الثلاثاء ٢٨ / محرّم / ١٤٤٥
السؤال: من السودان رسالة وصلت من أحد الإخوة المستمعين يقول: (ص. م. ط) أخونا يسأل ويقول: يقال: إن هناك أعمالًا تفسح في العمر مثل الصدقة الخفية، وصلة الرحم، ما صحة هذا القول؟
الجواب: نعم، جاء في الأحاديث عن النبي ﷺ ما يدل على أن البر من أسباب الفسح في الأجل، يقول عليه الصلاة والسلام: لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر يعني: بر الوالدين، ويقول ﷺ: من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه فبر الوالدين وصلة الرحم من أسباب البركة في العمر، ومن أسباب الفسح في الأجل، وليس معنى هذا أن القدر المحتوم يتغير، لا، ما قدره الله سابقًا هو على ما قدره لا يتغير، لكنه سبحانه يعلق أشياء بأشياء، فهذا يبر والديه ففسح الله له في الأجل بسبب والديه -ببر والديه- وقد سبق هذا في القدر السابق أنه يبر والديه وأن يقع له كذا وكذا، وأن يؤخر إلى كذا وكذا، وهذا يصل أرحامه فيؤخر أجله وهذا يتصدق كثيرا ونحو ذلك. فالحاصل أن هذا يتعلق بالأقدار المعلقة على أسبابها، فالأقدار المعلقة على أسبابها متى وجدت أسبابها تحقق ما علق بها، وهذا كله من قدر الله ، كله قدر، لكن القدر قدران: قدر محتوم لا حيلة فيه كالموت والهرم ونحو ذلك، وقدر معلق على أسباب، فالمعلق على أسباب يوجد بالأسباب التي علق بها، فيوجد الفسح في الأجل بسبب البر والصلة؛ لأنه علق على ذلك إلى الأجل الذي قدره الله وسبق في علمه ، وهكذا ما سوى ذلك، كالذي علق أجله بأنه يقتل بأنه يموت بكذا وكذا. نعم. المقدم: بارك الله فيكم.
وقد علمتم من الندوة ما فيه الخير والبركة، فهي ندوة مباركة وافية، قد أوضح فيها ما ينبغي، قد أوضح المشايخ شرعية زيارة القبور، وأنها سنة، شرع الله زيارة القبور للذكرى، لذكر الآخرة، ذكر الموت والزهد في الدنيا، هذا المقصود من شرعية الزيارة، أن يتذكر المؤمن الآخرة، ولقاء الله عز وجل، وأن الموت لا بد منه، وأنه سوف يأتي عليه ما أتى على من قبله من الأموات، فيستعد للآخرة ويتذكر، وفي زيارة القبور أيضًا الإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم، ففيها مصلحتان: الذكرى، والاستعداد للآخرة، والتأهب لها، وعدم الغفلة، والإحسان للموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين، ولما استأذن عليه الصلاة والسلام أن يزور قبر أمه أذن له؛ لما في زيارتها من الاعتبار والذكرى للموت والآخرة، ولما استأذن أن يستغفر لها لم يؤذن لها؛ لأنها ماتت على الجاهلية على دين قومها فلم يؤذن له أن يستغفر لها، فدل ذلك على أن القبور إذا كانت قبور كفار لا يدعا لهم، ولا يستغفر لهم، وإذا زارها الإنسان ووقف عليها للاعتبار والذكرى فقط لذكر الآخرة وذكر الموت، ولكن لا يسلم عليهم، ولا يدعا لهم؛ لأنهم ماتوا على غير الإسلام على الجاهلية، فلا يدعا لهم ولا يستغفر لهم، ولهذا لما سأل ربه عليه الصلاة والسلام أن يأذن له بالاستغفار لأمه لم يأذن له، ولما سأله أن يأذن له في زيارتها أذن له، وأنزل في ذلك جل وعلا: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة:113]، فالموتى يزارون إن كانوا مسلمين للذكرى والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا، وللدعاء لهم والترحم عليهم عند المرور على قبورهم، والقبور التي للكفار إنما تزار للاعتبار والذكرى، ولا يدعا لهم، ولا يستغفر لهم، لا عند القبور ولا في غير ذلك. وعرفتم أن السنة إذا زار القبور أن يقول الزائر: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، وفي لفظ آخر: يرحم الله المستقدمين منا، والمستأخرين، وكان إذا زار القبور يدعو لهم عليه الصلاة والسلام، ولما زار البقيع، قال: اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد، وإذا زار الشهداء دعا لهم عليه الصلاة والسلام، هذه هي السنة في الزيارة الدعاء لهم، والترحم عليهم.
اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت
الأربعون البازية في العقيدة والعبادة والسلوك
مسائل الإمام عبد العزيز بن باز لابن سعيد