05 من قوله: (ولا فرق بين التحديث والإخبار من حيث اللغة)

ولا فرقَ بينَ التَّحديثِ، والإِخبارِ مِن حيثُ اللُّغةُ، وفي ادِّعاءِ الفرقِ بينَهما تكلُّفٌ شديدٌ.

الشيخ: وهذا الصواب، الحديث، والإنباء، والإخبار، الصواب من حيث اللغة شيء واحد، خبرني فلان، حدثني فلان، أنبأني فلان من حيث اللغة شيء واحد. 

لكنْ لمَّا تقرَّر الاصطلاحُ صارَ ذلك حقيقةً عُرفيَّةً، فتُقَدَّمُ على الحقيقةِ اللُّغويةِ، معَ أَنَّ هذا الاصطلاحَ إِنَّما شاعَ عندَ المَشارِقَةِ، ومَن تَبِعَهُم، وأَمَّا غالِبُ المَغارِبَةِ؛ فلمْ يستَعْمِلوا هذا الاصطِلاحَ، بل الإِخبارُ، والتَّحديثُ عندَهُم بمعنىً واحد.

الشيخ: وهذا هو الأصل أنهما واحد إلا إذا اصطلح قوم فلا بأس، إذا اصطلح قوم قالوا: حدثنا بمعنى استمع، وإذا قالوا أخبرنا، أو أنبأنا فمعناه إجازة فلهم اصطلاحهم.

فإِنْ جَمَعَ الرَّاوي؛ أي: أَتى بصيغةِ الجَمْعِ في الصِّيغةِ الأولى؛ كأَنْ يقولَ: حدَّثَنا فلانٌ، أَو: سَمِعْنا فلانًا يقولُ، فهُو دليلٌ على أَنَّه سَمِعَ منهُ مَعَ غَيْرِهِ، وقد تكونُ النُّونُ للعظمةِ لكنْ بقلَّةٍ.

الشيخ: وقد تكون للعظمة لكن بقلة، وإن كان المقصد الزيارة لا التفاخر، ولكن قد يتسامح في العبارة فيقول حدثنا، أخبرنا، وهما واحد.

وأوَّلُها أَي: صيغُ المراتِبِ: أَصْرَحُها؛ أَي: أَصرحُ صِيغِ الأَداءِ في سماعِ قائلِها؛ لأنَّها لا تحتَمِلُ الواسِطةَ، ولأنَّ «حدَّثني» قد يُطْلَقُ في الإِجازةِ تدليسًا.

وأَرْفَعُها مِقدارًا ما يقعُ في الإِمْلاءِ لما فيهِ مِن التثبُّتِ، والتحفُّظِ.

الشيخ: يقول المؤلف - رحمه الله -: أرفعها الصيغ في الرواية حدثني، وسمعت؛ لأنها ما فيها تجوز ولا احتمال، فهي أرفع الروايات يقول حدثني فلان، أو سمعت فلانًا.

والثَّالِثُ: وهو أَخبَرَني.

والرَّابِعُ: وهو قرأْتُ لِمَنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ على الشَّيخِ.

فإِنْ جَمَعَ كأَنْ يقولَ: أَخْبَرَنا، أَو قَرَأْنا عليهِ؛ فهو كالخامِسِ، وهو: قُرىءَ عليهِ، وأَنا أَسمعُ.

الشيخ: ثم أخبرني، وقرأت عليه؛ لأنها صريحة في السماع، قد يقال أخبرنا، وقرأنا إذا كان معه غيره، أو تسامح، وتجوز.

وعُرِفَ مِن هذا أَنَّ التَّعبيرَ بـ «قرأتُ» لمَن قرأَ خيرٌ مِن التَّعبيرِ بالإِخبارِ؛ لأنَّهُ أَفصحُ بصورةِ الحالِ.

الشيخ: «قرأت» قد يحصل فيه تجوز، ولهذا «أخبرني» متقاربة في المعنى، و«قرأت عليه»، أو «أخبرني» متقاربان، وقد يقال «أخبرني» أوضح، ولكن في الغالب أنه إذا قال: «قرأت عليه» فهو قرأ عليه قراءة يسمعها، ويسمع كلامه؛ لأنه ما هناك شيء يوهم، فإذا قال: «قرأت عليه» معناه قرأ عليه شيء يسمعه إياه، ويسمع كلامه عليه، فهو صريح في أنه سمع مثل ما قال الراوي: حدثني، وسمعت، لكن حدثني أصرح، والمعنى متقارب.

تنبيهٌ: القراءةُ على الشَّيخِ أَحدُ وجوهِ التحمُّلِ عندَ الجُمهورِ.

وأَبعدَ مَن أَبى ذلك مِن أَهلِ العِراقِ، وقد اشتدَّ إِنكارُ الإِمامِ مالكٍ وغيرِهِ مِن المدنيِّينَ عليهِم في ذلك، حتَّى بالغَ بعضُهُم فرجَّحَها على السَّماعِ مِن لفظِ الشَّيخِ.

وذهَبَ جمعٌ جمٌّ - منهُم البُخاريُّ، وحكاهُ في أَوائلِ «صحيحِهِ» عن جماعةٍ مِن الأئمَّةِ - إِلى أَنَّ السَّماعَ مِن لفظِ الشَّيخِ، والقراءَةَ عليهِ يعني في الصِّحَّةِ، والقُوَّةِ سواءً، واللهُ أَعلمُ.

الشيخ: وكل هذا متقارب، من أنكر كون القراءة تقتضي السماع فقد أبعد النجعة، فالأصل أنها تقتضي السماع، ولهذا ذكر البخاري وجماعة أنها من جنس سمعت، سمعنا. فحدثني، وسمعت، وأخبرني، وقرأت، كلها متقاربة في أنه سمع منه، وليس هناك شك في سماعه منه.

والكلام هذا فيمن كان ثقة يعتمد عليه إذا قال أخبرني، وحدثني، أما الضعفاء والكذابون فغير داخلين في هذا، فالكلام في الثقات والمعروفون بالعدالة.

والإِنْباءُ من حيثُ اللُّغةُ، واصطلاحُ المتقدِّمينَ بمعْنَى الإِخْبارِ؛ إِلاَّ في عُرْفِ المُتَأَخِّرينَ؛ فهُو للإِجازَةِ؛ كـ «عن»؛ لأنَّها في عُرفِ المتأَخِّرينَ للإِجازةِ.

الشيخ: وهكذا الإنباء بمعنى الإخبار عند المتقدمين فهو من جنس أخبرني، وإذا كان للاحتمال صار بعده، وإلا فهو من جنس أخبرني، أنبأني بكذا من أجنس أخبرني عند المتقدمين لأن أنبأ أخبر، وهكذا قرئ عليه، وأنا أسمع من جنس أخبرني من جنس قرأت عليه إلا أنها دونها قليلًا لقوله قرئ عليه وأنا أسمع، ما قال قرأت عليه أنا، والمعنى متقارب في السماع.

وعَنْعَنَةُ المُعاصِرِ مَحْمولَةٌ عَلى السَّماعِ؛ بخلافِ غيرِ المُعاصِرِ؛ فإِنَّها تكونُ مُرسَلةً، أو مُنقطِعَةً، فشرْطُ حمْلِها على السَّماعِ ثُبوتُ المُعاصرةِ؛ إِلاَّ مِنْ مُدَلِّسٍ؛ فإِنَّها ليستْ محمولةً على السَّماعِ.

الشيخ: عنعنة المعاصر محمولة على السماع، فإذا قال: عن فلان محمولة على السماع، لأن الثقة، والثقة مفروغ فيه أنه إذا قال عن فلان أنه لا واسطة إلا المدلس، إذا كان مدلسًا فلا بدّ من التصريح إلا أن يوجد ما يدل على سماعه، فإذا روى المعاصر عن معاصره كان محمولًا على السماع كما أثبت ذلك الإمام مسلم - رحمه الله -، فإذا قال المعاصر عمن هو في عصره عن فلان قال زيد عن عمرو عن فلان كذا وكذا، فهو محمول على السماع كما يقول الزهري عن أنس، الزهري عن سعيد بن المسيب عن فلان فهذا محمول على السماع؛ لأنه عاصره مثلًا، وإلا فقد سمع منه، سمع من سعيد لكن المقصود إذا كان إنسانًا معاصرًا لإنسان معروف أنه في عصره، ولكن لم يأت بالروايات قال سمعت، ولا حدثني فهو محمول على السماع إلا عند البخاري وجماعة فيقولون لا بدّ من تأكد اللقي، وأن يصرح في بعض الروايات أنه لقيه وسمع منه، فتحمل بقية الروايات على هذا، فإن لم يصرح فلا يحمل على السماع بل هو منقطع حتى يصرح بالسماع كما يأتي.

س: .....؟

الشيخ: البخاري يرى أنه لا بدّ من اللقي.

س: التدليس؟

الشيخ: التدليس الذي يروي عن فلان، وهو لم يسمع منه، لم يلقه، هذا التدليس.

س: ... أو زهير عن جابر، أو حميد عن أنس في الصحيحين؟

الشيخ: محمول على السماع، ما في الصحيحين محمول على السماع، كله على السماع.

 وقيلَ: يُشْتَرَطُ في حملِ عنعَنَةِ المُعاصرِ على السَّماعِ ثُبوتُ لِقائِهِمَا أَيْ: الشيخِ، والرَّاوي عنهُ ولَوْ مَرَّةً واحدةً ليَحْصُلَ الأمنُ في باقي العنعَنَةِ عن كونِهِ مِن المُرسلِ الخفيِّ، وهُو المُخْتارُ؛ تبعًا لعليِّ بنِ المَدينيِّ، والبُخاريِّ، وغيرِهما مِن النُّقَّادِ.

الشيخ: اختار هذا جماعة منهم البخاري، وأبو الحسن علي بن المديني، وجماعة قالوا لا بدّ من اللقي، ولو مرة تصرح بالسماع حتى تطمئن النفوس، ويعلم أنه لقيه، ولو كان معاصرًا، ولو كان في بلده حتى يصرح في بعض مروياته قال: سمعت، وحدثني، فتطمئن القلوب بروايته. وهذا القول قول جيد لكن كونه شرطًا فهو محل نظر؛ لأن المفروض في الثقة إذا قال عن فلان، المفروض في الثقة أنه قاله عن سماعه، هذا المفروض ما دام الحديث عن الثقات والأئمة، فلا يظن بهم التدليس إلا بدليل.

س: عنعنة غير الثقة لا تقبل؟

الشيخ: لا تقبل، غير الثقة ما يقبل مطلقًا عنعن، وإلا ما عنعن، وإلا صرح.

س: عنعنة المدلس إذا كان تحصل لقية، وكان ثقة؟

الشيخ: ما ينفع، إذا كان ما هو معاصر ما يحمل على السماع، بخلاف المعاصر الذي هو في زمانه، وفي مثلًا قريته، أو في بلده في مدينته، أو نحو ذلك، أما الذي ما عاصره، ولد بعده فهذا منقطع.

س: .....؟

الشيخ: إذا صرح أني ما لقيته، يصير منقطعًا.

س: .....؟

ج: عند الناس إذا صرحوا أنه ما لقي فلان يصير منقطعًا، إلا إذا نوى عنه واسطة ... إذا ما صرح، روى عن معاصر، ولم يصرح أنه لقيه، أو ما لقيه، أما إذا صرح قال: لقيته انتهت المشكلة، أو قال: ما لقيته انتهت المشكلة، الخلاف في إذا ما لم يصرح بشيء هل يحمل على السماع، أم لا؟

س: إذن في خلاف بين مسلم، والبخاري؟

ج: نعم.

وأَطْلَقُوا المُشافَهَةَ في الإِجازَةِ المُتَلَفَّظِ بِها تجوُّزًا.

وَكذا المُكاتَبَةَ في الإِجازَةِ المَكْتُوبِ بِها، وهُو موجودٌ في عِبارةِ كثيرٍ مِن المُتأَخِّرينَ.

الشيخ: تطلق شافهني، أو كتب إليَّ في الإجازة، شافهه في الإجازة قال: ارو عني كذا، أو كتب إليه: تروي عني هذا إجازة، قال: كتب إليَّ تروي عني صحيح البخاري، تروي عني صحيح مسلم، أو شافهه بذلك قال: ارو عني كذا، هذه إجازة.

وأَطْلَقُوا المُشافَهَةَ في الإِجازَةِ المُتَلَفَّظِ بِها تجوُّزًا.

وَكذا المُكاتَبَةَ في الإِجازَةِ المَكْتُوبِ بِها، وهُو موجودٌ في عِبارةِ كثيرٍ مِن المُتأَخِّرينَ؛ بخلافِ المُتقدِّمينَ، فإِنَّهُم إِنَّما يُطلِقونَها فيما كتَبَ بهِ الشَّيخُ مِن الحديثِ إِلى الطَّالبِ، سواءٌ أَذِنَ لهُ في رِوايتِه أَم لا، لا فيما إذا كتَبَ إِليهِ بالإِجازةِ فقطْ.

الشيخ: وهذا واضح، فإن المتأخرين إذا قالوا شافهته بالرواية عني، أو كاتبته فهذا معناه الإجازة، أما في المتقدمين شافهته بكذا، يعني كتب إليه الحديث، وناوله إياه ... لكنها اصطلاح فقط، والمقصود من هذا كله أنه ينبغي أن يعرف اصطلاح القوم فيما يعبرون عنه بالكتابة، والإجازة، سواء كان من عادته الإجازة بالمشافهة، أو بالمكاتبة، معناه أنه أجاز أن يروي عنه من غير أن يسمعه الحديث، وأما مثل المتقدمين قالوا شافهته، وكتبت إليه يعني أخبرته به، وحدثته به كتابة، أو مشافهة.

واشْتَرَطُوا في صِحَّةِ الرِّوايةِ بالمُناوَلَةِ اقْتِرانَها بالإِذْنِ بالرِّوايةِ، وهِيَ إذا حَصَلَ هذا الشَّرطُ أَرْفَعُ أَنْواعِ الإِجازَةِ؛ لما فيها مِن التَّعيينِ، والتَّشخيصِ.

وصورَتُها: أَنْ يَدْفَعَ الشَّيخُ أَصلَهُ، أو ما قامَ مَقامَهُ للطَّالِبِ، أو يُحْضِرَ الطَّالِبُ الأَصْلَ للشَّيخِ، ويقولَ لهُ في الصُّورتينِ: هذا رِوايَتي عنْ فلانٍ فارْوِهِ عنِّي.

الشيخ: هذه أنواع الإجازة المناولة، وهي أن يناول الأستاذ التلميذ كتابه، أو التلميذ يقدمه إلى شيخه ويقول: هذا الكتاب الفلاني اسمح لي أن أروه عنك، أو الأستاذ يعطيه التلميذ ويقول: اروه عني، ... مثل البخاري يسلم الصحيح لزيد، ويقول: اروه عني، ومثل أبو داود يسلم السنن لفلان، ويقول: اروه عني، هذه إجازة بالمناولة، ولا بأس أن يقول: حدثني أبو داود، حدثني البخاري، وهكذا لو فعل من دون البخاري كالبغوي، وكالخطابي، وغيرهم.

وشَرْطُهُ أَيضًا: أَنْ يُمَكِّنَهُ منهُ؛ إِمَّا بالتَّمليكِ، وإِمَّا بالعاريَّةِ، لِيَنْقُلَ منهُ، ويُقابِلَ عليهِ، وإِلاَّ إِنْ ناوَلَهُ واستردَّ في الحالِ فلا تُتَبَيَّنُ أَرفعيَّتُهُ، لكنَّ لها زيادةَ مَزيَّةٍ على الإِجازةِ المعيَّنَةِ، وهيَ أَنْ يُجيزَهُ الشَّيخُ بروايةِ كتابٍ معيَّنٍ، ويُعَيِّنَ لهُ كيفيَّةَ روايتِهِ لهُ.

الشيخ: شيخه يمكنه من الكتاب حتى يستطيع أن ينقل منه، أو يحفظه، أما إذا أجازه ولم يعطه الكتاب ليس لها فائدة الإجازة؛ لأنه قد لا يكون حافظًا له، قد لا يكون عنده استحضار له، وشرطه أن يعطيه الكتاب ويمكنه أن يحفظه أو ينقل منه، لا بدّ من هذا حتى يتمكن من الرواية.

وإِلاَّ إِنْ ناوَلَهُ، واستردَّ في الحالِ فلا تُتَبَيَّنُ أَرفعيَّتُهُ، لكنَّ لها زيادةَ مَزيَّةٍ على الإِجازةِ المعيَّنَةِ، وهيَ أَنْ يُجيزَهُ الشَّيخُ بروايةِ كتابٍ معيَّنٍ، ويُعَيِّنَ لهُ كيفيَّةَ روايتِهِ لهُ.

الشيخ: لكن هذا الذي أعطاه إياه، ثم استرده منه أرفع من كونه يقول: ارو عني الكتاب الفلاني، ويعين أن روايته عن فلان سماعًا، أو بالإجازة، ولكن هذه الصفة التي ذكرها المؤلف في كونه شرطه أن يأخذه في الحال شبيهة بقوله: ارو عني الكتاب الفلاني؛ لأنه إذا أعطاه إياه، ولم يتمكن من مراجعته، وجودها كعدمها في المعنى.

س: .....؟

الشيخ: إذا كان ثبت عنه يبين أنه إجازة ما سمعه منه، إذا كان ثابت أنه بخطه يقول: هذا كتاب فلان.

س: يعني سواء كان أن يقول حدثني مناولة، أو يقول حدثني؟

ج: السند، لابد أن يكون السند فيه، السند في أول الكتاب، أو في آخر الكتاب، ثم يبن له مناولة.

وإِذا خَلَتِ المُناولَةُ عن الإِذنِ، لم يُعْتَبَرْ بها عندَ الجُمهورِ.

الشيخ: يعني أعطاه، ولم يأذن له، ما قال له: اروه عني؛ لأنه قد يعطيه إياه، ولا يسمح له في الرواية؛ لأنه ليس أهلا للرواية لا بدّ من إذن، بعض الناس مغفل ما يصح أن يأذن له في الإذن، لا يستفيد، ولا يروي، لا بدّ من إذن؛ لأن ما كل إنسان يصلح أن يروي قد يكون عنده ... ما يقوى على الرواية، ولا يعتمد عليه في الرواية.

س: إذا أعطاه، ثم استرده في الحال يعتبر رجوع؟

الشيخ: يشبه الرجوع لكنه ما هو برجوع لكن يشبه الرجوع؛ لأنه قال: ارو عني، لكن ما أعطاه يتمكن منه، وقد يكون التلميذ حاول قبل، وقد يكون عنده حفظًا للكتاب سابقًا، قد.

فالحاصل أنها إجازة، لكن كونه يعطيه إياه، ويبقى عنده حتى يتمكن من مراجعته أكمل، لكن قد يكون التلميذ عنده ...

وجَنَحَ مَنِ اعْتَبَرَها إِلى أَنَّ مُناولَتَهُ إِيَّاهُ تقومُ مقامَ إرسالِهِ إليهِ بالكتابِ مِن بلدٍ إِلى بلدٍ.

الشيخ: إذا أرسله إليه بالكتاب متحقق، وكتب إليه أن ترويه عني فهو مثل لو شافهه، إذا كانت الكتابة يتيقن من كتابته، أو بالهاتف مثل الآن، اوره عني هذا مثل لو شافهه، وهو جالس معه ...

وقد ذهَبَ إِلى صحَّةِ الرِّوايةِ بالمُكاتبةِ المُجرَّدةِ جماعةٌ مِن الأئمَّةِ، ولو لم يقتَرِنْ ذلك بالإِذنِ بالرِّوايةِ.

الشيخ: وهذا موجود في الأئمة في البخاري، وغيره كتب إلي فلان هذا معروف، إذا تحققت الكتابة كتب إلي فلان أنه روى الحديث عن فلان، كتب إلي فلان أنه سمع فلانًا يقول كذا، لا بأس.

كأَنَّهُم اكْتَفَوْا في ذلك بالقرينةِ.

ولمْ يَظْهَرْ لي فرقٌ قويٌّ بينَ مُناولةِ الشَّيخِ الكِتابَ مِن يدهِ للطَّالبِ، وبينَ إِرسالِهِ إِليهِ بالكتابِ مِن موضعٍ إِلى آخَرَ، إِذا خَلا كلٌّ منهُما عن الإِذنِ.

وكَذا اشْتَرَطُوا الإِذْنَ في الوِجَادَةِ، وهي: أَنْ يَجِدَ بخطٍّ يعرِفُ كاتِبَهُ، فيقولُ: وجَدْتُ بخطِّ فلانٍ، ولا يسوغُ فيهِ إِطلاقُ: أَخْبَرَني؛ بمجرَّدِ ذلك، إِلاَّ إِنْ كانَ لهُ منهُ إِذنٌ بالرِّوايةِ عنهُ.

وأَطلقَ قومٌ ذلك فغَلِطوا.

الشيخ: ولا شك أن هذا غلط، إذا وجد كتابًا له يعلم أنه كتابه ليس له أن يقول: حدثني، يقول: وجدت في كتابه حتى يعلم أنه كتابه، لكن لا يقول سمعته، أو حدثني، أو أخبرني، ثم يسكت لا، لابدّ يقول: وجدته في كتابه حتى يأذن له بالرواية.

س: هل يسقط هذا روايته؟

الشيخ: يكون هذا من باب التدليس.

وَكذا الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ، وهي أَنْ يُوصِيَ عندَ موتِه، أو سفرِهِ لشخْصٍ معيَّنٍ بأَصلِه، أو بأُصولِهِ؛ فقد قالَ قومٌ مِن الأئمَّةِ المتقدِّمينَ: يجوزُ لهُ أَنْ يروِيَ تلكَ الأصولَ عنهُ بمجرَّدِ الوصيَّةِ، وأَبى ذلك الجُمهورُ؛ إِلاَّ إِنْ كانَ لهُ منهُ إِجازةٌ.

الشيخ: وهذا صحيح إذا أوصى له بكتاب، أو كتب لا يلزم أنه يرويه عنه، يقول: وجدت، أو أوصى إليّ بالكتاب هذا، أو بالكتابين، أو بالثلاثة، وأنها كتبه، وأنها من تأليفه، ولكن قد لا يكون أهلًا للرواية إذا لم يأذن له يقول: اروها عني.

س: يلزمه اشتراط الإذن؟

الشيخ: الإذن رواية.

س: يلزم؟

الشيخ: نعم، لابد، لكن يقول: وجدت في كتابه، كتب إليّ كذا، أرسل إلي كتابه، وجدته بخط يده كما هو موجود في كتب العلماء.

س: .....؟

وَكذا شَرَطوا الإِذْنَ بالرِّوايةِ في الإِعْلامِ، وهُو أَنْ يُعْلِمَ الشَّيخُ أَحدَ الطَّلبةِ بأَنَّني أَروي الكِتابَ الفُلانيَّ عن فُلانٍ، فإِنْ كانَ لهُ منهُ إِجازةٌ اعْتبرَ، وإِلاَّ فلا عِبْرَةَ بذلك؛ كالإِجَازَةِ العَامَّةِ في المُجازِ لهُ، لا في المُجازِ بهِ، كأَنْ يقولَ: أَجَزْتُ لجَميعِ المُسلمينَ، أَو: لمَنْ أَدْرَكَ حَياتِي، أَو: لأَهْلِ الإِقليمِ الفُلانيِّ، أَو: لأهْلِ البَلدةِ الفُلانيَّةِ.

وهُو أَقربُ إِلى الصِّحَّةِ؛ لقُرْبِ الانحصارِ.

الشيخ: وهذه إجازة عامة كل واحد يروي عنه أن هذا كتابه، وأنه أجاز أن يروى عنه هذا الكتاب، وأنه من روايته عن فلان، وهو يخبر عما أذن فيه، وعما ثبت عنه أنه هذا كتابه، ومؤلفه.

س: إذا كان في هذا البلد، من ليس أهلًا للرواية، يحدث؟

الشيخ: نعم؟

الطالب: إذا كان من أهل البلد الذين أجازوه أن يحدث، هل يحدث، يعني ليس؟

الشيخ: لا يجوز له، إذا كان ليس أهلًا لا يعتمد عليه إذا كان ضعيفًا، أو مغفلًا لا يعتمد عليه، ولو أجازه ...

س: هل يقاس على هذا مثل حقوق الطبع؟

الشيخ: هذا له معنى آخر.

س: في الطبراني أن الحسن روايته عن سمرة من كتاب أخذه من ابن سمرة، فهل نحمل هذا على قبول حديث الحسن؟

الشيخ: الله أعلم.

وَكذلك الإِجازةُ للمَجْهُولِ؛ كأَنْ يَكونَ مُبْهَمًا، أو مُهْملًا.

 

الشيخ: لا يعمل، المجهول كذلك لابدّ أن يكون المجاز معلومًا، وإلا فلا يصح أن يقول: أجازني، وهو ما أجازه، لكن يقول: إنه أجاز المسلمين، أو أجاز أهل البلد أن يرووا عنه، مثل ما تقدم، أما أن يقول أجازني، ويكذب ...

وَكذلك الإِجازةُ للمَعْدومِ؛ كأَنْ يَقولَ: أَجَزْتُ لِمَنْ سَيولَدُ لِفُلانٍ.

وقد قيل: إن عطفَهُ علَى مَوجودٍ صحَّ؛ كأَنْ يقولَ: أَجَزْتُ لكَ، ولِمَنْ سيُولَدُ لكَ، والأقرَبُ عدَمُ الصحَّةِ أَيضًا.

الشيخ: المقصود أن هذا يخبر أنه أجازه، وإلا ما تصير إجازة المعدوم ما ...، لكن يخبر أنه أجازه، وأن هذا كتابه على حسب حاله إن كان ثقة، وهو ثقة ... على حسب حاله، من باب الإخبار عن الواقع.

وكذلك الإِجازةُ لموجودٍ أو معدومٍ عُلِّقَتْ بشَرْطِ مشيئةِ الغيرِ؛ كأَنْ يقولَ: أَجَزْتُ لكَ إِنْ شاءَ فلانٌ، أَو: أَجزتُ لمَن شاءَ فُلانٌ، لا أَنْ يقولَ: أَجزْتُ لك إِنْ شئْتَ.

الشيخ: إذا علق المشيئة فلا بدّ من مشيئة الشخص، أجزأتك أن تروي كتابي عني بشرط أن يوافق فلان أبي، أو شيخي فلان، وإلا فلا تحل الإجازة لأنه علقها بشرط، وإلا فلا يرويها عنه.

س: لكن إن قال أجزأت لك إن شئتَ؟

الشيخ: هذه ما يخالف تحصيل حاصل.

وهذا على الأصَحِّ في جَميعِ ذلكَ.

وقد جَوَّزَ الرِّوايةَ بجَميعِ ذلك سِوى المَجْهولِ - ما لم يَتَبَيَّنِ المُرادُ منهُ - الخَطيبُ، وحَكاهُ عن جَماعةٍ مِن مشايخِهِ.

الشيخ: هذا مثل الإجازة العامة، إجازة المجهول مثل إجازة العامة، يخبر أنه أجاز أن يروى عنه هذا الكتاب؛ لأنه كتابه يستفيد الناس أن هذا كتابه، وأنه سمح بروايته عنه.

واستَعْمَلَ الإِجازةَ للمَعدومِ مِن القُدماءِ أَبو بكرِ بنُ أَبي دَاودَ، وأَبو عبداللهِ بنُ مَنْدَه.

واستَعْمَلَ المُعَلَّقةَ منهُم أَيضًا أَبو بكرِ بنُ أَبي خَيْثَمَة.

وروى بالإِجازةِ العامَّةِ جَمعٌ كَثيرٌ، جَمَعَهُم بعضُ الحُفَّاظِ في كِتابٍ، ورتَّبَهُم على حُروف المعجَمِ لكَثْرَتِهم.

وكلُّ ذلك - كما قالَ ابنُ الصَّلاحِ - توسُّعٌ غيرُ مَرْضِيٍّ؛ لأنَّ الإِجازةَ الخاصَّةَ المعيَّنَةَ مُخْتَلَفٌ في صحَّتِها اختِلافًا قويًّا عندَ القُدماءِ، وإِنْ كانَ العملُ استقرَّ على اعْتبارِها عندَ المتأَخِّرينَ، فهِيَ دونَ السَّماعِ بالاتِّفاقِ، فكيفَ إِذا حصَلَ فيها الاسترسالُ المَذكورُ! فإِنَّها تَزدادُ ضَعفًا، لكنَّها في الجُملةِ خيرٌ مِن إِيرادِ الحَديثِ مُعْضلًا، واللهُ أَعلمُ.

وإِلى هُنا انْتَهى الكلامُ في أَقسامِ صِيَغِ الأداءِ.

الشيخ: وهذا مثل ما تقدم، بعضهم توسع في الإجازة، ولكن الأمر في هذا سعة، وهو الإخبار عن حقيقة، وأما الإجازة المعتبرة فهي المتقدمة بإذنه يعطيه الكتاب، أو يقول أجزأتك أن ترويه عني كما تقدم. أما التوسع هذا من باب توسيع العلم، والسماح لهم بنقل العلم، وإلا فلا تعتبر إجازة لجميع الناس، أو لمن شاء، أو ما أشبه ذلك التوسط، ولكن تفيد أن هذا الكتاب كتابه، وأنه أذن في روايته لكن ما يقال أجازني؛ لأنه ما أجازه.

ثمَّ الرُّواةُ؛ إِنِ اتَّفَقَتْ أَسماؤهُمْ، وأَسْماءُ آبائِهِمْ فَصاعِدًا، واخْتَلَفَتْ أَشْخَاصُهُمْ، سواءٌ اتَّفَقَ في ذلك اثْنانِ مِنهُم أَمْ أَكثرُ، كذلك إِذا اتَّفَقَ اثْنانِ فصاعِدًا في الكُنيةِ، والنِّسبةِ؛ فهُو النَّوعُ الذي يُقالُ لهُ: المُتَّفِقُ، والمُفْتَرِقُ.

الشيخ: هذه مسألة مهمة، وهي ما إذا اتفق أسماء الرواة، وكناهم فهذا يسمى المفترق، والمختلف، يعني هم متفقون في الأسماء مختلفون متفقون في الحقائق، هذا عبدالله، هذا عبدالله، هذا زيد، وهذا زيد، وهذا زيد بن محمد، وهذا زيد بن محمد، لكن يعرفون بشيوخهم وتلاميذهم، فيكون عند المحدث بصيرة في هذا حتى لا تلتبس عليه الأمور، ويعرفهم بمشايخهم وبتلاميذهم، وقد يكون بعضهم له ألقاب تميزه.

وفائدةُ معرفَتِه: خَشْيَةُ أَنْ يُظَنَّ الشَّخصانِ شَخْصًا واحدًا.

وقد صنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتابًا حافِلًا.

وقد لخَّصْتُهُ، وزِدْتُ عليهِ أَشياءَ كثيرةً.

وهذا عَكسُ ما تقدَّمَ مِن النَّوعِ المسمَّى بالمُهْمَلِ؛ لأنَّهُ يُخْشى منهُ أَن يُظَنَّ الواحِدُ اثنَيْنِ، وهذا يُخْشى منهُ أَنْ يُظَنَّ الاثنانِ واحدًا.

الشيخ: نعم، وهذا يجب فيه العناية، فإنه إذا أهمل قد يلتبس على الناس فيظن الواحد اثنان، فينبغي للمحدث والراوي أن يعتني بصفات الرواة، وألقابهم، وشيوخهم، وتلاميذهم حتى لا تشتبه عليه الأمور؛ حتى لا يظن الاثنين واحدا، أو يظن الواحد اثنين؛ بسبب اتفاق الصفات.

وإِنِ اتَّفَقَتِ الأَسْماءُ خَطًّا، واخْتَلَفَتْ نُطْقًا سواءٌ كانَ مرجِعُ الاختلافِ النَّقْطَ أَم الشَّكْلَ؛ فهُو: المُؤتَلِفُ، والمُخْتَلِفُ.

ومعرِفَتُه مِن مهمَّاتِ هذا الفنِّ، حتَّى قالَ عليُّ بنُ المَدينيِّ: «أَشدُّ التَّصحيفِ ما يقعُ في الأسماءِ»، ووجَّهَهُ بعضُهم بأَنَّهُ شيءٌ لا يَدْخُلُهُ القياسُ، ولا قَبْلَهُ شيءٌ يدلُّ عليهِ، ولا بعدَه.

الشيخ: وهذا كذلك إذا اتفقت الأسماء والألقاب، ولكن اختلفت في النطق والشكل، فهذا مما يشتبه على الناس، فينبغي في مثل هذا العناية بأن تعرف هذه الأسماء بأشياء أخرى، فقد يكون لقب صورته واحدة، ولكن في حق واحد مفتوح، وفي آخر مضموم، وفي حق آخر مكسور، يختلف بحسب الشكل فيحتاج إلى تمييز من جهة الشيوخ، ومن جهة التلاميذ، ومن جهة العصر يكون ... بصيرة في حالهم.

وقد صنَّفَ فيهِ أَبو أَحمدَ العسكريُّ، لكنَّه أَضافَهُ إِلى كتابِ «التَّصحيفِ» له.

ثمَّ أَفرَدَهُ بالتَّأْليفِ عبدالغنيِّ بنُ سعيدٍ، فجمَعَ فيهِ كِتابينِ، كتابًا في «مُشتَبِهِ الأسماءِ»، وكتابًا في «مُشْتَبِهِ النِّسبةِ».

وجَمَعَ شيخُهُ الدَّارقطنيُّ في ذلك كتابًا حافِلًا.

ثمَّ جَمَعَ الخَطيبُ ذَيلًا.

ثمَّ جَمَعَ الجَميعَ أَبو نَصْرِ بنُ ماكُولا في كتابِه «الإِكمالِ».

واسْتَدْرَكَ عليهِم في كتابٍ آخَرَ جَمَعَ فيهِ أَوهامَهُمْ، وبيَّنَها.

وكتابُه مِن أَجمعِ ما جُمِعَ في ذلك، وهُو عُمدةُ كلِّ محدِّثٍ بعدَه.

وقد استَدْرَكَ عليهِ أَبو بكرِ بنُ نُقطَةَ ما فاتَه، أو تجدَّدَ بعدَه في مجلَّدٍ ضَخْمٍ.

ثمَّ ذَيَّلَ عليهِ منصورُ بنُ سَليمٍ -بفتحِ السَّينِ- في مجلَّدٍ لطيفٍ.

وكذلك أَبو حامدِ ابنُ الصَّابونيِّ.

وجَمَعَ الذهبيُّ في ذلكَ كِتابًا مُخْتَصرًا جِدًّا، اعتَمَدَ فيهِ على الضَّبْطِ بالقَلَمِ، فكَثُرَ فيهِ الغَلَطُ والتَّصحيفُ المُبايِنُ لموضوعِ الكِتابِ.

وقد يسَّرَ اللهُ تَعالى بتوضيحِهِ في كتابٍ سمَّيْتُهُ «تَبْصير المُنْتَبِه بتَحرير المُشْتَبِه».

الشيخ: وهذا كتاب مفيد جدًا؛ لأنه يوضح للناس أسماء الرواة وألقابهم التي تميزهم بالضبط ما هو بالشكل بضبط الحروف، بضم كذا، بنصب كذا حتى يتضح لقب هذا من هذا، ولقب هذا من هذا بضبط الحروف، بضم الأولى، بكسر الثانية، بضم الثالثة، بفتح الثالثة، أما الضبط بالنقط، أو الضبط بالشكل فهذا يتغير ويلتبس، وإنما الضبط بالحروف هو الذي يضبط هذه الأسماء.

وقد يسَّرَ اللهُ تَعالى بتوضيحِهِ في كتابٍ سمَّيْتُهُ «تَبْصير المُنْتَبِه بتَحرير المُشْتَبِه»؛ وهو مجلَّدٌ واحد، فَضَبَطتُهُ بالحُروفِ على الطَّريقةِ المَرْضِيَّةِ، وزدتُ عليهِ شيئًا كثيرًا ممَّا أَهْمَلَهُ، أو لَمْ يَقِفْ عليهِ، وللهِ الحمدُ على ذلك.

الشيخ: المؤلف له عناية بكتب الحديث - رحمه الله -، وما ألفوا في هذا كما ذكر الخطيب، والدراوردي، وغيرهم، له عناية بهذه الأسماء - رحمه الله.

الشيخ: لمن الحاشية؟

الطالب: لعلي بن حسن.

الشيخ: ... الكتاب الأخير تكلم شيء على كتاب المؤلف الأخير؟

الطالب: قال: وطبع في أربعة مجلدات بتحقيق علي بن محمد البجاوي.

وإِنِ اتَّفَقَتِ الأسْماءُ خطًّا، ونُطْقًا، واخْتَلَفَتِ الآباءُ نُطْقًا مع ائْتِلافِها خطًّا؛ كمحمَّدِ بنِ عَقيلٍ - بفتحِ العينِ -، ومحمَّدِ بنِ عُقَيْلٍ - بضمِّها -: الأوَّلُ نيسابوريٌّ، والثاني فِرْيابيٌّ، وهُما مشهورانِ، وطبقتُهما مُتقارِبةٌ، أو بالعَكْسِ؛ كأَنْ تَختَلِفَ الأسماءُ نُطْقًا وتأْتِلِفَ خطًّا، وتتَّفقَ الآباءُ خطًّا، ونُطقًا، كشُريحِ بنِ النُّعمانِ، وسُرَيْجِ بنِ النُّعمانِ، الأوَّلُ بالشِّينِ المُعجمةِ، والحاءِ المُهملةِ، وهو تابعيٌّ يروي عن عليٍّ ، والثَّاني: بالسِّينِ المُهمَلَةِ، والجيمِ، وهُو مِن شُيوخِ البُخاريِّ؛ فهُو النَّوعُ الَّذي يُقالُ لهُ: المُتشابِهُ.

الشيخ: وهذا يقع كثيرًا إذا اتفقت الأسماء خطًا، واختلفت نطقًا، أو بالعكس اختلفت خطًا، واتفقت نطقًا فيسمى المتشابه، محمد بن عَقيل، محمد بن عُقيل، عبدالله بن عَقيل، وعبدالله بن عُقيل، كل هذا يعرف بالتتبع، والضبط لأئمة الحديث، وهذا مثل عُقيل بن خالد بالضم، والآخر عَقيل بن أبي طالب، وأشباهه، فالحاصل أن الأسماء قد يقع فيها الاختلاف في اللفظ والنطق، وقد يحصل اختلاف في النطق، ولكن الحروف واحدة مثل: سعيد، وسعيد، ومثل سليم، وسليم، وأشباه ذلك، هذه كلها يحتاج إلى العناية من الراوي، ولا يضر إذا كانوا ثقات لا يضر، وهكذا لا يضر إذا كانوا ضعفاء لا يضر، إنما الذي يضر إذا كان أحدهما ثقة، والآخر ضعيفًا، هو الذي يحتاج إلى مزيد عناية حتى يميز هذا من هذا إما بالشيوخ، أو بالتلاميذ حتى لا تشتبه روايته، وأما إذا كانوا ثقات لا يهم، أو كانوا ضعفاء كلهم لا يضر.

وكَذا إِنْ وقَعَ ذلك الاتِّفَاقُ في الاسمِ، واسمِ الأبِ، والاختلافُ في النِّسبَةِ، وقد صنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتابًا جَليلًا سمَّاهُ «تَلخيصَ المُتشابِهِ».

الشيخ: وهذا يقع أيضًا، قد يكون الاسم واسم الأب متفق، ولكن يختلف في النسبة عَقيلي عُقيلي سَليمي سُليمي، وأشباه ذلك، فلا يضر، مثل ما تقدم، إنما ينفع في مزيد من العلم إذا ... ذلك، إنما يضر إذا كان أحدهما ثقة، والآخر ضعيفًا هذا هو محل العناية.

وقد صنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتابًا جَليلًا سمَّاهُ «تَلخيصَ المُتشابِهِ».

ثمَّ ذَيَّلَ هُو عليهِ أَيضًا بما فاته أَوَّلًا، وهُو كثيرُ الفائدةِ.

الشيخ: والخطيب - رحمه الله - صنف في أنواع علوم الحديث كتب كثيرة - رحمه الله - والحافظ ابن حجر كذلك تابعه في هذا - رحمهما الله - وجزاهما خيرًا.

ويَتَرَكَّبُ مِنْهُ، ومِمَّا قَبْلَهُ أَنْواعٌ:

مِنها: أَنْ يَحْصُلَ الاتِّفاقُ، أو الاشتِباهُ في الاسمِ واسمِ الأبِ مثلًا إلاَّ في حَرْفٍ، أو حَرْفَيْنِ فأَكثرَ، مِن أَحدِهِما، أو مِنهُما.

وهُو على قسمينِ:

إِمَّا أَنْ يكونَ الاخْتِلافُ بالتَّغييرِ، معَ أَنَّ عدَدَ الحُروفِ ثابِتٌ في الجِهَتَيْنِ.

أَوْ يكونَ الاختِلافُ بالتَّغييرِ معَ نُقصانِ بعضِ الأسماءِ عن بعضٍ.

فمِن أَمثِلَةِ الأوَّلِ:

محمَّدُ بنُ سِنان - بكسرِ السِّينِ المُهمَلَةِ، ونونينِ بينَهُما أَلفٌ -، وهُم جماعةٌ؛ منهُم: العَوَقيُّ - بفتحِ العينِ والواوِ، ثم القافِ - شيخُ البُخاريِّ.

ومحمَّدُ بنُ سيَّارٍ - بفتحِ السِّينِ المُهملَةِ، وتشديدِ الياءِ التَّحتانيَّةِ، وبعد الألف راءٌ -، وهُم أيضًا جماعةٌ؛ منهُم اليَمامِيُّ شيخُ عُمرَ بنِ يونُسَ.

ومنها: محمَّدُ بنُ حُنَيْنٍ - بضمِّ الحاءِ المُهمَلَةِ، ونونينِ، الأولى مفتوحةٌ، بينَهما ياءٌ تحتانيَّةٌ - تابعيٌّ يروي عن ابنِ عبَّاسٍ، وغيرِه.

ومحمَّدُ بنُ جُبيرٍ - بالجيمِ، بعدها باءٌ موحَّدةٌ، وآخِرُه راءٌ -، وهُو محمَّدُ بنُ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، تابعيٌّ مشهورٌ أَيضًا.

الشيخ: وهذا يقع أيضًا مثل ما قال المؤلف، لكن عند أهل البصيرة يعرفونهم محمد بن سنان، ومحمد بن سيار، فالكتابة متقاربة لكن عند الضبط والعناية يتضح الأمر؛ فسنان شيء، وسيار شيء، وهكذا حنين، وجبير، لكن عند بعض الناس قد يشتبه بسبب سوء الخط، أو عدم العناية بالضبط بالخط فيشتبه هل حنين، أو جبير، فإذا ضبط بالحروف زال الإشكال، وهكذا يشتبه سيار، وسنان، وكذلك قد يلحق ببشار أيضًا سنان، ويسار، وبشار كل هذه قد تشتبه لكن بالعناية للراوي، وضبطه الحروف يتبين.

س: الذي يروي عن ابن عباس عبدالله بن حنين، أو محمد؟

الشيخ: هذا، وهذا.

ومِن ذلك: معرِّفُ بنُ واصِلٍ: كوفِيٌّ مشهورٌ.

ومُطَرِّف بنُ واصِلٍ - بالطَّاءِ بدلَ العينِ - شيخٌ آخرُ يروي عنهُ أَبو حُذيفَةَ النَّهْدِيُّ.

الشيخ: وهذا كذلك مطرف، ومعرف متقاربة فيحتاج مقامنا الضبط. ولكن بكل حال مثل ما تقدم إنما يعظم الأمر إذا كان أحدهما ثقة، والآخر ضعيفًا، وأما إذا كان ضعيفين، أو ثقتين فالأمر يخف.

ومنهُ أَيضًا: أَحمدُ بنُ الحُسينِ - صاحِبُ إِبراهيمَ بنِ سعيدٍ -، وآخرونَ.

وأَحيَدُ بنُ الحُسينِ مثلُهُ، لكِنْ بدلَ الميمِ ياءٌ تحتانيَّةٌ، وهو شيخٌ بخاريٌّ يروي عنهُ عبداللهِ بنُ محمَّدِ بنِ البِيكَنْدِيِّ.

الشيخ: كذلك أحيد، وأحمد قد تشتبه، ولا سيما بعض الكُتاب قد لا يوضح التمييز كما ينبغي، فالنقاد أهل البصيرة بالرواية يعرفون هذا من هذا، يبينون هذا من هذا، وقد يتصحف على كثير من المحدثين، وكثير من الخطاطين بأحمد، وأحيد.

ومِن ذلك أَيضًا:

حفْصُ بنُ مَيْسَرَةَ شيخٌ مشهورٌ مِن طبَقَةِ مالكٍ.

وجَعْفَرُ بنُ مَيْسَرَةَ؛ شيخٌ لعُبَيْدِاللهِ بنِ مُوسى الكُوفيِّ، الأوَّلُ: بالحاءِ المُهْمَلَةِ، والفاءِ، بعدَها صادٌ مهْمَلَةٌ، والثَّاني: بالجيمِ، والعينِ المُهْمَلَةِ بعدَها فاءٌ، ثم راءٌ.

الشيخ: هذا من أمثله تشابه الأسماء بخط قد يقع غلط بسبب قرب صورة الاسم فحفص، وجعفر قد يغلط الكاتب، وقد لا يوضح الفرق بينهما حفص بالحاء، والفاء، والصاد، وجعفر بالجيم، والعين، والفاء، والراء، قد يلتبسان أيضًا، ولكن أهل العلم يضبطون الحروف حتى لا يقع لبس فيقول: حفص بالحاء المهملة، والفاء، والصاد، جعفر بالجيم، والعين، والفاء حتى لا يقع لبس عند الحاجة إلى البيان.

س: من كثر تصحيفه ينقل منه؟

الشيخ: هذا يكون علة في تضعيفه، إذا كثرت يوجب ضعفه، أما القليل يعفى عنه.

ومِن أَمثلَةِ الثَّاني:

عبداللهِ بنُ زيدٍ: جماعةٌ:

منهُم في الصَّحابةِ صاحِبُ الأذانِ، واسمُ جدِّهِ عبدُ ربِّهِ.

وراوِي حديثِ الوُضوءِ، واسمُ جدِّهِ عاصِمٌ، وهُما أَنصاريَّانِ.

وعبداللهِ بنُ يَزيدَ - بزيادةِ ياءٍ في أَوَّلِ اسمِ الأبِ، والزَّايُ مكسورةٌ -، وهُم أَيضًا جَماعةٌ:

منهُم في الصَّحابةِ: الخَطْمِيُّ يُكْنى أبا موسى، وحديثُهُ في الصَّحيحينِ.

ومنهُم: القارئُ، له ذِكْرٌ في حديثِ عائشةَ، وقد زعَمَ بعضُهم أَنَّه الخطْمِيُّ، وفيهِ نظرٌ.

الشيخ: منهم عبدالله بن زيد، وعبدالله بن يزيد، قد يشتبه أيضًا عبدالله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان، وعبدالله بن زيد بن عاصم الأنصاري صاحب الوضوء، ومنهم عبدالله بن يزيد فهذا قد يقع، يلتبس، ولكن أئمة الحديث يعتنون بهذا فيوضحون حتى لا يشتبه، كذلك عبدالله بن يزيد، وعبدالله بن بريد، وغير يزيد، ولكن لا بدّ من توضيح، عند الاشتباه لا بدّ من الإيضاح.

ومنها: عبدالله بن يحيى، وهم جماعةٌ.

وعبداللهِ بنُ نُجَيٍّ - بضمِّ النُّونِ، وفتحِ الجيمِ، وتشديدِ الياءِ - تابعيٌّ معروفٌ، يروي عن عليٍّ .

الشيخ: وهكذا في تشابه الأسماء عبدالله بن يحيى، وعبدالله بن نجيد، نجيد - بضم النون، والتشديد - ويحيى أوله ياء، ثم مهملة فقد يشتبه على الكاتب والقارئ، وإنما وضحت النون والياء، تحسب يحيى بن نجيد، لكن مع الإيضاح تكون الياء واضحة، والنون واضحة يزول الاشتباه، أو بضبط الحروف نجيد بالنون، يحيى بالياء والحاء المهملة حتى لا يختلف عند الرواية.

أَوْ يَحْصُلُ الاتِّفاقُ في الخَطِّ والنُّطْقِ، لكنْ يَحْصُلُ الاخْتِلافُ، أو الاشتِباهُ بالتَّقْديمِ والتَّأْخيرِ، إِمَّا في الاسمينَ جُملةً، أو نَحْوَ ذلكَ.

الشيخ: وهذا كذلك قد يحصل اختلاف بالخط واللفظ، ولكن قد يحصل الاشتباه في التقديم والتأخير، قد يقدم أباه على اسمه، أو يحصل تقديم بعض الحروف على بعض فيقع الالتباس، يزيد، ويزيد سواء، بريد، وبريد سواء، لكن قد يحصل تقديم هذا على أبيه، أو عكسه فيحصل الالتباس فيكون انقلاب على الراوي، فالحاصل أن هذه المسائل يجب على الراوي أن ينتبه لها ... يزيد ... وزيد يحيى، ونجيد كل الأسماء المشتبه هذه يجب على الراوي عند الراوية أن ينتبه لها، ولكن يعمل فيما تقدم إذا كان أحدهما ضعيف، والآخر ثقة، أما إذا كانوا جميعًا ثقات فأمرٌ سهل إذا اشتبهت لا يضر، أو يحصل بعض التقديم والتأخير ما يضر، المهم أن يكونا ثقتين، أو ضعيفين، فإذا كانا ثقتين، أو ضعيفين فلا يضر، لكن إذا كان أحدهما ثقة، والآخر ضعيف هذا هو الذي يحتاج إلى العناية التامة.

س: وإذا كانا ثقتان أحدهما أدرك الشيخ، والآخر لم يدركه ألا يضر؟

الشيخ: هذا يحتاج إلى عناية.

س: بعض الرواة يقصد بتقديم وتأخير الأسماء التدليس؟

الشيخ: هذا لا يجوز، يجرح به، لكن قد يفعله العالم من التلاميذ للامتحان، قد يفعله الشيخ مع تلاميذه ليعرف فهمهم وفقههم.

كأَنْ يقَعَ التَّقديمُ والتَّأْخيرُ في الاسمِ الواحِدِ في بعضِ حُروفِهِ بالنِّسبةِ إِلى ما يشتَبِهُ بهِ.

مثالُ الأوَّلِ: الأسودُ بنُ يزيدَ، ويزيدُ بنُ الأسوَدِ، وهُو ظاهِرٌ.

الشيخ: وهذا وقع، لكن يتبين من التلاميذ والشيوخ، الأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود، يتبين حاله بتلاميذه وشيوخه.

ومنهُ: عبداللهِ بنُ يَزيدَ، ويزيدُ بنُ عبداللهِ.

ومثالُ الثَّانِي: أَيُّوبُ بنُ سَيَّارٍ، وأَيُّوبُ بنُ يَسارٍ.

الشيخ: هذا قد يشتبه يسار، وسيار، وبشار، كذلك كثير في شيخ مسلم والبخاري محمد بن بشار يقع في بعض النسخ محمد بن يسار يشتبه عليهم.

ومثالُ الثَّانِي: أَيُّوبُ بنُ سَيَّارٍ، وأَيُّوبُ بنُ يَسارٍ.

الأوَّلُ: مدَنيُّ مشهورٌ ليسَ بالقويِّ، والآخَرُ: مجهولٌ.

الشيخ: وهذا أيوب بن سيار، وأيوب بن يسار مشتبه، فلا بدّ من الضبط والعناية عند الرواية.

خاتِمَةٌ

ومِنَ المُهِمِّ عندَ المحدِّثينَ مَعْرِفَةُ: طَبَقاتِ الرُّواةِ.

وفائدتُهُ: الأمْنُ مِن تَداخُلِ المُشتَبِهينَ، وإِمكانُ الاطِّلاعِ على تَبيينِ التَّدليسِ، والوُقوفُ على حَقيقةِ المُرادِ مِن العَنْعَنَةِ.

الشيخ: هذه خاتمة يقول المؤلف - رحمه الله -: من المهم معرفة طبقات الرواة؛ لأن العلم بطبقات الرواة يعين المحدث والناقل للروايات على معرفة المنقطع، والمرسل، والمدلس بخلاف إذا كان جاهلًا بطبقاتهم تلتبس عليهم الأمور.

والطَّبَقَةُ في اصْطِلاحِهِم: عبارةٌ عنْ جَماعةٍ اشْتَركوا في السِّنِّ، ولقاءِ المشايخِ.

الشيخ: هذه الطبقة عبارة عن جماعة اشتركوا في السن، ولقاء المشايخ، يعني سنهم متقارب، ووقتهم متقارب، يقال طبقة مثل كبار التابعين، أوساط التابعين، صغار التابعين، كبار أتباع التابعين، أوساطهم، وهكذا. وقد رتبهم في التقريب - رحمه الله  -كل عشرين سنة طبقة على اصطلاحه في التقريب، والمقصود أنهم متقاربون، وإن كان بعضهم أصغر من بعض لكنهم متقاربون في لقاء المشايخ يقال لهم طبقة، فكبار التابعين طبقة، وأوساطهم طبقة، وصغارهم كالزهري، وأشباهه طبقة.

وقد يكونُ الشَّخصُ الواحِدُ مِن طبَقَتَيْنِ باعْتِبارينِ؛ كأَنَسِ بنِ مالكٍ ؛ فإِنَّهُ مِن حيثُ ثُبوتُ صُحبتِه للنبيِّ ﷺ يُعَدُّ في طبقةِ العشرةِ مثلًا، ومِن حيثُ صِغَرُ السنِّ يُعَدُّ في طَبَقَةِ مَن بعدَهُم.

فمَنْ نَظَرَ إِلى الصَّحابةِ باعْتِبارِ الصُّحبَةِ؛ جَعَلَ الجَميعَ طبقةً واحدةً؛ كما صنَعَ ابنُ حِبَّانَ، وغيرُه.

ومَنْ نَظَرَ إِليهِم باعْتبارِ قَدْرٍ زائدٍ، كالسَّبْقِ إِلى الإِسلامِ، أو شُهودِ المشاهِدِ الفاضِلَةِ جَعَلَهُم طَبقاتٍ.

الشيخ: وهذا هو الصواب فهم طبقات، تشملهم الصحبة ، ولكنهم طبقات؛ فالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة، وأصحاب بدر، وبيعة الرضوان فوق غيرهم، فهم طبقات في علمهم، وفضلهم، وسبقهم ، وليس من ولد في عهد النبي ﷺ، أو شاهده وهو صغير مثل ابن الزبير، وطبقته، وعبدالله بن حنظلة، وابن عباس، والنعمان بن بشير، والسائب بن يزيد، وغيرهم من كبار الصحابة كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة، وأصحاب بدر، وأصحاب بيعة الرضوان .

لكن يدخلون كلهم في قوله: خير أمتي قرني، خير الناس قرني، ويدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه هذا يعمهم .

س: حكم من رد رواية ...؟

ج: لا، الصواب أنها مقبولة، إنما ردها؛ لأنه لم يسمع من النبي ﷺ، هذا مراده، تكون مرسلة.

ومَنْ نَظَرَ إِليهِم باعْتبارِ قَدْرٍ زائدٍ، كالسَّبْقِ إِلى الإِسلامِ، أو شُهودِ المشاهِدِ الفاضِلَةِ جَعَلَهُم طَبقاتٍ.

وإِلى ذلك جَنَحَ صاحِبُ «الطَّبقاتِ» أَبو عبداللهِ محمَّدُ بنُ سعدٍ البَغداديُّ، وكتابُه أَجمَعُ ما جُمِعَ في ذلك.

الشيخ: وهذا كتاب عظيم، محمد بن سعد كاتب الواقدي هو كتاب عظيم جامع، - رحمه الله.

وكذلك مَن جاءَ بعدَ الصَّحابةِ - وهُم التَّابعونَ - مَن نَظَرَ إِليهِم باعتبارِ الأخْذِ عن بعضِ الصَّحابةِ فقطْ؛ جَعَلَ الجَميعَ طبقةً واحد ةً كما صَنَعَ ابنُ حِبَّانَ أَيضًا.

ومَنْ نَظَرَ إِليهِم باعتبارِ اللِّقاءِ قسَّمَهُم؛ كما فعَلَ محمَّدُ بنُ سعدٍ.

ولكلٍّ منهُما وجْهٌ.

الشيخ: نعم من نظر إلى لقاء الصحابة جعلهم طبقة، ومن نظر إلى اختلاف مراتبهم في التقدم في السن، ولقاء الصحابة، والتأخر، ومن ما لقي إلا الصحابي الواحد، والاثنين، والثلاثة جعلهم طبقات، والصواب جعلهم طبقات مثل ما فعل محمد بن سعد.

وَمِن المُهمِّ أَيضًا معرِفةُ مواليدِهِمْ، ووَفَياتِهِمْ؛ لأنَّ بمَعْرِفَتِهما يحصُلُ الأمْنُ مِن دَعْوى المُدَّعي للقاءِ بعضِهِم، وهُو في نَفْسِ الأمرِ ليسَ كذلكَ.

الشيخ: هذه خاتمة، يقول المؤلف - رحمه الله -: ومن المهم معرفة المواليد، والوفيات للروات؛ لأن بذلك يعرف المعاصر من غير المعاصر، واللاقي من غير اللاقي، معرفة مواليد الرواة ووفياتهم فيها عون كبير على معرفة اللقاء والسماع.

وَمِن المُهمِّ أَيضًا معرِفةُ بُلْدَانِهِمْ، وأَوطانِهم، وفائدتُه الأمنُ مِن تداخُلِ الاسمَيْنِ إِذا اتَّفقا نُطْقًا لكنْ افْتَرَقا بالنَّسَبِ.

الشيخ: كذلك معرفة الأوطان، والأنساب يعين على التمييز بين الرواة حتى لا تشتبه كونه يعرف مواليدهم، وفياتهم، وأوطانهم، وأنسابهم، كل هذا يعين على التفرقة بين الرواة، والتمييز بينهم.

وَمِن المُهِمِّ أَيضًا معرفةُ أَحْوالِهِمْ؛ تَعْديلًا، وتَجْريحًا، وجَهالةً.

الشيخ: وهذا أهم الأمور، معرفة الأحوال، هذا أهم الأمور تعديلًا وتجريحًا وجهالة الرواة؛ لأن قبول الحديث واحتياجه يقوم على عدالة الرواة، وثقتهم، وحفظهم، فهذا أهم شيء ... معرفة عدالته، وحفظه، وغير ذلك.

لأنَّ الرَّاويَ إِمَّا أَنْ تُعْرَفَ عدالَتُه، أو يُعْرَفَ فِسْقُه، أو لا يُعْرَفَ فيهِ شيءٌ مِن ذلك.

الشيخ: هذه الحال قد يعرف أنه عدل؛ فيحتج به، يعرف أنه فاسق؛ لا يحتج به، يعرف أنه مغفل فلا يحتج به، يعرف أنه كثير الخطأ فلا يحتج به، يعرف أنه ثقة ثابت قليل الأخطاء حافظ فيحتج به، وهكذا فعل أئمة الحديث في كتب الحديث، في كتاب الرجال أوضحوا الحفاظ من غيرهم، والمجهولين من غيرهم، والمغفلين من غيرهم.

س: تقبل الرواية عن المبتدع؟

الشيخ: المبتدع فيه تفصيل، تقدم الداعي إلى حاله، وغير الداعي إلى حاله، إذا روى ما يقوي بدعته، وإذا روى ما لا يقويها، فيه تفصيل تقدم في السبب التاسع.

وَمِن أَهمِّ ذلك - بعدَ الاطِّلاعِ - معرِفةُ مَراتِبِ الجَرْحِ والتَّعديلِ لأنَّهُم قد يُجَرِّحونَ الشَّخصَ بما لا يستَلْزِمُ ردَّ حديثِه كلِّهِ.

وقد بيَّنَّا أَسبابَ ذلك فيما مَضى، وحَصَرْناها في عَشرةٍ، وتقدَّم شرحُها مفصَّلًا.

الشيخ: كذلك أسباب الجرح والتعديل لا بدّ من معرفتها كما تقدم في الأسباب العشرة عند قوله: ثم الطعن، وإما أن يكون كذب الراوي إلى آخره، لا بدّ أن يكون الحاكم على الحديث عنده بصيرة في هذا، في أسباب تضعيف الحديث، وتضعيف الراوي هل هو لجهالته، أو لسوء حفظه، أو لكذبه، أو لبدعته، يكون المحدث على بصيرة في هذا.

والغَرَضُ هُنا ذِكْرُ الألفاظِ الدَّالَّةِ في اصطِلاحِهِم على تِلكَ المراتِبِ.

وللجَرْحِ مراتِبُ:

وأَسْوَأُها: الوَصْفُ بما دلَّ على المُبالَغَةِ فيهِ.

وأَصرحُ ذلك التَّعبيرُ بأَفْعَلَ؛ كـ: أَكْذَبِ النَّاسِ، وكذا قولُهم: إِليهِ المُنْتَهى في الوضعِ، أو: هُو ركنُ الكذبِ، ونحوُ ذلك.

الشيخ: كل هذا مما يجب أن ينتبه له المحدث؛ لأن صيغة التضعيف كثيرة ومتنوعة، وأسوأها أن يقول هو أكذب الناس، أو إليه المنتهى في الكذب، أو ركن الكذب، أو ما أشبه ذلك.

ثمَّ: دجَّالٌ، أو: وضَّاعٌ، أو: كَذَّابٌ؛ لأنَّها وإِنْ كانَ فيها نوعُ مُبالغةٍ، لكنَّها دونَ الَّتي قبلَها.

الشيخ: مثل دجال، وضاع، كذاب، هذه أسهل إليها المنتهى في الكذب.

وأَسْهَلُهَا؛ أَي: الألفاظِ الدَّالَّةِ على الجَرْح: قولُهم: فُلانٌ ليِّنٌ، أو: سيِّئ الحِفْظِ، أَوْ: فيهِ أَدنى مَقَالٍ.

الشيخ: وهذه أسهلها: فلان لين، وسيئ الحفظ، أو فيه مقال، أو ما أشبه ذلك من العبارات التي تدل أن فيه وهم.

س: تختلف اصطلاحات المحدثين، يكون الإمام له اصطلاح في الفن الآخر؟

ج: يعرف لابد بدراسة هذا، وهو عادته يعرف.

وبينَ أَسوأ الجَرْحِ، وأَسهَلِهِ مراتِبُ لا تَخْفى.

فقولُهُم: متْروكٌ، أو ساقِطٌ، أَو: فاحِشُ الغَلَطِ، أَو: مُنْكَرُ الحَديثِ، أَشدُّ مِن قولِهم: ضعيفٌ، أو: ليسَ بالقويِّ، أَو: فيهِ مقالٌ.

الشيخ: بين المراتب بون، بين أعلاها وبين أدناها بون، بين أكذب الناس، ودجال، وكذب، وفيه لين، وفيه ضعف مراتب أخرى، فاحش الغلط، يغلط كثيرًا، وما أشباه ذلك.

وَمن المهمِّ أَيضًا معرِفةُ مراتِبِ التَّعديلِ.

وأَرْفَعُها: الوَصْفُ أَيضًا بما دلَّ على المُبالغةِ فيهِ.

وأَصْرَحُ ذلك: التَّعبيرُ بأَفْعَلَ؛ كـ: أَوْثَقِ النَّاسِ، أو: أَثبَتِ النَّاس، أَو: إِليهِ المُنْتَهى في التَّثَبُّتِ.

الشيخ: يقول - رحمه الله -: ومن المهم معرفة ألفاظ التعديل، من المهم في مصطلح الحديث عند أهل العلم وأئمة الحديث معرفة ألفاظ التعديل للرواة، ومعرفة منازلهم؛ لأن ذلك يحصل به التوثق من الأحاديث، ومعرفة مراتبها في الصحة، ثم علت مراتب الرواة في العدالة صار الحديث أثبت وأصح.

وأرفعها ما جاء بصيغة التفضيل كأوثق الناس، أتقى الناس، أحفظ الناس، إليه المنتهى في العلم، إليه المنتهى في الثقة، إليه المنتهى في الحفظ، إليه المنتهى في الضبط، وما أشبه ذلك.

ومنه التكرار ثقة ثقة، ثبت ثبت، حافظ متقن.

ثمَّ ما تَأَكَّدَ بِصِفَةٍ مِن الصِّفاتِ الدَّالَّةِ على التَّعديلِ، أو صِفَتَيْنِ؛ كـ: ثقةٍ ثقةٍ، أو: ثبتٍ ثبتٍ، أَوْ: ثقةٍ حافظٍ، أَو: عدلٍ ضابِطٍ، أو نحوُ ذلك.

الشيخ: كل هذا من مراتب التعديل العالية، يعني أوثق الناس، أو إليه المنتهى، هي ... العليا، وتكرير التعديل المرتبة الثانية ثقة ثقة، عدل عدل، حافظ متقن، وما أشبه ذلك.

وأَدْناها: ما أَشْعَرَ بالقُرْبِ مِنْ أَسْهَلِ التَّجْرِيحِ؛ كـ: شيخٌ، و: يُرْوى حديثُه، و: يُعْتَبَرُ بهِ، ونحوُ ذلك.

الشيخ: وأدناها ما يقرب من التضعيف، أدناها ما يقرب من التضعيف، مثل شيخ، يعتبر بحديثه، يُروى حديثه يعني ماشي يستأنس به، ويعتبر به، ولكن ليس مثل الثقات.

وبينَ ذلك مراتِبُ لا تَخْفى.

وَهذهِ أَحكامٌ تتعلَّقُ بذلك، ذكَرْتُها هُنا لتَكْمِلَةِ الفائدةِ، فأَقولُ:

تُقْبَلُ التَّزكِيَةُ مِنْ عَارِفٍ بأَسْبَابِها لا مِنْ غيرِ عارِفٍ؛ لئلاَّ يُزكِّيَ بمجرَّدِ ما يظهَرُ لهُ ابْتِداءً مِن غيرِ ممارسةٍ، واخْتِبارٍ.

ولَوْ كانتِ التَّزكيةُ صادِرةً مِن مُزَكٍّ واحِدٍ عَلى الأصَحِّ؛ خلافًا لمَن شَرَطَ أَنَّها لا تُقْبَلُ إِلاَّ مِنَ اثْنَيْنِ؛ إِلْحاقًا لها بالشَّهادَةِ في الأصحِّ أَيضًا.

الشيخ: تقبل التزكية من عارف بأسبابها الإمام العالم الثقة، ولو واحد إذا كان عارفًا بأسبابها من أهل العلم، والثقة، والأمانة، ولو لم يتعدد المزكون، وكلما تعدد المزكون صارت الثقة أكثر، ولا بدّ أن يكون من أهل العلم والبصيرة العارف بأسباب التزكية ممن مارس الحديث، وعني بالحديث، كابن معين، وابن مهدي، والإمام أحمد، ومالك، وإسحاق بن راهوية، ومن بعدهم كأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة، وهكذا كابن حبان، والحاكم بعدهم، على حسب مراتبهم، ومع هذا كله لا بدّ من مراعاة الرواية فإنه قد يكون في الرواية ما يدل على ضعفه من جهة أخرى؛ إما من جهة التدليس المعنن، أو من جهة الشذوذ، أو وهم في بعض الألفاظ، فلا بدّ يحقق الإمام، والمصحح أن يعتني بهذا فقد يكون الراوي ثقة، والرواة ثقات، لكن تأتي العلة من جهة أخرى؛ إما من تدليس عن المعنعن المدلس، أو من جهة الشذوذ؛ لأنه خالف من هو أوثق منه، أو من بعض أوهام، وقعت في الحديث لم يفطن لها بعض الرواة.

والفَرْقُ بينَهُما أَنَّ التَّزكية تُنَزَّلُ منزِلَةَ الحُكْمِ، فلا يُشْتَرَطُ فيها العددُ، والشَّهادةُ تقعُ مِن الشَّاهِدِ عندَ الحاكِمِ، فافْتَرقا.

الشيخ: والمقصود من هذا أن التزكية للرواة ... الحكم، والإخبار كالمؤذن من باب الخبر، والحكم بخلاف الشهادة فإنها تتضمن الشهادة بحق لفلان، أو عدم حق لفلان تؤدى عند القضاة حتى يثبت بها حق المدعي، أو عدم حقه، فلا بدّ فيها من شاهدين، أو شاهد يؤكد باليمين كما جاءت به السنة؛ لأنها ليست من باب الخبر المجرد، بل من باب خبر الذي يتضمن إعطاء شخص حقه من شخص آخر، وتثبيت حق لشخص على آخر ففيها حكم على شيء، ونزع من شيء، دعوى لفلان من فلان، فمن أجل هذا جاءت الشريعة بالتعدد؛ لأن الأصل براءة الذمة من حقوق الناس، والأصل أن ما بيد الإنسان هو له، فاحتيط فيه من جهة الشريعة، فلم ينزع ما في يده، ولم ينزع شيء في ذمته إلا بحجة قوية، أقلها شاهدان، أو شاهد مع اليمين بخلاف الأخبار فإنها عامة ليست تتعلق بشخص معين، فالتمكين من باب الخبر، والحكم على الشخص بما هو أهله كالخبر من المؤذن على دخول الوقت.

س: إذا وجد لأهل العلم كلام في ديانة الراوي، ولم يوجد لهم كلام في حفظه، وضبطه؟

الشيخ: هذا يتعلق بالعدالة، فالعدالة شيء، والضبط شيء آخر قد يكون الرجل عدلًا لكن ليس بضابط عنده سوء حفظ، وقد يكون ضابطًا جيدًا من جهة الحفظ لكن ليس بعدل عنده الفجور، والمعاصي، أو البدع.

س: شخص طلب من آخر أن يزكيه، فقال أنا عندي بينة، وعندي شهود أني ... كذا وكذا، يعني يرده، أو أن الأولى أنه يجوز هذا؟

ج: ... إذا أحضر عنده من يطمئن إليه ... يبني على التركة، لا بأس، اثنان فأكثر.

س: يشترط أن يزكي عليهم؟

ج: لابد أن يزكي عليهم.

س: هل تقبل رواية ساقط العدالة الضابط؟

ج: لا، لا تقبل روايته، ساقط العدالة لا تقبل روايته.

ولَوْ قيلَ: يُفَصَّلُ بينَ ما إِذا كانتِ التَّزكيةُ في الرَّاوي مُستَنِدَةً مِن المُزكِّي إِلى اجْتِهادِهِ، أو إِلى النَّقْلِ عنْ غيرِه؛ لكانَ مُتَّجهًا.

لأنَّه إِنْ كانَ الأوَّلُ، فلا يُشْتَرَطُ العددُ أَصلًا؛ لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ بمنزلةِ الحاكمِ.

وإِنْ كانَ الثَانيَ؛ فيُجْرى فيهِ الخِلافُ، ويَتَبَيَّنُ أَنَّه - أَيضًا - لا يُشْتَرَطُ العددُ؛ لأنَّ أَصلَ النَّقلِ لا يُشْتَرَطُ فيهِ العددُ، فكَذا ما تفرَّعَ عنهُ، واللهُ أَعلمُ.

الشيخ: وهذا هو الصواب سواء كان عن اجتهاده الذي يعرفه، أو عن نقل الثقات فتقبل التزكية، ولو عن واحد، لكن إذا كان اثنين فأكثر كان أقبل لقلب المزكي وأثبت له، وإلا فالواحد، وإذا صرح به قال: هو ثقة حدثني بذلك الثقة فلان، مثل ما قول ابن أبي حاتم حدثني أبي أنه كذا وكذا، سألت أبا زرعة فقال كذا وكذا، سألت أحمد فقال كذا وكذا، فهي تزكية ينقلها لا بأس مقبولة.

وكذا يَنْبَغي أَنْ لا يُقْبَلَ الجَرْحُ والتَّعْديلُ إِلاَّ مِن عدلٍ مُتَيَقِّظٍ، فلا يُقْبَلُ جَرْحُ مَنْ أَفْرَطَ فيهِ مُجَرِّحٌ بما لا يقْتَضي رَدَّ حديثِ المُحَدِّثِ.

الشيخ: وهكذا ينبغي كما لا يقبل التعديل إلا من فاهم وحافظ قد بين الأسباب، فهكذا الجرح لا بدّ أن يبين من عرف بالثقة والبصيرة مع بيان الأسباب، لا بدّ أن يكون من إمام معروف متثبت ثقة، ولا بدّ أن يبين الأسباب؛ أسباب الجرح شرطان: أن يكون عارفًا بالأسباب مع بيانها فيقبل الجرح والتعديل من الإمام العارف بذلك مع بيان الأسباب، أما الجرح المبهم ما يكفي، لا بدّ من بيان الأسباب التي بها جرح، إذا تعارض المثبت والمجرح فلا يقبل الجرح إلا مفسرًا، وإلا فيقدم قول من وثق، ثم الجرح لا يقبل إلا من عارف بأسبابه معتمد ثقة في نفسه، ولهذا قال في النخبة - رحمه الله -: والجرح مقدم على التعديل إذا صدر من عارف بأسبابه.

كما لا يُقْبَلُ تزكِيَةُ مَن أَخَذَ بمجرَّدِ الظَّاهِرِ، فأَطلَقَ التَّزكيةَ.

 

الشيخ: كذلك التزكية لا تقبل من المتسامحين المتساهلين، لا بدّ من عارف بالأسباب متثبت قد عرف الرجل، وعرف صفاته حتى وثقه على بصيرة.

وقالَ الذَّهبيُّ - وهُو مِن أَهْلِ الاستِقراءِ التَّامِّ في نَقْدِ الرِّجالِ -: «لمْ يجْتَمِعِ اثْنانِ مِن عُلماءِ هذا الشَّأنِ قطُّ على تَوثيقِ ضَعيفٍ، ولا على تَضعيفِ ثِقةٍ» أ.هـ.

الشيخ: وهذا من باب الاستقراء، وهو - رحمه الله - إمام له كتاب الميزان، وله كتب أخرى - رحمه الله -، المقصود أن بالاستقراء لم يجتمع اثنان على توثيق ضعيف، أو تضعيف ثقة، إذا سبرت أحوالهم وجدتها موفقة في تضعيف الضعفاء، وفي توثيق الثقات،... الأئمة المعروفين المعتمدين كأحمد، والشافعي، وإسحاق بن راهوية، وأبي حاتم، وابن مهدي، ويحيى بن معين، وغيرهم من أئمة الجرح والتعديل.

ولهذا كانَ مذهَبُ النَّسائيِّ أَنْ لا يُتْرَكَ حديثُ الرَّجُلِ حتَّى يجتَمِعَ الجَميعُ على تَرْكِهِ.

 

الشيخ: وهذا مذهب فيه نظر، مذهب النسائي - رحمه الله -، ولهذا وقع في بعض أحاديثه في السند بعض التساهل، ولكن الصواب أنه متى جرح جرحًا مبينًا من العارف بأسبابه قدم على التعديل من باب الاحتياط للدين، والتوثق للدين.

ولْيَحْذَرِ المتكلِّمُ في هذا الفنِّ مِن التَّساهُلِ في الجَرْحِ، والتَّعديلِ، فإِنَّهُ إِنْ عدَّلَ أَحدًا بغيرِ تثبُّتِ؛ كانَ كالمُثْبِتِ حُكْمًا ليسَ بثابتٍ، فيُخْشى عليهِ أَنْ يدْخُلَ في زُمرةِ مَن روى حَديثًا، وهُو يظنُّ أَنَّهُ كَذِبٌ.

الشيخ: يجب التثبت في التعديل والتجريح؛ لأن الموثق قد يكون سعى في إدخال في الدين ما ليس منه، وقد يعم حديثًا روى حديث من روى حديثًا، وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين، وإن جرح ... يخرج من الدين ما ليس منه بسبب تساهله، فالواجب التثبت، والنصيحة لله، والتجرد من الهوى.

وهكذا الشهود في الخصومات، تعديل الشهود، وتجريح الشهود يجب التجرد من الهوى، والحذر، وأن يقول الصدق.

وإِنْ جَرَّحَ بغيرِ تَحرُّزٍ، فإِنَّه أَقْدَمَ على الطَّعنِ في مُسلمٍ بَريءٍ مِن ذلك، ووسَمَهُ بِميْسَمِ سُوءٍ يَبْقى عليهِ عارُهُ أَبدًا.

الشيخ: كذلك إذا جرح بغير حق يضره ضررًا بينًا، ويسم أخاه المسلم بميسم سوء يبقى عليه عاره وشره.

والآفةُ تدخُلُ في هذا: تارةً مِنَ الهَوى، والغَرَضِ الفاسِدِ - وكلامُ المتقدِّمينَ سالِمٌ مِن هذا غالبًا -، وتارةً مِن المُخالفةِ في العَقائدِ - وهُو موجودٌ كثيرًا؛ قديمًا وحَديثًا - ولا ينْبَغي إِطلاقُ الجَرْحِ بذلك، فقد قدَّمْنا تحقيقَ الحالِ في العملِ بروايةِ المُبتَدِعةِ.

الشيخ: كل هذا يقع، لكن في الغالب في المتقدمين التحري والضبط، وقد يقع من المتأخرين التساهل لما فشت البدع، وكثرت البدع والأهواء، فالواجب التثبت في الجرح والتعديل، لا في الشهود، ولا في الرواة حتى يطمئن إلى المعدلين، أو المجرحين.

والجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّعْديلِ، وأَطلقَ ذلك جماعةٌ، ولكنَّ محلَّهُ إِن صَدَرَ مُبَيَّنًا مِن عَارِفٍ بأَسْبَابِهِ؛ لأنَّه إِنْ كانَ غيرَ مفسَّرٍ لم يَقْدَحْ فيمَنْ ثبَتَتْ عدالَتُه.

الشيخ: يقول المؤلف - رحمه الله - الحافظ ابن حجر في النخبة: والجرح مقدم على التعديل أطلق هذا جماعة، وليس بصواب على الإطلاق، وإنما يقدم على التعديل إن صدر مبينًا من عارف بأسبابه، أما الجرح المجمل لا ما يقدم على التعديل، التعديل مقدم عليه، أما إذا كان جرحًا مفسرًا كأن يقول سيئ الحفظ، كذاب، فاسق، يبين أسباب الجرح، وأن يكون من عارف بأسبابه من إمام ثقة عارف بالأسباب، يقدم على التالي بهذه الشروط أن يكون مبينًا، ويكون من عارف بأسبابه من الأئمة الموثوقين المعتمدين، وإلا فلا يعتمد، إذا كان جرحًا غير مفسر، أو من إنسان ليس بعارف بأسبابه، وليس من الأئمة المعتبرين فلا يلتفت إليه، والتوثيق مقدم عليه.

وإِنْ صدَرَ مِن غيرِ عارفٍ بالأسبابِ لم يُعْتَبَرْ بهِ أيضًا.

 

الشيخ: لا بدّ أن يكون عارفًا بالأسباب كأبي عبيد القاسم بن سلام، أبي حاتم، أبي زرعة، الإمام أحمد، الشافعي، مالك، الأوزاعي، وإسحاق بن راهوية، وأشباههم.

فإِنْ خَلا المَجْروحُ عَنِ التَّعديلِ؛ قُبِلَ الجَرْحُ فيهِ مُجْمَلًا غيرَ مبيَّنِ السَّببِ إِذا صدَرَ مِن عارفٍ عَلى المُخْتارِ.

الشيخ: إذا كان الجرح في إنسان لم يوثق يكون مجملًا، إنسانًا لم يوثقه أحد فالجرح مقبول فيه مطلقًا، ولو ما بين أسبابه، إذا صدر من عارف بالأسباب فالجرح مقدم، الجرح مقبول فيه؛ لأنه ما هناك شيء يقابله من التعديل فيقبل، فإذا كان إنسانًا مجهولًا، ثم جرح قبل.

س: .....؟

لأنَّهُ إِذا لمْ يكُنْ فيهِ تعديلٌ؛ فهو في حيَّزِ المَجهولِ، وإِعمالُ قولِ المُجَرِّحِ أَولى مِن إِهمالِه، ومالَ ابنُ الصَّلاحِ في مثلِ هذا إلى التوقُّفِ فيهِ.

الشيخ: الصواب ما قاله المؤلف، إذا خلا الراوي عن التعديل قبل فيه الجرح، وقيل ضعيف؛ لأنه اجتمع فيه جهالة مع الجرح، فلا يعتد بروايته.

س: وأيش الحكمة من تقديم المجرح على المعدل؟

الشيخ: لأنه علم ما لم يعلم المعدل، علم شيئًا زائدًا جهله المعدل فعنده مزيد علم.

فصلٌ

ومِنَ المُهِمَّ في هذا الفنِّ معْرِفةُ: كُنَى المُسَمَّيْنَ ممَّن اشْتُهِرَ باسمِهِ، ولهُ كُنيةٌ لا يُؤمَنُ أَنْ يأْتِيَ في بعضِ الرِّاوياتِ مُكَنيًّا؛ لئلاَّ يُظَنَّ أَنّه آخرُ.

الشيخ: يقول المؤلف الحافظ - رحمه الله - في شرح النخبة يقول: من المهم معرفة كنى المسمين من الرواة؛ لأنه قد يأتي في بعض الأسانيد بكنيته فيظن أنه شخص آخر، فمن المهم أن تعلم كنى المكنيين كما من المهم أن يعلم شيوخهم، وتلاميذهم حتى لا يشتبهوا، وكثير من الرواة يأتي باسمه تارة، وبكنيته تارة فإذا كان عرف كنيه لم يشتبه عليه إذا ورد في بعض الروايات بكنيته قد تشتهر، قد يشتهر بالكنية ولا يشتهر بالاسم، قد يشتهر بالاسم ولا يشتهر بالكنية، فإذا عرف كنيته، وشيوخه، وتلاميذه كان هذا من أهم المهمات في ضبطه.

وَمعرفةُ أَسْمَاءِ المُكَنَّيْنَ، وهو عكسُ الَّذي قبلَهُ.

 

الشيخ: وهكذا كذلك من اشتهر بكنيته، من المهم أن يعرف اسمه؛ لأنه قد يأتي بعض الأحيان باسمه فلا يشتبه، فعلى المحدث أن يعتني بهذا معرفة الكنى من المكنيين، والأسماء لمن له كنية، ولكن يأتي في الأغلب باسمه، أو بالعكس حتى يضبط السند، ويعرف حاله.

وَمعرِفةُ مَنْ اسمُهُ كُنْيَتُهُ، وهُم قليلٌ.

 

الشيخ: ومعرفة من اسمه كنيته، وهم قليل لأن هذا فيه فائدة كبيرة للمحدث حتى لا تشتبه عليه الأسماء.

وَمعرِفةُ مَنْ اخْتُلِفَ في كُنْيَتِهِ، وهُم كثيرٌ.

 

الشيخ: كذلك معرفة من اختلف في كنيته، وما هو الأرجح إذا كان قيل أبو عبدالله، وقيل أبو محمد، وقيل أبو عبدالرحمن، وما أشبه ذلك يعرف حتى لا يشتبه عليه، ويعرف من يكنيه من تلاميذه بكذا، ومن يكنيه من تلاميذه بكذا؛ لأن هذا من العلم الخاص.

وَمعرِفةُ مَنْ كَثُرتْ كُناهُ؛ كابنِ جُريجٍ؛ لهُ كُنيتانِ: أَبو الوليدِ، وأبو خالدٍ.

أَوْ كَثُرتْ نُعُوتُهُ وأَلقابُه.

الشيخ: كل هذا من مهمات الأسانيد، من كثرت كناه، أو نعوته، تارة علّامة، تارة يقول له الفقيه، تارة يقول له كذا من لقب آخر حتى لا يشتبه عليه أمرها.

س: .....؟

ج: فيه تسامح، ما عندك حاشية عليه؟

الطالب: ما فيه أحسن الله إليك.

وَمعرِفةُ مَنْ وافَقَتْ كُنْيَتُهُ اسمَ أَبيهِ؛ كأَبي إِسحاقَ إبراهيمَ بنِ إِسحاقَ المَدنيِّ أَحدِ أَتباعِ التَّابِعينَ.

الشيخ: كذلك من كني بأبيه كأبي إسحاق، أو محمد بن إسحاق أبي إسحاق، أبي عبدالله محمد بن عبدالله، وهؤلاء كثير، كثير من يكنى بأبيه.

وفائدةُ معرِفَتِه:

نفيُ الغَلَطِ عمَّنْ نَسَبَهُ إِلى أَبيهِ، فقالَ: أَخْبَرنا ابنُ إِسحاقَ، فَنُسِبَ إِلى التَّصحيفِ، وأَنَّ الصَّوابَ: أَخْبَرنا أَبو إِسحاقَ.

الشيخ: معرفة هذا نفي الغلط؛ لأنه إذا كان كني بأبيه قد يقال ابن فلان، وأبي فلان محمد بن إسحاق عن ابن إسحاق، ويروى عن أبي إسحاق، وهكذا عن ابن إبراهيم، وأبي إبراهيم، عن أبي محمد، وابن محمد.

أَو بالعَكْسِ؛ كإِسحاقَ بنِ أَبي إِسحاقَ السَّبيعيِّ.

 

الشيخ: كذلك نسب إلى أبيه بالكنية.

أَوْ وافقتْ كُنْيَتُهُ كُنْيَةَ زَوْجَتِهِ؛ كأَبي أَيُّوبَ الأنصاريِّ، وأُمِّ أَيُّوبَ؛ صحابيَّانِ مشهورانِ.

 

الشيخ: كذلك فائدة كون كنيته، وكنية زوجته واحدة أم أيوب، وأبو أيوب، وهذا كثير.

أَو وافقَ اسمُ شيخِه اسمَ أَبيِه؛ كالرَّبيعِ بنِ أَنسٍ عن أَنسٍ؛ هكذا يأْتي في الرِّوايات، فيُظنُّ أَنّه يَروي عن أَبيهِ؛ كما وقعَ في «الصَّحيحِ»: عن عامِرِ بنِ سعدٍ عن سعدٍ، وهو أبوهُ، وليسَ أَنسٌ شيخُ الرَّبيعِ، والِدَهُ، بل أَبوهُ بكرِيٌّ، وشيخُهُ أَنصاريٌّ، وهُو أَنسُ بنُ مالكٍ الصَّحابيُّ المشهورُ ، وليسَ الرَّبيعُ المذكورُ مِن أَولادِه.

الشيخ: وهذا أيضا مهم إذا وافق اسم أبيه اسم شيخه يعرف أن أباه ليس هو شيخه، وأن... فإذا عرفه الراوي كان على بصيرة.