26 من حديث (كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في نفر..)

كان النبي ﷺ يُبشر أصحابه بما يسرهم، ويُبشرهم برمضان إذا..... ويقول: أبشروا، هذا شهر رمضان، شهر مبارك، والله جلَّ وعلا ذكر في كتابه آيات كثيرات فيها البشارة، كما في قوله جلَّ وعلا: فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر:17- 18]، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [التوبة:21]، فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71]، في آيات كثيرات فيها التبشير: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] إلى غير هذا.

فالمقصود أنه سبحانه ذكر في آيات كثيرات تبشير عباده بما يسرهم، وبما فيه سعادتهم وصلاحهم، فهكذا المسلمون يُبشر بعضُهم بعضًا بما يسرهم، وبما يطيب لهم وينفعهم: من ولدٍ، ومالٍ، ودفعٍ للمسلمين ونصرٍ لهم على عدوهم، وغير هذا مما يسر المسلم.

ومن هذا قصة خديجة: قال لها النبيُّ ﷺ: هذا جبريل يُبشرك عن الله ببيتٍ في الجنة من قصبٍ يعني: من لؤلؤٍ لا صخبَ فيه ولا نصب، فبشَّرها بهذا القصر، أعده الله لها في الجنة رضي الله عنها وأرضاها، ليس فيه ما يُؤذي ويُكره من الكلام السيئ والكلام الباطل، ليس فيه صخب ولا نصب، وليس فيه ما يُؤذي من كلامٍ سيئ، ولا من عملٍ متعبٍ، بل فيه الخير والأنهار الجارية والنعيم المقيم.

وهكذا قصة أبي موسى مع النبي ﷺ في بئر أريس: لما توجه إليها النبيُّ ﷺ -وهي في محل الأنصار- ودخل في الحائط، وقضى حاجته وتوضأ وجلس على شفير البئر، فجاء أبو موسى..... الباب، فأمره النبي بحفظ الباب، فاستأذن الصديقُ لما جاء، فقال له أبو موسى: على رسلك، فاستأذن له النبي ﷺ، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر ودفع الباب، فقال أبو موسى: على رسلك حتى أستأذن لك، فقال له النبيُّ: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان كذلك..... فاستأذن له فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تُصيبه، فبشرهم أبو موسى بما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، وقال عثمان لما بشَّره بذلك: الحمد لله والله المستعان. يعني: الحمد لله على ما يسر لي الوعد بالجنة، وأما البلوى فقال: الله المستعان. وقد أُصيب بالبلوى؛ تسلط عليه جماعةٌ في آخر حياته، قاموا عليه، وتألبوا عليه حتى قُتل رضي الله عنه وأرضاه، وهذا القتل الذي ظُلم به عثمان، تعدَّى عليه طائفة شُبِّه عليها، ولُبِّس عليها، فوقعت في هذه الجريمة النَّكراء؛ له فيه خير عظيم وشهادة وأجر عظيم؛ لأنه مظلوم.

الخلاصة من ذلك: أنه لا بأس بأن يُبشر المسلمين، بل يُستحب أن يُبشر المسلم بما يسره وبما ينفعه من أمور دينه ودنياه؛ لأن المسلم أخو المسلم، يسره ما يسره، ويسوؤه ما يسوؤه، فتبشير المسلم بما ينفعه فيه شيء من الإيناس وتآلف القلوب والتقارب بين المسلمين، فهو مشروع؛ لما فيه من الخير.

وفَّق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

3/709- وعنْ أَبي هريرة قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رسولِ اللَّه ﷺ، وَمعَنَا أَبُو بكْرٍ وعُمَرُ رضي اللَّه عنهما في نَفَرٍ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بينِ أَظْهُرِنا فَأَبْطَأَ علَيْنَا، وخَشِينا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنا وَفَزِعْنَا فقُمنا، فَكُنْتُ أَوَّل مَنْ فَزِع، فَخَرَجْتُ أَبْتَغي رسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا للأَنْصَارِ لِبني النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ: هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا؟ فلَمْ أَجِدْ، فإذَا ربيعٌ يَدْخُلُ في جوْف حَائِطٍ مِنْ بِئرٍ خَارِجَه -والرَّبيعُ: الجَدْوَلُ الصَّغيرُ- فاحتَفزْتُ فدَخَلْتُ عَلى رسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَبو هُريرة؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَا شَأنُك؟ قلتُ: كُنْتَ بَيْنَ ظَهْرَيْنَا فقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ علَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطعَ دُونَنا، ففَزعنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزعَ، فأَتَيْتُ هذَا الحائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعلبُ، وَهؤلاءِ النَّاسُ وَرَائي، فَقَالَ: يَا أَبا هُرَيرَةَ، وأَعطَاني نَعْلَيْهِ فَقَال: اذْهَبْ بِنَعْلَي هاتَيْنِ، فَمَنْ لقيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذا الحائِط يَشْهَدُ أَنْ لا إله إلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقنًا بِهَا قَلبُهُ فَبَشِّرْهُ بالجنَّةِ وذَكَرَ الحدِيثَ بطُولِهِ. رواه مسلم.

4/710- وعن ابنِ شُماسةَ قالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بنَ العاصِ رضي اللَّهُ عنه وَهُوَ في سِيَاقَةِ المَوْتِ، فَبَكى طَويلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلى الجدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بكَذَا؟! أَما بشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بكَذَا؟! فَأَقْبلَ بوَجْههِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّه، وأَنَّ مُحمَّدًا رسُول اللَّه، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلى أَطبْاقٍ ثَلاثٍ: لَقَدْ رَأَيْتُني وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَلا أَحبَّ إِليَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ قَدِ استَمْكَنْتُ مِنْهُ فقَتلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلى تِلْكَ الحالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلامَ في قَلْبي أَتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يمينَكَ فَلأُبَايعْكَ، فَبَسَطَ يمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: ما لك يَا عَمْرُو؟ قلتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرطَ، قالَ: تَشْتَرطُ بماذَا؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلام يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ، وَأَنَّ الهجرَةَ تَهدمُ مَا كَانَ قبلَها، وأَنَّ الحَجَّ يَهدِمُ مَا كانَ قبلَهُ؟ وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِليَّ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَلا أَجَلَّ في عَيني مِنْه، ومَا كُنتُ أُطِيقُ أَن أَملأَ عَيني مِنه إِجلالًا لَهُ، ولو سُئِلتُ أَن أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أَكن أَملأ عَيني مِنه، ولو مُتُّ عَلَى تِلكَ الحَال لَرَجَوتُ أَن أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ وُلِّينَا أَشيَاءَ مَا أَدري مَا حَالي فِيهَا؟ فَإِذا أَنا مُتُّ فلا تصحَبنِّي نَائِحَةٌ وَلا نَارٌ، فَإذا دَفَنتُموني فشُنُّوا عليَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حولَ قَبري قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزورٌ وَيُقْسَمُ لحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِس بكُمْ، وأنظُرَ مَا أُراجِعُ بِهِ رسُلَ رَبِّي. رواه مسلم.

الشيخ: قد سبقت آيات كثيرات وأحاديث في فضل التبشير بالخير والتهنئة بالخير، وأنه يُستحب للمؤمن أن يُهنئ أخاه ويُبشر أخاه فيما بلغه من الخير، وفيما علمه من الخير؛ لأنَّ المسلم أخو المسلم، يسره ما يسره، ويضره ما يضره، وهم إخوة متحابون متعاونون، كالجسد الواحد، والبناء الواحد، كما قال عليه الصلاة والسلام: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فلهذا يُشرع أن يُهنئه بالخير: من سلامةٍ من مرضٍ، من وجود ولد، من وجود زواج، من سلامة من مصيبةٍ، إلى غير ذلك من النعم.

وقد سبق أنَّ الله جلَّ وعلا بشَّر عباده بأنواع من البشرى، كما قال جلَّ وعلا: فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:17- 18]، وقال تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [التوبة:21]، إلى غير ذلك من البشارات الكثيرة.

وهنا كان النبي جالسًا في بعض الأوقات بين أصحابه .....، فقام لحاجةٍ، فأبطأ عليهم، فخافوا عليه من كونه اقتطع دونهم من بعض الأعداء من المنافقين أو من اليهود وغيرهم، ففزعوا، فجعلوا يلتمسونه، فجاء أبو هريرة -وهو أول مَن فزع- فذهب إلى أطراف المدينة يتبع أثره ويسأل عنه، حتى أتى حائطًا من الحوائط، يعني بستانًا من بساتين الأنصار، فدار حوله يلتمس الباب فلم يجد، وكأنه ظنَّ أن رسول الله فيه، أو قيل له: إنه فيه، ووجد جدولًا فيه ماء يدخل هذا الحائط، فتحفَّز ودخل فوجد النبي ﷺ في الحائط، فسأله النبي عمَّا جاء به، وأخبره أبو هريرة، فقال له: خذ نعلي هاتين واخرج، فمَن وجدت من وراء الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مُستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة، وهذا جاء في عدة أحاديث يُبشر فيها ﷺ أهل التوحيد والإيمان بالجنة إن استقاموا، مَن وحَّد الله واستقام على شريعة نبيه ﷺ فله الجنة، وإن جرى عليه ما جرى، وإن أصاب بعض الذنوب فإنَّ مرده إلى الجنة، وإن كان قد يُعاقب على بعض ذنوبه، ويدخل النار ببعض ذنوبه، لكن إذا مات على التوحيد والإيمان فمُنتهاه إلى الجنة، وإن جرت عليه خطوب، وإن عُوقب ببعض ذنوبه، لكن مَن استيقن قلبه الإيمان والتوحيد فإنه لا يُصرّ على السيئات، بل يدفعه إيمانه وتوحيده إلى التوبة إلى الله والحذر، فيموت على الاستقامة، وتكون له الجنة من أول وهلةٍ.

فهذا فيه تبشير المسلمين بما يسرهم، فأنت واحد منهم، تُبشر إخوانك بما يسرهم، إذا علمت شيئًا من حال أخيك أو جارك أو قريبك ..... وبشرته.

وفي حديث عمرو بن العاص لما حضره الأجل، عمرو بن العاص من خيار الصحابة، ومن أهل الرأي وبُعد النظر والفراسة، كان إسلامه متأخرًا؛ في زمن الهدنة بين النبي وبين أهل مكة، كان من رجالات قريش ومن كبارهم، وكان مع معاوية في الخلاف بينه وبين عليٍّ، كان مع معاوية في الشام، حصلت فتنة، فلما حضره الأجل جعل يبكي ويقول له ولده: يا أبتي، ألم يُبشرك الرسول بكذا؟! ألم يُبشرك الرسول بكذا؟! وهو خائف مما حصل في آخر حياته من الفتن التي جرى فيها قتال في صفين ويوم الجمل، فقال: يا بني، إني كنتُ على أطباقٍ ثلاثة، يعني: على حالات ثلاث: الحال الأولى: كنت كافرًا أبغض النبي ﷺ وأود لو أني تمكنتُ من قتله، فلو متّ على هذا لكنتُ من أهل النار، ثم هداني الله للإسلام، دخل الإسلام في قلبي، فصار الرسول أحبَّ الناس إليَّ، وبايعته على ذلك، ولما أراد البيعة قبض يده، قال: ما لك يا عمرو؟ قال: إني أريد أن يُغفر لي ما تقدم، فقال: ألم تعلم يا عمرو أنَّ الإسلام يهدم ما قبله يعني: ما يجب ما قبله، والهجرة تهدم ما قبلها، والحج يهدم ما قبله، وهكذا التوبة تهدم ما قبلها، ثم بايعه ﷺ، قال: وكان أحبّ الناس إليَّ، فكنتُ لا أستطيع أن أملأ عيناي من النظر إليه؛ إجلالًا له وتعظيمًا عليه الصلاة والسلام، ولو سألني أحد أن أصفه لما استطعتُ أن أصفه، يعني: ما أستطيع أن أملأ عيناي من النظر إليه، فلو متّ على هذه الحالة لرجوتُ أن أكون من أهل الجنة، وهذا من باب الإزراء على النفس والانكسار بين يدي الله، ثم دخل في الحالة الثالثة؛ لأنه ولي أعمالًا مع معاوية في الشام، وفي الحرب التي بينه وبين عليٍّ، قال: فلا أدري ما حالي فيها؟ هذه التي أخافته وجعل يبكي، حتى إذا أنا مت فلا تتبعني نائحة ولا نار، وإذا دفنتُموني فقفوا عند قبري بقدر ما تُنحر الجزور ويُقسم لحمها؛ حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أُراجع به رسل بي. يعني: بالدعاء له، والاستغفار له، والترحم عليه.

كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل، فالسنة بعد الدفن أن يقف المشيعون بعض الوقت للدعاء له بالمغفرة والثبات على الحقِّ، ولو أقل من قدر ما تُنحر الجزور، المقصود فعل السنة، والدعاء له بعد الدفن، يقول النبيُّ إذا فرغ من الدفن: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل أي: سؤال الملكين له، فيُسأل له التثبيت على الحقِّ.

والشاهد من هذا قول عبدالله بن عمرو لأبيه: ألم يُبشرك الرسول بكذا؟ ألم يُبشرك بكذا؟ فإن هذا فيه بشارة المسلم بما يسره، ولا سيما عند الخوف، وعند اقتراب الأجل، يُذكر بنعم الله عليه، يُذكر بما قام به من الخيرات، ويُوصى بحُسن الظن بالله، يقول النبي ﷺ: لا يموتنَّ أحدٌ منكم إلا وهو يُحسن ظنّه بالله، وإن كانت له هفوات وزلَّات فليُبادر بالتوبة والندم والإقلاع مع حُسن الظنِّ بالله ، الذي يتوب على التائبين ، كما قال : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]، وقال في حقِّ النصارى: أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74]، وقال عليه الصلاة والسلام: التائب من الذنب كمَن لا ذنبَ له، وقال عليه الصلاة والسلام: التوبة تجبّ ما قبلها يعني: تمحو ما كان قبلها. وفَّق الله الجميع.

96- باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفرٍ وغيره والدعاء لَهُ وطلب الدعاء مِنْهُ

قَالَ الله تَعَالَى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ۝ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:132-133].

وأما الأحاديث فمنها:

1/711- حَديثُ زيدِ بنِ أَرْقَمَ الَّذِي سبق في بَابِ إِكرامِ أَهْلِ بَيْتِ رَسُول اللَّه ﷺ، قَالَ: قامَ رَسُول اللَّه ﷺ فِينَا خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّه، وَأَثْنى عَلَيهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَلا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنا بشرٌ، يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فأُجيب، وأَنَا تَاركٌ فيكُمْ ثَقَليْنِ: أَوَّلهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، فيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكتاب اللَّه، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ، فَحَثَّ عَلى كِتَابِ اللَّه، ورَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّه في أَهْلِ بَيْتي رواه مسلم.

2/712- وعن أَبي سُليْمَانَ مَالك بن الحُوَيْرثِ قَالَ: أَتَيْنَا رسولَ اللَّه ﷺ وَنحْنُ شَبَبةٌ متَقَاربُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عشْرينَ لَيْلَةً، وكانَ رسولُ اللَّه ﷺ رَحِيمًا رفِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: ارْجعُوا إِلى أَهْليكم فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعلِّموهُم، وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا صَلاةَ كَذا فِي حِين كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا في حِين كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤمَّكُم أَكبَرُكُمَ متفقٌ عَلَيْهِ.

زاد البخاري في روايةٍ لَهُ: وَصَلّوا كمَا رَأَيتُمُوني أُصَلِّي.

3/713- وعن عُمَرَ بنِ الخطاب قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبيَّ ﷺ في الْعُمْرَةِ، فَأَذِنَ وَقالَ: لا تَنْسنَا يَا أخيَّ مِنْ دُعَائِك، فقالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّني أَنَّ لِي بهَا الدُّنْيَا.

وفي روايةٍ قَالَ: أَشْرِكْنَا يَا أخَيَّ في دُعَائِكَ رواه أَبُو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

الشيخ: هذه الآيات الكريمات والأحاديث في الحثِّ على توصية المؤمن بأخيه عند فراقه له، وعند لقائه له، وعند توديعه في سفرٍ ونحوه، وعند الموت وتذكيره بالآخرة، فالمؤمن وهكذا المؤمنة المشروع لهما جميعًا التذكير بالله، والوصية بتقوى الله، ولا سيما عند اللقاء من السفر، أو عند الوداع، أو عند المرض، أو عند خوف الموت، يُوصي المؤمن أخاه بكل ما ينفعه، قال تعالى في إبراهيم وذريته: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يعقوب هو ابن إسحاق بن إبراهيم يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132]، أوصاهم بالثبات على الحقِّ، والاستقامة عليه.

كان النبي ﷺ إذا ودَّع إنسانًا قال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، فالمؤمن من شأنه حبّ الخير لأخيه، والعطف على أخيه، والحرص على أسباب سعادته، كما قال النبي ﷺ: لا يُؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحب لنفسه.

ولما قفل النبيُّ ﷺ من حجة الوداع في آخر حياته كان يقول للناس في مناسك الحجِّ: خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، خطبهم في الطريق قال: إنما أنا بشر يعني: شخص من بني آدم مكتوب عليه الموت يوشك أن يأتيني رسول ربي فأُجيب يوشك يعني: يقرب، رسول ربي يعني: ملك الموت، فأجيب، فهذا تمهيد لما يقوله بعد هذا من الوصية، قال بعدها: وإني تارك فيكم ثقلين يعني: شيئين عظيمين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فتمسَّكوا بكتاب الله واستعصموا به، فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه؛ لأنه طريق النَّجاة، وسبيل السعادة، كما قال جلَّ وعلا: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]، قال سبحانه: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155]، ثم قال: وأهل بيتي يعني: زوجاته وأقاربه الأدنين، أُذكركم الله في أهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي يعني: استوصوا بهم خيرًا، يعني: أحسنوا إليهم، كفُّوا الأذى عنهم، فأوصى بأهل بيته والإحسان إليهم وعدم الأذى لهم، وهم: أزواجه وقراباته من بني هاشم، وأقرب الأقربين إليه العباس عمه، وعلي بن أبي طالب وأولاده، وأولاد أبي طالب: عقيل، وغيرهم ممن ينتسب إلى هاشم، وهو أقرب الناس إليه، فإن ..... الأدنى هم بنو هاشم.

فهذا فيه وصيته بتقوى الله، وما ينفع العبد من التمسك بكتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، والوصية لأقاربه: كأن يُوصي أباه وإخوته لأقاربه والإحسان إليهم، فهذا من النصح لله ولعباده، فالنصح لله ولعباده: الوصية فيما ينفع العبد في دينه ودنياه.

هكذا قصة عمر لما أراد العمرة استأذن النبيَّ ﷺ، فقال له النبيُّ: لا تنسنا يا أخي من دعائك، قال: أشركنا في دعائك، هذا من باب التواصي بالخير؛ أنه لا بأس أن يقول لأخيه: ادع لي يا أخي، أو أشركني في دعائك، أو لا تنسني من دعائك، لا بأس بهذا، قد يُستجاب له ..... كما في الحديث الصحيح: دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب مُستجاب. وفي الحديث الآخر: أن الرجل إذا دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل: آمين، ولك بمثله.

فالتواصي بالخير والتناصح والتعاون على البرِّ والتقوى أمر مطلوب ..... النبي قال للصحابة: إنه يقدم عليكم وفود اليمن، وفيهم رجلٌ يقال له: أويس، بارٌّ بأمه، أصابه برص فبرئ منه إلا موضع درهم، فمَن لقيه منكم فليطلب منه الاستغفار، فلما قدم المدينة طلب منه عمر الاستغفار له ومَن وافقه من الصحابة جميعًا، هذا يدل على أن الإنسان التقي لله -ولا سيما البارّ لوالديه- تُرجى إجابة دعوته؛ لإيمانه وتقواه وبرِّه.

كذلك حديث مالك بن الحويرث ..... لما قدم هو وأصحابه على النبي ﷺ وافدين، وكانوا شببة متقاربين، نحو عشرين، فعلَّمهم الصلاة عليه الصلاة والسلام، فلما رآهم قد اشتاقوا إلى أهليهم قال: ارجعوا إلى أهليكم فعلِّموهم وأموهم، وصلّوا صلاةَ كذا في حين كذا وعلَّمهم كيف الصلاة، وصلوا كما رأيتُموني أُصلي، وإذا حضرت الصلاةُ فليُؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم، يُعلمهم ما يحتاجون إليه عليه الصلاة والسلام، وقال: أكبركم لأنهم متقاربون؛ ولهذا قال: وليؤمكم أكبركم؛ لأنهم كلهم قُراء متقاربون، فالأولى أن يؤم الأكبر، أما إذا كانوا مختلفين فالأولى أن يُقدم الأقرأ لكتاب الله، ثم الأعلم بالسنة، ثم الأقدم هجرة، ثم الأكبر سنًّا.

فينبغي للمؤمن أن يعتني بهذا، ويُعلمهم القرآن وما يلزم، يُعلمهم مما علَّمه الله: من زوجةٍ وأمٍّ وأبٍ وأخٍ وغير ذلك، يُعلمهم مما علَّمه الله عند الحاجة إلى ذلك؛ لأنهم ليسوا من أهل العلم، وهو عنده علم فيُعلمهم ويُوجههم، وهذا من باب التواصي بالحقِّ، والله يقول عن أهل الإيمان والصلاح: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3]، ..... الدين النَّصيحة، الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم.

4/714- وعن سالم بنِ عَبْدِاللَّه بنِ عُمَرَ: أَنَّ عبدَاللَّه بنَ عُمَرَ رضي اللَّه عنهما كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا: ادْنُ مِنِّي حَتَّى أُوَدِّعَكَ كمَا كَانَ رسولُ اللَّه ﷺ يُودِّعُنَا، فيقُولُ: أَسْتَوْدعُ اللَّه دِينَكَ، وَأَمانَتَكَ، وخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

5/715- وعن عبدِاللَّهِ بنِ يزيدَ الخَطْمِيِّ الصَّحَابيِّ قَالَ: كَانَ رسولُ اللَّه ﷺ إِذا أَرَادَ أَنْ يُوَدِّعَ الجَيْش قالَ: أَسْتَوْدعُ اللَّه دِينَكُمْ، وَأَمَانَتكُم، وَخَوَاتِيمَ أَعمَالِكُمْ حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بإِسنادٍ صحيحٍ.

6/716- وعن أَنسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رسُولَ اللَّه، إِني أُرِيدُ سَفَرًا، فَزَوِّدْني، فَقَالَ: زَوَّدَكَ اللَّه التَّقْوَى، قَالَ: زِدْني، قَالَ: وَغَفَرَ ذَنْبَكَ، قَالَ: زِدْني، قَالَ: وَيَسَّرَ لكَ الخيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة في توديع المسافر وما ينبغي للمؤمن عند سفر أخيه أن يُودعه ويدعو له بالخير والتوفيق، ولا مانع من أن يقول: ادعُ لي يا أخي، أو أشركني في دعائك، أو نحو ذلك، فيُوصيه بتقوى الله، ويُوصيه بالخير؛ لأنَّ الله يقول جلَّ وعلا: وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر]، فالتواصي بالحقِّ بين الإخوان في السفر والإقامة وفي جميع الأحوال أمر مطلوب، ولا سيما عند السفر يدعو له، ويُوصيهم بتقوى الله والاستقامة على أمره، ويُودعهم كما كان النبيُّ يُودع أصحابه؛ كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يُودع بعضَ أصحابه يقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وإذا ودَّع الجيش يقول: أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم عملكم، فهذا فيه استيداع الله من العبد وأمانته وخواتيم عمله، أستودع الله يعني: أجعل ذلك وديعةً عنده، فهو لا يضيع الودائع ولا الأمانات، متى حفظها ومتى قبلها حفظها، فالمعنى أنه يسأل الله جلَّ وعلا أن يحفظ عليك دينك وأمانتك وخواتيم عملك، والأعمال بالخواتيم.

وفي حديث أنسٍ: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أريد السفر فزوِّدني، فقال عليه الصلاة والسلام: زوَّدك الله التقوى، قال: زدني، قال: وغفر ذنبك، قال: زدني، قال: ويسر لك الخير أينما توجهتَ، وهذا دعاء عظيم، إذا دعا به المؤمنُ لأخيه فقد أحسن كثيرًا، فإن خير الزاد التقوى، كما قال جلَّ وعلا: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197].

والتقوى هي طاعة الله ورسوله في الاستقامة على دين الله، إذا أوصيتَ أخاك بتقوى الله فقد أوصيته بجماع الخير، وأوصيته بكل خيرٍ، قال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131]، وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:278]، فهي وصية الله، وهي وصية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ كان النبي يُوصي أصحابه بتقوى الله، في خطبه يُوصيهم بالتقوى، وإذا دعا لهم مع ذلك بالمغفرة والرحمة وتيسير الأمور كان خيرًا إلى خيرٍ، إذا أوصاه بتقوى الله ودعا له بأن يغفر الله له ذنبه ويُيسر أمره ويُعينه على قضاء حاجاته كان خيرًا إلى خيرٍ، وقد قال الربُّ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، فالأخ يُحب لأخيه كل خيرٍ، ويقول ﷺ: لا يُؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه، فمن محبَّة الخير لأخيك أن تدعو له بكل خيرٍ، وأن تُوصيه بكل خيرٍ في السفر وفي الإقامة وفي جميع الأحوال.

وفَّق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

97- باب الاستِخارة والمُشاورة

قَالَ الله تَعَالَى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159].

وقال تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] أي: يتشاورون بينهم فيه.

1/717- عن جابِرٍ قَالَ: كانَ رسولُ اللَّه ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في الأُمُور كُلِّهَا كالسُّورَةِ منَ القُرْآنِ، يَقُولُ: إِذا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَليَركعْ رَكعتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفرِيضَةِ، ثُمَّ ليَقُلْ: اللَّهُم إِني أَسْتَخِيرُكَ بعِلْمِكَ، وأستقدِرُكَ بقُدْرتك، وأَسْأَلُكَ مِنْ فضْلِكَ العَظِيم، فإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وتعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنتَ علَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كنْتَ تعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأمرَ خَيْرٌ لِي في دِيني وَمَعَاشي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِله- فاقْدُرْهُ لي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِن كُنْتَ تَعْلمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ شرٌّ لِي في دِيني وَمَعاشي وَعَاقبةِ أَمْرِي -أَو قَالَ: عَاجِل أَمري وآجِلهِ- فاصْرِفْهُ عَني، وَاصْرفني عَنهُ، وَاقدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ قَالَ: ويُسمِّي حَاجَتَهُ. رواه البخاري.

الشيخ: هذه الآيات مع الحديث الشريف فيها الحثّ على الاستخارة والمشاورة في الأمور كلها، يعني: التي يكون فيها اشتباه وعدم ظهور المصلحة، فيستخير ربَّه، ويستشير إخوانه، وقد أمر الله نبيه بذلك فقال: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، ومدح الله المؤمنين فقال: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، والتَّشاور فيه مصالح عظيمة، فينبغي عند اشتباه الأمور التَّشاور؛ حتى يسلك الطريق الأمثل، وحتى تعرف وجوه الشرِّ ووجوه الخير، فتُجتنب وجوه الشرِّ، وتحصل وجوه الخير.

في حديث جابر في الاستخارة: أنه كان النبي ﷺ يُعلِّمهم الاستخارة في الأمور كلها، يعني: التي فيها اشتباه عليهم؛ لأنَّ الشيء الذي ليس فيه اشتباه ليس فيه استخارة، لا يستخير: هل يصلي أو ما يُصلي؟ لا يستخير: هل يصوم رمضان أو ما يصوم رمضان؟ لا يستخير: هل يُؤدي الزكاة أو ما يُؤدي الزكاة؟ لأنها أمور مفروضة معلومة، إنما الاستخارة في الشيء الذي قد يشتبه أمره، أو في الوسيلة إليه: كالزواج، والمعاملة مع أحدٍ من الناس، وشراء حاجة فيها خطر، أو السفر في أوقات الخوف، وما أشبه ذلك، فإذا همَّ بأمرٍ ودعت الحاجةُ إلى الاستخارة فيه فإنه يُصلي ركعتين من غير الفريضة، النافلة، ثم بعدما يُصلي يدعو ربَّه بهذا الدعاء: اللَّهُم إِني أَسْتَخِيرُكَ بعِلْمِكَ، وأستقدِرُكَ بقُدْرتك، وأَسْأَلُكَ مِنْ فضْلِكَ العَظِيم، فإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وتعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنتَ علَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كنْتَ تعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأمرَ -ويُسميه باسمه؛ يُسمي: هذا الزواج، هذا السفر، هذه المعاملة، وما أشبه ذلك- خَيْرٌ لِي في دِيني وَمَعَاشي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِله- فاقْدُرْهُ لي، ثمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِن كُنْتَ تعْلَمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ -ويُسميه بعينه- شرٌّ لِي في دِيني وَمَعاشي وَعَاقبةِ أَمْرِي -أَو قَالَ: عَاجِل أَمري وآجِلهِ شكَّ الراوي: هل قال: في معاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله؟ كله حسن، هذا أو هذا: في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، يعني: في الحاضر والمستقبل فاصْرِفهُ عَني، وَاصْرفني عَنهُ، وَاقدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ أرْضِنِي بِهِ.

كان يُعلمهم هذا الدعاء كما يُعلمهم السورة من القرآن، وهو دعاء عظيم جامع في أمور الاستخارة، قد جمع الخير والسلامة من الشرِّ، فيُستحب رفع اليدين في هذا الدعاء؛ لأنه دعاء مهم، ورفع اليدين من أسباب الإجابة كما في الحديث: إنَّ ربَّكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صفرًا، ويكون بقلب حاضرٍ، وصدقٍ في طلب التوفيق، والله قد وعد عباده بالإجابة: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، فإذا دعا العبدُ ربَّه بصدقٍ وإخلاصٍ وإقبالٍ على الله كان هذا من أسباب الإجابة.

وفَّق الله الجميع، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

98- باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريقٍ والرجوع من طريقٍ آخر؛ لتكثير مواضع العبادة

1/718- عن جابرٍ قَالَ: كانَ النبيُّ ﷺ إِذا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. رواه البخاري.

2/719- وعنِ ابنِ عُمَرَ رضي اللَّه عنهما: أَن رَسُول اللَّه ﷺ كانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخلُ مِنْ طَريقِ المُعَرَّسِ، وإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِية العُليَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِية السُّفْلى. متفقٌ عَلَيْهِ.

الشيخ: هذان الحديثان في شرعية مخالفة الطريق إذا ذهب إلى العيد أو الجمعة أو الحجّ والعمرة، فالأفضل أن يكون له طريق في الذهاب، وطريق في الرجوع؛ تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام إذا تيسر ذلك، إذا تيسر أن يُخالف الطريق.

قال جابر : كان النبي ﷺ إذا خرج إلى العيد يخرج من طريقٍ ويرجع من آخر، وهكذا كان ابن عمر في حجه وعمرته يُخالف الطريق، ويذهب إلى مكة من طريقٍ، ويرجع من آخر، كل ذلك والله أعلم لإظهار الإسلام، وشهادة البقاع، والسلام على أهل الطرق، وإظهار مشاعر الإسلام، فهذه حكم وأسرار كلها قيلت لحكمة؛ قيل: هذه المخالفة لإظهار شعائر الإسلام. وقيل: ليُسلم على أهل الطريقين. وقيل: ليشهد له ما يمر به من البقاع أنه ذهب إلى هذه العبادة، ولا مانع من أن يكون ذلك لهذه الحكم كلها، والأسرار كلها.

وهذا كله إذا تيسر ذلك؛ لو كان هناك طريقان، فيذهب من طريقٍ، ويرجع من آخر إذا تيسر ذلك، أما إذا كان ما هناك طريقان، ما في إلا طريق واحد، أو فيه مشقة فلا حرج، إنما هو مستحب، من باب الفضائل، من باب الاستحباب؛ تأسيًا بالنبي ﷺ، وحرصًا على تحقيق هذه الحكم والأسرار التي أشار إليها كثيرٌ من أهل العلم، ثم أيضًا قد يحصل في أحد الطريقين ما لا يحصل في الآخر من الدعوة إلى الله، ومن إنكار المنكر، والدعوة إلى الخير، ومن تعليم، ومن قضاء حاجات أهل الطرق، إلى غير ذلك من المصالح، فإن تعدد الطريق بالنسبة إلى المؤمن تحصل به مصالح؛ فقد يُنكر المنكر، وقد يدعو إلى خيرٍ، قد يُعلم مَن جهل، قد يقضي حاجة المحتاج، فتعدد الطرق فيه مصالح كما تقدم. وفَّق الله الجميع.

99- باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم: كالوضوءِ وَالغُسْلِ والتَّيَمُّمِ, وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالنَّعْلِ وَالخُفِّ وَالسَّرَاوِيلِ، وَدُخولِ المسجد, والسواك, والاكتحال, وتقليم الأظافر, وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الإبْطِ, وَحلقِ الرَّأسِ, وَالسَّلامِ مِنَ الصَّلاةِ, وَالأَكْلِ والشُّربِ, وَالمُصافحَةِ, وَاسْتِلامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ, والخروجِ منَ الخلاءِ, والأخذ والعطاء, وغيرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ في معناه. ويُسْتَحَبُّ تَقديمُ اليسارِ في ضدِّ ذَلِكَ: كالامْتِخَاطِ وَالبُصَاقِ عن اليسار, ودخولِ الخَلاءِ, والخروج من المَسْجِدِ, وخَلْعِ الخُفِّ والنَّعْلِ والسَّراويلِ والثوبِ, والاسْتِنْجَاءِ وفِعلِ المُسْتَقْذرَاتِ، وأشْبَاه ذَلِكَ.

قَالَ الله تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ الآيات [الحاقة:19].

وقَالَ تَعَالَى: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ۝ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ [الواقعة:8- 9].

1/720- وعن عائشة رضيَ اللَّه عنها قالَتْ: كَانَ رسولُ اللَّه ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيمُّنُ في شأنِه كُلِّه: في طُهُورِهِ، وَتَرجُّلِهِ، وَتَنَعُّلِه. متفقٌ عَلَيْهِ.

2/721- وعنها قالتْ: كانَتْ يَدُ رسول اللَّه ﷺ اليُمْنى لِطَهُورِهِ وطَعَامِه، وكَانَتِ اليُسْرَى لِخَلائِهِ وَمَا كَانَ منْ أَذًى. حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بإِسنادٍ صحيحٍ.

3/722- وعن أُمِّ عَطِيةَ رضي اللَّه عنها: أَن النبيَّ ﷺ قالَ لَهُنَّ في غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ رضي اللَّه عنها: ابْدَأْنَ بِميامِنهَا وَمَواضِعِ الوُضُوءِ مِنْها متفقٌ عَلَيْهِ.

4/723- وعن أَبي هُريرة : أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: إِذا انْتَعَلَ أَحدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ باليُمْنى، وَإِذا نَزَع فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمالِ، لِتَكُنِ اليُمْنى أَوَّلهُما تُنْعَلُ، وآخرَهُمَا تُنْزَعُ متفقٌ عَلَيْهِ.

الشيخ: هذه الأحاديث الكريمة تدل على شرعية البداءة باليمين، واستعمال اليمين فيما هو يستحق التكريم والتقديم والعناية: كالأكل والشرب، والمصافحة والأخذ والعطاء، واللبس والترجل، والوضوء والغسل ونحو ذلك، ودخول المسجد، والخروج من الخلاء، وما أشبه ذلك مما هو جدير بالتكريم يبدأ به باليمين، والله مدح أهل اليمين، وأعطى أهل الحقِّ كتابهم بأيمانهم، كما قال : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ۝ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ۝ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ۝ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ۝ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ۝ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19- 24]، وقال جلَّ وعلا: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [الواقعة:8]؛ تعظيمًا لشأنهم، وإظهارًا لفضلهم.

فاليمين لها صفة التقديم، والبداءة باليمين كذلك، فيبدأ باليمين، وتُستعمل اليمين فيما هو مقصود لذاته، وما هو جدير بالتكريم والعناية كما تقدم: من الوضوء والغسل، والأكل والشرب، والمصافحة والأخذ والعطاء، ونحو ذلك، واليسار تكون بضد ذلك ..... والمستكرهات من القذر والأذى كلها تكون باليسار.

وهذا من الآداب الإسلامية، من الآداب الشرعية، قالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي ﷺ يُعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله"، تنعله يبدأ باليمين، في طهوره يبدأ بيده اليمنى، ترجله؛ يُسرح شعره وشقّه الأيمن قبل الأيسر، وهكذا في الحلق؛ يحلق الأيمن قبل الأيسر.

وهكذا تقول رضي الله عنها: كانت يمين النبي ﷺ لطهوره وأكله، واليسار لما سوى ذلك وللأذى. فهذا يدل على أن اليسار لما يُستقذر، ولما هو مفضول، واليمين لما هو فاضل ومقصود.

هكذا حديث أم عطية في قصة غسل زينب، وأنه قال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها، وقال النبي في حديث أبي هريرة: إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم، وإذا لبستم فابدؤوا بميامنكم.

هكذا حديث أبي هريرة: أنه ﷺ قال: إذا انتعل أحدكم فليبدأ بيمينه، وإذا خلع فليبدأ باليسار، ولتكن اليُمنى أولهما تُنعل، وآخرهما تُنزع، وقال لعمر بن أبي سلمة : سمِّ الله وكل بيمينك. والأحاديث في هذا كثيرة.

فينبغي للمؤمن أن يتأدَّب بالآداب الشرعية في كل شيءٍ: فيأكل باليمين، ويشرب باليمين، ويُصافح إخوانه بيمينه، ويأخذ ويُعطي بيمينه، وإن توضأ كذلك يبدأ باليمين، والغسل يبدأ بشقه الأيمن، وإذا حلق يبدأ بشقه الأيمن، وإذا دخل المسجد يبدأ باليمنى، وإذا خرج يبدأ باليسرى، وهكذا إذا انتعل يبدأ باليمنى، وإذا لبس السراويل يبدأ بالكم الأيمن، وفي الخلع يبدأ بالأيسر، كل شيء له يمين وشمال يبدأ باليمين في اللبس، ويبدأ باليسار في الخلع.

والله جلَّ وعلا شرع لنا الآداب الشرعية، وجبل نبينا ﷺ على الخلق العظيم: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، وهذه من أخلاقه العظيمة: الأخذ باليمين واستعمال اليمين لما هو فاضل، واستعمال اليسار لما سوى ذلك، وتارةً يتعاونان؛ تتعاون هذه مع هذه، تتعاون اليمنى مع اليسرى: كالتكبير ورفع اليدين عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، يرفعهما جميعًا متعاضدتين كلاهما، وعند القيام من التشهد الأول إلى الثالثة يرفعهما جميعًا، ويضعهما جميعًا حيال منكبيه وحيال أذنيه عند السجود، ويضع اليمنى على اليسرى حال وقوفه على صدره، وهكذا يرفعهما في الاستسقاء؛ إذا استسقى يرفع يديه ويستسقي -يطلب الغيث- جميعًا، فهذه تُعين هذه، ويستعملهما جميعًا عند الحاجة، ويبدأ باليمين، ويستعمل اليمين فيما يكتفى به باليمين من الأشياء المقصودة والكريمة، وباليسار في الأشياء المفضولة، ويستعملهما جميعًا عند الحاجة إلى ذلك: كما في رفعهما عند الركوع، وعند الرفع، وعند تكبيرة الإحرام، وعند القيام من التشهد الأول، وعند رفعهما في خطبة الاستسقاء، وفي غير ذلك من الشؤون التي تحتاج إلى تعاضدهما: كحمل الأثقال، وفكّ الحبال، ونحو ذلك مما تحتاجه اليمين إلى اليسار. وفَّق الله الجميع.

5/724- وعن حَفْصَةَ رضي اللَّه عنها: أَنَّ رسول اللَّه ﷺ كَانَ يَجْعَلُ يَمينَهُ لطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، ويَجعلُ يَسارَهُ لِمَا سِوى ذلكَ. رواه أبو داود والترمذي وغيره.

6/725- وعن أبي هريرة : أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: إِذا لَبِسْتُمْ وَإِذا تَوَضَّأْتُم فَابْدَؤُوا بِأَيَامِنكُمْ حديث صحيح، رواه أَبُو داود والترمذي بإِسنادٍ صحيحٍ.

7/726- وعن أَنسٍ : أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أَتى مِنًى، فَأَتَى الجَمْرةَ فَرماهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلهُ بِمنًى ونحَرَ، ثُمَّ قَالَ للحلَّاق: خُذْ وَأَشَارَ إِلى جَانِبِه الأيمنِ، ثُم الأيسَرِ، ثُمَّ جعَلَ يُعطِيهِ النَّاسَ. متفقٌ عَلَيْهِ.

وفي روايةٍ: لمَّا رمَى الجَمْرةَ ونَحَر نُسُكَهُ وَحَلَقَ: نَاوَل الحلَّاقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحلَقَه، ثُمَّ دعَا أَبَا طَلحةَ الأَنصاريَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلهُ الشقَّ الأَيْسَرَ فَقَالَ: احْلِقْ، فَحلَقَهُ، فَأَعْطاهُ أَبا طَلْحَةَ فَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاس.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها من الأحاديث الدالة على شرعية البداءة باليمين في كل ما من شأنه التكريم والتعظيم، واليسار لما سوى ذلك من الأذى والمفضولات والخلع -خلع الأشياء- كالسراويل والنِّعال وأشباه ذلك.

والسنة للمؤمن أن يُراعي ما راعاه النبي ﷺ في هذه الأمور، فيجعل يمينه لأكله وشربه وأخذه وعطائه ومصافحته لإخوانه ونحو ذلك، ويجعل اليسار للمفضولات: كالاستنجاء والانتثار وإزالة الأذى، وهكذا في الخلع يبدأ باليسار من نعلين وكمين وأشباه ذلك؛ اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام، قالت عائشة رضي الله عنها: "كان عليه الصلاة والسلام يُعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله".

وهكذا حديث أبي هريرة: إذا توضأتم ولبستم فابدؤوا بميامنكم، في الوضوء يبدأ بيمينه: يديه ورجليه، وفي الغسل كذلك يبدأ بالجانب الأيمن، وهكذا في الملابس يبدأ بكمِّه الأيمن قبل كمِّه الأيسر، وإدخال رجله في خفِّه اليمنى قبل اليسرى.

ولما حلق عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع أمر الحلَّاق أن يأخذ الشقَّ الأيمن ثم الشق الأيسر.

فعليك أيها المؤمن التَّحري والتأسي لما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال الله جلَّ وعلا: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

وأمر أبا طلحة أن يقسم الشقَّ الأيسر بين الناس -شعر رأسه من الشق الأيسر- وما ذاك إلا لما جعل الله في شعره من البركة، الله جعله مباركًا في شعره وعرقه وسائر ما انفصل من جسده عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا كان الصحابة يأخذون من وضوئه ويتبركون من وضوئه .....؛ لما جعل الله فيه من البركة، وهكذا شعره لما حلقه في حجة الوداع أعطى النصف الأيمن أبا طلحة؛ لحاجة بيته: كأم سليم، والنصف الثاني أمره أن يقسمه بين الناس؛ لما في شعراته من البركة ..... الطيب أو غير ذلك مما يحتاجه الناس.

فالحاصل أنَّ هذا شيء يختص بالنبي ﷺ، ولا يُقاس عليه غيره، فالتَّبرك بشعره وعرقه ووضوئه ونحو ذلك هذا خاصٌّ بالنبي ﷺ، ولا يُقاس عليه أحد من الناس؛ ولهذا لم يفعله الصحابة مع الصديق، ولا مع عمر، ولا مع عثمان، ولا مع علي؛ لأنَّ هذا فيه توقيف؛ ولأنَّ فعله مع الناس .....