02 من قوله: (فعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال لبشر المريسي: العلم بالكلام هو الجهل)

فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ لِبِشْرٍ الْمريسِيِّ: الْعِلْمُ بِالْكَلَامِ هُوَ الْجَهْلُ، وَالْجَهْلُ بِالْكَلَامِ هُوَ الْعِلْمُ، وَإِذَا صَارَ الرَّجُلُ رَأْسًا فِي الْكَلَامِ قِيلَ: زِنْدِيقٌ، أَوْ رُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ، أَرَادَ بِالْجَهْلِ بِهِ اعْتِقَادَ عَدَمِ صِحَّتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِلْمٌ نَافِعٌ، أَوْ أَرَادَ بِهِ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ وتَرْكَ الِالْتِفَاتِ إِلَى اعْتِبَارِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَصُونُ عِلْمَ الرَّجُلِ وَعَقْلَهُ، فَيَكُونُ عِلْمًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ، وَمَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيميَاءِ أَفْلَسَ، وَمَنْ طَلَبَ غَرِيبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ.

وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ، وَيُقَال: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ.

وَقَالَ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى شِعْرًا:

كُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ إِلَّا الْحَدِيثَ وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ
الْعِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ

وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِعُلَمَاءِ بَلَدِهِ لَا يَدْخُلُ الْمُتَكَلِّمُونَ، وَلو أَوْصَى إِنْسَانٌ أَنْ يُوقَفَ مِنْ كُتُبِهِ مَا هُوَ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ، فَأَفْتَى السَّلَفُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِيهَا مِنْ كُتُبِ الْكَلَامِ. ذُكِرَ ذَلِكَ بِمَعْنَاهُ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ.

فَكَيْفَ يُرَامُ الْوُصُولُ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ بِغَيْرِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؟!

الشيخ: هذا مستحيل، فإنه لا يُتوصل إلى علم الأصول التي جاء بها الرسول إلا من طريق العلم، من طريق الرواية والتَّفقه في الدين، والعلم قال الله وقال الرسول وقال العلماء، ..... يعني: علماء الشرع الذين يستنبطون الأحكام ويُبينون صحَّة الحديث وضعفه، والجمع بين الحديثين، والجمع بين الآية والحديث الذي قد يُوهم المخالفة، هذا العلم، العلم بالقرآن والسنة، والعلم بأصول الفقه وأصول الدين، وما قرره أهلُ العلم في تفسير الأحاديث والجمع بينها، والجمع بين النصوص، والاستنباط من القرآن، هذا هو العلم النافع.

وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:

أَيُّهَا الْمُغْتَدِي لِيَطْلُبَ عِلْمًا كُلُّ عِلْمٍ عَبْدٌ لِعِلْمِ الرَّسُولِ
تَطْلُبُ الْفَرْعَ كَيْ تُصَحِّحَ أَصْلًا كَيْفَ أَغْفَلْتَ عِلْمَ أَصْلِ الْأُصُولِ؟!

وَنَبِيُّنَا ﷺ أُوتِيَ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ، فَبُعِثَ بِالْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَالْعُلُومِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالأُخْرَوِيَّةِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ، وَلَكِنْ كُلَّمَا ابْتَدَعَ شَخْصٌ بِدْعَةً اتَّسَعُوا فِي جَوَابِهَا، فَلِذَلِكَ صَارَ كَلَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَثِيرًا، قَلِيلَ الْبَرَكَةِ، بِخِلَافِ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِنَّهُ قَلِيلٌ، كَثِيرُ الْبَرَكَةِ، لَا كَمَا يَقُولُهُ ضُلَّالُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَهَلَتُهُمْ: إِنَّ طَرِيقَةَ الْقَوْمِ أَسْلَمُ، وَإِنَّ طَرِيقَتَنَا أَحْكَمُ وَأَعْلَمُ! وكَمَا يَقُولُهُ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُمْ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفِقْهِ.

الشيخ: هذا هو الجهل، قول: "إنَّ طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم" هذا غلط من أهل الكلام، فإن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم جميعًا، العلم والحكمة والسلامة؛ لأنهم أتوا الأمر من وجهه، وتبصروا في العلم من طريقه، فهم طريقتهم أسلم، وطريقتهم أعلم، وطريقتهم أحكم؛ لكونهم أتوا الأمر من وجهه، واستنبطوا الأحكام من أدلتها، وصاروا موفقين في العلم والعمل، وصارت طريقتهم طريقةً حكيمةً علميةً سليمةً من أسباب الهلاك والأقيسة الباطلة والإعراض عن الكتاب والسنة.

وكَمَا يَقُولُهُ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُمْ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفِقْهِ: إِنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِاسْتِنْبَاطِ الفقه وَضَبْطِ قَوَاعِدِهِ وَأَحْكَامِهِ اشْتِغَالًا مِنْهُمْ بِغَيْرِهِ! وَالْمُتَأَخِّرُونَ تَفَرَّغُوا لِذَلِكَ، فَهُمْ أَفْقَهُ!

فَكُلُّ هَؤُلَاءِ مَحْجُوبُونَ عَنْ مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِ السَّلَفِ، وَعُمْقِ عُلُومِهِمْ، وَقِلَّةِ تَكَلُّفِهِمْ، وَكَمَالِ بَصَائِرِهِمْ، وَتَاللَّهِ مَا امْتَازَ عَنْهُمُ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَّا بِالتَّكَلُّفِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَطْرَافِ الَّتِي كَانَتْ هِمَّةُ الْقَوْمِ مُرَاعَاةَ أُصُولِهَا، وَضَبْطَ قَوَاعِدِهَا، وَشَدَّ مَعَاقِدِهَا، وَهِمَمُهُمْ مُشَمَّرَةً إِلَى الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. فَالْمُتَأَخِّرُونَ فِي شَأْنٍ، وَالْقَوْمُ فِي شَأْنٍ آخَرَ.

الشيخ: كل هذا صحيح، السلف الصالح شُغلوا بالعلم النافع، وكثير من المتأخرين شُغلوا بالبدع وعلم الكلام؛ فصدَّهم ذلك عن علم الشرع، وصاروا يخوضون في أعراض الناس واصطلاحاتهم، وحُرموا من العلم النافع، والعلم قال الله وقال رسوله وقال أهل العلم الذين هم الصحابة ومَن بعدهم، هذا هو طريق أهل العلم؛ التَّفقه في القرآن، التَّفقه في السنة، وقد وضع العلماء أصولًا في هذا الباب: قواعد الحديث ومصطلح الحديث، وأصول الفقه، هذا هو طريق العلم؛ العناية بهذه الأصول والتَّفقه فيها، يتفقه في القرآن والسنة على طريقة أهل العلم؛ الجمع بين الحديثين، وبين الآيتين، وبين الآية والحديث، وبين الناسخ والمنسوخ.

وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.

وَقَدْ شَرَحَ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ بَعْضَ الشَّارِحِينَ قَدْ أَصْغَى إِلَى أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ، وَاسْتَمَدَّ مِنْهُمْ، وَتَكَلَّمَ بِعِبَارَاتِهِمْ.

وَالسَّلَفُ لَمْ يَكْرَهُوا التَّكَلُّمَ بِالْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ وَالْعَرَضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ اصْطِلَاحًا جَدِيدًا عَلَى مَعَانٍ صَحِيحَةٍ، كَالِاصْطِلَاحِ عَلَى أَلْفَاظِ الْعُلُومِ الصَّحِيحَةِ، وَلَا كَرِهُوا أَيْضًا الدَّلَالَةَ عَلَى الْحَقِّ وَالْمُحَاجَّة لِأَهْلِ الْبَاطِلِ، بَلْ كَرِهُوهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أُمُورٍ كَاذِبَةٍ مُخَالِفَةٍ لِلْحَقِّ، وَمِنْ ذَلِكَ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِهَذَا لَا تَجِدُ عِنْدَ أَهْلِهَا مِنَ الْيَقِينِ وَالْمَعْرِفَةِ مَا عِنْدَ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَضْلًا عَنْ عُلَمَائِهِمْ؛ وَلِاشْتِمَالِ مُقَدِّمَاتِهِمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ كَثُرَ الكلام، وَانْتَشَرَ الْقِيلُ وَالْقَالُ، وَتَوَلَّدَ لَهُمْ عَنْهَا مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ الصَّحِيحِ وَالْعَقْلِ الصَّرِيحِ مَا يَضِيقُ عَنْهُ الْمَجَالُ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيَادَةُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: "فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ".

وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَشْرَحَهَا سَالِكًا طَرِيقَ السَّلَفِ فِي عِبَارَاتِهِمْ، وَأَنْسُجَ عَلَى مِنْوَالِهِمْ، مُتَطَفِّلًا عَلَيْهِمْ، لَعَلِّي أَنْ أُنْظَمَ فِي سِلْكِهِمْ، وَأُدْخَلَ فِي عِدَادِهِمْ، وَأُحْشَرَ فِي زُمْرَتِهِمْ: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].

الشيخ: وقد أحسن رحمه الله.

وَلَمَّا رَأَيْتُ النُّفُوسَ مَائِلَةً إِلَى الِاخْتِصَارِ آثَرْتُهُ عَلَى التَّطْوِيلِ وَالْإِسْهَابِ: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

قَوْلُهُ: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ).

اعْلَمْ أَنَّ التَّوْحِيدَ أَوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَأَوَّلُ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ، وَأَوَّلُ مَقَامٍ يَقُومُ فِيهِ السَّالِكُ إِلَى اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، وَقَالَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:50]، وَقَالَ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:61]، وَقَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:84]، وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

الشيخ: وهذا هو أصل الدين: توحيد الله والإخلاص له، وهو الذي بعث الله به الرسل، توحيد الله والإخلاص له، وترك عبادة ما سواه، هذا هو الأساس: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فأصل الدين وأساسه توحيد الله والإخلاص له، وتخصيصه بالعبادة دون ما سواه من ملكٍ أو نبيٍّ أو شجرٍ أو حجرٍ أو غير ذلك: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:2]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].

وهذا هو أول شيءٍ خاطبت به الرسلُ أممها؛ أن قالوا لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:32]، فعارضتهم الأمم وأنكروا ما قالوا؛ لأنهم قد اعتادوا الكفر بالله والتَّعلق بالأصنام والأوثان، فلهذا أنكروا ذلك، فقالت قريش للنبي ﷺ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، وقالوا: أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:36]، أنكروه لأنهم اعتادوا الشرك وعاشوا عليه ونبتوا عليه، فلهذا أنكروا على الرسول ﷺ، وأنكرت الأمم على الرسل دعوتها إلى توحيد الله، وهذا هو الجهل العُضال، هذا هو الجهل الكبير، الداء العضال، نسأل الله العافية.

وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

وَقَالَ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا النَّظَرُ، وَلَا الْقَصْدُ إِلَى النَّظَرِ، وَلَا الشَّكُّ، كَمَا هِيَ أَقْوَالٌ لِأَرْبَابِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ، بَلْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْعَبْدُ الشَّهَادَتَانِ، وَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَجْدِيدِ ذَلِكَ عقيبَ بُلُوغِهِ، بَلْ يُؤْمَرُ بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ أَوْ مَيَّزَ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُخَاطِبَهُ حِينَئِذٍ بِتَجْدِيدِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَاجِبًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَوُجُوبُهُ يَسْبِقُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، لَكِنْ هُوَ أَدَّى هَذَا الْوَاجِبَ قَبْلَ ذَلِكَ.

الشيخ: نعم، واستمرَّ عليه، عاش على التوحيد فاستمر عليه، فهذا معه مستمر، شرط في الصلاة وغيرها، وهو التوحيد والإخلاص عاش عليه، فأول واجبٍ وأهم واجبٍ هو توحيد الله والإخلاص له؛ ولهذا الرسل تبدأ به، تبدأ بالتوحيد قبل الصلاة وقبل الزكاة وقبل الصوم وقبل الحج وقبل أي أمرٍ تدعوا أممها لهذا التوحيد؛ بأن يخصُّوا الله بعبادتهم دون كلِّ ما سواه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ يعني: خصُّوه بالعبادة من دعاءٍ وتوكلٍ ورغبةٍ ورهبةٍ وذبحٍ ونذرٍ وصومٍ وصلاةٍ وغير هذا.

وَهُنَا مَسَائِلُ تَكَلَّمَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ: كَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ، أَوْ أَتَى بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا - هَلْ يَصِيرُ مُسْلِمًا أَمْ لَا؟

فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِكُلِّ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ، فَالتَّوْحِيدُ أَوَّلُ مَا يُدْخَلُ به فِي الْإِسْلَامِ، وَآخِرُ مَا يُخْرَجُ بِهِ مِنَ الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، فهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ وَآخِرُ وَاجِبٍ.

فَالتَّوْحِيدُ أَوَّلُ الْأَمْرِ وَآخِرُهُ، أَعْنِي: تَوْحِيدَ الْإِلَهِيَّةِ.

فإنَّ التَّوْحِيدَ يَتَضَمَّنُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ:

أَحَدُهَا: الْكَلَامُ فِي الصِّفَاتِ.

وَالثَّانِي: تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَبَيَانُ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.

وَالثَّالِثُ: تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ، وَهُوَ اسْتِحْقَاقُهُ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

الشيخ: وهذه الأقسام عُلمت بالاستقراء، استقراء الأدلة اتَّضح منها هذه الأقسام الثلاثة: توحيد الربوبية والإيمان بأنَّ الله هو الخالق الرازق، وهو توحيده بأفعاله، هذا أقرَّ به المشركون من قريشٍ وغيرهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس:31] هم عرفوا ذلك.

والقسم الثاني: توحيد العبادة، وهو تخصيص الله بالعبادة، وهو معنى لا إله إلا الله، وهذا معنى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، توحيد الله بأفعالنا: صلاتنا وصومنا ودعائنا وذبحنا ونذرنا.

والقسم الثالث: توحيد الله بأسمائه وصفاته، تخصصه بها، وأنه لا شريكَ له، ولا شبيه له، وهو العزيز، وهو الحكيم، وهو القدير، وهو الملك، صفات تليق به، لا يُشابه بها خلقه، تخصُّه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

أما الحكم فهو داخلٌ في العبادة، توحيد الحكم داخل في العبادة، توحيده بأنه هو الحاكم بين العباد، لا يحكم إلا شرعه، أما قول بعض الناس: توحيد الحاكمية، فهذا شيء جديد، وما هو بقسم رابع، داخل في توحيد العبادة، فيظن بعض الناس من جهلهم أنَّ هذا هو الأهم، وهذا غلط، الأهم توحيد العبادة، أما الحكم فقد يعبد الله ويُصلي ويصوم ..... بشيءٍ من الأحكام يحكم بها بين الناس.

فالمقصود أنَّ الحكم تابع لتوحيد العبادة، وهو من جنس الصلاة والصوم، فكما أنه يُصلي ويصوم ويأكل ويشرب وينكح ونحو ذلك، فهكذا يحكم بشرع الله، كما يأكل بحسب الشرع، ويُصلي حسب الشرع، ويصوم حسب الشرع، ويحكم بين الناس .....

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّ نُفَاةَ الصِّفَاتِ أَدْخَلُوا نَفْيَ الصِّفَاتِ فِي مُسَمَّى التَّوْحِيدِ، كَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْوَاجِبِ! وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّ إِثْبَاتَ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ لَا يُتَصَوَّرُ لَهَا وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا الذِّهْنُ قَدْ يَفْرِضُ الْمُحَالَ وَيَتَخَيَّلُهُ، وَهَذَا غَايَةُ التَّعْطِيلِ.

الشيخ: إثبات الصِّفات ما يلزم منه التَّعدد، الصفات لموصوفٍ واحدٍ، وذات بدون صفاتٍ عدم لا وجودَ لها، ما هي في الأذهان، فذات بلا حياةٍ ولا علمٍ ولا قدرةٍ ولا أي صفةٍ عدم، فكونه حيًّا قيومًا سميعًا بصيرًا لا يلزم منه التَّعدد، أنت بنفسك أنت واحد: تسمع وتُبصر وتأمر وتنهى، لك سمع، ولك بصر، ولك حياة، ولك كلام، فقول الجهم أنَّ الصفات تقتضي التَّعدد هذا جهل صرف.

وهو واحد سبحانه في ذاته وصفاته جلَّ وعلا، واحد سميع بصير حي قيوم، قد استوى على العرش جلَّ وعلا، يعلم كلَّ شيءٍ، ولا تخفى عليه خافية، ولا يلزم من هذا التَّعدد، هو واحد بهذه الصِّفات، هو فوق العرش عالٍ فوق خلقه، يسمع ويعلم ويقدر ويأمر وينهى ، وحكمة الله حكمة بالغة.

وَإِنَّمَا الذِّهْنُ قَدْ يَفْرِضُ الْمُحَالَ وَيَتَخَيَّلُهُ، وَهَذَا غَايَةُ التَّعْطِيلِ.

وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ أَفْضَى بِقَوْمٍ إِلَى الْقَوْلِ بِالْحُلُولِ أو الِاتِّحَادِ، وَهُوَ أَقْبَحُ مِنْ كُفْرِ النَّصَارَى، فَإِنَّ النَّصَارَى خَصُّوهُ بِالْمَسِيحِ، وَهَؤُلَاءِ عَمُّوا جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ.

وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا التَّوْحِيدِ: أَنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ كَامِلُو الْإِيمَانِ، عَارِفُونَ بِاللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ!

وَمِنْ فُرُوعِهِ: أَنَّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا عَبَدُوا اللَّهَ لَا غَيْرَهُ!

وَمِنْ فُرُوعِهِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْأُخْتِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ والزنا وَالنِّكَاحِ، الْكُلُّ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، لَا، بَلْ هُوَ الْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ.

وَمِنْ فُرُوعِهِ: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ضَيَّقُوا عَلَى النَّاسِ.

تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.