في النُّفوس، سواء المصائب، سواء الطاعات، الصبر عن المعاصي، ما كل أحدٍ يقوى عليه؛ ولهذا قال: وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر، فالصبر له شدَّة، وله قوة؛ ولهذا ليس كل أحدٍ يتحمله؛ ولهذا تجد أكثر النفوس ليس عندها تحمل، فتستلذ الباطل ومتابعة الهوى بما تُريد.