من حديث (إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه)

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذا الباب في بيع المدبر والمكاتب وأم الولد، الحديث الأول يدل على أن المدبر عبد ما لم يمت صاحبه؛ ولهذا أمر النبي ﷺ ببيعه ليقضى منه دينه فدل على أنه حكمه حكم العبد وأن يتصرف فيه ما دام سيده حيًا، وهكذا لو كان معلقًا فقال: إذا حل رمضان فهو عتيق أو إذا حل شوال فهو عتيق وباعه قبل ذلك لا بأس؛ لأنه في ملكه قبل مجيء الشرط كالمدبر.
والحديث الثاني يدل على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فإذا كاتبه على أموال مؤجلة فهو في حكم العبد؛ له النظر إلى سيدته وإذا مات مات رقيقًا وماله لسيده حتى يؤدي ما عليه.
والحديث الثالث: إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه هذا قد يظهر في المخالفة لما قبله لكن المعنى صحيح؛ لأنه إذا كان عنده ما يؤدي قد يتساهل فيحصل له النظر وعدم التحرز منه وهو عنده ما يمنع من ذلك سدًا للذريعة فإذا كان عنده ما يؤدي فإنه يسلم المال وعلى سيدته الاحتجاب منه ولا يجوز التساهل في هذا فالذي عنده ما يؤدي كالذي أدى يكون كالأحرار تقبض منه حتى لا يكون تساهلاً في هذا الأمر وتأكيد القبض من دون أسباب، فالمقصود أنه إذا كوتب مثلاً على عشرة آلاف كل سنة ألفين وأداها وكان عنده الألفين الأخيرة حاضرة فإن له حكم الحر وليس لها أن تكشف له بل تحتجب منه وعليه أن يؤدي البقية ليخلص نفسه من الرق، وهذا من باب الحيطة ومن باب سد الذرائع التي قد تفضي إلى التساهل بما حرم الله، فهو لا يخالف ما قدم لكن من باب سد الذرائع إذا كان عنده ما يؤدي وجب تسليمه ووجب الاحتجاب عنه، وصار في حكم الأحرار، ولا يجوز له التساهل لا له ولا لسيدته.
وفق الله الجميع.
الأسئلة:
س: الرقيق إذا دبر هل ينفذ التدبير من رأس ماله أو من الثلث عند الوصية؟
ج: من الثلث.
س: صحة رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؟
ج: لا بأس بها جيدة.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يُودَى الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ، وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ - أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ.
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وسلم على رسول الله.
هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بما في الترجمة التي ذكرها المؤلف تتعلق بالمكاتب وأم والولد وتقدم ما يتعلق بالمدبر، حديث ابن عباس رضي الله عنهما: يودى المكاتب بقدر ما أعتق منه دية الحر، وبقدر ما رق منه دية العبد هذا الحديث جاء من طرق في بعضها يحيى بن أبي كثير وهو يدلس، وله طريق أخرى جيدة وجاء بمعناها عن علي رضي الله عنه من حديث عكرمة عن علي عند أحمد ومعناه أنه إذا أعتق منه نصفه يكون ديته دية الحر النصف والباقي دية العبد فإذا عجز المكاتب ولم ينجز النصف وأعتقه سيده النصف يودى دية الحر وما بقي منه فهو رق، ولا يكون بينه وبين ما تقدم معارضة، المكاتب عبد ما بقي عليه درهم كذلك فيما إذا بقي ولم يعتق منه شيء أما إذا أعتق السيد نصفه أو ثلثه أو ربعه بما أدى فإنه يودى دية الحر، وما بقي منه في الرق ولم يستطع تخليص نفسه يكون دية الرق.
وحديث عمرو بن الحارث رضي الله عنه أن النبي ﷺ ما ترك درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة إلا سلاحه وبغلته البيضاء وأرضًا جعلها صدقة، هذا يدل على أنه ﷺ كان ينفق كان أجود الناس عليه الصلاة والسلام وما كان عنده من المال أنفقه في وجوه البر وأعمال الخير عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا لما  توفي ما ترك شيئًا من المال إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة في خيبر عليه الصلاة والسلام وكانت لمصلحة المسلمين، فهذا فيه الحث على الجود والكرم والإحسان عند ولي الأمر وينبغي له أن يزيد على الناس من بيت المال وأن يحسن إلى الناس؛ لما فيه الضعيف والمسكين وغير ذلك، فإن بيت المال لمصلحة المسلمين.
والحديث الثالث: حديث ابن عباس فيمن استولد جارية فإنه يعتقها ولدها هذا الحديث كما ذكر المؤلف، والمحفوظ عند أهل العلم أنه من سند عمر رضي الله عنه، فإن عمر رضي الله عنه أعتق الجواري اللاتي لديهن أولاد من ساداتهم، وعلى هذا درج العلماء وهو قول الجمهور أن الجارية إذا أولدها سيدها؛ فإن ولدها يعتقها فتكون حرة باستيلاد سيدها لها، وبهذا حكم عمر رضي الله ونفذته الأنصار ودرج عليه جمهور أهل العلم.
والحديث الرابع: يقول ﷺ: ثلاث حق على الله عونهم: من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا في عسرته، أو مكاتبا في فك رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وفي رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه عند النسائي وابن ماجه يقول النبي ﷺ: ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، وفي رواية: الغازي في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله هذا فيه حث على مساعدة الغزاة في سبيل الله ومساعدة الناكح الذي يريد العفاف والغارم الذي بحاجة إلى أن يعان على قضاء دينه والمكاتب الذي يريد عتق رقبته، كل هؤلاء يستحقون العون من إخوانهم. كل هؤلاء ومن شابههم في حاجة إلى المساعدة، ومن ساعدهم له هذا الفضل العظيم، ولهذا يقول ﷺ: ثلاثة حق على الله عونهم: من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا في عسرته أو مكاتبًا يريد فك رقبته، أظل الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. هذا فيه الحث على مساعدة هؤلاء: الغارمون المعسرون، والمكاتبون العاجزون، والغزاة في سبيل الله، كل هؤلاء في حاجة إلى مساعدة، وهكذا الناكح الذي يريد العفاف يستحق العون.
وفق الله الجميع.
الأسئلة:
س: قوله: يوم لا ظل إلا ظله ألا يفسر الحديث الآخر أن هذا الظل ظل عرش الرحمن؟
ج: هذا له معنى وهذا له معنى والله أعلم، العرش له ظل، والله له ظل، فالله أعلم بهذا الظل. لا نقول على الله بغير علم.
س: من لم يستطع أداء ما عليه يكون بالنسبة للدية مبعض؟
ج: لا، إذا كان ما أدى شيئًا أو أدى شيئًا ولا أعتقه سيده يكون عبدًا.
س: في حديث أم سلمة السابق راجعنا تقريب التهذيب: فقال: نبهان المخزومي مولاهم أبو يحيى المدني مكاتب أم سلمة مقبول من الثالثة الأربعة وفي الخلاصة قال: نبهان المخزومي عن أم سلمة وعنه الزهري وثقه ابن حبان له عندهم حديثان.
ج: يراجع هذا فله شواهد. أما حديث: إذا كان عنده ما يؤدي فهذا يحتاج إلى تأمل.
س: أم الولد هل لها حكم المدبر، يعني هل تعتبر من الثلث؟
ج: لا تعتق بالمرة مثل ما أفتى عمر رضي الله عنه.
س: الحديث الأخير هل يدخل فيه من أعان طالب العلم أو أعان من يقوم بالدعوة إلى الإسلام؟
ج: لا من أعان مجاهدًا في سبيل الله على ظاهره، ولكن له أجر من أعان طلبة العلم له أجره.