10 من قوله: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى..)

وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا دَفَعَهُ عَنْهُمْ مِنَ النِّقَمِ، شَرَعَ يُذَكِّرُهُمْ أَيْضًا بِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، فَقَالَ: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَهُوَ جَمْعُ غَمَامَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَغُمُّ السَّمَاءَ أَيْ يُوَارِيهَا وَيَسْتُرُهَا، وَهُوَ السَّحَابُ الْأَبْيَضُ ظُلِّلُوا بِهِ فِي التِّيهِ لِيَقِيَهُمْ حَرَّ الشَّمْسِ، كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ الْفُتُونِ، قَالَ: ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمْ فِي التِّيهِ بِالْغَمَامِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَالضَّحَاكِ وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ كَانَ هَذَا فِي الْبَرِّيَّةِ، ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ مِنَ الشَّمْسِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ آخَرُونَ: وَهُوَ غَمَامٌ أَبْرَدُ مِنْ هَذَا وَأَطْيَبُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قَالَ، لَيْسَ بِالسَّحَابِ هُوَ الْغَمَامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لَهُمْ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَكَأَنَّهُ يريد، والله أعلم، أنه لَيْسَ مِنْ زِيِّ هَذَا السَّحَابِ بَلْ أَحْسَنُ مِنْهُ وَأَطْيَبُ وَأَبْهَى مَنْظَرًا، كَمَا قَالَ سُنَيْدٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قَالَ: غَمَامٌ أَبْرَدُ مِنْ هَذَا وَأَطْيَبُ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ فِي قَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [الْبَقَرَةِ: 210] وَهُوَ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَانَ مَعَهُمْ فِي التيه .
الشيخ: ظاهر إطلاق الآية أن المراد به الغمام المعروف الذي يعرفه الناس يعرفه العرب المخاطبون وأن الله جل وعلا ظلل عليهم الغمام لما كانوا في التيه يقيهم به سبحانه وتعالى حر الشمس، فالغيم في وقت الظهيرة وقت الشمس من نعم الله العظيمة ومن رحمته لعباده فكانوا تحت حر الشمس، فظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، بعدما بعثهم من موتهم، الموت الذي عاقبهم به أعطاهم هذه النعم ظلل عليهم الغمام وهو غمام يقيهم حر الشمس، يحصل لهم به النفع لا يحصل لهم به الضرر، بل يحصل لهم به النفع، غمام فيه حماية لهم من حر الشمس ووهجها، وأعطاهم معه المن والسلوى حتى يعيشوا في هذه الأرض المدة التي كتب الله عليهم.
وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْمَنِّ مَا هُوَ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَشْجَارِ، فَيَغْدُونَ إِلَيْهِ، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ ما شاؤوا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَنُّ: صَمْغَةٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمَنُّ: شَيْءٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الطَّلِّ شِبْهُ الرُّبِّ الْغَلِيظِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، قَالُوا: يَا مُوسَى، كيف لنا بما هاهنا، أي الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على شجرة الزَّنْجَبِيلِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ في محلهم سُقُوطَ الثَّلْجِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا تَعَدَّى ذَلِكَ فسد ولم يبق، حتى كان يوم سادسه يوم جُمُعَتِهِ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِيدٍ لَا يَشْخَصُ فِيهِ لِأَمْرِ مَعِيشَتِهِ وَلَا يَطْلُبُهُ لِشَيْءٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبَرِّيَّةِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْمَنُّ شَرَابٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الْعَسَلِ فَيَمْزُجُونَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَشْرَبُونَهُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ منبه، وسئل عن المن، فقال: خبز رقاق مِثْلَ الذُّرَةِ أَوْ مِثْلُ النَّقِيِّ.
الشيخ: وفي الحديث الصحيح الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، هذا يفيد أن المن شيء لطيف يتغذون به طعامهم لهم ومعهم لحم وهو السلوى، وهو شيء لطيف يشبه الشحم أو يشبه الحلوى الغليظة يأكلون منه ويتغذون منه ومعه اللحم.
 وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ، وَهُوَ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: عَسَلُكُمْ هَذَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ الْمَنِّ، وَكَذَا قَالَ عبدالرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِنَّهُ الْعَسَلُ، وَوَقَعَ فِي شِعْرِ أمية بن أبي الصلت حيث قال:
فَرَأَى اللَّهُ أَنَّهُمْ بِمَضِيعٍ لَا بِذِي مَزْرَعٍ وَلَا مَثْمُورَا
فَسَنَاهَا عَلَيْهِمُ غَادِيَاتٍ وَتَرَى مُزْنَهُمْ خَلَايَا وَخُورَا
عَسَلًا نَاطِفًا وَمَاءً فُرَاتًا وَحَلِيبًا ذا بهجة مزمورا
فالناطف هو السائل والحليب المزمور الصَّافِي مِنْهُ، وَالْغَرَضُ أَنَّ عِبَارَاتِ المفسرين مُتَقَارِبَةٌ فِي شَرْحِ الْمَنِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالطَّعَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالشَّرَابِ، وَالظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ كُلُّ مَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ عَمَلٌ وَلَا كَدٌّ، فَالْمَنُّ الْمَشْهُورُ إِنْ أُكِلَ وَحْدَهُ كَانَ طَعَامًا وَحَلَاوَةً، وَإِنْ مُزِجَ مَعَ الْمَاءِ صَارَ شَرَابًا طَيِّبًا، وَإِنْ ركب مع غَيْرِهِ صَارَ نَوْعًا آخَرَ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ وَحْدَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عبدالْمَلِكِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عبدالْمَلِكِ وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ، إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ عبدالْمَلِكِ وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ البخاري ومسلم مِنْ رِوَايَةِ الْحَكَمِ عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، وَالْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيُّ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَإِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ عَنْهُ.
الشيخ: والعجوة التمر، وقد قال الله جل وعلا: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:68] فالنخل من أشجار الجنة وهكذا الرمان.
وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ- كَذَا قَالَ- وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عبدالرَّحْمَنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَطَلْحَةُ بْنُ عبدالرحمن هذا السلمي الواسطي يُكَنَّى بِأَبِي مُحَمَّدٍ وَقِيلَ: أَبُو سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ، قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ: رَوَى عَنْ قَتَادَةَ أَشْيَاءَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: الْكَمْأَةُ جُدَرِيُّ الْأَرْضِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بِهِ، وَعَنْهُ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ عبدالْأَعْلَى عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ بِقِصَّةِ الْكَمْأَةِ فَقَطْ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي عبدالصَّمَدِ عبدالْعَزِيزِ بْنِ عبدالصَّمَدِ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ شَهْرٍ: بِقِصَّةِ الْعَجْوَةِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَبِالْقِصَّتَيْنِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وأبي هريرة، فإنه لم يسمع مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ من سننه عن علي بن الحسين الدِّرْهَمِيِّ عَنْ عبدالْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَذْكُرُونَ الْكَمْأَةَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: جُدَرِيُّ الْأَرْضِ، فَقَالَ الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَرُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ شَهْرِ بن حوشب عن جابر بن عبداللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنَ الجنة، وهي شفاء من السم وقال النَّسَائِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ثُمَّ رَوَاهُ أَيْضًا وَابْنُ ماجة من طرق عن الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ شَهْرٍ عَنْهُمَا به،
 وقد رويا- أعني النسائي من حديث جرير وابن ماجة من حديث سعيد ابن أبي سلمة- كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عن أبي سعيد  رواه النَّسَائِيُّ وَحَدِيثِ جَابِرٍ
الشيخ: لعلها ورواه النسائي من حديث جابر.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ عَنْ لَاحِقِ بن صواب عن عمار بن زريق عَنِ الْأَعْمَشِ كَابْنِ مَاجَهْ.
.........  
 وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كَمَآتٌ، فَقَالَ الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ عن الحسن بن الربيع به ثم ابْنُ مَرْدَوَيْهِ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عبداللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ عبيدالله بن موسى، عن شيبان عن الْأَعْمَشِ بِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ بن موسى، وَقَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبداللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا حَمْدُونُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ أَشْرَسَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تدارأوا فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْسَبُهُ الْكَمْأَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ أَصْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طريقه شيئا من هذا، والله أعلم.
وروي عَنْ شَهْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا فِي الْوَلِيمَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَوْنٍ الْخَرَّازِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَدَّادِ عَنْ عبدالْجَلِيلِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ شَهْرٍ عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْكَمْأَةُ من المن، وماؤها شفاء للعين وقد اختلف كَمَا تَرَى فِيهِ عَلَى شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنَّهُ حَفِظَهُ وَرَوَاهُ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ كُلِّهَا، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَبَلَّغَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَإِنَّ الْأَسَانِيدَ إِلَيْهِ جَيِّدَةٌ، وَهُوَ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ مَحْفُوظٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رواية سعيد بن زيد رضي الله عنه.
وَأَمَّا السَّلْوَى، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السلوى طائر شبه بِالسُّمَانَى، كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي خَبَرٍ، ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: السَّلْوَى طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا عبدالصمد بن الْوَارِثِ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ جَهْضَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: السَّلْوَى هُوَ السُّمَانَى، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَمَّا السَّلْوَى فَطَيْرٌ كَطَيْرٍ يَكُونُ بِالْجَنَّةِ أَكْبَرُ مِنَ الْعُصْفُورِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وقال قتادة: السلوى كان من طير أقرب إِلَى الْحُمْرَةِ تَحْشُرُهَا عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْجَنُوبُ وَكَانَ الرَّجُلُ يَذْبَحُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَإِذَا تَعَدَّى فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ سَادِسِهِ لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِبَادَةٍ لَا يَشْخَصُ فِيهِ لِشَيْءٍ وَلَا يَطْلُبُهُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: السلوى طير سمين مثل الحمامة كَانَ يَأْتِيهِمْ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ مِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ وَهْبٍ قَالَ: سَأَلَتْ بنو إسرائيل موسى عليه السلام لحما فَقَالَ اللَّهُ لَأُطْعِمَنَّهُمْ مِنْ أَقَلِّ لَحْمٍ يُعْلَمُ فِي الْأَرْضِ فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأَذْرَتْ عِنْدَ مَسَاكِنِهِمُ السَّلْوَى وَهُوَ السُّمَانَى مِثْلَ مِيلٍ فِي ميل قيد رمح إلى السماء فخبأوا لِلْغَدِ فَنَتِنَ اللَّحْمُ وَخَنِزَ الْخُبْزُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا دَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ التِّيهَ قَالُوا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ لَنَا بِمَا هَاهُنَا؟ أَيْنَ الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السُّمَانَى أَكْبَرُ مِنْهُ فَكَانَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ فَيَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فَإِنْ كَانَ سَمِينًا ذَبَحَهُ وَإِلَّا أَرْسَلَهُ فَإِذَا سَمِنَ أَتَاهُ، فَقَالُوا: هَذَا الطَّعَامُ. فَأَيْنَ الشَّرَابُ؟ فَأُمِرَ مُوسَى فَضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فَشَرِبَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْ عَيْنٍ، فَقَالُوا: هَذَا الشَّرَابُ فَأَيْنَ الظِّلُّ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ، فَقَالُوا: هَذَا الظِّلُّ فَأَيْنَ اللِّبَاسُ؟ فَكَانَتْ ثِيَابُهُمْ تَطُولُ مَعَهُمْ كَمَا تطول الصِّبْيَانُ وَلَا يَتخَرِقُ لَهُمْ ثَوْبٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [الأعراف:16]
وَقَوْلُهُ: وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الْبَقَرَةِ: 60]
الشيخ: وهذه من آيات الله جل وعلا من آيات الله العظيمة وقدرته الباهرة سبحانه وتعالى فهؤلاء الجماعة وهم خلق كثير وأمة عظيمة ضلوا في التيه أربعين سنة وجعل الله لهم هذا الرزق من الحلوى والمن وظلل عليهم الغمام كل هذا من رحمته وإحسانه حتى خلصهم الله من هذا المحك فجاءتهم هذه الطيور يذبحون منها حاجتهم، وأنزل عليهم المن سبحانه وتعالى حلوى مع اللحم وساق إليهم الماء من هذا الحجر، ينقله أين ما شاء هذا الحجر، يتفجر ماء هذه من آيات الله العظيمة وهو الذي يقول سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20] وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45].
وَرُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَعبدالرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَحْوُ مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَقَالَ سُنَيْدٌ عَنْ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خُلِقَ لَهُمْ فِي التِّيهِ ثِيَابٌ لَا تَخْرِقُ وَلَا تَدْرَنُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَخَذَ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى فَوْقَ طَعَامِ يَوْمٍ فَسَدَ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ طَعَامَ يَوْمِ السَّبْتِ فَلَا يُصْبِحُ فَاسِدًا، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ السَّلْوَى طَيْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ وَقَدْ غَلِطَ الْهُذَلِيُّ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ الْعَسَلُ وأنشد في ذلك مستشهدا:
وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمُ أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا أَشُورُهَا
قَالَ: فَظَنَّ أَنَّ السَّلْوَى عَسَلًا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: دَعْوَى الْإِجْمَاعِ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْمُؤَرِّجَ أَحَدَ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ قَالَ إِنَّهُ الْعَسَلُ، وَاسْتَدَلَّ بِبَيْتِ الْهُذَلِيِّ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي لُغَةِ كِنَانَةَ لِأَنَّهُ يُسَلَّى بِهِ وَمِنْهُ عَيْنُ سُلْوَانَ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السَّلْوَى: الْعَسَلُ، وَاسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ الْهُذَلِيِّ أَيْضًا، وَالسُّلْوَانَةُ بِالضَّمِّ خَرَزَةٌ كَانُوا يَقُولُونَ إِذَا صُبَّ عَلَيْهَا مَاءُ المطر فشربها العاشق سلا، قال الشاعر:
شَرِبْتُ عَلَى سُلْوَانَةٍ مَاءَ مُزْنَةٍ فَلَا وَجَدِيدِ الْعَيْشِ يَا ميُّ مَا أَسْلُو
وَاسْمُ ذَلِكَ الْمَاءِ السُّلْوَانُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: السُّلْوَانُ دَوَاءٌ يَشْفِي  الحزين فيسلوا وَالْأَطِبَّاءُ يُسَمُّونَهُ (مُفَرِّجٌ) . قَالُوا: وَالسَّلْوَى جَمْعٌ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ أَيْضًا كَمَا يُقَالُ: سُمَانَى لِلْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ وَوَيْلَى كَذَلِكَ،
........
وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَاحِدُهُ سَلْوَاةٌ، وَأَنْشَدَ:
وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ كَمَا انْتَفَضَ السَّلْوَاةُ مِنْ بَلَلِ الْقَطْرِ

وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: السَّلْوَى وَاحِدَةٌ وَجَمْعُهُ سَلَاوِي، نَقَلَهُ كُلَّهُ الْقُرْطُبِيُّ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:  كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُم أَمْرُ إِبَاحَةٍ وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى: وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالْأَكْلِ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ وَأَنْ يَعْبُدُوا كَمَا قَالَ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ فَخَالَفُوا وَكَفَرُوا فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ هَذَا مَعَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْقَاطِعَاتِ، وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَمِنْ هَاهُنَا تَتَبَيَّنُ فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ فِي صَبْرِهِمْ وثباتهم وعدم تعنتهم مع ما كَانُوا مَعَهُ فِي أَسْفَارِهِ وَغَزَوَاتِهِ مِنْهَا عَامُ تَبُوكَ فِي ذَلِكَ الْقَيْظِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْجَهْدِ لَمْ يَسْأَلُوا خَرْقَ عَادَةٍ وَلَا إِيجَادَ أَمْرٍ مع أن ذلك كان سهلا على النبي ﷺ ولكن لَمَّا أَجْهَدَهُمُ الْجُوعُ سَأَلُوهُ فِي تَكْثِيرِ طَعَامِهِمْ فَجَمَعُوا مَا مَعَهُمْ فَجَاءَ قَدْرَ مَبْرَكِ الشَّاةِ فدعا الله فيه وأمرهم فملؤوا كُلَّ وِعَاءٍ مَعَهُمْ وَكَذَا لَمَّا احْتَاجُوا إِلَى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أَسْقِيَتَهُمْ ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا هِيَ لَمْ تُجَاوِزِ العسكر. فهذا هو الأكمل في اتباع الشيء مَعَ قَدَرِ اللَّهِ مَعَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ.
الشيخ: وهذا كما قال المؤلف بنو إسرائيل جاءتهم آيات وجاءتهم معجزات ومع هذا جرى منهم ما جرى مع موسى من الأذى والتعنت فعاقبهم الله بأنواع العقوبات منها الآصار والأغلال التي كانت عليهم ومن ذلك مما ابتلوا به من أمر فرعون حتى خلصهم الله منه إلى غير ذلك، المقصود أن الله جل وعلا ابتلاهم بأشياء بسبب تعنتهم، وأما أصحاب محمد ﷺ فقد كانوا بحمد الله في غاية من الانقياد والطاعة والامتثال لما ظهر لهم الحق وعرفوا يقينًا ما جاء به عليه الصلاة والسلام وانقادوا للحق وساروا على درب الحق وصبروا على الشدة في غزواتهم وفي المدينة وفي كل مكان، حتى نصرهم الله وأظهرهم، وكان إذا اشتد بهم الأمر في الشراب يسر الله أمرهم فتارة يدعو القليب فتنبع المياه منها، وتارة يضع يده في الإناء فينبع الماء من بين أصابعه، فيشربون ويستقون وهكذا الطعام يدعو لهم فيه بالبركة فيحصل لهم به الخير العظيم ويكون هذا القليل شيئًا كثيرًا ولهذا لما جرى في تبوك من الشدة جمعوا طعامهم وكان شيئًا قليلاً فدعا فيه بالبركة ثم قال: خذوا فأخذوا حاجاتهم وأكلوا من هذا الطعام القليل الذي جعله الله شيئًا عظيمًا.
وهكذا لما أنزل الله المطر عند الحاجة إليه لما دعاه النبي ﷺ فالآيات عظيمة والمعجزات كثيرة ولكن إنما يعقلها ويفهمها من أراد الله له الهداية.
........
وقال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ۝ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
يَقُولُ تَعَالَى لَائِمًا لَهُمْ على نكولهم عن الجهاد ودخولهم الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ لَمَّا قَدِمُوا مِنْ بِلَادِ مِصْرَ صُحْبَةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأُمِرُوا بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي هِيَ مِيرَاثٌ لَهُمْ عَنْ أَبِيهِمْ إِسْرَائِيلَ وَقِتَالِ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَمَالِيقِ الْكَفَرَةِ فَنَكَلُوا عَنْ قِتَالِهِمْ وَضَعُفُوا وَاسْتَحْسَرُوا فَرَمَاهُمُ اللَّهُ فِي التِّيهِ عُقُوبَةً لَهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ السُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقَدْ قال الله تعالى حاكيا عن موسى يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا [المائدة:21] .
وقال آخرون هي أريحاء، وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعبدالرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى طَرِيقِهِمْ وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحاء، وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَهَذَا كَانَ لَمَّا خَرَجُوا مِنَ التِّيهِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَشِيَّةَ جُمُعَةٍ وَقَدْ حُبِسَتْ لَهُمُ الشَّمْسُ يَوْمَئِذٍ قَلِيلًا حتى أمكن الفتح، وَلَمَّا فَتَحُوهَا أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ بَابَ الْبَلَدِ سُجَّداً أَيْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ ورد بلدهم عليهم وَإِنْقَاذِهِمْ مِنَ التِّيهِ وَالضَّلَالِ.
قَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ في قوله تعالى وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أَيْ رُكَّعًا،
الشيخ: لأن السجود يطلق على الركوع ولهذا قال: {صلى ركعتين} يعني سجدتين ركعتين بسجودهما ولأن الساجد لا يستطيع أن يمشي ويدخل وإنما يدخلها واقفًا ولهذا قال: {سجدًا }يعني خاضعين ذليلين لربكم الذي من عليكم بالدخول وأنجاكم من التيه وخلصكم من آل فرعون إلى غير ذلك من النعم فأمرهم أن يدخلوا بيت المقدس بيت الأنبياء محل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومحل جدهم إبراهيم أن يدخلوها خاضعين خاشعين يقال له خاشع راكع لذله واستكانته وانكساره ولكنهم والعياذ بالله أبوا ودخلوا يزحفون على أستاههم معاندة ومخالفة لأمر الله عز وجل؛ فلهذا أصابهم ما أصابهم من التفرق والاختلاف وقسوة القلوب نسأل الله العافية.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً قَالَ: رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ بِهِ وَزَادَ: فَدَخَلُوا مِنْ قِبَلِ اسْتَاهِهِمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أُمِرُوا أَنْ يَسْجُدُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ حال دخلوهم، وَاسْتَبْعَدَهُ الرَّازِيُّ.
وَحَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ هاهنا بالسجود الْخُضُوعُ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَقَالَ خُصَيْفٌ: قَالَ عِكْرِمَةُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْبَابُ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وقتادة والضحاك: هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس. وحكى الرازي عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القبلة، وَقَالَ خُصَيْفٌ قَالَ عِكْرِمَةُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَدَخَلُوا عَلَى شِقٍّ، وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي الْكَنُودِ عَنْ عبدالله بن مسعود: قيل لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا فَدَخَلُوا مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ أَيْ رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ خِلَافَ مَا أُمِرُوا.
وَقَوْلُهُ تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ قَالَ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقُولُوا حِطَّةٌ قَالَ: مَغْفِرَةٌ اسْتَغْفِرُوا.
الشيخ: الحطة يعني حط عنا يا ربنا خطايانا، ادخلوا خاضعين خاشعين واسألوا الله المغفرة والعفو عما سبق منكم من التقصير.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقُولُوا حِطَّةٌ قَالَ: قُولُوا: هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ، كَمَا قِيلَ لَكُمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلى رجل قد سماه فسأله عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقُولُوا حِطَّةٌ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنْ أَقِرُّوا بِالذَّنْبِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ أَيِ احْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وقال: هَذَا جَوَابُ الْأَمْرِ أَيْ إِذَا فَعَلْتُمْ مَا أَمَرْنَاكُمْ غَفَرْنَا لَكُمُ الْخَطِيئَاتِ وَضَاعَفْنَا لَكُمُ الْحَسَنَاتِ.
وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَخْضَعُوا لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْفَتْحِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ وَأَنْ يَعْتَرِفُوا بِذُنُوبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُوا مِنْهَا وَالشُّكْرُ عَلَى النِّعْمَةِ عِنْدَهَا والمبادرة إلى ذلك من المحبوب عند الله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً فَسَّرَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ عِنْدَ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ نُعِيَ إلى رسول الله ﷺ أجله فيها وأقره على ذلك عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَمَرَ بِذَلِكَ عِنْدَ ذَلِكَ وَنَعَى إِلَيْهِ رُوحَهُ الْكَرِيمَةَ أَيْضًا، وَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ الصلاة والسلام يَظْهَرُ عَلَيْهِ الْخُضُوعُ جِدًّا عِنْدَ النَّصْرِ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ داخلا إليها من الثنية العليا وأنه لخاضع لِرَبِّهِ حَتَّى إِنَّ عُثْنُونَهُ لَيَمَسُّ مَوْرِكَ رَحْلِهِ شكرا لله عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا دَخَلَ الْبَلَدَ اغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ وَذَلِكَ ضُحًى، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ صَلَاةُ الضُّحَى، وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هِيَ صَلَاةُ الْفَتْحِ فَاسْتَحَبُّوا لِلْإِمَامِ وَلِلْأَمِيرِ إِذَا فَتَحَ بَلَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ عِنْدَ أَوَّلِ دُخُولِهِ كَمَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا دَخَلَ إِيوَانَ كِسْرَى صَلَّى فِيهِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمٍ، وَقِيلَ يُصَلِّيهَا كُلَّهَا بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الشيخ: والصواب الأول، أن كل ركعتين بتسليم، وجاء عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح قال ﷺ: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ولا مانع من أن تكون صلاة الضحى وأن تكون صلاة الفتح، فإنه كان يصلي الضحى بعض الأحيان عليه الصلاة والسلام ويتركها تارة؛ ليعلم الناس عدم وجوبها، وقد أوصى بها عليه الصلاة والسلام أبا الدرداء وأبا هريرة أوصاهم بصلاة الضحى، وقال عليه الصلاة والسلام لما ذكر الصدقات عن السلاميات قال: ويجزئ من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى فدل ذلك على تأكدها وعلى أنها سنة مؤكدة في كل يوم.وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عبدالرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هريرة رضي الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ- فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى اسْتَاهِهِمْ فَبَدَّلُوا وقالوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍالشيخ: بدل حطة حبة في شعرة، وكله معاندة للحق ويزحفون على إستاههم يعني على المقاعد على مقعدته إليته، دخلوا يزحفون على المقاعد جلوسًا نسأل الله السلامة.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بِهِ مَوْقُوفًا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِبَعْضِهِ مُسْنَدًا فِي قوله تعالى: حِطَّةٌ قال: فبدلوا وقالوا حَبَّةٌ، وَقَالَ عبدالرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ اللَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ فَبَدَّلُوا وَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى اسْتَاهِهِمْ فَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْيرَةٍ وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ وَمُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عبد بْنِ حُمَيْدٍ كُلُّهُمْ عَنْ عبدالرَّزَّاقِ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ تَبْدِيلُهُمْ كَمَا حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَمَّنْ لَا أَتَّهِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: دَخَلُوا الْبَابَ- الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ سُجَّدًا- يَزْحَفُونَ عَلَى اسْتَاهِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ حِنْطَةٌ فِي شُعَيْرَةٍ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا عبداللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ اللَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُسَافِرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ هشام بمثله، هَكَذَا رَوَاهُ مُنْفَرِدًا بِهِ فِي كِتَابِ الْحُرُوفِ مُخْتَصَرًا.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عبداللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا أحمد بْنِ الْمُنْذِرِ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَجَزْنَا فِي ثَنِيَّةٍ  يُقَالُ لَهَا ذَاتُ الْحَنْظَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما مَثَلُ هَذِهِ الثَّنِيَّةِ اللَّيْلَةَ إِلَّا كَمَثَلِ الْبَابِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ [الْبَقَرَةِ: 142] قَالَ: الْيَهُودُ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا قَالَ: رُكَّعًا، وَقُولُوا حِطَّةٌ أَيْ مَغْفِرَةٌ، فَدَخَلُوا عَلَى اسَتَاهِهِمْ وَجَعَلُوا يَقُولُونَ حِنْطَةٌ حَمْرَاءُ فِيهَا شُعَيْرَةٌ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:  فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي سَعْيدٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي الْكَنُودِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَقُولُوا حِطَّةٌ، فَقَالُوا: حِنْطَةٌ، حَبَّةٌ حَمْرَاءُ فِيهَا شُعَيْرَةٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. وَقَالَ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُمْ قَالُوا: هطا سمعاتا أزبة مزبا، فَهِيَ بِالْعَرَبِيَّةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَمْرَاءُ مَثْقُوبَةُ فِيهَا شَعْرَةٌ سَوْدَاءُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ سعيد عن ابن عباس في قوله تعالى: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً قَالَ: رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ، فدخلوا من قبل أستاههم وقالوا حنطة، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَيَحْيَى بْنِ رَافِعٍ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ المفسرون وما دل عليه السياق أَنَّهُمْ بَدَّلُوا أَمْرَ اللَّهِ لَهُمْ مِنَ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَأُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا سُجَّدًا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى اسْتَاهِهِمْ مِنْ قِبَلِ اسْتَاهِهِمْ رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ وَأُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ أَيِ احْطُطْ عنا ذنوبنا وخطايانا، فاستهزأوا فقالوا حنطة في شعيرة، وَهَذَا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُعَانَدَةِ وَلِهَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ بِفِسْقِهِمْ وَهُوَ خُرُوجُهُمْ عَنْ طَاعَتِهِ. وَلِهَذَا قَالَ: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الرِّجْزِ يَعْنِي بِهِ الْعَذَابَ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّهُ الْعَذَابُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الرِّجْزُ الْغَضَبُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: الرِّجْزُ إِمَّا الطَّاعُونُ وَإِمَّا الْبَرْدُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الطَّاعُونُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الطَّاعُونُ رِجْزٌ عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهِ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ إذا سمعتم الطاعون بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا الْحَدِيثَ، وقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عبدالْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ أو السقم رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُهُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزهري ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم بن أَبِي النَّضْرِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ بِنَحْوِهِ. والله أعلم
الشيخ: ولا مانع فإن الرجز يكون نتيجة غضب فعاقبهم الله بما فعلوه من الاستهزاء والتكذيب بغضبه ونزول عذابه نسأل الله العافية.وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي إِجَابَتِي لِنَبِيِّكُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ اسْتَسْقَانِي لَكُمْ وَتَيْسِيرِي لَكُمُ الْمَاءَ وَإِخْرَاجَهُ لَكُمْ مِنْ حَجَرٍ معكم وتفجيري الماء لكم منه من اثنتي عَشْرَةَ عَيْنًا لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِكُمُ عَيْنٌ قَدْ عَرَفُوهَا فَكُلُوا مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَاشْرَبُوا مِنْ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي أَنْبَعْتُهُ لَكُمْ بِلَا سَعْيٍ مِنْكُمْ وَلَا كَدٍّ وَاعْبُدُوا الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ ذَلِكَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَلَا تُقَابِلُوا النِّعَمَ بِالْعِصْيَانِ فَتُسْلَبُوهَا.
وَقَدْ بَسَطَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي كَلَامِهِمْ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: وَجُعِلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ حَجَرٌ مُرَبَّعٌ وَأُمِرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْهُ ثَلَاثُ عُيُونٍ وَأَعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْهَا لَا يَرْتَحِلُونَ مِنْ مَنْقَلَةٍ إِلَّا وَجَدُوا ذَلِكَ مَعَهُمْ بِالْمَكَانِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ بِالْمَنْزِلِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَهُوَ حَدِيثُ الْفُتُونِ الطَّوِيلُ.
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: وَجُعِلَ لَهُمْ حجرا مِثْلُ رَأْسِ الثَّوْرِ يُحْمَلُ عَلَى ثَوْرٍ فَإِذَا نزلوا منزلا وضعوه فضربه موسى عليه السلام بِعَصَاهُ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فَإِذَا سَارُوا حَمَلُوهُ عَلَى ثَوْرٍ فَاسْتَمْسَكَ الْمَاءُ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ أَبِيهِ: كَانَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ حَجَرٌ فَكَانَ يَضَعُهُ هَارُونُ وَيَضْرِبُهُ مُوسَى بِالْعَصَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ حَجَرًا طُورِيًّا مِنَ الطُّورِ يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا نَزَلُوا ضَرَبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقِيلَ كَانَ من الرخام وَكَانَ ذِرَاعًا فِي ذِرَاعٍ وَقِيلَ مِثْلَ رَأْسِ الإنسان وقيل كان من الْجَنَّةِ طُولُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ عَلَى طُولِ مُوسَى وَلَهُ شُعْبَتَانِ تَتَّقِدَانِ فِي الظُّلْمَةِ وَكَانَ يُحْمَلُ عَلَى حِمَارٍ، قَالَ: وَقِيلَ أَهْبَطَهُ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَوَارَثُوهُ حَتَّى وَقَعَ إِلَى شُعَيْبٍ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ مَعَ الْعَصَا، وَقِيلَ هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعَ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ حِينَ اغْتَسَلَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ارْفَعْ هَذَا الْحَجَرَ فَإِنَّ فِيهِ قُدْرَةً وَلَكَ فِيهِ مُعْجِزَةً فَحَمَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْجِنْسِ لَا لِلْعَهْدِ أَيِ اضْرِبِ الشَّيْءَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْحَجَرُ، وَعَنِ الْحَسَنِ: لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَضْرِبَ حَجَرًا بِعَيْنِهِ، قَالَ: وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْمُعْجِزَةِ وَأَبْيَنُ فِي الْقُدْرَةِ فَكَانَ يَضْرِبُ الْحَجَرَ بِعَصَاهُ فَيَنْفَجِرُ ثُمَّ يَضْرِبُهُ فَيَيْبَسُ، فَقَالُوا: إِنْ فَقَدَ مُوسَى هَذَا الْحَجَرَ عَطِشْنَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يُكَلِّمَ الْحجر فَتَنْفَجِرَ وَلَا يَمَسَّهَا بِالْعَصَا لعلهم يقرون، والله أعلم.
الشيخ: المقصود أن هذا من الآيات العظام والمعجزات الباهرة والله على كل شيء قدير سبحانه وتعالى هو القادر على كل شيء إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] فالله أعطى موسى آيات كثيرات منها العصا ومنها اليد التي جعلها الله له معجزة والعصا تكون ثعبانًا إذا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمًا حتى التقمت عصيهم وحبالهم وخر أولئك السحرة لله سجدًا وأسلموا بأسباب ذلك وهذه اليد التي يخرجها بيضاء من غير آفة فالآيتان جعلهما الله له، ثم جعل له آيات أخرى كثيرة، وما أصابهم لما عصوا واستكبروا فجعل الله لهم آيات كثيرة  منها ما حصل لهم من الجراد والقمل والضفادع والدم إلى غير ذلك، ثم هذا الحجر الذي معه جعله الله لهم سقيا أينما نزلوا انفجرت هذه العيون الثلاثة عشرة لكل سبط من أسباطهم أي كل قبيلة من قبائلهم لها عين لا يزاحمها فيها غيرهم هذه من آيات الله حجر يابس يفجر إذا أراد الله وييبس إذا أراد الله ويأخذونه معهم حيث شاؤوا فهذه من آيات الله العظيمة وله جل وعلا القدرة البالغة والحكمة البالغة والآيات العظيمة الدالة على أنه سبحانه رب العالمين  وأنه مستحق لأن يعبد جل وعلا.
........
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ النَّضْرِ: قُلْتُ لِجُوَيْبِرٍ: كَيْفَ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ؟ قَالَ: كَانَ مُوسَى يَضَعُ الْحَجَرَ وَيَقُومُ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلٌ وَيَضْرِبُ مُوسَى الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فَيَنْضَحُ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ فَيَدْعُو ذَلِكَ الرَّجُلُ سِبْطَهُ إِلَى تِلْكَ الْعَيْنِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ شقَّ لَهُمْ مِنَ الحجر أنهارا، وقال الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذَلِكَ فِي التِّيهِ ضَرَبَ لهم موسى الحجر فصار منه اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا مِنْ مَاءٍ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنْهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهَذِهِ الْقِصَّةُ شَبِيهَةٌ بِالْقِصَّةِ التي فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَلَكِنَّ تِلْكَ مَكِّيَّةٌ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى يقص على رسوله ﷺ ما فعل لهم. وَأَمَّا فِي هَذِهِ السُّورَةِ- وَهِيَ الْبَقَرَةُ- فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، فَلِهَذَا كَانَ الْخِطَابُ فِيهَا مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِمْ،. وَأَخْبَرَ هُنَاكَ بُقُولِهِ: فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [الْأَعْرَافِ:160] وَهُوَ أَوَّلُ الِانْفِجَارِ، وَأَخْبَرَ هَاهُنَا بما آل إليه الحال آخرا وهو الانفجار فناسب ذكر الانفجار هَاهُنَا وَذَاكَ هُنَاكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبَيْنَ السِّيَاقَيْنِ تَبَايُنٌ مِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ لَفْظِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ قَدْ سئل عنها الزمخشري فِي تَفْسِيرِهِ وَأَجَابَ عَنْهَا بِمَا عِنْدَهُ، وَالْأَمْرُ في ذلك قريب. والله أعلم.
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِي عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى طَعَامًا طَيِّبًا نَافِعًا هَنِيئًا سهلا واذكروا دبركم وضجركم مما رزقناكم وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها مما سألتم. قال الحسن البصري: فَبَطرُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْهِ، وَذَكَرُوا عَيْشَهُمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، وَكَانُوا قَوْمًا أَهْلَ أَعْدَاسٍ وبصل وبقول وَفُومٍ فَقَالُوا: يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها وإنما قالوا على طعام واحد وَهُمْ يَأْكُلُونَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى لِأَنَّهُ لَا يَتَبَدَّلُ ولا يتغير كل يوم، فهو مأكل وَاحِدٍ: فَالْبُقُولُ وَالْقِثَّاءُ وَالْعَدَسُ وَالْبَصَلُ كُلُّهَا مَعْرُوفَةٌ، وَأَمَّا الْفُومُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَاهُ، فَوَقَعَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَثُومِهَا بِالثَّاءِ، وكذا فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْهُ، بِالثُّومِ. وَكَذَا الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَارَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: وَفُومِها قَالَ: قال ابن عباس: الثوم. قال: وَفِي اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ: فَوِّمُوا لَنَا بِمَعْنَى اخْتَبِزُوا. قال ابْنُ جَرِيرٍ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا، فَإِنَّهُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُبْدَلَةِ كَقَوْلِهِمْ: وَقَعُوا فِي عَاثُورِ شَرٍّ وَعَافُورِ شَرٍّ، وَأَثَافِيُّ وَأَثَاثِيُّ، وَمَغَافِيرُ وَمَغَاثِيرُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا تُقْلَبُ الْفَاءُ ثَاءً وَالثَّاءُ فَاءً لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْفُومُ الْحِنْطَةُ، وَهُوَ الْبُرُّ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْهُ الْخُبْزُ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عبدالْأَعْلَى قِرَاءَةً، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قِرَاءَةً حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ: سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: وَفُومِها مَا فُومُهَا؟ قَالَ: الْحِنْطَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ، وَهُوَ يقول:
قَدْ كُنْتُ أَغْنَى النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حدثنا علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجهني، حدثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بْنِ كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تعالى: وَفُومِها قال: الفوم الحنطة بِلِسَانِ بَنِي هَاشِمٍ، وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَالضَّحَّاكُ وَعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْفُومَ الْحِنْطَةُ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَفُومِها قَالَا: وخبزها، وقال هشيم عن يونس عن الحسين وَحُصَيْنٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَفُومِها قَالَ: الْحِنْطَةُ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وعبدالرحمن بن يزيد بن أسلم وغيرهم، فالله أَعْلَمُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْفُومُ: الْحِنْطَةُ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْفُومُ: السُّنْبُلَةُ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عَطَاءٍ وَقَتَادَةَ: أَنَّ الْفُومَ كُلُّ حَبٍّ يُخْتَبَزُ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْحِمَّصُ، لُغَةٌ شَامِيَّةٌ، وَمِنْهُ يقال لبائعه: فامي، مغير عن فومي، قال الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ.
الشيخ: الأمر واسع في هذا سواء قيل أنه الثوم أو أنه الحنطة أو أنه جميع الحبوب التي تخبز فهم ملوا الأكل من السمانى ومن المن وطلبوا طعامهم السابق ما كانوا عليه سابقًا فهم طلبوا الأدنى، وهذا من نقض البصيرة. ولهذا قال تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61] يعني تعتاضون هذ الشيء الأدنى بما هو خير لكم وأفضل وأنفع لكم من المن والسلوى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ فِيهِ تَقْرِيعٌ لَهُمْ وَتَوْبِيخٌ عَلَى مَا سَأَلُوا مِنْ هَذِهِ الْأَطْعِمَةِ الدنيئة مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ الرَّغِيدِ والطعام الهنيء الطيب النافع، وقوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً هَكَذَا هُوَ مُنَوَّنٌ مَصْرُوفٌ، مَكْتُوبٌ بِالْأَلْفِ فِي الْمَصَاحِفِ الْأَئِمَّةِ الْعُثْمَانِيَّةِ وَهُوَ قِرَاءَةُ الجمهور بالصرف.
الشيخ: نعم، يعني مصر من الأمصار دمشق أو القاهرة التي سميت مصر المعروفة أو أي بلد فيها حضارة تجد فيها مطلبهم هذا ميسر، وأما مصر بغير مصرف فهي البلاد المعروفة، والمراد هنا يعني أي مصر من الأمصار تجدون هذه الأشياء التي أنتم تطلبونها.
وقال ابْنُ جَرِيرٍ: وَلَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْمَصَاحِفِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ اهْبِطُوا مِصْراً قال: مصر مِنَ الْأَمْصَارِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ سَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَعَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كعب وابن مسعود اهْبِطُوا مِصْراً مِنْ غَيْرِ إِجْرَاءٍ، يَعْنِي مِنْ غَيْرِ صَرْفٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُمَا فَسَّرَا ذَلِكَ بِمِصْرِ فِرْعَوْنَ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ والربيع وَعَنِ الْأَعْمَشِ أَيْضًا
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: مِصْرَ فِرْعَوْنَ عَلَى قِرَاءَةِ الْإِجْرَاءِ أَيْضًا. وَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاتِّبَاعِ لِكِتَابَةِ الْمُصْحَفِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَوارِيرَا ۝ قَوارِيرَ [الْإِنْسَانِ:15، 16] ثُمَّ تَوَقَّفَ فِي الْمُرَادِ مَا هُوَ أَمِصْرُ فِرْعَوْنَ أَمْ مِصْرٌ مِنَ الْأَمْصَارِ؟ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ: مِصْرٌ مِنَ الْأَمْصَارِ كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ لَهُمْ: هَذَا الَّذِي سَأَلْتُمْ لَيْسَ بِأَمْرٍ عَزِيزٍ بَلْ هُوَ كَثِيرٌ في أي بلد دخلتموها وَجَدْتُمُوهُ، فَلَيْسَ يُسَاوِي مَعَ دَنَاءَتِهِ وَكَثْرَتِهِ فِي الْأَمْصَارِ أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ فِيهِ. وَلِهَذَا قَالَ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ أَيْ مَا طَلَبْتُمْ، وَلَمَّا كَانَ سُؤَالُهُمْ هَذَا مِنْ بَابِ الْبَطَرِ وَالْأَشَرِ وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ لَمْ يجابوا إليه والله أعلم.
قال تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61]
يَقُولُ تَعَالَى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أَيْ وضعت عليهم وألزموا بها شرعا وقدرا أَيْ لَا يَزَالُونَ مُسْتَذَلِّينَ، مَنْ وَجَدَهُمُ اسْتَذَلَّهُمْ وَأَهَانَهُمْ وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الصَّغَارَ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ في أنفسهم أذلاء مستكينون.
قال الضحاك، عن ابن عباس: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ القبالات يعني الْجِزْيَةِ.
وَقَالَ عبدالرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ قَالَ: يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وقال الضحاك: وضربت عليه الذِّلَّةُ، قَالَ: الذُّلُّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَذَلَّهُمُ اللَّهُ فلا منعة لهم، وجعلهم تَحْتَ أَقْدَامِ الْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ أَدْرَكَتْهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَإِنَّ الْمَجُوسَ لَتَجْبِيهِمُ الْجِزْيَةَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالسُّدِّيُّ: الْمَسْكَنَةُ الْفَاقَةُ، وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: الْخَرَاجُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْجِزْيَةُ،
الشيخ: والمسكنة يعني الفقر أيضاً ذلتهم مع فقر لأنهم وإن كانت عندهم أموالهم فهم أفقر الناس قلوبًا وأكثرهم شرهًا وطمعًا في المال فهم فقراء القلوب وإن وجدوا الأموال، ولهذا قال في الحديث الصحيح: "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" فاليهود أفقر الناس قلوبًا وأحرصهم على المال فهم مع ذلك أذلاء أينما كانوا في بلد في دولة فهم مستذلون وهم الآن في فلسطين في ذلة وهوان ومعذبون وإنما تجمعوا بسبب إمداد أمريكا لهم.
.........  
وَقَوْلُهُ تعالى: وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ قَالَ الضَّحَّاكُ: اسْتَحَقُّوا الْغَضَبَ مِنَ اللَّهِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: فَحَدَثَ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جبير: وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ يَقُولُ: اسْتَوْجَبُوا سُخْطًا، وَقَالَ ابن جرير: يعني بقوله: وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ انْصَرَفُوا وَرَجَعُوا، وَلَا يُقَالُ: باء إِلَّا مَوْصُولًا إِمَّا بِخَيْرٍ وَإِمَّا بِشَرٍّ يُقَالُ مِنْهُ: بَاءَ فُلَانٌ بِذَنْبِهِ يَبُوءُ بِهِ بَوْءًا وَبَوَاءً، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [الْمَائِدَةِ:29] يَعْنِي تَنْصَرِفُ مُتَحَمِّلَهُمَا وَتَرْجِعُ بِهِمَا قَدْ صَارَا عَلَيْكَ دُونِي. فَمَعْنَى الكلام: إذا رجعوا مُنْصَرِفِينَ مُتَحَمِّلِينَ غَضَبَ اللَّهِ قَدْ صَارَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ غَضَبٌ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ سُخْطٌ.