بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه، أما بعد:

فإني أشكر إخواني العاملين في هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية على جهودهم الطيبة، وأعمالهم المباركة، في مساعدة المسلمين في كل مكان، وإغاثة الملهوفين، ومواساة الفقراء والمساكين، وتعليم الناس ما يلزمهم في دينهم، وما أوجب الله عليهم، وما حرم عليهم.

كما أشكرهم على ما يقومون به من العناية بالمساجد، والمدارس، والملاجئ، وغير ذلك مما ينفع المسلمين في سائر أنحاء المعمورة.

وبلغني من أخبارهم وأعمالهم وجهودهم الطيبة ما سرني وسر كل مسلم بلغه ذلك، وإني بهذه المناسبة أوصيهم بمضاعفة الجهود لجميع المسلمين والإخلاص لله في العمل، وأداء الأمانة على خير وجه، وأكمل وجه، في محلها وفي جهتها؛ لأن الله عز وجل يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا[1]، ويقول سبحانه في وصف المؤمنين: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ[2]، ويقول جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[3]، ويقول عز وجل: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[4]، ويقول جل وعلا: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ[5]، وقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ[6]، والمتقون هم الذين أدوا الأمانة واتقوا الله وعظموه وأخلصوا له العبادة، وأدوا حقه، وأدوا حق عباده، وابتعدوا عن محارمه عز وجل، هؤلاء هم المتقون، وهم المؤمنون وهم أصحاب الأمانة الذين قال فيهم سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ[7].

كما أوصيهم أيضا بالعناية بجميع الفقراء، واللاجئين المسلمين، والعناية بالمسلمين أكثر من غيرهم، ولا مانع في إعانة غير المسلمين على وجه الترغيب في الإسلام والتأليف؛ لأن الله عز وجل جعل للمؤلفة قلوبهم حقاً في الزكاة، وحقاً في بيت المال، ترغيباً في الإسلام، وتقوية للإيمان، ودعوة إلى إسلام غيرهم ممن لم يسلم. ومن أهم الأمور أيضاً العناية بالتعليم، تعليم الجهال وإرشادهم، وتعليمهم العقيدة الصحيحة العقيدة الإسلامية، والعناية بتفقيههم في دين الله، وتوزيع الكتب المفيدة، وأهم ذلك توزيع القرآن العظيم، فإن توزيع كتاب الله بين المسلمين من أهم المهمات؛ لأن كتاب الله فيه الهدى والنور، وهو أشرف كتاب، وأصح وأصدق كتاب، يقول الله عز وجل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ[8]، ويقول تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[9]، ويقول تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ[10]، ويقول سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[11]، ويقول جل وعلا: الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[12]، ويقول جل وعلا: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[13]، ويقول سبحانه: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ[14]. ولما خطب الناس قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله)[15]. بيّن عليه الصلاة والسلام أن الناس لن يضلوا إذا اعتصموا بالقرآن، والاعتصام بالقرآن اعتصام به وبالسنة؛ لأن السنة هي الوحي الثاني، وقد أمر الله سبحانه بالتزامها في القرآن. كما أمر بطاعة الرسول والاستقامة على دينه. قال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[16]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ[17]؛ فطاعة الرسول من طاعة الله، من يطع الرسول فقد أطاع الله، والوصية بالقرآن: وصية به وبالسنة المطهرة، ولا طريق للنجاة ولا سبيل للسعادة إلا باتباع كتاب الله الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قولا وعملا وعقيدة.

فالواجب على الهيئة، وعلى العلماء أينما كانوا، وعلى كل مسلم التعاون في هذا الأمر وفي هذا السبيل بإيصال الحق إلى أهله، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا هو طريق الله، وهذا هو سبيل الله، وهذا هو الصراط المستقيم الذي قال فيه جل وعلا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ[18]، وقال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ[19]، وقال تعالى في حق النبي صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[20].

فإصلاح عقائد الناس وتوجيههم إلى الخير، وتعليمهم ما أوجب الله عليهم، وتحذيرهم مما حرم الله عليهم، أهم من إصلاح أبدانهم وإعاشة أبدانهم، فصلاح الدين مقدم. فالواجب على الهيئة، وعلى الدعاة والعلماء، وعلى ولاة الأمور في كل مكان، وعلى ولاة أمر المسلم في كل مكان، أن يعنوا بإصلاح دين شعوبهم، وبتعليمهم وتوجيههم وإرشادهم إلى ما خلقوا له من توحيد الله وطاعة الله والاستقامة على دين الله، والحذر من محارم الله والوقوف عند حدود الله. هذا هو الواجب على جميع ولاة الأمور، وهذا هو الحق اللازم لهم؛ أن يطيعوا الله ورسوله، وأن يعلموا الناس دين الله، وأن يرشدوهم للحق، وأن يلزموهم به، وأن يأخذوا على أيديهم حتى يلتزموا بالحق، هذا هو الواجب على جميع ولاة الأمور.

نسأل الله أن يوفقهم، وأن يعينهم، وأن يصلح أحوالهم، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد إلى كل خير. والمقصود أن على الهيئة وعلى المسئولين بالهيئة والعاملين فيها: العناية التامة بالدين والتعليم، وذلك أهم من العناية بإصلاح الأبدان، وإنقاذ الفقراء والمحتاجين من الجوع والحاجة، فيهتمون بهذا وهذا، ويكون الاهتمام بالدين وإصلاح الدين والأخلاق أهم وأعظم؛ لأن في ذلك النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[21]، ويقول تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[22]، ويقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)[23]، ويقول أيضاً: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة)[24]، ويقول جل وعلا: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[25].

فتعليم الناس بكتاب الله الكريم وتعليمهم بالسنة التي يضطرون إلى معرفتها مما أوجب الله عليهم، وذلك هو الأعز والأعظم، وهو الفرض على جميع العلماء، وعلى ولاة الأمور، وعلى جميع المسئولين، وعلى العاملين في هذه الهيئة وفي غيرها عليهم أن يهتموا بأمر الدين قبل كل شيء، وهكذا توزيع الكتب المفيدة، وتشجيع الدعاة والحرص على تكثير الدعاة وبثهم بين المسلمين؛ لأن في ذلك الخير العظيم، ولأن ذلك وسيلة إلى أن يتفقهوا في الدين، وأن يعرفوا ما جهلوا، وأن يتعلموا ما يلزمهم في دينهم، وفي ذلك لهم السعادة والفضل العظيم والعاقبة الحميدة إذا أخلصوا لله واستقاموا على دينه جل وعلا، هذا هو طريق النجاة وطريق السعادة، مع العناية بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، وتوزيع الطعام واللباس وغير ذلك بالعدل وتحري الحق، ومن رحمة الله ونعمة الله أن نفع بهذه الهيئة وبهيئات أخرى وبالجهود الكبيرة للمسلمين في سائر أنحاء الدنيا.

نسأل الله لمن قام بهذا الواجب التوفيق والعون والتسديد وعظيم الأجر، ثم إني بهذه المناسبة أشكر حكومتنا وفقها الله وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين عافاه الله وشفاه، ووفقه لكل خير ونائبه سمو الأمير عبد الله، وكذلك النائب الثاني سمو الأمير سلطان، وهكذا أصحاب السمو الأمراء جميعاً، وهكذا الوزراء والمسئولون فينا، نشكرهم جميعاً على كل ما يبذلونه من جهود طيبة لصالح الإسلام والمسلمين وفي مساعدة هذه الهيئة وفي كل سبيل ينفع المسلمين ويعينهم على طاعة الله، نشكر لهم جهودهم.

ونسأل الله لهم جميعا المزيد من كل خير، ونسأل الله لنا ولهم التوفيق والإخلاص في كل قول وعمل، كما أشكر إخواني الذين ساهموا في هذه الهيئة قديما وحديثا، نشكر لهم جهودهم وأعمالهم، ونسأل الله أن يضاعف لهم المثوبة، وأن يخلف الله عليهم ما أنفقوا، قال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[26]، ويقول جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ[27]، وقال سبحانه: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[28]، ويقول جل وعلا: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[29]، ويقول سبحانه: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا[30]؛ فكل من أنفق في سبيل الله يخلف عليه الله عز وجل بأكثر من ذلك، وله الأجر والمثوبة.

نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يرضيه، ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم. كما أسأله سبحانه أن يصلح ولاة أمرنا وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن ينصر بهم الحق، وأن يجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين الصالحين المصلحين إنه جل وعلا جواد كريم.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.