08 من قوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ..)

قال تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
قِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مُفَسَّرَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الأعراف:23] وروي هَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَعبدالرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ مَا الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ؟ قال: علم شَأْنَ الْحَجِّ.
الشيخ: والأظهر في هذا مثل ما تقدم أن الله جل وعلا لما قدر عليه ما قدر من المعصية من أكل الشجرة هو وزوجته حواء وأهبطا من الجنة إلى الأرض أصاب آدم وحواء ما أصابهما من الندم العظيم والمشقة العظيمة ففتح الله عليهما وألزم عليهما كلمات يتوجهان بها إلى الله عز وجل توبة واستغفارًا وندمًا وإقلاعًا  وكان من تلك الكلمات التي من الله عليهما بها رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] تضرعا إلى الله وتابا إليه واستغفراه فتاب عليهما سبحانه وتعالى ومن عليهما بالتوبة العظيمة كما قال في الآية الأخرى وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ۝ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:121،  122]  وهذا فضله وإحسانه، الأول قدره وعدله، والثاني فضله وإحسانه فمن بادر بالتوبة والإصلاح وجاهد نفسه لله وصدق في التوبة تاب الله عليه وإن عظمت الذنوب فكيف إذا كانت معصية في الأكل من شجرة، وربنا يتوب على التائبين من الشرك الأكبر والعظائم إذا صدقوا في التوبة فآدم عليه الصلاة والسلام وزوجته ابتليا بهذه المعصية التي هي الأكل من الشجرة ومن الله عليهما بعد ذلك بالتوبة العظيمة والرجوع إليه سبحانه وتعالى والضراعة إليه والاستغفار فتاب عليهما سبحانه وتعالى.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عبدالْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُجَاهِدٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ خَطِيئَتِيَ الَّتِي أَخْطَأْتُ شَيْءٌ كتبته علي قبل أن تخلقني أو شَيْءٌ ابْتَدَعْتُهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي؟ قَالَ بَلْ شَيْءٌ كَتَبْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ قَالَ: فَكَمَا كَتَبْتَهُ عَلَيَّ فَاغْفِرْ لِي، قَالَ: فَذَلِكَ قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ، قَالَ: قَالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلَى، وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قِيلَ لَهُ بَلَى، وَعَطَسْتُ فَقُلْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَسَبَقَتْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلَى، وَكَتَبْتَ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: بلى، قال: أرأيت إِنْ تُبْتُ هَلْ أَنْتَ رَاجِعِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ مَعبدعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ سعيد بن جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَهَكَذَا فَسَّرَهُ السُّدِّيُّ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ.
الشيخ: وكل هذه الآثار متلقاة من بني إسرائيل ليس فيها ما يثبت عنه عليه الصلاة والسلام فأصح ما في ذلك وأظهر ما فيه ما بينه القرآن رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، والخلاصة أن الله من عليه بكلمات عظيمة توجه بها إلى ربه تائبًا نادمًا فتاب عليه سبحانه وتعالى.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا شَبِيهًا بِهَذَا فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَرَأَيْتَ يَا رَبِّ إِنْ تُبْتُ وَرَجَعْتُ أَعَائِدِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ.الشيخ: لأن الحسن لم يلق أبيًا ولم يسمع منه فهو ضعيف من جهة الانقطاع بين الحسن وبين أبي ومن جهة عنعنة قتادة وعدم التصريح بالسماع من الحسن، والمقصود أن هذه الآثار عن بعض السلف من الصحابة ومن بعدهم متلقاة من بني إسرائيل.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ. قَالَ: إِنَّ آدَمَ لَمَّا أَصَابَ الْخَطِيئَةَ قَالَ: أرأيت يا رب إن تبت وأصلحت؟ قال الله «إذا أرجعك إلى الجنة» فهي الْكَلِمَاتِ وَمِنَ الْكَلِمَاتِ أَيْضًا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلَمَّاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ، قال: كلمات: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّكَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أَيْ إِنَّهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ كَقَوْلِهِ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [التَّوْبَةِ:104] وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110]، وقوله: وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [الفرقان:71] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَيَتُوبُ عَلَى مَنْ يَتُوبُ، وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعَبِيدِهِ، لا إله إلا هو التواب الرحيم.
الشيخ: والتوبة من الله على عباده من أعظم نعمه سبحانه وتعالى فإن العبد خطاء فلو كانت ذنوبه تبقى عليه ولا حيلة له في الخلاص منها لكان الأمر عظيمًا وخطيرًا ولقل الناجون وعظم الهالكون فكثروا، ولكن من لطف الله سبحانه وتعالى أن قبل التوبة إذا تاب العبد وصدق في التوبة من لطفه سبحانه ومن إحسانه إلى عباده ومن جوده وكرمه أن تقبل عبيده التوبة، ولهذا في الحديث: كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وهو سبحانه حثهم على هذا فقال: أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74] وقال: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] فعلق فلاحهم بتوبتهم، وهذا من لطفه سبحانه أن شرع لنا التوبة بعدما كتب في سابق علمه أنه يقع منا الذنوب والخطايا وأن ما جبلنا عليه وما خلقنا عليه يدعو إلى هذه الأشياء إلى من لطف الله به ورحم ومن لطفه سبحانه أنه قدر المعاصي وقدر التوبة ويسر لعباده لأسبابها حتى لا تبقى عليهم هذه التبعات العظيمة والأخطار الكبيرة إذا أنابوا إليه سبحانه وتعالى فالدواء للذنوب هو التوبة الصادقة النصوح التي ليس بعدها رجعة بل توبة مستمر عليها مستقيم عليها مواظب عليها ملازم لها.قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا أَنْذَرَ بِهِ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ وإبليس حين أَهْبَطَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالْمُرَادُ الذُّرِّيَّةُ، أَنَّهُ سَيُنْزِلُ الْكُتُبَ وَيَبْعَثُ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ كَمَا قَالَ أَبُو العالية: الهدى: الأنبياء والرسل والبينات وَالْبَيَانُ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: الْهُدَى: مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْهُدَى: الْقُرْآنُ، وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ صَحِيحَانِ. وَقَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ أَعَمُّ.
الشيخ: والصواب أنها عامة للرسل كلهم؛ فإن الله لما أهبط آدم وحواء وإبليس انتشرت لهم الذرية في الأرض وصارت سكنًا لهم فأرسل لهم الرسل وأنزل الكتب لإقامة الحجة لقطع المعذرة، وبيان طريق النجاة ليسلكوه وبين طريق الهلاك ليحذروه فأقام الحجة سبحانه وقطع المعذرة عليهم بما بعث من الهدى فالهدى كل ما جاءت به الرسل فهو الهدى ومحمد خاتمهم وأفضلهم عليه الصلاة والسلام فما جاء به من القرآن والسنة والهدى من أعرض عنه هلك.
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ أَيْ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى مَا أَنْزَلْتُ بِهِ الْكُتُبَ وَأَرْسَلْتُ بِهِ الرُّسُلَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أَيْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ طه قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى [طه:123] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى [طه: 124] كَمَا قَالَ هَاهُنَا وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أَيْ مُخَلَّدُونَ أي مخلدون فِيهَا لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا وَلَا مَحِيصَ وَقَدْ أَوْرَدَ ابن جرير هَاهُنَا حَدِيثًا سَاقَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: عَنْ أَبِي مسلمة سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْمُنْذِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قِطْعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أما أهل النار الذي هُمْ أَهْلُهَا فَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ ولكن أقواما أصابتهم النار بخطاياهم فَأَمَاتَتْهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا صَارُوا فَحْمًا أُذِنَ فِي الشَّفَاعَةِ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شعبة عن أبي سلمة بِهِ. وَذِكْرُ هَذَا الْإِهْبَاطَ الثَّانِي لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْمَعْنَى الْمُغَايِرِ لِلْأَوَّلِ، وزعم بعضهم: أنه تأكيد وتكرير، كما يقال: قُمْ قُمْ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْإِهْبَاطُ الْأَوَّلُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَالثَّانِي مِنْ سَمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْضِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أعلم.
يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ۝ وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَمُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَمُهَيِّجًا لَهُمْ بِذِكْرِ أَبِيهِمْ إِسْرَائِيلَ وَهُوَ نَبِيُّ اللَّهِ يعقوب عليه السلام، وتقديره: يا بني الْعبدالصَّالِحِ الْمُطِيعِ لِلَّهِ، كُونُوا مِثْلَ أَبِيكُمْ فِي مُتَابَعَةِ الْحَقِّ، كَمَا تَقُولُ: يَا ابْنَ الْكَرِيمِ افْعَلْ كَذَا، يَا ابْنَ الشُّجَاعِ بَارِزِ الْأَبْطَالَ، يَا ابْنَ الْعَالِمِ اطْلُبِ الْعِلْمَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء:3] فإسرائيل هو يعقوب بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عبدالْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عبداللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِسْرَائِيلَ كَقَوْلِكَ عبداللَّهِ.
الشيخ: والمعنى أنه لقب بذلك إسرائيل بمعنى عبدالله وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهو والد يوسف عليهم الصلاة والسلام جميعًا، وبني إسرائيل ينتسبون إليه، ولهذا يقول جل وعلا: يا بني إسرائيل يا بني العبد الصالح النبي الكريم افعلوا كذا، امتثلوا في كذا وافعلوا كذا واتبعوا هذا النبي العظيم محمد عليه الصلاة والسلام ولهذا قال: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40] فإنه أنعم على بني إسرائيل نعمًا عظيمة فأنجاهم من فرعون وخلصهم من فرعون وخلصهم من البحر وخلصهم من بلاوي كثيرة، فالواجب على الذرية أن يتأسوا بالآباء الصالحين وأن يسيروا على نهجهم الصالح وأن يحذروا أسباب الهلاك وذلك في مخالفة الأنبياء واتباع الهوى يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40] فالنعم التي أنعم بها على آبائهم كثيرة وأعظمها وأهمها وأكبرها أنه وفقهم لمتابعة موسى عليه الصلاة والسلام ويسر لهم الاستقامة على دينه وأنجاهم من فرعون أغرقه في البحر وأنجاهم من شره فعليهم أن يتابعوا هذا النبي العظيم الذي بعثه الله بما بعث به الأنبياء الماضين وبشريعة أكمل من تلك الشرائع، وأوفوا بعهدي أي بديني، عهده الذي عهد إلى عباده هو دينه وهو الإسلام وهو ما بعث به الأنبياء من الشرائع القويمة والأحكام العادلة فهذا عهده الذي عهده إلى عباده وعلى كل أتباع النبي أن يلتزموا وأن يسيروا على هذا العهد الذي عهده إلى الأنبياء وبذلك يستحقون فضله وكرامته ونجاته وسلامة ..... من غضبه ولهذا قال: أوفي بعهدكم والذي عهده لهم أن ينجيهم من النار وأن يدخلهم الجنة إذا أوفوا بحقه، فمن وفَّى وُفِّي، فمن أوفى بعهد الله أوفى الله له بالعهد بإدخاله الجنة والنجاة من النار وتخليصه من كل بلاء.
وإياي فارهبون يعني فإياي فخافوني واحذروني بالوقوف عند حدودي والحذر من أسباب غضبي والاستقامة على طاعتي هذه هي الطرق التي شرعها الله جل وعلا لعباده وأوجب عليهم أن يرهبوه بالاستقامة عليها والثبات عليها والسير عليها والموالاة عليها والمعادات عليها، إلى آخره.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ قَالَ مُجَاهِدٌ: نِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ فِيمَا سَمَّى، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ أن فَجَّرَ لَهُمُ الْحَجَرَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ونجاهم مِنْ عُبُودِيَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: نِعْمَتُهُ أَنْ جَعَلَ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ.
قُلْتُ: وَهَذَا كَقَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السلام لهم يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [الْمَائِدَةِ: 20] يَعْنِي فِي زَمَانِهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أَيْ بَلَائِي  عندكم وعند آبائكم لما كان نجاكم مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ قَالَ: بِعَهْدِي الَّذِي أَخَذْتُ فِي أَعْنَاقِكُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ إذا جاءكم أنجز لكم ما وعدتكم عليه من تصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَعْنَاقِكُمْ بِذُنُوبِكُمُ الَّتِي كَانَتْ مِنْ إِحْدَاثِكُمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هُوَ قوله تَعَالَى وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً، وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [المائدة:12].
وقال آخرون: هو الذي أخذ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ سَيَبْعَثُ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا عَظِيمًا يُطِيعُهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ وَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ فمن اتبعه غفر الله له ذنبه وأدخله الجنة وجعل له أجرين. وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد ﷺ.
وقال أَبُو الْعَالِيَةِ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي قَالَ عَهْدُهُ إِلَى عباده دين الإسلام وأن يَتَّبِعُوهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ؟ قَالَ: أَرْضَ عَنْكُمْ وَأُدْخِلْكُمُ الْجَنَّةَ. وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أنس.
الشيخ: وهذه كلها لا تتخالف، ........ والمجموع هو ما بينه الله سبحانه وتعالى وأن عهده إليهم أن يقيموا دينه وأن يحفظوا ما جاء به أنبياءه وأن يستقيموا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأداء الحقوق وإقراضه القرض الحسن بالأعمال الصالحات وترك ما حرم عليهم .........
وقوله تعالى وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أَيْ فَاخْشَوْنِ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أَيْ إن نزل بكم ما أنزلت بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ مِنَ النِّقْمَاتِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ مِنَ الْمَسْخِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا انْتِقَالٌ مِنَ التَّرْغِيبِ إِلَى التَّرْهِيبِ فَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ الرسول ﷺ وَالِاتِّعَاظِ بِالْقُرْآنِ وَزَوَاجِرِهِ وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَصْدِيقِ أَخْبَارِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلِهَذَا قَالَ وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يعني به الْقُرْآنُ الذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَسِرَاجًا مُنِيرًا مُشْتَمِلًا عَلَى الْحَقِّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.
قَالَ أبو العالية رحمه الله في قوله تعالى وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ، يَقُولُ لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ مُحَمَّدًا ﷺ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ.
الشيخ: وهو عام فهو مصدق ما عندهم من الأحكام والأوامر والنواهي وأخبار الأنبياء وأخبار يوم القيامة فالقرآن مصدق لما مضى قبله من الكتب وما جاءت به الرسل من أخبارهم عن الجنة وعن النار وعن يوم القيامة وعن الشرائع التي أمر بها وعن الحدود التي نهى عنها فهو مصدق لذلك كما أنه مصدق لما بشروا به النبي  محمد ﷺ.
وَقَوْلُهُ: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ قال بعض المعربين: أول فريق كافر به أو نحو ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَعِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ مَا ليس عند غيركم، قال أبو العالية: يقول: ولا تكونوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، يَعْنِي مِنْ جِنْسِكُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ بَعْدَ سماعكم بمبعثه، وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ «بِهِ» عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ بِما أَنْزَلْتُ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، لِأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ فَيَعْنِي بِهِ أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهُمْ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَاشَرَةً، فَإِنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ أَوَّلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ خُوطِبُوا بِالْقُرْآنِ فَكُفْرُهُمْ بِهِ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ جِنْسِهِمْ.
الشيخ: وهذا لأنهم في المدينة يسمعون كلام الرسول ﷺ ودعوته ويسمعون القرآن فلما كفروا به صاروا أول كافر به من غيرهم قبل كفار اليهود في الشام أو في مصر أو في الجهات الأخرى البعيدة، لأنهم إنما تأتيهم الأخبار بعدهم، فيكون كفار اليهود من المدينة سابقين لغيرهم في الكفر، بخلاف كفار العرب فإن  أول من كفر بهم هم أهل مكة لأنهم أول من بلغ أمر الله.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا يَقُولُ: لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِآيَاتِي وَتَصْدِيقِ رَسُولِي بِالدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ فَانِيَةٌ، كَمَا قَالَ عبداللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: أَنْبَأَنَا عبدالرَّحْمَنِ بن يزيد بن جابر عن هارون بن يزيد قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ، يَعْنِي الْبَصْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى، ثَمَناً قَلِيلًا قَالَ: الثَّمَنُ الْقَلِيلُ الدُّنْيَا بحذافيرها.
قال ابْنُ لَهِيعَةَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بن جبير فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا إن آيَاتِهِ كِتَابُهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ، وَإِنَّ الثَّمَنَ الْقَلِيلَ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتُهَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا يَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا طَمَعًا قليلا، ولا تكتموا اسم الله، فذلك الطمع هو الثَّمَنُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا يَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: وَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ: يَا ابْنَ آدَمَ عَلِّمْ مجانا كما عُلِّمْتَ مَجَّانًا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَعْتَاضُوا عَنِ البيان والإيضاح ونشر العلم النافع بالكتمان واللبس لتستمروا على رئاستكم فِي الدُّنْيَا الْقَلِيلَةِ الْحَقِيرَةِ الزَّائِلَةِ عَنْ قَرِيبٍ.
الشيخ: والمقصود من هذا تحذيرهم أن يرضوا بأطماعهم ومآكلهم التي عند قومهم أن يرضوا بها بدلاً من تصديق كتاب الله وبدلاً من اتباع محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم خافوا إذا آمنوا انتهت رئاستهم عند جماعتهم فأمرهم الله أن يؤمنوا بالحق وأن يتبعوه وألا يؤثروا عليه المآكل والمشارب والأطماع التي كلها تزول وتفنى ولا قيمة لها.وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يرح  رائحة الجنة يوم القيامةالشيخ: وهذا يفيد الحذر من تعلم العلم للدنيا وفي لفظ للحديث: لم يجد عرف الجنة والعرف هو الريح والمعنى التحذير من تعلم العلم لا لله، بل للطمع  والحظ العاجل فالواجب على طلبة العلم أن يتعلموه لله ليعرفوا دينهم وليتقوا ربهم وليبلغوا رسالات الله، فهذا هو الواجب، فمن تعلمه للدنيا فهذا وعيده، لكن قد يتعلمه للدنيا وقد يغره الشيطان ثم يهتدي وينتبه كما قال بعض السلف: تعلمنا للدنيا فأبى أن يكون إلا لله، فالله جل وعلا قد يلقي في قلبه من الانتباه واليقظة إلى ما يجب عليه فيتوب مما سلف منه ويستقبل طاعة الله ورسوله.
فأما تَعْلِيمُ الْعِلْمِ بِأُجْرَةٍ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ أُجْرَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يقوم به حاله وعياله بأجرة، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَطَعَهُ التَّعْلِيمُ عَنِ التَّكَسُّبِ، فَهُوَ كَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ أُجْرَةً عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ اللَّدِيغِ إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ وَقَوْلُهُ فِي قِصَّةِ الْمَخْطُوبَةِ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَأَهْدَى لَهُ قَوْسًا فَسَأَلَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُطَوَّقَ بِقَوْسٍ مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهُ فَتَرَكَهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عن أبي ابن كَعْبٍ مَرْفُوعًا، فَإِنْ صَحَّ إِسْنَادُهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ: أَبُو عُمَرَ بْنُ عبدالْبَرِّ، عَلَى أَنَّهُ لَمَّا عَلَّمَهُ لله لَمْ يَجُزْ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَعْتَاضَ عَنْ ثَوَابِ اللَّهِ بِذَلِكَ الْقَوْسِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى التَّعْلِيمِ بِالْأُجْرَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَمَا فِي حَدِيثِ اللَّدِيغِ وَحَدِيثِ سَهْلٍ في المخطوبة، والله أعلم.الشيخ: والحديث ضعيف حديث عبادة وحديث أبي ليس بصحيح، ولكن لو صح يكون على هذا على أنه إذا علمه لله يبتغي الثواب فلا يأخذ منه شيئًا وإذا أخذ من باب المكافأة ومن باب العوض وتطييبًا لخاطر من أعطاه فليس داخلاً في هذا ولهذا أمر النبي ﷺ الرجل الذي خطب المرأة أن يعلمها ما يكون مهرًا له وهو في الصحيح، وهكذا حديث أبي سعيد الذي رواه البخاري في الصحيح أنه مر جماعة من الصحابة على طائفة من العرب وعندهم سيد لهم لديغ قد عملوا له كل شيء له فلم ينفعه، فقالوا: هل فيكم من راق؟ قالوا: نعم، ولكنا نزلنا عندكم فلم تضيفونا فلا بدّ من جعل فاتفقوا معهم على قطيع من الغنم فرقاه بعض الصحابة بالفاتحة فقام كأنه نشط من عقال وعافاه الله وأعطاهم قطيعًا من الغنم فقالوا: لا نفعل شيئًا حتى نصل إلى الرسول ﷺ فلما قدموا إليه وأخبروه قال: أحسنتم واضربوا لي معكم بسهم تطيباً لنفوسهم، وهكذا ما جاء في معناه فالمقصود أن المعلم لا بأس أن يأخذ معلم القرآن إن تيسر من بيت المال فهو أولى وإن لم يتيسر من بيت المال جاز أن يأخذ من أهل القرية أو أهل البلد يجمعون له شيئًا حتى يتفرغ لتعليم أولادهم ولا حرج عليه في ذلك.
............
وقوله وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: التَّقْوَى أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ رَجَاءَ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ من اللَّهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ من الله تخاف عقاب الله، ومعنى قول وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ أَنَّهُ تَعَالَى يَتَوَعَّدُهُمْ فِيمَا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنْ كِتْمَانِ الْحَقِّ وَإِظْهَارِ خِلَافِهِ وَمُخَالَفَتِهِمُ الرَّسُولَ صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا لِلْيَهُودِ عَمَّا كَانُوا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنْ تَلْبِيسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَتَمْوِيهِهِ بِهِ، وَكِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ، وَإِظْهَارِهِمُ الْبَاطِلَ: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَنَهَاهُمْ عَنِ الشَّيْئَيْنِ مَعًا، وَأَمَرَهُمْ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَالتَّصْرِيحِ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ: لَا تَخْلِطُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَالصِّدْقَ بِالْكَذِبِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ- وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ- يَقُولُ: وَلَا تَخْلِطُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَأَدُّوا النَّصِيحَةَ لِعِبَادِ اللَّهِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
الشيخ: مقصوده من هذا أن يلتبس الأمر حتى لا يختلط بالحق .....، فالله أوجب عليهم أن يوضحوا الحق على حده والباطل على حده وألا يلبسوا هذا بهذا ولا يخلطوا هذا بهذا بل يبينون أن هذا حق وهذا باطل هذا حتى يكون تابعوهم ومتعلموهم على بصيرة وإذا لبسوا وغيروا صار الآخذ عنهم على غير بصيرة فإنه يلتبس عليه الأمر.
وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُهُ وَقَالَ قتادة وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، وأنتم تعلمون أن دين الله الإسلام، وأن اليهودية وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِدْعَةٌ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسحاق: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيْ لَا تَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِرَسُولِي وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِيمَا تَعْلَمُونَ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ.
(قُلْتُ) وَتَكْتُمُوا يُحْتَمَلُ أن يكون مجزوما، ويحتمل أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا، أَيْ لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: لَا تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ أَيْ فِي حَالِ كِتْمَانِكُمُ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَالٌ أَيْضًا، وَمَعْنَاهُ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْحَقَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ عَلَى النَّاسِ مِنْ إِضْلَالِهِمْ عَنِ الْهُدَى الْمُفْضِي بِهِمْ إِلَى النَّارِ إِلَى أَنْ سَلَكُوا مَا تُبْدُونَهُ لَهُمْ مِنَ الْبَاطِلِ الْمَشُوبِ بِنَوْعٍ مِنَ الْحَقِّ لِتُرَوِّجُوهُ عَلَيْهِمْ، وَالْبَيَانُ الْإِيضَاحُ وَعَكْسُهُ الْكِتْمَانُ وَخَلْطُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ قَالَ مُقَاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعَالَى لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَآتُوا الزَّكاةَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤْتُوا الزَّكَاةَ أَيْ يَدْفَعُونَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَرْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يقول: كونوا معهم ومنهم.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أبي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالزَّكَاةِ طَاعَةَ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصَ، وَقَالَ وَكِيعٌ عَنْ أَبِي جَنَابٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَآتُوا الزَّكاةَ، قَالَ: مَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ قَالَ: مِائَتَانِ فَصَاعِدًا.
وَقَالَ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا الزَّكاةَ قَالَ: فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ لَا تَنْفَعُ الْأَعْمَالُ إِلَّا بِهَا وَبِالصَّلَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عن جَرِيرٌ عَنْ أَبِي حَيَّانَ التيمي عن الحارث العُكلي في قوله تعالى وَآتُوا الزَّكاةَ قَالَ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أَيْ وَكُونُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، وَمِنْ أَخَصِّ ذَلِكَ وَأَكْمَلِهِ الصَّلَاةُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ على وجوب الجماعة، وأبسط ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى مَسَائِلِ الْجَمَاعَةِ وَالْإِمَامَةِ فأجاد.
الشيخ: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة دل ذلك على وجوب إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال: واركعوا مع الراكعين فدل ذلك على أن المراد بذلك صلوا معهم يعني أقيموها وصلوا مع المصلين ولا تتأخروا عن ذلك، أي واركعوا مع الراكعين غير وأقيموا الصلاة، فأمر بإقامتها وهذا معناه ...... الاستقامة عليه، ثم قال: واركعوا مع الراكعين أي كونوا معهم في مساجدهم ولا تتخلفوا كأهل النفاق.أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: كَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنْتُمْ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَهُوَ جِمَاعُ الْخَيْرِ، أَنْ تَنْسَوْا أنفسكم فلا تأتمرون بِمَا تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِهِ، وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَتْلُونَ الْكِتَابَ وَتَعْلَمُونَ مَا فِيهِ عَلَى مَنْ قَصَّرَ فِي أَوَامِرِ اللَّهِ؟ أَفَلَا تَعْقِلُونَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ بِأَنْفُسِكُمْ، فَتَنْتَبِهُوا مِنْ رَقْدَتِكُمْ، وَتَتَبَصَّرُوا مِنْ عَمَايَتِكُمْ، وَهَذَا كَمَا قَالَ عبدالرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ قَالَ: كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِتَقْوَاهُ وَبِالْبِرِّ، وَيُخَالِفُونَ، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ.
الشيخ: وهذا وإن كان خطابًا لبني إسرائيل والمراد من ذلك تحذير هذه الأمة أن تكون مثلهم في ذلك فالواجب على أهل العلم والإيمان وعلى كل مسلم أن يمتثل ما يدعو الناس إليه من الخير والهدى وأن يبتعد عما نهى الناس عنه وأن يكون قدوة في الخير والعمل الصالح وألا يتتبع أولئك الذين غفلوا وضلوا عن سواء السبيل فأمروا بالمعروف وتركوه ونهوا عن المنكر وارتكبوه فهؤلاء الذين ذمهم الله وعابهم حتى لعنهم بعد ذلك قال جل وعلا: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ۝ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78، 79] والله يقول جل وعلا: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:44] يعني التوراة وهكذا الإنجيل أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] يعني أين العقل أين البصيرة أين الحياء أتأمرون الناس بالخير والهدى وتنهونهم عن الباطل والردى ثم أنتم ترتكبون الباطل وتكتمون الحق، هذا هو العمى، هذا هو الضلال، هذا هو خلاف العقل، فلا يليق بأمة محمد عليه الصلاة والسلام أن تتشبه بهؤلاء، وأن تكون مثلهم في أعمالهم الخبيثة، فالله عيرهم بهذا ليحذر ...............
وَقَالَ ابْنُ جرير: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقُونَ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَيَدَعُونَ الْعَمَلَ بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ النَّاسَ، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ أَمَرَ بِخَيْرٍ فَلْيَكُنْ أَشَدَّ النَّاسِ فِيهِ مُسَارَعَةً.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جبير عن ابْنِ عَبَّاسٍ: وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أَيْ تَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ أَيْ تَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنِ الْكُفْرِ بِمَا عِنْدَكُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْعَهْدِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَيْ وَأَنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدِي إِلَيْكُمْ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِي وَتَنْقُضُونَ مِيثَاقِي وَتَجْحَدُونَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِي.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَقُولُ: أَتَأْمَرُونَ النَّاسَ بِالدُّخُولِ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْجَرْمِيُّ حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَمْقُتَ النَّاسَ فِي ذَاتِ اللَّهِ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ لَهَا أَشَدَّ مَقْتًا.
الشيخ: ومعنى كلام أبي الدرداء هذا معناه أنه يحاسب نفسه أشد مما يحاسب الناس، ويمقتها على جرائمها أكثر حتى يستقيم، فلا يكون ماقتًا للناس على جرائمهم وناسيًا لنفسه ولكنه يمقت نفسه على جرائمها وأعمالها السيئة ويحاسبها حتى  تستقيم حتى تعتدل، ثم كذلك يقوم مع الناس ويأمرهم وينهاهم ويبغض في الله ويحب في الله بعد جهاده لنفسه.
وَقَالَ عبدالرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الآية: هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عَنِ الشَّيْءِ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ وَلَا رِشْوَةٌ أَمَرُوهُ بِالْحَقِّ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ وَالْغَرَضُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ، وَنَبَّهَهُمْ عَلَى خَطَئِهِمْ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ حَيْثُ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِالْخَيْرِ وَلَا يَفْعَلُونَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَمُّهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ بِالْبِرِّ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ، بل على تركهم له فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفٌ وَهُوَ واجب على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من أَمْرِهِمْ بِهِ وَلَا يَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ كَمَا قَالَ شعيب عليه السلام: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هُودٍ:88]الشيخ: والمعني أن الذم توجه إليهم؛ لأنهم ضيعوا ما أمروا به وارتكبوا ما نهوا عنه لا لأنهم أمروا ونهوا فالإنسان مأمور بأن يأمر وينهى وإن خالف قوله فعله ولكن يضل على خلافه أو على خلاف قوله فعله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه يعني أمعاؤه فيجتمع عليه أهل النار ويقولون: مالك يا فلان، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، ولكني كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه..... كونه يخالف أما  كونه يأمر وينهى هذا عمل طيب عمل صالح فيجب على العاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ألا يتأخر بل يجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويسارع إلى هذا الخير، لكن مثل ما قال أبو الدرداء يحاسب نفسه أن يجاهدها حتى يمتثل ما يأمر به من المعروف وحتى ينتهي عما ينهى عنه، فلا تكون أفعاله وأقواله متناقضة يجب أن تكون أفعاله وأقواله متطابقة.
...........
فَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَفِعْلِهِ وَاجِبٌ لَا يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِتَرْكِ الْآخَرِ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْمَعَاصِي لَا يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهَا وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ تَمَسُّكُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْعَالِمَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنِ ارْتَكَبَهُ، قَالَ مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ: سَمِعْتُ سعيد بن جبير يقول: لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مَا أَمَرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عن منكر. قال مَالِكٌ: وَصَدَقَ مَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شيء؟الشيخ: لا يجمع بين الشرين لا ينهى عن المنكر ويفعل المنكر، ويترك المعروف ولا يأمر به لا، بل عليه أن يفعل الخير مهما أمكن، وينهى عن الشر مهما أمكن ويأمر بالخير مهما أمكن هذا هو الواجب عليه وإن كان عنده تقصير، لو كان لا يأمر ولا ينهى إلا من كان كاملاً تعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن عليه أن يجاهد عليه أن يلزم نفسه بامتثاله للمعروف وابتعاده عن المنكر، أما كونه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فهذا شيء حق ولكن ليس له أن يتساهل في ذلك حتى يدع المعروف وحتى يرتكب المنكر.
...........
(قلت) ولكنه وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَذْمُومٌ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ وَفِعْلِهِ الْمَعْصِيَةَ  لِعِلْمِهِ بِهَا وَمُخَالَفَتِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لَا يَعْلَمُ، وَلِهَذَا جاءت الْأَحَادِيثُ فِي الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الدِّمَشْقِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ علي المعمري، قَالَا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكَلْبِيُّ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عبداللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَثَلُ الْعَالِمِ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، كَمَثَلِ السِّرَاجِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ وَيَحْرِقُ نَفْسَهُ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ (هُوَ ابْنُ جُدْعَانَ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَرَرْتُ ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قَالَ: قُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قالوا: خطباء أمتك  مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا مِمَّنْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ وَرَوَاهُ عبد بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ وَتَفْسِيرِهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ وَالْحَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ،
الشيخ: وهذا فيه وعيد شديد وتحذير للخطباء والوعاظ والمذكرين أن يتساهلوا وأن يعظوا الناس ويذكروهم ثم يخالفون؛ فإن هذا خطر عظيم ومنكر كبير وعاقبته وخيمة، وسند هذا وإن كان فيه في علي بن زيد وهو مضعف عند أهل العلم لكن صححه الترمذي رحمه الله وهو مقارب وهذا من أحاديث الوعيد فينبغي الحذر ولا حول ولا قوة إلا بالله! والآية الكريمة واضحة في ذلك مع آية المائدة نسأل الله السلامة.
...........
والأدلة في هذا عظيمة وكثيرة غير هذين الحديثين الضعيفين.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبداللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ بِبَلْخٍ حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى أُنَاسٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ يَعْنِي ابْنَ حَبِيبٍ خَتَنِ  مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ أَفَلَا يَعْقِلُونَ.
حَدِيثٌ آخَرُ- قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قِيلَ لِأُسَامَةَ وَأَنَا رَدِيفُهُ: أَلَا تُكَلِّمُ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لا أكلمه، ألا أسمعكم إني لأكلمه فيما بيني وبينه دُونُ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنِ افْتَتَحَهُ، وَاللَّهِ لَا أَقُولُ لِرَجُلٍ إِنَّكَ خَيْرُ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ عَلَيَّ أميرا بعد إذ سمعت رسول الله ﷺ يقول، قالوا: وما سمعته يَقُولُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ بِهِ أَقْتَابُهُ، فَيَدُورُ بِهَا فِي النَّارِ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَا أَصَابَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه رواه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ بِهِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُعَافِي الْأُمِّيِّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا لَا يُعَافِي الْعُلَمَاءَ وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: أَنَّهُ يَغْفِرُ للجاهل سبعين مرة حتى يغفر لِلْعَالِمِ مَرَّةً وَاحِدَةً، لَيْسَ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لَا يَعْلَمُ. وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [الزُّمَرِ:9] وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَطَّلِعُونَ عَلَى أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فيقولون بم دخلتم النار؟ فو الله مَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ إِلَّا بِمَا تَعَلَّمْنَا مِنْكُمْ، فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل ورواه ابن جرير الطبري عن أحمد بن يحيى الخباز الرملي عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ الرَّوَاسِيِّ عَنْ أَبِي بكر الزهري عبداللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَذَكَرَهُ.
الطالب: قال في الحاشية: صوابه الزاهري والحديث ضعيف في سنده عبدالله بن حكيم أبو بكر الزاهري، وقد قال الحافظ الذهبي في الميزان: قال أحمد: ليس بشيء!.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، إن أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، قال: أبلغت ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْجُو، قَالَ: إِنْ لَمْ تَخْشَ أَنْ تُفْتَضَحَ بِثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فافعل، قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى:أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أَحْكَمْتَ هَذِهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَالْحَرْفُ الثَّانِي؟ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصَّفِّ:3] أَحْكَمْتَ هَذِهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَالْحَرْفُ الثَّالِثُ؟ قَالَ: قَوْلُ الْعبدالصَّالِحِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ:وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ [هُودٍ:88] أَحْكَمْتَ هَذِهِ الْآيَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ، رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ.
الشيخ: يريد ابن عباس في هذا الحث على أن الآمر والناهي يجتهد في إصلاح نفسه حتى لايوصف بهذه الآيات.
.........
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا زيد بن الحارث حَدَّثَنَا عبداللَّهِ بْنُ خِرَاشٍ عَنِ الْعَوَّامِ بن حوشب عن الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَلَمْ يَعْمَلْ هُوَ بِهِ لَمْ يَزَلْ فِي ظِلِّ سُخْطِ اللَّهِ حَتَّى يَكُفَّ أَوْ يَعْمَلَ مَا قَالَ أَوْ دَعَا إِلَيْهِ إِسْنَادُهُ فِيهِ ضعف وقال إبراهيم النخعي: إن لِأَكْرَهُ الْقَصَصَ لِثَلَاثِ آيَاتٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَقَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ وَقَوْلُهُ إِخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ۝ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عَبِيدَهُ فِيمَا يُؤَمِّلُونَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: اسْتَعِينُوا عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالصَّلَاةِ، فَأَمَّا الصَّبْرُ فَقِيلَ: إِنَّهُ الصِّيَامُ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلِهَذَا يسمى رَمَضَانُ شَهْرَ الصَّبْرِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ جُرَيِّ  بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ الصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالصَّبْرِ الْكَفُّ عَنِ الْمَعَاصِي، وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ وَأَعْلَاهَا فِعْلُ الصَّلَاةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عبيد اللَّهِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: الصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ الصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ قَوْلِ عُمَرَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: الصَّبْرُ اعتراف العبد لله بما أصيب فِيهِ وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَرَجَاءُ ثَوَابِهِ، وَقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَتَجَلَّدُ لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا الصَّبْرُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ قال: على مرضاة الله، واعلموا أنهما مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ
الشيخ: وهذا الذي قاله هؤلاء الجماعة كل واحد فسر الصبر بشيء من معناه فالصوم من الصبر، والصلاة من الصبر، والصبر على المصائب من الصبر، والصبر على الطاعات من الصبر، والصبر عن المعاصي من الصبر، فالله أطلق الصبر، والمعنى الاستعانة في حبس النفس عما لا ينبغي في طاعة الله عز  وجل فيعم هذا كله، يعم الصوم ويعم الصبر عند المصائب ويعم الصبر على الطاعات ويعم الصبر عن المعاصي، ويعم الصبر في حاجات الإنسان الدنيوية ومكاسبه وأنه يتعاطها بصبر وثبات وعدم جزع وعدم يأس فهو مأمور بالصبر في جميع أمور الدنيا والآخرة. والصبر أعم في هذا كله، والمعنى أن الله يأمر الناس بجميع أحوالهم بالصبر وعدم الملل وعدم الجزع ويكون في أموره كله على صبر وعلى ثبات، ويؤدي الصلوات ويؤدي الصيام ويؤدي الحج ويؤدي جميع ما أوجب الله عليه بصبر وثبات وإخلاص لله وحسن عمل، وكذلك يبتعد عن المحارم بصبر وثبات حتى لا يقع فيها وهكذا عند المصائب عندما يصاب بشيء يكرهه من فقر أو تلف مال أو تلف ولد أو زوجة أو أي محبوب يتلقى هذا بالصبر والثبات وعدم الجزع وعدم فعل ما لا ينبغي مما يفعله الجاهلية هكذا المؤمن في جميع الأحوال صبور فلا يختص الصبر بنوع من هذا بل يعم.
وهكذا في طلب الرزق وفي تجارته قد يصاب بشيء في مزرعته في صنعته في أي شيء يكون عنده صبر كامل وقلب قوي، ويعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فيتصبر ويثبت ولا يجزع ويكون قلبه منشرحًا فيما قسم الله له سبحانه وتعالى، وبهذا يستريح في هذه الدار ويؤدي الأمور على خير وجه بخلاف الجزوع فإنه في أمل وفي تعب وفي نكد عيش في جميع الأحوال لجزعه وعدم صبره وسوء ظنه بربه ونحو ذلك مما يفعله أهل الجزع.
وقد يجزع الإنسان ويتظاهر بالجلد من جهة قلبه ولكن قلبه جزوع ومتسخط لقضاء الله يقول: يا ربي لم فعلت بي كذا؟! فهو بينه وبين ربه جزوع وإن أظهر تجلده عند الناس وعدم إظهار شيء مما يكره من لطم خد أو شق ثوب أو غير هذا، لكنه في قلبه جزوع في داخله، والمؤمن هكذا يكون صبورًا بقلبه الداخلي منشرح مطمئن القلب راض عن الله محتسب يعلم أن ربه جل وعلا له الحكمة البالغة فيما يقضيه من فقر أو موت ولد أو تلف ماشية أو تلف في مزرعته أو مصنعته أو في غير هذا لله الحكمة البالغة!.
وعليه أن يعود إلى نفسه فينظر يعني قد يكون فرط في معصية فرط في أمر فيه صلاح المزرعة فيه صلاح الصنعة هو الذي فرط فيه حتى حصل ما حصل فعليه أن يرجع إلى نفسه باللائمة وعدم سوء ظنه بالله عز وجل.
...........
 وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى الثَّبَاتِ فِي الْأَمْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [الْعَنْكَبُوتِ:45].
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عبداللَّهِ الدُّؤَلِيِّ قَالَ: قَالَ عبدالْعَزِيزِ أَخُو حُذَيْفَةَ: قَالَ حُذَيْفَةُ، يَعْنِي ابْنَ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي قُدَامَةَ عَنْ عبدالْعَزِيزِ بْنِ الْيَمَانِ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عبدالْعَزِيزِ ابْنِ أَخِي حُذَيْفَةَ، وَيُقَالُ: أَخِي حُذَيْفَةَ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عثمان الْعَسْكَرِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عبداللَّهِ الدُّؤَلِيُّ: قَالَ عبدالْعَزِيزِ: قَالَ حُذَيْفَةُ: رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ فِي شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وَكَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صلى.
حدثنا عبيداللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عن أبي إِسْحَاقَ سَمِعَ حَارِثَةَ بْنَ مُضَرِّبٍ سَمِعَ عَلِيًّا رضي الله عنه يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتَنَا لَيْلَةَ بَدْرٍ وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَيَدْعُو حَتَّى أَصْبَحَ.
الشيخ: وهذا لكمال علمه بربه وتعظيمه له عليه الصلاة والسلام الناس نيام وهو قائم يصلي ليلة بدر يسأل ربه النصر على عدوه وينجز له ما وعده، فأنجز الله له وعده.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى بطنه فقال له: أشكم درد ومعناه أيوجعك بطنك؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ شفاء.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفضل وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عُيَيْنَةُ بْنُ عبدالرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ: أن ابن عباس نعي إليه أخوه قسم وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ فَأَنَاخَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْجُلُوسَ، ثُمَّ قَامَ يَمْشِي إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ.
وَقَالَ سُنَيْدٌ عَنْ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ قَالَ إِنَّهُمَا مَعُونَتَانِ عَلَى رحمة الله.
والضمير في قوله: وإنها لكبيرة عَائِدٌ إِلَى الصَّلَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَارُونَ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ [الْقَصَصِ:80]
الشيخ: يعني الوصية وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77]
الطالب: في تعليق، قول ابن جرير: حدثنا محمد بن الفضل يقول الشيخ مقبل: وصوابه محمد بن العلاء كما في تفسير ابن جرير في الطبعة الحلبية والتي خرج أحاديثها أحمد شاكر، والأثر صحيح ورجاله ثقات، وأبو عيينة هو عبدالرحمن الجوشني.......