03 من قوله: (فصل: فآياته سبحانه توجب شيئين: أحدهما: فهمها وتدبرها ليعلم ما تضمنته)

فَصْلٌ:

فَآيَاتُهُ سُبْحَانَهُ تُوجِبُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فَهْمُهَا وَتَدَبُّرُهَا لِيَعْلَمَ مَا تَضَمَّنَتْهُ. وَالثَّانِي: عِبَادَتُهُ وَالْخُضُوعُ لَهُ إذَا سُمِعَتْ، فَتِلَاوَتُهُ إيَّاهَا وَسَمَاعُهَا يُوجِبُ هَذَا وَهَذَا.

الشيخ: هذا هو الواجب على كل مسلم عند سماع الآيات أن يتدبر ويتعقل حتى يستفيد ثم يعمل، المقصود منها فهمها، ثم العمل بها، آياته في كتابه العظيم فهو أنزلها للعمل لا لمجرد التلاوة أو السماع، ولكن للفهم قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29] فالمقصود من إنزالها أن تفهم وأن يعمل بها، لا لمجرد التلاوة.

فَلَوْ سَمِعَهَا السَّامِعُ وَلَمْ يَفْهَمْهَا كَانَ مَذْمُومًا، وَلَوْ فَهِمَهَا وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهَا كَانَ مَذْمُومًا، بَلْ لَا بُدَّ لِكُلِّ أَحَدٍ عِنْدَ سَمَاعِهَا مِنْ فَهْمِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا. كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ اسْتِمَاعِهَا، فَالْمُعْرِضُ عَنْ اسْتِمَاعِهَا كَافِرٌ، وَاَلَّذِي لَا يَفْهَمُ مَا أُمِرَ بِهِ فِيهَا كَافِرٌ، وَاَلَّذِي يَعْلَمُ مَا أُمِرَ بِهِ فَلَا يُقِرُّ بِوُجُوبِهِ وَيَفْعَلُهُ كَافِرٌ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَذُمُّ الْكُفَّارَ بِهَذَا وَهَذَا وَهَذَا.

الشيخ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3] لا حول ولا قوة إلا بالله.

كَقَوْلِهِ: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ۝ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ۝ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر:49-51]، وَقَوْلِهِ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، وَقَوْلِهِ: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [فصلت:3-4] وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.

وَقَالَ فِيمَنْ لَمْ يَفْهَمْهَا وَيَتَدَبَّرْهَا: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23] فَذَمَّهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ وَلَوْ فَهِمُوا لَمْ يَعْمَلُوا بِعِلْمِهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۝ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ۝ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ [الأنفال:21-23]، وَقَالَ: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا [الفرقان:73].

قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يَتَغَافَلُوا عَنْهَا فَكَأَنَّهُمْ صُمٌّ لَمْ يَسْمَعُوهَا عَمَّنْ لَمْ يَرَوْهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَمْ يَبْقَوْا عَلَى حَالِهِمْ الْأُولَى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يَرَوْا وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا خَرُّوا حَقِيقَةً. تَقُولُ الْعَرَبُ شَتَمْت فُلَانًا فَقَامَ يَبْكِي وَقَعَدَ يَنْدُبُ وَأَقْبَلَ يَعْتَذِرُ وَظَلَّ يَفْتَخِرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَامَ وَلَا قَعَدَ.

قُلْت: فِي ذِكْرِهِ سُبْحَانَهُ لَفْظُ الْخُرُورِ دُونَ غَيْرِهِ حِكْمَةٌ فَإِنَّهُمْ لَوْ خَرُّوا وَكَانُوا صُمًّا وَعُمْيَانًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَمْدُوحًا بَلْ مَعِيبًا. فَكَيْفَ إذَا كَانُوا صُمًّا وَعُمْيَانًا بِلَا خُرُورٍ؟ فَلَا بُدَّ مِنْ شَيْئَيْنِ: مِنْ الْخُرُورِ وَالسُّجُودِ، وَلَا بُدَّ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لِمَا فِي آيَاتِهِ مِنْ النُّورِ وَالْهُدَى وَالْبَيَانِ.

وَكَذَلِكَ لَمَّا شُرِعَتْ الصَّلَاةُ شُرِعَ فِيهَا الْقِرَاءَةُ فِي الْقِيَامِ ثُمَّ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَأَوَّلُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] فَافْتَتَحَهَا بِالْأَمْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَخَتَمَهَا بِالْأَمْرِ بِالسُّجُودِ فَقَالَ: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [السجدة:15] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّذْكِيرَ بِهَا كَقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ مُوجِبٌ لِلسُّجُودِ وَالتَّسْبِيحِ، وَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ إذَا ذُكِّرَ بِهَا يَخِرُّ سَاجِدًا وَيُسَبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّهِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنِ، وَهَذَا مُتَنَاوِلٌ الْآيَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا سُجُودٌ، وَهِيَ جُمْهُورُ آيَاتِ الْقُرْآنِ، فَفِي الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ آلَافِ آيَةٍ، وَأَمَّا آيَاتُ السَّجْدَةِ فَبِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً.

الشيخ: المقصود أن السجود الخضوع لله والذل والانكسار بين يديه، هكذا المؤمنون إذا سمعوا آيات الله وتلوها خروا سجدا، يعني ذلوا لله وأعظموا أمره وسارعوا إلى مراضيه وابتعدوا عن مناهيه.

وَقَوْلُهُ: ذُكِّرُوا بِهَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْآيَاتِ فَالتَّذْكِيرُ بِهَا جَمِيعُهَا مُوجِبٌ لِلتَّسْبِيحِ وَالسُّجُودِ وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ وَالسُّجُودِ.

الشيخ: ولهذا شرع الله لعباده الركوع والسجود، كله خضوع لله، يسمى الركوع سجود، ويسمى السجود ركوع، ويسمى الذل لله والانكسار خضوع لله وركوع لله وسجود لله، كل هذا من آثار تدبر آياته وتدبر أسمائه وصفاته جل وعلا حتى يذل لله وينقاد لشرعه.

وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ عَامَّةُ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ جِنْسِ التَّسْبِيحِ، فَمَنْ لَمْ يُسَبِّحْ فِي السُّجُودِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَإِذَا أَتَى بِنَوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّسْبِيحِ الْمَشْرُوعِ أَجْزَأَهُ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. قِيلَ: لَا يَجِبُ ذِكْرٌ بِحَالِ، وَقِيلَ: يَجِبُ وَيَتَعَيَّنُ قَوْلُهُ: "سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى" لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ جِنْسُ التَّسْبِيحِ وَإِنْ كَانَ هَذَا النَّوْعُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِهِ أَنْ يُجْعَلَ فِي السُّجُودِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحِ أَنْوَاعٌ أُخَرُ.

وَقَوْلُهُ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ فِيهِ كَلَامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، إذْ قَدْ يُقَالُ الْمُسَبِّحُ لِرَبِّهِ: بِأَيِّ اسْمٍ سَبَّحَهُ فَقَدْ سَبَّحَ اسْمَ رَبِّهِ الْأَعْلَى، كَمَا أَنَّهُ بِأَيِّ اسْمٍ دَعَاهُ فَقَدْ دَعَا رَبَّهُ الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى كَمَا قَالَ: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110]، وَقَالَ: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] فَإِذَا كَانَ يُدْعَى بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَبِأَيِّ اسْمٍ دَعَاهُ فَقَدْ دَعَا الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَهُوَ يُسَبِّحُ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَبِأَيِّ اسْمٍ سَبَّحَ فَقَدْ سَبَّحَ الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَسْمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ، وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.

الشيخ: ولهذا ثبت عنه ﷺ أنه كان يقول في السجود: سبحان ربي الأعلى، وفي الركوع: سبحان ربي العظيم، وأمر بذلك، فهذا هو الواجب، ومع ذلك مستحب أن يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، كل هذا من باب المشروع من باب الكمال سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وأقل الواجب أن يقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم في الركوع، هذا أقل شيء مع التكرار.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ تَابِعٌ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي قَوْله تَعَالَى فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ [الانشقاق:20-21] فَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ.

الشيخ: والمراد بالسجود هنا الخضوع لله والذل، الركوع والسجود معناه إشارة إلى الذل لله، والانكسار بين يديه سبحانه وتعالى، وهذا معنى قوله: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة: 58] يعني خاضعين منقادين لشرع الله معظمين.

وَأَنَّهُ مَنْ قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالسُّجُودِ، وَالْمُصَلِّي قَدْ قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَذَلِكَ سَبَبٌ لِلْأَمْرِ بِالسُّجُودِ، فَلِهَذَا يَسْمَعُ الْقُرْآنَ وَيَسْجُدُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ نَفْسِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ الْقُرْآنَ. وَقَدْ يُقَالُ: لَا يُصَلُّونَ؛ لَكِنْ قَوْلَهُ: خَرُّوا سُجَّدًا [السجدة:15] صَرِيحٌ فِي السُّجُودِ الْمَعْرُوفِ لِاقْتِرَانِهِ بِلَفْظِ الْخُرُورِ.

وَأَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ فَفِيهَا نِزَاعٌ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ [الانشقاق:21] فِيهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَا يُصَلُّونَ، قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ.

وَالثَّانِي: لَا يَخْضَعُونَ لَهُ وَلَا يَسْتَكِينُونَ لَهُ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى.

قَالَ: وَاحْتَجَّ بِهَا قَوْمٌ عَلَى وُجُوبِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى لَا يَخْشَعُونَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَضَافَ السُّجُودَ إلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَالسُّجُودُ يَخْتَصُّ بِمَوَاضِعَ مِنْهُ.

قُلْت: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ لَا يَذْكُرُونَ غَيْرَهُ: كَالثَّعْلَبِيِّ والبغوي، وَحَكَوْهُ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ.

وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: فَمَا عَلِمْت أَحَدًا نَقَلَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ، وَاَلَّذِينَ قَالُوهُ إنَّمَا قَالُوهُ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ أَنْ يَسْجُدَ، فَأَرَادُوا أَنْ يُفَسِّرُوا الْآيَةَ بِمَعْنَى يَجِبُ فِي كُلِّ حَالٍ، فَقَالُوا: يَخْضَعُونَ وَيَسْتَكِينُونَ، فَإِنَّ هَذَا يُؤْمَرُ بِهِ كُلُّ مَنْ قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ. وَلَفْظُ السُّجُودِ يُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْخُضُوعِ وَالِاسْتِكَانَةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ، لَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: الْخُضُوعُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَخُضُوعُ الْإِنْسَانِ وَخُشُوعُهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالسُّجُودِ الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ السُّجُودِ الْمُضَافِ إلَى بَنِي آدَمَ حَيْثُ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ؛ إذْ هُوَ خُضُوعُ الْآدَمِيِّ لِلرَّبِّ، وَالرَّبُّ لَا يَرْضَى مِنْ النَّاسِ بِدُونِ هَذَا الْخُضُوعِ إذْ هُوَ غَايَةُ خُضُوعِ الْعَبْدِ.

الشيخ: وجعله الله ركنا في الصلاة، لا صلاة إلا بهذا الخضوع وهو السجود لأنه كما الخضوع لله .

وَلِكُلِّ مَخْلُوقٍ خُضُوعٌ بِحَسْبِهِ هُوَ سُجُودُهُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سُجُودُ الْإِنْسَانِ لَا يُرَادُ بِهِ إلَّا خُضُوعٌ لَيْسَ فِيهِ سُجُودُ الْوَجْهِ فَهَذَا لَا يُعْرَفُ، بَلْ يُقَالُ: هُمْ مَأْمُورُونَ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ بِالسُّجُودِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السُّجُودُ التَّامُّ عَقِبَ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، فَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ فَقَدْ أَتَوْا بِالسُّجُودِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ لَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِمْ حَصَلَ لَهُمْ نَوْعٌ مِنْ الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ بِاعْتِقَادِ الْوُجُوبِ وَالْعَزْمِ عَلَى الِامْتِثَالِ. فَإِذَا اعْتَقَدُوا وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَعَزَمُوا عَلَى الِامْتِثَالِ فَهَذَا مَبْدَأُ السُّجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ إذَا صَلَّوْا فَهَذَا تَمَامُهُ كَمَا قَالَ فِي الْمُشْرِكِينَ: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5] فَهُمْ إذَا تَابُوا وَالْتَزَمُوا الصَّلَاةَ كُفَّ عَنْ قِتَالِهِمْ. فَهَذَا مَبْدَأُ إقَامَتِهَا ثُمَّ إذَا فَعَلُوهَا فَقَدْ أَتَمُّوا إقَامَتَهَا. وَأَمَّا إذَا الْتَزَمُوهَا بِالْكَلَامِ وَلَمْ يَفْعَلُوا فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَجَدَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ صَلَّيْت مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق:1] فَسَجَدَ فَقُلْت: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْت بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ وَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّتِهِ. وَأَمَّا سُجُودُهُ فِيهَا فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ دُونَ الْبُخَارِيِّ.

وَالسُّجُودُ فِيهَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ لَفْظَ السُّجُودِ فِيهَا لَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا مُطْلَقَ الْخُضُوعِ وَالِاسْتِكَانَةِ؟ وَأَمَّا السُّجُودُ الْمَعْرُوفُ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ السُّجُودُ الْخَاصُّ مَشْرُوعًا إذَا تُلِيَتْ لَا سِيَّمَا فِي الصَّلَاةِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ جَوَابُ مَنْ أَجَابَ مَنْ احْتَجَّ بِهَا عَلَى وُجُوبِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْخُضُوعُ.

فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا فُسِّرَ السُّجُودُ بِالصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ لَمْ يَجِبْ سُجُودُ التِّلَاوَةِ؟

قِيلَ: الصَّلَاةُ مُرَادَةٌ مِنْ جِنْسِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. كَمَا تَقَدَّمَ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تُوجِبُ عَلَى مَنْ قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَنْ يَسْجُدَ، فَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ قَرِيبًا إذَا حَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ سَاعَةٍ يُقْرَأُ عَلَيْهِ فِيهَا الْقُرْآنُ إلَّا هُوَ وَقْتُ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا؛ إذْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ، فَإِذَا لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ مِمَّنْ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُ، فَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَةً يَخِرُّ فِيهَا مِنْ قِيَامٍ وَسَجْدَةٍ يَخِرُّ فِيهَا مِنْ قُعُودٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بَعْدَ رُكُوعٍ كَمَا بَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ. وَأَمَّا السُّجُودُ عِنْدَ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَةِ: فَهُوَ السُّجُودُ الْخَاصُّ، وَهُوَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ، وَهَذَا سُجُودٌ مُبَادَرٌ إلَيْهِ عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّهَا أَمَرَتْهُ أَنْ يَسْجُدَ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَمِنْ تَمَامِ الْمُبَادَرَةِ أَنْ يَسْجُدَ عِنْدَ سَمَاعِهَا سُجُودَ التِّلَاوَةِ، ثُمَّ يَسْجُدَ عِنْدَ تِلَاوَةِ غَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَأْمُرُ بِالسُّجُودِ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ هِيَ أَوْ غَيْرُهَا فَهِيَ الْآمِرَةُ بِالسُّجُودِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ دُونَ سَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي لَا يَسْجُدُ عِنْدَهَا، فَكَانَ لَهَا حَضٌّ مِنْ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ مَعَ عُمُومِ كَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ فَتُخَصُّ بِالسُّجُودِ لَهَا وَيَسْجُدُ فِي الصَّلَاةِ إذَا قُرِئَتْ كَمَا يَسْجُدُ إذَا قُرِئَ غَيْرُهَا. وَبِهَذَا فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَإِنَّهُ سَجَدَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ وَفَعَلَهُ إذَا خَرَجَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ أَوْ تَفْسِيرًا لِمُجْمَلِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ الَّذِي سَجَدَهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ لَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. وَالصَّلَاةُ مَفْرُوضَةٌ وَإِتْمَامُهَا مَفْرُوضٌ فَلَا تُقْطَعُ إلَّا بِعَمَلِ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ إتْمَامِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ إتْمَامِهَا بِلَا سُجُودٍ، وَلَوْ زَادَ فِي الصَّلَاةِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَهُنَا سُجُودُ التِّلَاوَةِ مَشْرُوعٌ فِيهَا.

وَعَنْ أَحْمَد فِي وُجُوبِ هَذَا السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ رِوَايَتَانِ؛ وَالْأَظْهَرُ الْوُجُوبُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لِوُجُوهِ مُتَعَدِّدَةٍ: مِنْهَا أَنَّ نَفْسَ الْأَئِمَّةِ يُؤْمَرُونَ أَنْ يُصَلُّوا كَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ هَكَذَا صَلَّى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الشيخ: لقوله: صلوا كما رأيتموني أصلي.

 

وَقَوْلُهُ: لَا يَسْجُدُونَ وَلَمْ يَقُلْ لَا يُصَلُّونَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ السُّجُودَ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَ الصَّلَاةِ فَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا الْخُضُوعَ وَالْخُشُوعَ كَمَا مُثِّلَ. فَالْقُرْآنُ مُوجِبٌ لِمُسَمَّى السُّجُودِ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، فَمَا مِنْ سُجُودٍ إلَّا وَالْقُرْآنُ مُوجِبٌ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا فَهُوَ كَافِرٌ.

الشيخ: والمقصود من هذا كله أن جنس السجود واجب على العبد، ولا بد من خضوعه لله في صلاته، النافلة والفريضة، والركوع والسجود، وغير ذلك، فالسجود سجودان: سجود الذل والخضوع هذا عام في كل عبادة، وسجود الركوع والسجود هذا خاص بالصلوات، فلا بد من هذا وهذا، أما سجود التلاوة نفسه فهو مستحب، سجود التلاوة مستحب، ولهذا ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قرأ عليه زيد بن ثابت سورة النجم فلم يسجد فيها تعليما للأمة أنه لا يجب وإنما هو مستحب، وهكذا جاء في حديث آخر أنه ﷺ سجد بهم تارة وتركها أخرى وهو يخطب .

وَلَكِنْ لَا يَجِبُ كُلُّ سُجُودٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ، بَلْ هُوَ بِحَسَبِ مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنْ الْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى تَكْرَارِ السُّجُودِ عِنْدَ تَكْرَارِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، وَهَذَا وَاجِبٌ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ بِالسُّجُودِ: فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، فَإِنَّهَا فَرْضٌ بِالِاتِّفَاقِ وَيَتَنَاوَلُ سُجُودَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَنَّ السُّجُودَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا تُلِيَ سَبَبًا لَهُ وَإِلَّا كَانَ أَجْنَبِيًّا.

وَالْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا السُّجُودَ مِنْ السُّجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَخْرُجُ السُّجُودُ الْمَقْرُونُ بِالْأَمْرِ عَنْ الْأَمْرِ وَهَذَا كَسُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ لَمَّا أُمِرُوا. وَهَكَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي. يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ. أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَأَبَيْت فَلِي النَّارُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ هَذَا تَرْغِيبًا فِي هَذَا السُّجُودِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا السُّجُودَ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا كَانَ السُّجُودُ لِآدَمَ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا أَمْرٌ وَقَدْ سُنَّ السُّجُودُ عَقِبَهُ، فَمَنْ سَجَدَ كَانَ مُتَشَبِّهًا بِالْمَلَائِكَةِ وَمَنْ أَبَى تَشَبَّهَ بإبليس؛ بَلْ هَذَا سُجُودٌ لِلَّهِ فَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ السُّجُودِ لِآدَمَ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ كَافٍ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْوُجُوبِ وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ الْمُقَيَّدُ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ أَيْضًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَرَأَ وَالنَّجْمِ [النجم:1] سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُمْ سَجَدُوا إلَّا رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصَى وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْته بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِهَذَا السُّجُودِ وَأَنَّ تَارِكَهُ كَانَ مَذْمُومًا وَلَيْسَ هُوَ سُجُودَ الصَّلَاةِ؛ بَلْ كَانَ خُضُوعًا لِلَّهِ وَفِيهِمْ كُفَّارٌ وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَضِّئًا، لَكِنْ سُجُودُ الْخُضُوعِ إذَا تُلِيَ كَلَامُهُ.

كَمَا أَثْنَى عَلَى مَنْ إذَا سَمِعَهُ سَجَدَ فَقَالَ: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58]، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۝ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ۝ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109] وَهَذَا وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ مُتَنَاوِلٌ سُجُودَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُمْ إذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ رَكَعُوا وَسَجَدُوا فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مُتَنَاوِلٌ سُجُودَ الْقُرْآنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ هُنَاكَ السُّجُودَ بَعْضُ الصَّلَاةِ، وَهُنَا ذَكَرَ سُجُودًا مُجَرَّدًا عَلَى الْأَذْقَانِ، فَمَا بَقِيَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ لَا يَكُونُ عَلَى الْأَذْقَانِ.

وَقَوْلُهُ: لِلْأَذْقَانِ أَيْ عَلَى الْأَذْقَانِ كَمَا قَالَ: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103] أَيْ عَلَى الْجَبِينِ. وَقَوْلُهُ: لِلْأَذْقَانِ يَدُلُّ عَلَى تَمَامِ السُّجُودِ وَأَنَّهُمْ سَجَدُوا عَلَى الْأَنْفِ مَعَ الْجَبْهَةِ حَتَّى الْتَصَقَتْ الْأَذْقَانُ بِالْأَرْضِ لَيْسُوا كَمَنْ سَجَدَ عَلَى الْجَبْهَةِ فَقَطْ، وَالسَّاجِدُ عَلَى الْأَنْفِ قَدْ لَا يُلْصِقُ الذَّقَنَ بِالْأَرْضِ إلَّا إذَا زَادَ انْخِفَاضُهُ.

وَأَمَّا احْتِجَاجُ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ لَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ زَيْدٌ النَّجْمَ وَيَقُولُ عُمَرُ: لَمَّا قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النَّحْلِ حَتَّى جَاءَ السَّجْدَةَ فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَهَا حَتَّى جَاءَ السَّجْدَةُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ: فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ تَشَرَّفُوا، فَقَالَ: إنَّا نَمُرُّ بِالسَّجْدَةِ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا وَلَكِنْ قَدْ تَشَوَّفْتُمْ ثُمَّ نَزَلَ فَسَجَدَ. فَيُقَالُ: تِلْكَ قَضِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَلَعَلَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْجُدُ زَيْدٌ لَمْ يَسْجُدْ هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنْتَ إمَامُنَا فَإِنْ سَجَدْت سَجَدْنَا.

وَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ جَلَسَ إلَيْهَا وَاسْتَمَعَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَمِعِ وَلَا تَجِبُ عَلَى السَّامِعِ.

الشيخ: وهذا فيه نظر، لأن الرسول ﷺ لم يسجد ولم يأمر زيدا بالسجود وهو في الصحيحين لما قرأ سورة النجم ولم يسجد فيها، فلو كانت واجبة لأمر بها زيد، لو كان السجود واجبا لأمره، وقال: اسجد، فلما ترك ذلك دل على عدم الوجوب، وأن الرسول ﷺ تعمد ذلك ليعلم الناس أنها غير واجبة، والسجود مستحب. وأما الوعيد فالمراد السجود الذي أوجبه الله على العبد في صلاته وخشوعه لله - جل وعلا - في الصلوات كلها، السجود لا بد منه، أما سجود التلاوة وهو السجود الخاص فهذا مستحب في الصلاة وخارجها.

وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ إذَا لَمْ يَسْجُدْ الْقَارِئُ. وَقَدْ يُقَالُ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عُذْرٌ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: أَنَّ السُّجُودَ فِيهَا مَشْرُوعٌ. فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: يُمْكِنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ، لَكِنْ قَدْ يُرَجَّحُ جَوَازُ السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ السُّجُودَ فِي النَّجْمِ وَحْدَهَا مَنْسُوخٌ؛ بِخِلَافِ اقْرَأْ وَالِانْشِقَاقِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَجَدَ فِيهِمَا وَسَجَدَ مَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَهُوَ أَسْلَمَ بَعْدَ خَيْبَرَ. وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ لَمْ يَسْجُدْ فِي الْمُفَصَّلِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَأَمَّا سُوَرُ النَّجْمِ: بَلْ حَدِيثُ زَيْدٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِيهَا، قَالَ هَؤُلَاءِ: فَيَكُونُ النَّسْخُ فِيهَا خَاصَّةً لَا فِي غَيْرِهَا لَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ قَدْ أَلْقَاهُ حِينَ ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ وَافَقَهُمْ تَرْكَ السُّجُودِ فِيهَا بِالْكُلِّيَّةِ سَدًّا لِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ. وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ تَأْتِي فِي آخِرِ الْقِيَامِ، وَسَجْدَةُ الصَّلَاةِ تُغْنِي عَنْهَا، فَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَلَوْ كَانَ صَرِيحًا لَكَانَ قَوْلُهُ وَإِقْرَارُ مَنْ حَضَرَ وَلَيْسُوا كُلَّ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. ثُمَّ يُقَالُ: قَدْ يَكُونُ مُرَادُ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا السُّجُودُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَهُوَ إذَا قَرَأَهَا الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ السُّجُودَ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَيْسَ كَالسُّجُودِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ فِيهِ الْإِمَامُ الْخُطْبَةَ وَيَعْمَلُ عَمَلًا كَثِيرًا، وَالسُّنَّةُ فِي الْخُطْبَةِ الْمُوَالَاةُ، فَلَمَّا تَعَارَضَ هَذَا وَهَذَا صَارَ السُّجُودُ غَيْرَ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ يَشْتَغِلُ بِعِبَادَةِ أَفْضَلَ مِنْهُ وَهُوَ خُطْبَةُ النَّاسِ، وَإِنْ سَجَدَ جَازَ.

وَلِهَذَا يَقُولُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: إنَّ هَذَا السُّجُودَ لَا يُسْتَحَبُّ، قَالَ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عِنْدَنَا عَلَى أَنْ يَسْجُدَ الْإِمَامُ إذَا قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُسْتَحَبُّ السُّجُودُ فِي الصَّلَاةِ لَا السِّرِّ وَلَا الْجَهْرِ.

وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا يَقُولُونَ: لَا يُسْتَحَبُّ فِي صَلَاةِ السِّرِّ مَعَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُوجِبُ السُّجُودَ، وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يُوجِبُهُ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ لَمْ يَسْتَحِبُّوهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ بَلْ اتِّصَالُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ.

الشيخ: لأن صلاة السر فيها إيهام، لو سجد للتلاوة فيها إيهام، قد يسجد ويحسبونه سجود الصلاة، وقد يركعون أيضا ما يفهمون، المقصود أن صلاة السر لا يشرع فيها سجود التلاوة، إنما يشرع في سجود الجهر لأنهم يسمعون الآيات، أما في السر فإنه لا يقرأ، إن قرأ آية السجد لا يسجد لأن فيها إيهاما للناس.

س: الحديث الوارد في هذا؟

الشيخ: ضعيف، الحديث الوارد في هذا ضعيف.

س: لو سجد الإمام في السرية يتابع؟

الشيخ: السنة ألا يسجد لئلا يشوش على الناس، لو قرأها لا يسجد حتى لا يحصل تشويش.

س: ولو سجد يتابعه المأمومون؟

الشيخ: يتابعونه نعم، لو سجد يتابعونه إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه لكن السنة ألا يسجد لها لئلا يحصل تشويش على الناس، تكون السجدة في الجهرية.

س: قول ... لا يتابع الإمام في السجود للتلاوة في السرية؟

الشيخ: ما أعرف هذا.

فَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مُرَادَ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَقُولُ لَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الدُّعَاءَ بِعَرَفَةَ لَمَّا كَانَتْ سُنَّتُهُ الِاتِّصَالَ لَمْ يَقْطَعْ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ بَلْ صُلِّيَتْ قَبْلَهُ فَكَذَلِكَ الْخَاطِبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَقْصُودُهُ خِطَابُهُمْ وَأَمْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ ثُمَّ الصَّلَاةُ عَقِبَ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَشْتَغِلُوا عَنْ هَذَا الْمَقْصُودِ مَعَ أَنَّ عَقِبَهُ يَحْصُلُ السُّجُودُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ يَسْقُطُ لِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ قَرَأَ لِنَفْسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ دُونَ النَّاسِ كَمَا لَا يَشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَسْجُدَ لِسَهْوِهِ؛ لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ أَوْلَى مِنْ السُّجُودِ وَهُوَ مَعَ الْبُعْدِ، وَإِنْ قُلْنَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فَهُوَ كَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ إمَامِهِ، وَلَوْ قَرَأَ بِالسَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ بِهَا دُونَ الْإِمَامِ، وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا نِزَاعًا.

الشيخ: وهذا أمر معلوم، لأن المأموم ليس له مخالفة إمامه لو سجد، لو قرأ بآية فيها سجدة لم يسجد، بل عليه أن يتابع الإمام، وإنما الذي يسجد الإمام إذا قرأها، لكن في السرية لا يسجد لئلا يشوش على الناس.

فَهُنَا مُحَافَظَتُهُ عَلَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فِي الْفِعْلِ الظَّاهِرِ أَفْضَلُ مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَمِنْ سُجُودِ السَّهْوِ، بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ إنَّمَا سَجَدَ النَّاسُ لَمَّا سَجَدَ عُمَرُ وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسْجُدُوا حِينَئِذٍ. فَإِذَا كَانَ حَدِيثُ عُمَرَ قَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْحَالِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حُجَّةٌ وَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا. وَأَيْضًا فَسُجُودُ الْقُرْآنِ هُوَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ إذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فِي الْجَامِعِ سَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ لِلَّهِ.

الشيخ: قف على (وأيضًا) رحمه الله، والخلاصة أن الصواب أن سجود التلاوة مستحب وليس بواجب خلافا لما ذكره المؤلف رحمه الله، الصواب أنه مستحب فقط وليس بواجب، وإذا تركه الإمام في خطبة الجمعة أو بعض الأحيان فلا بأس لبيان أنه ليس بواجب، والقاعدة مثل ما هو معروف، يقول الله جل وعلا: إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، القاعدة: رد مسائل النزاع إلى الله والرسول، فلما سجد النبي ﷺ تارة، وترك تارة، دل على عدم الوجوب، وتركه ثابت في الصحيحين فدل ذلك على أنه إن سجد فهو أفضل، وإن ترك السجود لأسباب أخرى ومصالح أخرى فلا بأس.

س: .....؟

الشيخ: المستمع نعم، إن استمع شرع له السجود، أما المار ما أراد السماع ما يشرع له السجود، إنما يشرع السجود للمستمع الذي يستمع القراءة يسجد مع القارئ.

س: .....؟

الشيخ: هذا السنة، السنة للمستمع.

الشيخ: وفي قصة نجران وما جاء في معناها عظة للمؤمنين وأن كثيرا من هؤلاء من اليهود والنصارى منعهم المال والطمع أو الكبر أو إيثار الرياسة حتى صدوا عن الحق، وقد أخبر الله عنهم: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] فالمقصود أن الواجب على المؤمن الحذر من صفات هؤلاء، وألا يمنعه كبر أو رياسة أو طمع مال وما أشبه ذلك في العدول عن الحق، بل يجب إيثار الحق وقبول الحق وإن ماتت الدنيا وذهبت الدنيا، فما عند الله خير وأبقى نسأل الله العافية.

وَأَيْضًا فَسُجُودُ الْقُرْآنِ هُوَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ إذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فِي الْجَامِعِ سَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَفِي تَرْكِ ذَلِكَ إخْلَالٌ بِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا رَجَّحْنَا أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ.

الشيخ: هذا هو الصواب لأنها صلاة جماعية تعود بعود السنة كالجمعة، تعود بعود الأسبوع، فالصواب أن صلاة العيد واجبة على الأعيان كالجمعة، وقال قوم: إنها فرض كفاية، وقال آخرون قولا ثالثا: أنها سنة، فالأقوال ثلاثة: سنة، الثاني: فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، القول الثالث: أنها فرض عين كالجمعة وهذا هو الأرجح.

س: .....؟

الشيخ: ما يجوز له تركها، يجب عليه التوبة إلى الله، لكن ما هي مثل الصلوات الخمس لا يكفر لأن فيها خلاف.

س: حديث الأعرابي: «هل علي غيرها»؟

الشيخ: لعله قبل هذا.

س: .....؟

الشيخ: يقضيها نعم، يقضيها ركعتان في المسجد أو في البيت.

وَلِهَذَا رَجَّحْنَا أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ لَا تَجِبُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاسُ يَجْتَمِعُونَ لَهَا أَعْظَمَ مِنْ الْجُمُعَةِ وَقَدْ شُرِعَ فِيهَا التَّكْبِيرُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا يَنْضَبِطُ فَإِنَّهُ لَوْ حَضَرَهَا فِي الْمِصْرِ الْعَظِيمِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِحُضُورِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ.