10 من قوله: (وسئل شيخ الإسلام عن إمام شافعي يصلي بجماعة)

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:

عَنْ إمَامٍ شَافِعِيٍّ يُصَلِّي بِجَمَاعَةِ حَنَفِيَّةٍ وَشَافِعِيَّةٍ، وَعِنْدَ الْوِتْرِ الْحَنَفِيَّةُ وَحْدَهُمْ.

فَأَجَابَ:

قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيت الصُّبْحَ فَصَلِّ وَاحِدَةً تُوتِرُ لَك مَا صَلَّيْت، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مَفْصُولَةٍ عَمَّا قَبْلَهَا، وَإِنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسِ وَسَبْعٍ لَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ.

وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ، وَأَنَّ الْوِتْرَ بِثَلَاثِ بِسَلَامِ وَاحِدٍ أَيْضًا كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ لَمْ تَبْلُغْ جَمِيعَ الْفُقَهَاءِ فَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الْوِتْرَ بِثَلَاثِ مُتَّصِلَةٍ كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ كَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الْوِتْرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الْوِتْرَ بِخَمْسِ وَسَبْعٍ وَتِسْعٍ مُتَّصِلَةٍ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمَالِكٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَأَوْتَرَ عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ يَتْبَعُهُ الْمَأْمُومُ فِي ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الشيخ: وهذا هو الصواب أن العمدة السنة ولا عبرة بالخلاف، العمدة السنة فإذا أوتر بثلاث جميعا أو بخمس جميعا أو سبع جميعا بسلام واحد فلا بأس، ثبتت السنة بهذا، ثبت عنه ﷺ أنه ربما أوتر بثلاث جميعا لا يجلس إلا في آخرها، وبخمس جميعا وبسبع جميعا لا حرج في ذلك، وفي بعض الروايات أنه جلس في السادسة للتشهد الأول ثم أتى بالسابعة، وهكذا جاء في التسع جلس في الثامنة وتشهد التشهد الأول ثم قام وأتى بالتاسعة.

أما الخمس فلم يجلس فيها سردها خمسا، والثلاث لم يجلس فيها سردها ثلاثا، فإذا سرد خمسا جميعا أو ثلاثا جميعا فلا بأس بذلك، لكن الأفضل الثنتين يسلم من كل ثنتين هذا هو الأفضل لقوله ﷺ: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى ركعة واحدة أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، وفي رواية أهل السنن وأحمد: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وسنده جيد أيضا، فالسنة هكذا ثنتين ثنتين هذا هو الأفضل ثم يوتر بواحدة، لكن لو سرد ثلاثا جميعا لكن لا يشبهها بالمغرب يسردها جميعا بجلسة واحدة، أو خمسا جميعا فلا بأس، أو سبعا جميعا، السبع يخير فيها إن شاء سردها جميعا وإن شاء سردها في السادسة للتشهد الأول ثم أتى بالسابعة، أما التسع فيجلس في الثامنة للتشهد الأول ثم يأتي بالتاسعة، والأفضل أن يسلم من كل ثنتين ثنتين هذا هو الأفضل وهذا هو الأغلب من فعله ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها: كان يصلي من الليل عشر ركعات يسلم من كل ثنتين، ثم يوتر بواحدة. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى.

س: التسع بسلام واحد؟

ج: جاء بسلام واحد، لكن يجلس في الثامنة للتشهد الأول.

س: .....؟

ج: لا، السبع يخير إن شاء جلس في السادسة وإن شاء سردها، والذي جاء في التاسعة الجلوس ما جاء فيها أنه سردها، جاء فيما نعلم الجلوس في الثامنة للتشهد الأول ثم يأتي بالتاسعة، ولكن الأفضل أن يسلم من كل ثنتين هذا هو الكمال.

وَسُئِلَ:

عَنْ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ؟

فَأَجَابَ:

وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ: فَهَذِهِ رَوَى فِيهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ:أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا أَوْتَرَ بِتِسْعِ. فَإِنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِإِحْدَى عَشْرَةَ ثُمَّ كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ وَيُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ. وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ مَا سَمِعُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِهَذَا يُنْكِرُونَ هَذِهِ، وَأَحْمَد وَغَيْرُهُ سَمِعُوا هَذَا وَعَرَفُوا صِحَّتَهُ.

وَرَخَّصَ أَحْمَد أَنْ تُصَلَّى هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ كَمَا فَعَلَ ﷺ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ لَكِنْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُذَمُّ مَنْ تَرَكَهَا وَلَا تُسَمَّى "زَحَّافَةً".

الشيخ: والأصح في هذا مثل ما قال ﷺ: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا هكذا جاء في الصحيحين، فالأفضل أن يختم بواحدة، أما ما جاء في رواية عائشة وأم سلمة أنه صلى ركعتين وهو جالس بعد الوتر فلعله فعله بعض الأحيان لبيان الجواز ليبين للأمة أنه يجوز لمن أوتر أن يصلي، لو أوتر مثلا في نصف الليل أو في آخر الليل ثم رأى ساعة صلى ما يسر الله له، قد يوتر الإنسان ثم تبين أنه مبكر وباقي ليل فإذا أحب أن يصلي ركعتين أو أربع ركعات أو أكثر لأنه ليس وقت نهي، ومثل من أوتر مع إمام في التراويح في رمضان ثم يصلي ما يسر الله له في آخر الليل شفعا فهذا لا حرج فيه لأنه ﷺ صلى بعد الوتر ركعتين ليبين للأمة جواز ذلك، لكن الأفضل للإنسان أن يختم صلاته بالوتر إذا قام آخر الليل أو في أول الليل، فإذا رزقه الله قياما في آخر الليل وقد أوتر في أول الليل فليصل ما يسر الله له: ثنتين، أربع، ست، ثمان، يسلم من كل ثنتين ويكفيه الوتر الأول لقوله ﷺ: لا وتران في ليلة.

س: .....؟

ج: ثنتين، يسلم من كل ثنتين، ما ورد سرد إلا في السبع والخمس والثلاث والتسع بس، الإحدى عشر ما جاء فيها سرد، يسلم من كل ثنتين.

س: هل يقال أن صلاة ركعتين بعد الوتر سنة؟

ج: لا مانع أن يقال سنة ويقال جائز؛ لأن الغالب في الأحاديث أن السنة الختم بالوتر لأن في الصحيحين: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا فهذا يدل على أنها جائزة فقط.

وَلَا يُذَمُّ مَنْ تَرَكَهَا وَلَا تُسَمَّى "زَحَّافَةً" فَلَيْسَ لِأَحَدِ إلْزَامُ النَّاسِ بِهَا وَلَا الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا، وَلَكِنَّ الَّذِي يُنْكِرُ مَا يَفْعَلُهُ طَائِفَةٌ مِنْ سَجْدَتَيْنِ مُجَرَّدَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ فَإِنَّ هَذَا يَفْعَلُهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَنْسُوبَيْنِ إلَى الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمُسْتَنَدُهُمْ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ سَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَغَيْرُهُ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ سَجْدَتَانِ مُجَرَّدَتَانِ وَغَلِطُوا، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ السَّجْدَةَ يُرَادُ بِهَا الرَّكْعَةُ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ. الْحَدِيثَ. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ رَكْعَتَانِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْفَجْرَ أَرَادَ بِهِ رَكْعَةً كَمَا جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ.

الشيخ: وهذا الذي قاله الشيخ هو الصواب، التطوع بسجدتين هذا لا أصل له، إنما المراد ركعتان بعد الوتر، وإذا عبر بعض الرواة بسجدتين المراد ركعتان يعني.

وَظَنَّ بَعْضٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا سَجْدَةٌ مُجَرَّدَةٌ وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْإِدْرَاكِ بِسَجْدَةِ مُجَرَّدَةٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، بَلْ لَهُمْ فِيمَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَلَا الْجَمَاعَةِ إلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجَمَاعَةِ بِتَكْبِيرَةٍ، وَقَدْ اسْتَفَاضَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ صَلَّى أَرْبَعًا، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ.

الشيخ: وهذا يعم الجمع وغيرها، فإذا أدرك ركعة من الجمعة صلى ثنتين، أما إذا جاء وقد رفع الإمام من الركوع الثاني فإنه يصلي ظهرا أربعا، وقد جاء صريحا في هذا في حديث آخر من حديث ابن عمر: من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته.

وَعَلَى هَذَا إذَا أَدْرَكَ الْمُسَافِرُ خَلْفَ الْمُقِيمِ رَكْعَةً: فَهَلْ يُتِمُّ، أَوْ يَقْصُرُ؟ فِيهَا قَوْلَانِ.

الشيخ: والصواب أنه يتم، إذا أدرك المسافر مع المقيم ركعة فإنه يتم؛ لأن السنة جاءت بأن المسافر إذا صلى خلف المقيم صلى أربعا.

 وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ لَفْظَ (السَّجْدَةِ) الْمُرَادُ بِهِ الرَّكْعَةُ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِأَبْعَاضِهَا فَتُسَمَّى قِيَامًا وَقُعُودًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا وَتَسْبِيحًا وَقُرْآنًا، وَأَنْكَرَ مِنْ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ سَجْدَةً مُفْرَدَةً فَإِنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ.

الشيخ: كونه يصلي بعد الصلاة سجدة هذا منكر لا أصل له، بدعة من البدع التي أحدثها الناس.

 وَالْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى الشَّرْعِ وَالِاتِّبَاعِ لَا عَلَى الْهَوَى وَالِابْتِدَاعِ.

الشيخ: هذه قاعدة شرعية: العبادات مبناها على الاتباع والنصوص لا على الهوى والاختراعات والرأي لا، مثل ما قال ﷺ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، وقال ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. فالعبادات الأصل فيها المنع والتوقيف إلا ما جاء به الشرع بخلاف أمور العادة وأمور الدنيا ومصالح الدنيا فهذه تخضع للتجارب وأقوال أهل الخبرة وما أشبه ذلك.

س: المسافر إذا أدرك أقل من ركعة؟

ج: الأحوط له أن يتم أربعا هذا الأحوط.

فَإِنَّ الْإِسْلَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ وَأَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ لَا نَعْبُدُهُ بِالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ.

الشيخ: هذا هو الإسلام مبني على أصلين، دين الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: أن لا يعبد إلا الله، والثاني: أن لا يعبد إلا بما شرع، فالأصل الأول هو تحقيق لا إله إلا الله، والأصل الثاني: تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، فلا نعبد ربنا إلا بما شرع نعبده وحده ونخصه بالعبادة لأنه المستحق لها، ولا نعبده إلا بما شرع أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، ويقول سبحانه: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا [الجاثية:18].

فَصْلٌ:

وَأَمَّا الصَّلَاةُ "الزَّحَّافَةُ" وَقَوْلُهُمْ: مَنْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَمُرَادُهُمْ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِسًا فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً، وَإِنْ تَرْكَهَا طُولَ عُمُرِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا وَلَا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمُرِهِ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَلَا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ وَلَا يُهْجَرُ وَلَا يُوسَمُ بِمِيسَمِ مَذْمُومٍ أَصْلًا؛ بَلْ لَوْ تَرَكَ الرَّجُلُ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْهَا كَتَطْوِيلِ قِيَامِ اللَّيْلِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُطَوِّلُهُ، وَكَقِيَامِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَارِجًا عَنْ السُّنَّةِ وَلَا مُبْتَدِعًا وَلَا مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ مَعَ اتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً طَوِيلَةً كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ وَيُصَلِّيَ بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ.

فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ صَارَ يُصَلِّي تِسْعًا يَجْلِسُ عَقِيبَ الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا عَقِيبَ التَّاسِعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ صَارَ يُوتِرُ بِسَبْعِ وَبِخَمْسِ، فَإِذَا أَوْتَرَ بِخَمْسِ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا عَقِيبَ الْخَامِسَةِ ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ. وَإِذَا أَوْتَرَ بِسَبْعِ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ إلَّا عَقِيبَ السَّابِعَةِ، وَرُوِيَ: أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ عَقِيبَ السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ مَنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْعُلَمَاءُ مُتَنَازِعُونَ فِيهَا: هَلْ تُشْرَعُ أَمْ لَا؟

فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّهَا لَا تُشْرَعُ بِحَالِ لِقَوْلِهِ ﷺ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَأَوَّلَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَكِنَّ الْأَحَادِيثَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ غَيْرَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ. فَظَنَّ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ الْمُرَادَ سَجْدَتَانِ مُجَرَّدَتَانِ فَكَانُوا يَسْجُدُونَ بَعْدَ الْوِتْرِ سَجْدَتَيْنِ مُجَرَّدَتَيْنِ وَهَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ وَلَا فَعَلَهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ، وَإِنَّمَا غَرَّهُمْ لَفْظُ السَّجْدَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِالسَّجْدَتَيْنِ الرَّكْعَتَانِ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ. أَيْ رَكْعَتَيْنِ. وَلَعَلَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِسًا نِسْبَتُهَا إلَى وِتْرِ اللَّيْلِ نِسْبَةُ رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ إلَى وِتْرِ النَّهَارِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ، فَأَوْتِرُوا صَلَاةَ اللَّيْلِ رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ. فَإِذَا كَانَتْ الْمَغْرِبُ وِتْرَ النَّهَارِ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَخْرُجْ الْمَغْرِبُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا لِأَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ هُمَا تَكْمِيلُ الْفَرْضِ وَجَبْرٌ لِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِنْ سَهْوٍ وَنَقْصٍ كَمَا جَاءَتْ السُّنَنُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا إلَّا ثُلُثُهَا إلَّا رُبُعُهَا إلَّا خُمُسُهَا حَتَّى قَالَ: إلَّا عُشْرُهَا فَشُرِعَتْ السُّنَنُ جَبْرًا لِنَقْصِ الْفَرَائِضِ. فَالرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لَمَّا كَانَتَا جَبْرًا لِلْفَرْضِ لَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ كَوْنِهَا وِتْرًا كَمَا لَوْ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، فَكَذَلِكَ وِتْرُ اللَّيْلِ جَبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَلِهَذَا كَانَ يُجْبِرُهُ إذَا أَوْتَرَ بِتِسْعِ أَوْ سَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ لِنَقْصِ عَدَدِهِ عَنْ إحْدَى عَشْرَةَ، فَهُنَا نَقْصُ الْعَدَدِ نَقْصٌ ظَاهِرٌ. وَإِنْ كَانَ يُصَلِّيهِمَا إذَا أَوْتَرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ كَانَ هُنَاكَ جَبْرًا لِصِفَةِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّيهِمَا جَالِسًا؛ لِأَنَّ وِتْرَ اللَّيْلِ دُونَ وِتْرِ النَّهَارِ فَيَنْقُصُ عَنْهُ فِي الصِّفَةِ وَهِيَ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَبَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ الْكَامِلَتَيْنِ فَيَكُونُ الْجَبْرُ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: جَبْرٌ لِلسَّهْوِ سَجْدَتَانِ لَكِنَّ ذَاكَ نَقْصٌ فِي قَدْرِ الصَّلَاةِ ظَاهِرٌ فَهُوَ وَاجِبٌ مُتَّصِلٌ بِالصَّلَاةِ، وَأَمَّا الرَّكْعَتَانِ المستقلتان فَهُمَا جَبْرٌ لِمَعْنَاهَا الْبَاطِنِ فَلِهَذَا كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَمَا فِي السُّنَنِ: إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ فَإِنْ أَكْمَلَهَا وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الشيخ: والمقصود أن النوافل لا خطر على صاحبها ولا يعذب بتركها لأنها نافلة، من أتى بها فله أجر ومن لم يأت بها فلا وزر عليه ولا إثم عليه ولا عقوبة، إنما هذا في الفرائض في النوافل: سنن الصلوات، ونوافل الصوم، ونوافل الصدقة، هذه ليس فيها عقوبة بل فيها أجر فقط؛ من أتى بها فله أجر ومن لم يأت بها فليس عليه شيء، والنبي ﷺ نوع صلاة الليل بفعله ﷺ، وبين ﷺ بقوله أن الأمر واسع: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا صلى ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا، أو تسعا، أو إحدى عشرة، أو أكثر من ذلك، فكله واسع والحمد لله، لكن الأفضل أن يسلم من كل ثنتين ويختم بواحدة، ولو صلى مائة أوتر بواحدة، فالأمر واسع، ولهذا قال ﷺ: صلاة الليل مثنى مثنى ولم يحدد حدا فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى لكن أفضل ذلك وتره ﷺ إحدى عشرة أو ثلاث عشرة كما كان يوتر عليه الصلاة والسلام.