من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الابن المكرم صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق، وفقه الله لما فيه رضاه وزاده من العلم والإيمان آمين..

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد..

فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ 8/3/1415 هـ بيد الأخ الكريم ع. خ. س، وصلكم الله بحبل الهدى والتوفيق، وجميع ما شرحتم فيه كان معلوماً.

ولقد سرني كثيراً ما ذكرتم فيه من التزامكم بما درج عليه سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم وأتباعهم بإحسان، إلا ما قد يقع خلاف ذلك من خطأ أو نسيان، كما سرني أيضاً رغبتكم وحرصكم على إيضاح ما نسب إليكم من الأخطاء لترجعوا عنها إن صح صدورها منكم، وسرني أيضاً عفوكم وصفحكم عمن أساء إليكم وطلبكم الأجر من الله عز وجل في ذلك.. إلى آخر ما أوضحتم في رسالتكم.

وكان وصولها إلي بعد انتهاء مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثانية والأربعين المنتهية في الثلاثين من شهر صفر سنة 1415هـ، ومتى رأينا الحاجة إلى عرضها عليهم في المجلس عرضناها عليهم في الدورة القادمة إن شاء الله.

وإليكم بيان ما لاحظته عليكم من خلال كتبكم الآتية أسماؤها:

الأول: أصول العمل الجماعي.

الثاني: الخطوط الرئيسية لبعث الأمة الإسلامية.

الثالث: وجوب تطبيق الحدود الشرعية.

الرابع: مشروعية الجهاد الجماعي.

الخامس: الوصايا العشر.

السادس: فصول من السياسة الشرعية.

السابع: ما لاحظناه بالشريط المعنون بـ (المدرسة السلفية).

أولاً: قلتم في كتابكم: (أصول العمل الجماعي) ما نصه: إن بعض المنتسبين إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله زعموا أن كل من أسس جماعة للدعوة والجهاد فهو خارجي معتزلي - كما زعموا أن النظام ليس من دين الله، وأن التحزب ليس من الإسلام - كما زعمت أن بعض هؤلاء التلاميذ المنتسبين للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أعطوا للحكام المعاصرين حقوقاً لم تعط للصديق ولا للفاروق، ولا عرفها المسلمون في كل تاريخهم، ولا دونها - حسب علمكم - عالم موثوق في شيء من كتب العلم، وهو أنه لا يجوز أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلا بإذن الإمام، ولا يجوز رد عدوان على ديار الإسلام إلا بإذن السلطان، وهؤلاء أعطوا الحاكم صفات الرب سبحانه وتعالى، فالحق ما شرعه، والباطل ما حرمه، وما سكت عنه فيجب السكوت عنه، وعندهم أن ما أهمله الحاكم من أمر الدين ومصالح المسلمين فيجب على أهل الإسلام إهماله والتغاضي عنه حتى لا يغضب أمير المؤمنين. (ينظر أصول العمل الجماعي ص 10، ص 11). انتهى ما ذكرتم.

ولا نعلم أن أحداً من أتباع الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قال هذه المقالة التي ذكرتم، فأرجو بيان الكتاب الذي نقلتم منه ذلك، أو الشخص الذي بلغكم ذلك، وإلا فالواجب بيانكم خطأكم فيما نقلتم، وأن ذلك شيء لا أصل له، وأنه قد اتضح لكم عدم صحة هذه المقالات عن أحد من اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، مع التثبت مستقبلاً في كل ما تنقلون، وأن يكون الهدف بيان الحق والباطل مع عدم الحاجة إلى بيان ذلك الشخص المنقول عنه إلا عند الضرورة التي تقتضي بيانه.

ثانياً: قلتم في الشريط المسمى: (المدرسة السلفية) ما نصه: إن طائفة العلماء في السعودية في عماية تامة وجهل تام عن المشكلات الجديدة.. وأن سلفيتهم سلفية تقليدية لا تساوي شيئاً. انتهى

وهذا قول باطل، فإن العلماء في السعودية يعرفون مشاكل العصر، وقد كتبوا فيها كثيراً، وأنا منهم بحمد الله، وقد كتبت في ذلك ما لا يحصى، وهم بحمد الله من أعلم الناس بمذهب أهل السنة والجماعة، ويسيرون على ما سار عليه السلف الصالح في باب توحيد الله، وفي باب الأسماء والصفات، وفي باب التحذير من البدع، وفي جميع الأبواب. فاقرأ إن كنت جاهلاً بهم مجموعة ابن قاسم (الدرر السنية)، وفتاوى شيخنا محمد بن إبراهيم رحمه الله، واقرأ ما كتبنا في ذلك في فتاوانا وكتبنا المنشورة بين الناس. ولا شك أن ما قلته عن علماء السعودية غير صحيح، وخطأ منكر، فالواجب عليك الرجوع عن ذلك، وإعلان ذلك في الصحف المحلية في الكويت والسعودية، نسأل الله لنا ولك الهداية والرجوع إلى الحق والثبات عليه، إنه خير مسئول.

ثالثاً: ذكرتم في كتابكم: (خطوط رئيسية لبعث الأمة الإسلامية) ص72،73، ما نصه: إن دولنا العربية والإسلامية بوجه عام لا ظل للشريعة فيها إلا في بعض ما يسمى بـ: الأحوال الشخصية، وأما المعاملات المالية والقوانين السياسية والقوانين الدولية، فإن دولنا جميعها بلا استثناء خاضعة لتشريع الغرب أو الشرق، وكذلك قوانين الجرائم الخلقية والحدود مستوردة مفتراة.. الخ ما ذكرتم ص78.

وهذا الإطلاق غير صحيح، فإن السعودية بحمد الله تحكم الشريعة في شعبها، وتقيم الحدود الشرعية، وقد أنشأت المحاكم الشرعية في سائر أنحاء المملكة، وليست معصومة لا هي ولا غيرها من الدول. وقد بلغني أن حكومة بروناي قد أمر سلطانها بتحكيم الشريعة في كل شيء، وبكل حال، فالواجب الرجوع عن هذه العبارة، وإعلان ذلك في الصحف المحلية في المملكة العربية السعودية والكويت، ولو عبرت بالأكثر لكان الموضوع مناسباً؛ لكونه هو الواقع في الأغلب، نسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيق.

رابعاً: قلتم في كتابكم: (وجوب تطبيق الحدود الشرعية) ص26 ما نصه: 3- إزالة أسباب الجريمة قبل إيقاع العقاب، وبعيداً عن التعصب والجهل نقول: لا يجوز بتاتاً أن نوقع العقوبة الشرعية قبل إزالة أسباب الجريمة، والأعذار إلى الجانح والجاني، فقد يكون في ظل الاحتكار والظلم، وضياع التكافل الاجتماعي، ووجود الأثرة، وحب النفس. أقول: قد يكون في ظل مجتمع هكذا عذر لمن يلجأ إلى السرقة، ومن انحرفت نحو الزنا والبغاء؛ لتعول ولداً، أو أُماً عجوزاً، أو أباً مريضاً، وأظن أنه من السذاجة والجهل أيضاً أن نعاقب الزاني ونحن نسمح بكل ألوان الفسق والفجور، والدعوة إلى الخناء، ولذلك فليس من العقل والحكمة أبداً أن تطبق الحدود الشرعية الخاصة بالجرائم دون إزالة حقيقية لأسباب هذه الجرائم.. إلى آخر ما ذكرتم ص27.

فأقول: إن هذا الكلام بعيد عن الصواب، مخالف للحق، ولا أعلم به قائلاً من أهل العلم إلا ما روي عن عمر رضي الله عنه من التوقف عن إقامة حد السرقة في عام الرمادة، وهذا إن صح عنه فهو محل اجتهاد ونظر. والنصوص من الكتاب والسنة صريحة في وجوب إقامة الحد الشرعي على من ثبت عليه ما يوجبه. فالواجب عليكم الرجوع عن هذا الكلام، وإعلان ذلك في الصحف المحلية في الكويت والسعودية، وفي مؤلف خاص يتضمن رجوعكم عن كل ما أخطأتم فيه. ولا يخفى أن الحق قديم كما قال عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم، فالرجوع إليه خير من التمادي في الباطل، وفقنا الله وإياكم لما في رضاه، وأعاذنا جميعاً من أسباب سخطه.

خامساً: دعوتكم في كتابكم: (مشروعية الجهاد) ص28،37،39، وكتابكم: (الوصايا العشر) ص71، ص44 إلى تفرق المسلمين إلى جماعات وأحزاب، وقولكم: إن هذا ظاهرة صحية.

ولا يخفى أن هذا مصادم للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، مثل قوله سبحانه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا[1]، وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ[2] الآية، في آيات كثيرة في هذا المعنى. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) في أحاديث كثيرة في هذا المعنى. فالواجب عليكم الرجوع عن ذلك، وإعلانه في الصحف المحلية، وفي الكتاب الذي أوصيناكم به آنفاً في بيان ما رجعتم عنه من الأخطاء.

سادساً: ذكرتم في كتابكم: (فصول من السياسة الشرعية) ص31،32: أن من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة التظاهرات (المظاهرة).

ولا أعلم نصاً في هذا المعنى، فأرجو الإفادة عمن ذكر ذلك؟ وبأي كتاب وجدتم ذلك؟ فإن لم يكن لكم في ذلك مستند، فالواجب الرجوع عن ذلك؛ لأني لا أعلم في شيء من النصوص ما يدل على ذلك، ولما قد علم من المفاسد الكثيرة في استعمال المظاهرات، فإن صح فيها نص فلابد من إيضاح ما جاء به النص إيضاحاً كاملاً حتى لا يتعلق به المفسدون بمظاهراتهم الباطلة. والله المسئول أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعاً، وأن يجعلنا من الهداة المهتدين، إنه جواد كريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.