02 من حديث: (إن الحلال بيِّنٌ وإن الحرام بيِّنٌ)

الحديث السادس

عن أبي عبدالله النعمان بن بشيرٍ - رضي الله عنهما - قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ الحلال بيِّنٌ، وإنَّ الحرام بيِّنٌ، وبينهما أمور مُشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، فمَن اتَّقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يُوشك أن يرتع فيه، ألا وإنَّ لكل ملكٍ حمى، ألا وإنَّ حمى الله محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب. رواه البخاري ومسلم.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.

يقول المؤلفُ - رحمه الله -: الحديث السادس، حديث أبي عبدالله النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري : أنه سمع النبي يقول: إنَّ الحلال بيِّن فيه كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وإنَّ الحرام بيِّن، وبينهما مُشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، فمَن اتَّقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يُوشك أن يرتع فيه، ألا وإنَّ لكل ملكٍ حمى، ألا وإنَّ حمى الله محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب.

هذا حديث عظيم جليل، له معانٍ عظيمة، حتى جعله بعضُ أهل العلم ربع الدين فقالوا:

عمدة الدِّين عندنا كلمات أربع من كلام خير البرية

اتَّقِ الشُّبهات – بدأ به.

اتَّقِ الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنيةٍ

فهو حديث عظيم، يقول ﷺ: إنَّ الحلال بيِّن، وإنَّ الحرام بيِّن قد بيَّنه الله، بيَّن الحلال، وبيَّن الحرام، ما أحلَّ الله لنا، وما حرَّم علينا، وما أوجب علينا، وما سمح لنا فيه وأباحه لنا لمن تدبر القرآن والسنة، مَن تدبر عرف ذلك، وبينهما مُشتبهات تخفى على بعض الناس؛ ولهذا قال: لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، لكن يعلمهنَّ الراسخون في العلم، قد تشتبه على بعض الناس، فمَن اتَّقى الشُّبهات استبرأ لدينه وعرضه، يعني: إذا اشتبه عليه شيء توقف حتى يظهر له الحق، ما يقدم على غير بصيرةٍ، إذا اشتبه عليه أمرٌ نظر في الأدلة حتى يتضح له الحكم، ولا يقول بغير علمٍ، هذا هو الاستبراء للدين والعرض.

ومَن وقع في الشُّبهات اشتبه عليه، لا يُبالي، هذا يقع في الحرام لأجل تساهله، والواجب التَّثبت حتى يتضح الحكم، كالراعي يرعى حول الحمى مثل: الذي معه غنم أو إبل يرعى حول الزروع - زروع الناس - هذا يُوشك أن تقع رعيته في الحمى، إذا نعس أو غفل وقعت في الحمى وأكلت زروع الناس، لكن إذا كان بعيدًا لو يغفل أو ينام أمكنه أن ينتبه، ما وصلت زروع الناس: كالراعي يرعى حول الحمى، يُوشك أن يقع فيه يعني: يقرب أن يقع فيه.

فالواجب على المؤمن أن يتَّقي الشبهات، وأن يحذر ويتبصر، وإذا أشكل عليه شيء لا يعجل حتى يسأل أهل العلم، أو ينظر الأدلة.

ألا وإنَّ لكل ملك حمى، الملوك يضعون حمى، قد يكون جائزًا، وقد يكون ممنوعًا، والحمى الجائز: الحمى للمسلمين؛ إبل الجهاد، إبل الصدقة، كما فعله النبيُّ ﷺ، أما حمى يضر الناس لا يجوز.

ألا وإنَّ حمى الله محارمه حمى الله في هذه الدنيا: محارمه، يجب الحذر منها: كالزنا والسرقة والربا وغير هذا مما حرَّم الله، هذه محارم الله، فكما أن الملوك لا يرضون أن يُنتهك حماهم، فهكذا الربّ وهو أعلى وأجلّ لا يرضى أن يُنتهك حماه، وهي المعاصي، يجب اجتنابها والحذر منها.

ثم بيَّن ﷺ أنَّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب، هذا القلب المضغة هذه متى صلحت واستقامت على خوف الله والإخلاص لله ومحبَّة الله استقامت الجوارح، وأدَّى العبدُ فرائضَ الله، واتَّقى محارم الله، ومتى خبث قلبه تساهل وركب المعاصي، وربما وقع في الشرك لعدم مبالاته.

فهذا القلب هو أساس الصلاح، متى عمره الله بالتَّقوى والإخلاص استقام الإنسانُ، ومتى كان القلبُ خبيثًا معمورًا بالشرك والمعاصي انقاد للشرِّ؛ ولهذا قال: ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب، هذا القلب هو أساس الصلاح والفساد.

فالواجب عليك يا عبدالله أن تعتني بقلبك، تسأل ربَّك التوفيق، قل: يا مُقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك. كان من دعاء النبي ﷺ: يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، وهو أفضل الخلق يدعو بهذا الدعاء: اللهم يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، ويا مُصرف القلوب صرِّف قلبي على طاعتك، يسأل ربَّه التوفيق والثَّبات على الدين، هذا القلب يتقلب، فيسأل ربَّه يقول: اللهم ثبِّت قلبي على دينك، اللهم صرِّف قلبي على طاعتك، يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، ويا مُصرف القلوب صرِّف قلبي على طاعتك، في سجوده، وفي آخر التحيات، وفي أوقاتٍ أخرى يجتهد في طلب صلاح القلب. وفَّق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه.