05 من حديث: (بت عند خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل)

بَابُ انْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ بِاثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ

1055 - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي وَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ». رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَفِي لَفْظٍ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ عَشْرٍ، وَقُمْتُ إلَى جَنْبِهِ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.

1056 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مِنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنْ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

باب انفراد المأموم لعذر ثبت أن الطائفة الأولى في صلاة الخوف تفارق الإمام وتتم وهي مفارقة لعذر

1057 - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ حَرَامٌ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهُ نَخْلَهُ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مَعَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا رَأَى مُعَاذًا طَوَّلَ تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ وَلَحِقَ بِنَخْلِهِ يَسْقِيهِ، فَلَمَّا قَضَى مُعَاذٌ الصَّلَاةَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: إنَّهُ لَمُنَافِقٌ، أَيَعْجَلُ عَنْ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ سَقْيِ نَخْلِهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ حَرَامٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمُعَاذٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَسْقِيَ نَخْلًا لِي، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ لِأُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا طَوَّلَ تَجَوَّزْتُ فِي صَلَاتِي وَلَحِقْتُ بِنَخْلِي أَسْقِيهِ، فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ، لَا تُطَوِّلْ بِهِمْ، اقْرَأْ بِـ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَنَحْوِهِمَا.

1058 - وَعَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ فَقَرَأَ فِيهَا اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ [القمر:1]، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْرُغَ فَصَلَّى وَذَهَبَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ قَوْلًا شَدِيدًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَذَرَ إلَيْهِ وَقَالَ: إنِّي كُنْتُ أَعْمَلُ فِي نَخْلٍ وَخُفْتُ عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي لِمُعَاذٍ: صَلِّ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَنَحْوِهَا مِنْ السُّوَرِ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

فَإِنْ قِيلَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي فَارَقَ مُعَاذًا سَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَا بَنَى بَلْ اسْتَأْنَفَ؟

قِيلَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: إنَّ مُعَاذًا اسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إمَّا لِرَجُلٍ أَوْ لِرِجْلَيْنِ.

الشيخ: هذه الأحاديث: الأول والثاني الدلالة على جواز صلاة الرجلين والرجل والمرأة جميعا، وأنه لا حرج في ذلك سواء كانت فرضًا أو نفلًا، فقد كان ابن عباس عن يسار النبي ﷺ في صلاة الليل، وكان ابن عباس بات عند ميمونة خالته، فلما رأى النبي ﷺ قام يصلي من الليل قام ابن عباس وتوضأ وصف عن يساره - وهو لم يحتلم ابن عشر سنين - فأداره النبي ﷺ وجعله عن يمينه واستمر في صلاته، فدل ذلك على أن الواحد يقف عن يمين الإمام لا عن يساره، وأنه إذا وقف عن يساره يديره الإمام حتى يجعله عن يمينه، وصلاته صحيحة لا تنقطع لأن الرسول ﷺ أداره وهو على صلاته، فدل على أنه لو صلى صحت لكنه خلاف الموقف الشرعي، فالموقف الشرعي أن يكون عن يمينه إذا كان واحدًا.

وفي الحديث الثاني: حث المرأة والرجل على أن يصليا جمعيًا في التهجد بالليل، وأن الرجل يصلي بزوجته أو بأمه أو بغيرها لا بأس بذلك، وقد ثبت عنه ﷺ أنه زار بيت أبي طلحة نهارًا فصلى بهم صلاة الضحى فقام أنس واليتيم خلفه وقامت أم سليم خلفهم، فدل ذلك على أنه لا بأس أن تقف المرأة خلفهم ولو كانت واحدة، إذا كانت ما معها أحد لا تصف مع الرجال تكون خلفهم، وإذا كانت مع زوجها تصف خلفه لا تصف معه، ولا مع أبيها ولا مع أخيها موقفها خلف، لا تقف مع الرجال ولو أنها محرم؛ لأن الرسول ﷺ أقر أم سليم خلفهم ولم تقف مع ابنيها، مع أنس وهو ابنها وضمرة وهو ابن ابنها يتيم، فدل ذلك على أن المرأة تقف خلف الرجال في الصلاة إذا لم يكن معها نساء، ولو واحدة.

وأن الجماعة تنعقد باثنين، إذا كانوا اثنين انعقدت بهم الجماعة، وأن موقف الواحد يكون عن يمين الإمام لا عن يساره، فإن كانوا اثنين يكونوا خلف الإمام أو يقفان عن يمينه وشماله أو عن يمينه فقط، والسنة أن يقفا خلفه إذا كانوا اثنين فأكثر.

وفي الحديث الثالث والرابع: الدلالة على أن المأموم بالعذر الشرعي لا بأس أن ينصرف من الصلاة ويتم لنفسه كما وقع في صلاة الخوف، كان في صلاة الخوف صورة من صلاة الخوف أن الإمام يصلي بطائفتين، كل طائفة يصلي بهم ركعتين، إذا كانوا أمام العدو ويخافون هجوم العدو عليهم يجعلهم طائفتين: طائفة تحرس، وطائفة تصلي معهم، وثبت أنه ﷺ صلى بالطائفة الأولى ركعة ثم قامت تكمل لنفسها وهو في الركعة الثانية، فلم سلم ذهبت وجاءت الطائفة الأخرى فصلت معه الركعة الثانية ثم أتمت لنفسها ثم سلمت معه، فدل ذلك على أن المأموم ينفرد لعذر في بقية الصلاة ولا حرج إذا كان هناك عذر شرعي مثل صلاة الخوف، وهكذا قصة معاذ مع الأنصاري كان يصلي معاذ بأصحابه العشاء، بعد ما يصلي مع النبي ﷺ يأتي ويصلي بهم العشاء نفلًا له وهي لهم فريضة، في بعض الليالي صلى بهم وقرأ وشرع في البقرة طول، وكان معه أنصاري له حاجة في نخلة يسقي نخلة وخاف على الماء، فلما رآه شرع بالبقرة سلم وصلى وحده، وفي اللفظ الآخر: أنه شرع باقتربت الساعة فانفرد وكمل لنفسه، وشكاه معاذ إلى النبي ﷺ فأخبر النبي ﷺ أنه لا حرج عليه في ذلك للحاجة ولام معاذًا وحذره من التطويل وقال: أفتان أنت يا معاذ؟ صل بهم كذا وكذا اقرأ بالشمس وضحاها، واقرأ باسم ربك يعني في صلاة العشاء، يعني لا تطول عليهم، ولهذا قال: أفتان أنت يا معاذ، اقرأ بسبح ربك الأعلى والليل إذا يغشى اقرأ باسم ربك وأشباهها، هذا هو الأفضل في صلاة العشاء مثل هذه السور وما يقاربها حتى لا يشق على الناس، وإذا قرأ الإمام طويلًا وشق على الناس وهناك صاحب حاجة يخشى فوتها فله أن ينفرد ويتم لنفسه عذر له شرعي، وفق الله الجميع.

س: .....؟

الشيخ: إن سلم فلا بأس، وإن خفف وتم لنفسه فلا بأس، وإن سلم وابتدأ من جديد فلا بأس، لأن القصة في واحدة أنه ابتدأ، وواحدة أنه كمل.

بَابُ انْتِقَالِ الْمُنْفَرِدِ إمَامًا فِي النَّوَافِل

1059 - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ فَجَئْتُ فَقُمْتُ خَلْفَهُ، وَقَامَ رَجُلٌ فَقَامَ إلَى جَنْبِي، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ حَتَّى كُنَّا رَهْطًا، فَلَمَّا أَحَسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّنَا خَلْفَهُ تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَصَلَّى صَلَاةً لَمْ يُصَلِّهَا عِنْدَنَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَطِنْتَ بِنَا اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى مَا صَنَعْتُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.

1060 - وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً، قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1061 - وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي حُجْرَتِهِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ نَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ، فَقَامَ نَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

بَابُ الْإِمَامِ يَنْتَقِلُ مَأْمُومًا إذَا اسْتَخْلَفَ فَحَضَرَ مُسْتَخْلِفُهُ

1062 - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ اُمْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إذْ أَمَرْتُكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ اُلْتُفِتَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ قَالَ: «كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَقَالَ: يَا بِلَالُ إنْ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَمْ آتِ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَتْ الْعَصْرُ أَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ».

فيه من العلم أن المشي من صف إلى صف يليه لا يبطل، وأن حمد الله لأمر يحدث والتنبيه بالتسبيح جائزان، وأن الاستخلاف في الصلاة لعذر جائز من طريق الأولى لأن قصاره وقوعها بإمامين.

1063 - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي، فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ من نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ مَكَانَكَ، ثُمَّ أَتَيَا بِهِ حَتَّى جَلَسَ إلَى جَنْبِهِ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ فِي رِوَايَةٍ: «فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْن رَجُلَيْنِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ». وَلِمُسْلِمٍ: «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ».

الشيخ: هذه الأحاديث الأولى تتعلق بصلاة النافلة جماعة، والأحاديث الأخيرة تتعلق بالاستخلاف في الصلاة، تدل الأحاديث الكثيرة على أنه لا بأس أن تصلى النافلة جماعة في بعض الأحيان كما يصلي الناس التراويح جماعة وقيام رمضان وصلاة الاستسقاء وصلاة الكسوف، فهذا أمر لا بأس به بل متعين في صلاة الكسوف لأن الرسول ﷺ أمر بذلك وقال: إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة ولما رأى ذلك فزع إليها وصلى بالناس جماعة عليه الصلاة والسلام في صلاة الكسوف، وهكذا يشرع في قيام رمضان والتراويح يشرع أن يصلوها جماعة، وكان النبي ﷺ صلاها جماعة عدة أيام، رآه الناس يصلي فصلوا خلفه في حصير قد أداره فرأوا شخصه فصلوا ثم تتابعوا عدة ليالٍ، فلما رآهم تتابعوا قال لهم: أيها الناس صلوا في بيوتكم، فإن صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة وقال: إني أخاف أن تفرض عليكم صلاة الليل فترك الخروج إليهم وأمرهم أن يصلوا في البيوت النوافل خوفًا عليهم أن تفرض عليهم صلاة الليل، فلما قبض الله نبيه وتوفي عليه الصلاة والسلام وانقطع الوحي واستقر الأمر أمرهم عمر في خلافته أن يصلوها جماعة للتراويح؛ لأنه حينئذ لا يخاف أن تفرض عليهم، انتهى الأمر وانقطع الوحي واستقرت الشريعة فجمعهم على إمام واحد كما صلوا خلف النبي ﷺ عدة ليال.

وكذلك زار النبي ﷺ أبا طلحة في بيت أنس وصلى بهم جماعة في بيت أبي طلحة الضحى، فدل ذلك على أنه لا بأس أن تصلى جماعة بعض النوافل، وزار عتبان بن مالك في بيته فصلى بهم جماعة ضحى عليه الصلاة والسلام، كل هذا يدل على أنه لا بأس أن تصلى النافلة جماعة بعض الأحيان، لكن إن كان في الجماعة نساء يكن خلف الرجال فقد صلى بهم في بيت أنس، فصف أنس واليتيم خلفه وأم سليم خلفهم، فالمرأة تكون خلف الناس، وإن كان عدة نساء صفوا خلف الناس، وإن كانت واحدة صفت خلف الناس ولو مع زوجها ولو مع محارمها، لا تصلي معهم في الصف تصلي خلفهم ولو كانوا محارم.

وفي الأحاديث الأخيرة الدلالة على أنه لا بأس أن يستخلف في الصلاة إذا تأخر الإمام، فإن النبي ﷺ في بعض الأيام ذهب إلى بني عمرو بن عوف - وهم بطن من الأنصار - ذهب إليهم لشر وقع بينهم فذهب إليهم ليصلح بينهم عليه الصلاة والسلام، فحضرت الصلاة فجاء بلال إلى الصديق وقال: يا أبا بكر إن الصلاة حضرت ولم يحضر النبي ﷺ فهل لك أن تصلي بالناس؟ فقال أبو بكر: نعم، فأقام الصلاة بلال وتقدم الصديق وكبر، ثم إن النبي ﷺ وصل من بني عمرو وهم في الصلاة في الركعة الأولى فتقدم إلى الصف الأول، فلما رآه الناس أكثروا في التصفيق، فالتفت الصديق فرأى النبي ﷺ فأشار إليه النبي ﷺ أن مكانك، يعني صل بالناس، فرفع الصديق يديه يحمد الله، حمد الله وأثنى عليه ثم تأخر فتقدم النبي ﷺ وصلى بالناس، فلما سلم قال: ما منعك يا أبا بكر أن تصلي بالناس؟ وقد أشرت لك أن تصلي بالناس، فقال : ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ، ثم قال للناس: مالكم أخذتم بالتصفيق، التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال ولتصفق النساء هذا السنة إذا حصل في الصلاة شيء المأمومون يقولون: سبحان الله، سبحان الله حتى ينتبه الإمام، أما المرأة: فتضرب بيد على يد، أو بيدها على فخذها ويكفي، تنبيه بالفعل، وفي هذا الحديث الدلالة على أنه إذا تأخر الإمام عن وقته يقدم من يصلي بالناس، المؤذن يقدم من يصلي بالناس ولا يحبسون، إذا تأخر الإمام عن الوقت المعتاد يقدم من يصلي بالناس حتى لا يشق على المأمومين، يقول المؤذن لمن يراه أهلًا لذلك تقدم يا فلان صل بالناس الإمام تأخر، ولا ينبغي للإمام أن يكره ذلك ولا أن يتكلف في هذا، بعض الأئمة ما عندهم بصيرة يزعلون إذا تقدم من يصلي بالناس وهذا غلط، إذا تأخروا فالسنة أن يتقدم من يراه المؤذن، أو يراه خواص الجماعة في وسط الصف، يقدمون من هو أهل لذلك يصلي بهم حتى لا يتأخر الناس، ولهذا أقر النبي ﷺ ما فعله بلال وما فعله الصديق، ومن هذا ما جرى في غزوة تبوك فإن الناس انتظروا النبي ﷺ في غزوة تبوك في بعض الأيام في صلاة الفجر وكان بدت له حاجة عليه الصلاة والسلام فذهب يقضيها ومعه بلال، فلما تأخر النبي ﷺ على الناس قدموا عبدالرحمن بن عوف في تبوك - غزوة تبوك-  فصلى بهم الفجر، فجاء النبي ﷺ وقد صلوا ركعة - صلى بهم عبدالرحمن ركعة - فلما رآه عبدالرحمن أن يتأخر فأشار إليه النبي ﷺ أن مكانك، فكمل عبدالرحمن بالناس صلاة الفجر، وكان مع النبي ﷺ المغيرة بن شعبة في قصة تبوك فصلوا مع الناس، فلما سلم عبدالرحمن قام النبي ﷺ والمغيرة فقضيا الركعة التي فاتتهما، فدل ذلك على أن الإمام إذا جاء وقد صلى النائب ركعة أو أكثر فالأولى أنه يتركه، لا يتأخر يشير إليه أن يكمل كما أمره النبي ﷺ أن يكمل، أما في الركعة الأولى فهو مخير إن تركه يكمل فهو أفضل لأن الرسول أمر الصديق أن يكمل، وإن تقدم فلا بأس، أما إذا كان قد صلى ركعة فأكثر فإنه يترك النائب يصلي، ويصلي الإمام الراتب - يصلي مع الناس - مأمومًا ويقضي ما فاته كما فعله النبي ﷺ مع عبدالرحمن بن عوف في غزوة تبوك رفقًا بالناس ورحمة للناس حتى لا يشق عليهم الانتظار، وفق الله الجميع.

س: .....؟

الشيخ: كذلك مثله، في مرضه ﷺ صلى بهم النبي ﷺ جالسًا وصلى بهم الصديق قائمًا يبلغ الناس، الإمام هو النبي ﷺ والصديق يبلغ الناس، وكان النبي عن يسار الصديق وكان الصديق عن يمينه، وهذه السنة إذا كان المأموم مع الإمام يكون عن يمينه، فالإمام هو النبي ﷺ في مرض الموت لما رأى خفة خرج وصلى بالناس قاعدًا والصديق عن يمينه يبلغ الناس؛ لأن صوت الصديق أرفع من صوت النبي ﷺ، وهذا هو الأصل في التبليغ، التبليغ هذا هو الأصل فيه أن الإمام إذا ضعف أو كان جمع لا يسمع كلام الإمام فإنه يبلغ عنه بعض المأمومين التكبيرات كما فعل الصديق مع النبي ﷺ.

وفيه من الفوائد أن الإمام الحي الراتب إذا صلى قاعدًا يصلي خلفه الناس قعودًا كما في الأحاديث الصحيحة، وإن صلوا قيامًا فلا بأس لأن الناس صلوا خلف النبي قيامًا في آخر حياته عليه الصلاة والسلام وهو جالس، فدل على جواز الأمرين، لكن القعود خلفه أولى لأنه أمر بذلك عليه الصلاة والسلام، إذا كان الإمام الحي صلى جالسًا صلوا خلفه جلوسًا وإن صلوا قيامًا فلا حرج كما فعله ﷺ في آخر حياته.

س: .....؟

الشيخ: إن صلاها منفردًا فلا بأس، ولكن المشروع يصلي جماعة مع الناس في المساجد، هذا هو المشروع، والنساء يصلون مع الناس، وإن صلوا في بيوتهم فلا بأس.

س: .....؟

الشيخ: نعم يصليها على هيأتها، ولكن يجب عليه أن يصلي مع الناس صلاة العيد إذا قدر، أما إذا كان مريضًا يصليها في بيته لا بأس.

س: يقول شخص: كثيرًا ما يأتي إلى بيته بعد الصلاة فيصلي بزوجته ركعتين هما له راتبة وتتمها الزوجة فريضة، فأنكر عليه بعض الناس وقال: إن الجماعة في النافلة لم ترد إلا نادرًا فلا تفعل كثيرًا، فما رأي سماحتكم؟

الشيخ: ترك هذا أولى، لأن هذا ما كان يفعله النبي ﷺ، كونه يصلي الراتبة لنفسه وهي تصلي وحدها هذا هو الأفضل كما فعله النبي ﷺ، كان إذا أتى بيته يصلي الراتبة وحده والنساء يصلون فرائضهن وحدهن، هذا هو الأفضل، ولو صلت معه وهي مفترضة وهو متنفل صحت كما صلى معاذ بأصحابه وهو متنفل وهم مفترضون، وصلى النبي ﷺ في صلاة الخوف بالطائفة الثانية ركعتين وهو متنفل وهم مفترضون لا حرج، لكن كون المرأة تصلي وحدها وهو يصلي راتبته وحده كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام أولى.

بَابُ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً بَعْدَ إمَامِ الْحَيِّ

1064 - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى ذَا فَيُصَلِّي مَعَهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ وَذَكَرَهُ».

بَابُ الْمَسْبُوقِ يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ وَلَا يَعْتَدُّ بِرَكْعَةٍ لَا يُدْرِكُ رُكُوعُهَا

1065 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

1066 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ. أَخْرَجَاهُ.

1067 - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

الشيخ: هذه الأحاديث: الحديث الأول يدل على أنه يستحب لمن حضر في المسجد - إذا حضر إنسان - قد فاتته الصلاة وهو فرد أن يصلي معه حتى تحصل له الجماعة، ولهذا لما دخل رجل وقد صلى الناس فقال النبي ﷺ: من يتصدق على هذا فيصلي معه لأن صلاة الرجل مع الرجل جماعة وهي أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، فإذا أحسن إليه فهو مأجور، وهكذا في أحاديث الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قال لأبي ذر ولغيره: صل الصلاة لوقتها، فإذا أدركتها معهم فصل ولا تقل صليت فلا أصل صل معهم، فإنها لك نافلة فإذا صلى الإنسان مع من فاتته الصلاة كان له أجر وللمسبوق أجر، وإن كان عليه أثم في تأخره، إن كان تأخر بغير عذر يأثم في تأخره عن الجماعة، إذا تأخر بغير عذر، لكن مع هذا يستحب لمن حضر أن يصلي معه، إما أن يصلي معه واحد أو أكثر حتى يحصل له فضل الجماعة.

وفي الأحاديث الأخرى الدلالة على أن المسبوق يصنع كما يصنع الإمام، إذا جاء يدخل مع الإمام على أية حالة، وجده قائمًا قام معه، وجده راكعًا ركع، وجده ساجدًا سجد، وجده جالسًا جلس، هذا هو السنة إنما جعل الإمام ليؤتم به لكن لا يكون مدركًا إلا إذا أدرك الركوع، إذا فاته الركوع تفوته الركعة لقوله ﷺ: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة فمن لم يدرك إلا أقل فإنه لا يكون مدركًا لها، فإذا جاء وهم في السجود يسجد ولكن لا يعدها شيئًا، يقضي إذا جاء في الركعة الأولى وقد فات الركوع فإنه يدخل معهم في القيام بعد الركوع أو في السجود ولكن يقضيها، وإذا جاء معهم في الثانية وهم سجود في الثانية دخل معهم ويقضي ركعتين، وإذا جاء وهم سجود في الثالثة دخل معهم ولكن يقضي ثلاثًا لأنه فاته الركوع، فالصلاة تدرك بالركوع، الركعة إنما تدرك بالركوع، وفق الله الجميع.

بَابُ الْمَسْبُوقِ يَقْضِي مَا فَاتَهُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ

1068 - عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «تَخَلَّفْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَتَبَرَّزَ وَذَكَرَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ عَمَدَ النَّاسَ وَعبدالرَّحْمَنِ يُصَلِّي بِهِمْ، فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عبدالرَّحْمَنِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتِمُّ صَلَاتَهُ، فَلَمَّا قَضَاهَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنْتُمْ وَأَصَبْتُمْ يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوْا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ فِيهِ: «فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي سُبِقَ بِهَا ولَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا شَيْئًا». قَالَ أَبُو دَاوُد: أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عُمَرَ يَقُولُونَ: مَنْ أَدْرَكَ الْفَرْدَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ.

بَابُ مَنْ صَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً فَلْيُصَلِّهَا مَعَهُمْ نَافِلَةً

فِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعُبَادَةُ وَيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ سَبَقَ.

1069 - وَعَنْ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى، يَعْنِي وَلَمْ أُصَلِّ، فَقَالَ لِي: أَلَا صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ صَلَيْتُ فِي الرَّحْلِ ثُمَّ أَتَيْتُكَ، قَالَ: فَإِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَهُمْ وَاجْعَلْهَا نَافِلَةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

1070 - وَعَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى مَيْمُونَةَ قَالَ: «أَتَيْتُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ بِالْبَلَاطِ وَالْقَوْمُ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ؟ قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.

الشيخ: هذه الأحاديث تدل على أن من أدرك الجماعة مع الناس فإنه يصلي معهم وتكون نافلة، سواء كان صلاها سابقًا مفردًا أو في جماعة، ولا يقل صليت فلا أصلي، هكذا جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ بذلك.

وفيه من الفوائد حديث عبدالرحمن بن عوف أن الإمام إذا تخلف فإنه يؤم الناس بعض من حضر حتى لا يشق على الناس الانتظار وأنه لا حرج في ذلك، ولهذا لما تأخر النبي ﷺ في غزوة تبوك لبعض حاجته وحضر الوقت قدم الصحابة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عن الجميع فصلى بهم ثم جاء النبي ﷺ ومعه المغيرة بن شعبة وقد صلوا ركعة فأراد عبدالرحمن أن يتأخر فأشار له النبي ﷺ أن يبقى وأن يكمل بالناس، وصلى النبي ﷺ والمغيرة معه الركعة الباقية، فلما سلم عبدالرحمن قضى النبي ﷺ الركعة هو والمغيرة، كل واحد قضى لنفسه، فدل ذلك على أن الإمام الراتب إذا تأخر عن الوقت المعتاد يقدم من يصلي بالناس فإذا حضر صلى مع الناس مأمومًا وقضى ما فاته.

أما حديث ابن عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين هذا محمول على كونه يصليها اعتقادًا أو اجتهادًا أو تنطعًا أم لبعض الأسباب فلا بأس، وابن عمر فهم من ذلك العموم وليس كذلك، والصواب أنها لا تصلى بغير سبب لأن الله كتبها مرة واحدة خمس مرات لا زيادة، لكن إذا كان لها سبب بأن جاء وهناك جماعة أو صلاها مفردًا ثم أدرك الجماعة، أو أقيمت وهو في المسجد يصلي معهم نافلة كما أمر النبي بهذا عليه الصلاة والسلام أمر يزيد بن الأسود وأبا ذر وغيرهم، قال له: إذا أقيمت وأنت مصلٍّ فصل معهم فإنها لك نافلة، ولا تقل صليت فلا أصلي، وهكذا قدم محجن بن الأدرع والأحاديث في هذا ثابتة في الصحيحين وغيرهما، أما لا تصلوا صلاة في اليوم مرتين فالمراد بغير سبب، لا تصلى لوساوس أو لاجتهاد لا، مرة واحدة كافية، لكن إذا كان لأسباب شرعية فلا بأس، وفق الله الجميع.

بَابُ الْأَعْذَارِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ

1071 - عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ الْمُنَادِيَ فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ، يُنَادِي: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، وَفِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1072 - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

1073 - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: «إذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟ فَقَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ إنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ مُؤَذِّنَهُ يَوْمَ جُمُعَةٍ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ بِنَحْوِهِ.

1074 - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1075 - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.

1076 - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ إقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.

الشيخ: هذه الأحاديث المتعددة كلها تتعلق بأعذار ترك الجماعة، فالله سبحانه - جل وعلا - جواد كريم، ولطيف بعباده ورحيم بهم، والجماعة فرض في الجمعة والأوقات الخمسة على الرجال، فإذا كان هناك مشقة لمرض أو مطر فله العذر أن يصلي في البيت لقوله - جل وعلا -: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقوله - جل وعلا -: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] ولهذا كان ينادي المنادي في الليلة المطيرة والباردة في السفر أن صلوا في رحالكم؛ لأن الناس في المطر والبرد الشديد يشق عليهم المجيء من مخيماتهم فيتجمعون عنده ﷺ، فكل جماعة يصلوا في مخيمهم جميعًا جماعة ولا حاجة إلى أن يذهبوا إلى المخيم الكبير الذي فيه الأمير أو فيه السلطان، بل كل واحد مع جماعته يصلون في محلهم دفعًا للمشقة والحرج في المطر أو الليلة المطيرة الشديدة التي يشق فيها الذهاب إلى المساجد، هذا من باب الرخصة، ومن صبر وذهب فالحمد لله، لكن إذا أقيمت في المسجد ممن حول المسجد فمن شاء يصلي معهم ومن شاء ترك، وإذا جمعوا وتركوا الصلاة بالكلية فلا بأس، عند وجود المشقة فلهم أن يجمعوا في وقت الأولى حتى يتلافوا المشقة، ولمن كان في البيت أن يتأخر ولا يأتي للمشقة، فالأمر في هذا واسع والحمد لله، ولهذا لما مطر الناس في عهد ابن عباس في الطائف أمر المؤذن أن يقول عند حي على الصلاة: صلوا في بيوتكم، فاستنكر الناس ذلك فقال: قد فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزيمة وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحض، فهذا من الرخصة التي رخص الله فيها لعباده عند المشقة في الجمعة وغيرها، وإذا صلاها في بيته صلاها ظهرًا، صلى أربعًا لأن الجمعة إنما تصح بشروطها جماعة، فالذي لا يحضرها كالمريض والمعذور والمرأة يصلي ظهرًا، وهكذا في الأسفار إن اشتد البرد صار البرد شديدًا ومطر صلوا في رحالهم، كل جماعة كل خيمة خيمتين ثلاث يصلون جميعًا دفعًا للمشقة والذهاب إلى المحل المجتمع. وهكذا في البلد إذا جاء المطر الشديد والدحض يصلوا في البيوت أو جمعوا إما جمع وإلا نادى وقال: صلوا في بيوتكم، وإن حضروا صلى بهم جمعًا في وقت الأولى، وإن قال: صلوا في بيوتكم، فلا حرج والحمد لله، كله سنة، وكله رخصة، ومن لم يقل ذلك فالرخصة موجودة، ولو ما قاله ولو ما قاله المؤذن الرخصة جائزة، من وجد مشقة فله أن يصلي في البيت إذا كان الطين واضح أو المطر شديد يحصل به مشقة فله أن يصلي في بيته، ولو ما قال المؤذن: صلوا في بيوتكم فالرخصة قائمة، وإن قاله المؤذن فهو من باب التأكيد، من باب الإيضاح للناس، من باب الإرشاد للناس، وإن جمع بهم ولم يناد، إذا صلى بالحاضرين جمعا جمع تقديم فلا بأس، كله من باب التسهيل على الأمة ودفع الضرر عنها، أما مجرد البراد في المدن والقرى فلا يكفي، إذا ما كان هناك شيء خطير مجرد البراد هذا شيء عادي يصلوا في المساجد، أما إذا كان شيء خطير برد شديد ورياح شديدة يعني مشقة كبيرة فهذا عذر شرعي. وفق الله الجميع.

س: .....؟

الشيخ: لا، الجمعة ما تجمع مع العصر، لا يصلى مع الجمعة تصلى في وقتها، العصر تجمع مع الظهر مع الجمعة لا.

س: طيب إذا جمعت؟

الشيخ: يعيدها إذا جمعوا يعيدون العصر.

س: يقول: هل يقاس على المطر الوحل؟

الشيخ: ومن ذلك مسألة إذا كان يدافعه الأخبثان أو حضر الطعام كذلك عذر، إذا قدم الطعام فإنه يبدأ به، أو كان يدافع الأخبثين البول أو الغائط فإنه يبدأ بذلك ولا يروح للصلاة إلا وقد تخفف من ذلك لأنه ذهابه وهو يدافع الأخبثين لا يضبط صلاته، لكن يبدأ بالتطهر منهما فإن أدرك الصلاة فالحمد لله، وإلا صلى وحده، وهكذا إذا قدم الطعام بدأ به لا صلاة بحضرة الطعام فإذا قدم به ولو فاتته الصلاة، لكن لا يتعود هذا يجعله عادة له، إنما لو قدم صادف أنه قدم الطعام فإنهم يأكلون ولهم رخصة لئلا يذهبوا إلى الصلاة وقلوبهم معلقة بالطعام، لكن كونه يتخذ عادة أن يقدم الطعام عند أذان الظهر أو عند أذان المغرب يتعمد هذا لا يجوز لأن هذا معناه تعمد ترك الجماعة، أما لو صادف بأن قدم الطعام وحضر الطعام ثم أذن المؤذن فإنه يبدأ بالطعام ولو فاتت الجماعة.

أَبْوَابُ الْإِمَامَةِ وَصِفَةُ الْأَئِمَّةِ بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ

1077 - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.

1078 - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّة سَوَاءً فَأَقَدْمُهُم هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَفِي لَفْظِ: لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ وَلَا سُلْطَانِهِ. وَفِي لَفْظِ: سِلْمًا بَدَل سِنًّا. رَوَى الْجَمِيعُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ لَكِنْ قَالَ فِيهِ: لَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَقْعُدُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ.

1079 - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا الْإِقْفَالَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَنَا: إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ: وَكَانَا مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْقِرَاءَة وَلِأَبِي دَاوُد: وَكُنَّا يَوْمئِذٍ مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْعِلْم.

1080 - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ الزَّائِرِ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَكَانِ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ: إلَّا بِإِذْنِهِ.

1081 - وَيَعْضُدهُ عُمُومُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

1082 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إلَّا بِإِذْنِهِمْ، وَلَا يَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

الشيخ: هذه الأحاديث كلها تتعلق بالإمامة، وقد بين النبي ﷺ أوصاف الإمام، وكيفية الإمامة التي يشرع للمؤمن أن يتعاطها، فقال ﷺ: إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وليؤمهم أقرأهم، إذا كانوا متقاربين يؤمهم أقرأهم لقوله في حديث ابن مسعود: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا وفي رواية سنًا ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في تكرمته إلا بإذنه، وهكذا حديث مالك بن الحويرث لما قدم هو وصاحبه قال: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما لأنهم كانوا متقاربين في العلم والقراءة، فصار المشروع أن يؤمهم أكبرهم، وإذا كان فيهم من هو أقدم سلمًا صار مثل الأقدم في الهجرة، وهو معنى أكبركم سنًا، فإذا كان أحدهما أسلم قبل الآخر فهو مثل الذي تقدمت هجرته قبل الآخر، فاثنان متقاربان وأحدهما أسلم قبل الآخر فليؤم أقدمهم إسلامًا، واثنان متقاربان وكلاهما مهاجر ولكنهما متقاربان فليؤمهما أقدمها هجرة، وهكذا، فإذا تساووا في الصفات ولكن أحدهم أكبر سنًا فقدم من هو أكبر سنًا، إن كانوا أربعة خمسة متقاربين في العلم والفضل وكلهم ولدوا على الإسلام ولكن أحدهم أكبر سنًا يقدم الأكبر سنًا كما في الرواية الأخرى أكبرهم سنًا، ولحديث مالك: وليؤمكم أكبركم. فالخلاصة أنهم إذا كانوا جماعة يؤمهم أقرأهم، أعلمهم بكتاب الله وأقرأهم لكتاب الله علمًا وعملًا، فإن تساووا في ذلك فأعلمهم بالسنة، فإن تساووا فأقدمهم هجرة، فإن تساووا فأقدمهم سنًا، يعني أكبرهم سنًا أو إسلامًا، ولا يجوز أن يؤم الرجل في سلطانه ولا في بيته على تكرمته إلا بإذنه، فإذا زار قومًا وأذنوا له أن يأمهم فلا بأس، أو أذنوا له أن يجلس في المحل المعد لأصحاب المنزل مجلس خاص قدمه به وآثره فلا بأس بإذنه، إذا كان له مجلس خاص وآثر به غيره من الزوار فلا بأس، أما أن يتعمد الزائر يجلس في المحل الخاص بالمزور فلا إلا بإذنه.

وكذلك لا يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين، بل يدعو دعاء عامًا، وهذا عند أهل العلم في الدعاء الذي يؤمن عليه، أما الدعاء الخاص في نفس الإنسان فإنه يفرد ولا يعم، ولهذا كان ﷺ يقول في استفتاحه اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب لأنه دعاء خاص سرًا لا يؤمن عليه بينه وبين ربه اللهم باعد بيني وبين خطاياي، ويقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبه كله دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره فهذا لا بأس به، أما إن كان دعاء يؤمن عليه مثل دعاء القنوت، الدعاء في خطبة الجمعة، في خطبة الاستسقاء، هذا يعمم يقول: اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا، اللهم اسقنا الغيث، اللهم أنجنا من النار، لأنهم يؤمنون يسمعونه ما يقول، اللهم أنجني، اللهم اغفر لي لا، يعمم لا يخص نفسه، اللهم اغفر لنا، اللهم اهدنا، اللهم أنزل علينا الغيث، اللهم أنجنا من النار، لأنه دعاء يؤمن عليه، أما الدعاء فيما بينه وبين ربه فلا حرج في ذلك أن يفرد يقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، وإن كان إمامًا، فالنبي ﷺ يقول في سجوده وهو إمام: اللهم اغفر لي ذنبه كله دقه وجله، ويقول وهو واقف في الاستفتاح قبل أن يقرأ: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب فدل ذلك على أن الحديث في دعاء يؤمن عليه هذا الذي لا يحل أن يخص نفسه بالدعاء دونهم، إذا كان يؤمن عليه يتكلم بالتعميم. وفق الله الجميع.

س: لو كان أحفظ القوم حليقًا أو مسبلًا؟

الشيخ: هذا فيه مانع، إن كان فيه مانع يمنع، المقصود إذا كانوا سليمين، أما إذا كان فيه مانع مثل الكافر ما يؤم، فالمعصية والبدعة يقدم صاحب السنة عليه والمستور وصاحب الخير.

بَابُ إمَامَةِ الْأَعْمَى وَالْعَبْدِ وَالْمَوْلَى

1083 - عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُوَ أَعْمَى». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.

1084 - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ «أَنَّ عِتْبَانُ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟ فَأَشَارَ إلَى مَكَان فِي الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

1085 - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ نَزَلُوا الْعَصْبَةَ، مَوْضِعًا بِقُبَاءَ، قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، وَكَانَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد.

1086 - وَعَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ عَائِشَةَ بِأَعْلَى الْوَادِي هُوَ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَنَاسٌ كَثِيرٌ، فَيَؤُمّهُمْ أَبُو عَمْرٍو مَوْلَى عَائِشَةَ وَأَبُو عَمْرٍو غُلَامُهَا حِينَئِذٍ لَمْ يُعْتَقْ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ

1087 - عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ أَوْ سَوْطَهُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

1088 - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ خِيَارَكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.

1089 - وَعَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: مَكْحُولٌ لَمْ يَلْقَ أَبَا هُرَيْرَةَ.

1090 - وَعَنْ عبدالْكَرِيمِ الْبَكَّاءِ قَالَ: أَدْرَكْتُ عَشَرَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يُصَلِّي خَلْفَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ.

الشيخ: هذه الأحاديث تتعلق بإمامة الأعمى والمولى العتيق والمملوك والفاجر العاصي، الأحاديث كلها تتعلق بإمامة الأعمى، والأحاديث الصحيحة كلها تدل على أنه لا بأس بذلك أن يؤم القوم أقرأهم وإن كان أعمى، وإن كان مولى يعني عتيقًا، وإن كان رقيقًا أيضًا، يعم قوله ﷺ: يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة وهذا يعم الحر والعبد والأعمى والبصير، وحديث ابن أم مكتوم أن النبي ﷺ استخلفه في المدينة عدة مرات يؤم الناس وهو أعمى ، استعمله أميرًا على المدينة يؤم الناس وهو أعمى، وهكذا عتبان بن مالك كان يؤمه وهو أعمى، وهو من كبار الأنصار، وهكذا سالم مولى أبي حذيفة أمّ الصحابة حين قدومهم إلى المدينة وهو مولى لأبي حذيفة، أما حديث: لا تؤمن امرأة رجلا، ولا أعرابي مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنًا فهو حديث ضعيف عند أهل العلم، وقد صحت الأحاديث الدالة على الصلاة خلف أئمة الجور، وأن الصلاة خلفهم صحيحة وإن كان عندهم فسق ومعاصٍ، كانوا المسلمون يصلون خلف أئمتهم وخلف أمرائهم مع ما فيهم في زمن بني أمية وزمن الحجاج وزمن بني العباس، لكن إذا تيسر الإمام العدل فهو المقدم، أما قول بعض الفقهاء: لا تصح خلف فاسق، فهو قول ضعيف، إنما تمنع الصلاة خلف الكافر، أما الفاسق فالصلاة خلفه صحيحة لأنه مسلم، لكن إذا تيسر الإمام العدل فهو المقدم، فينبغي للمسؤولين أن يتحروا في الإمامة من هو عدل ذو علم وذو بصيرة، هذا هو المشروع لهم لقوله ﷺ: يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة الحديث.

ولأنه يقتدى بهم ويؤتمن على الصلاة، فالواجب أن يختار لذلك من هو حري بهذا ومن هو كفو لهذا الأمر حسب الطاقة، وفق الله الجميع.

بَابُ مَا جَاءَ فِي إمَامَةِ الصَّبِيِّ

1091 - عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: «لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَادَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنْ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّونَ عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ، فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ، قَالَ فِيهِ: «كُنْتُ أَؤُمّهُمْ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ». وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ فِيهِ: «وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ». وَأَحْمَدُ وَلَمْ يَذْكُرْ سِنَّهُ، وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد: «فَمَا شَهِدْتُ مَجْمَعًا مِنْ جَرْمٍ إلَّا كُنْتُ إمَامَهُمْ إلَى يَوْمِي هَذَا».

1092 - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ.

1093 - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ. رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ.

بَابُ اقْتِدَاءِ الْمُقِيمِ بِالْمُسَافِرِ

1094 - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «مَا سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَفَرًا إلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ، وَإِنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ زَمَنَ الْفَتْحِ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ قُومُوا فَصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

1095 - وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ.

الشيخ: الحديث الأول فيما يتعلق بصلاة الصبي وإمامته، حديث عمرو بن سلمة الجرمي حديث صحيح رواه البخاري في الصحيح وغيره، وهو يدل على جواز إمامة الصبي، وأنه لا حرج في ذلك إذا كان يحسن الصلاة وبلغ سبعًا فأكثر، أخبر لما جاء خبر النبي ﷺ إلى جرم أسلموا، وكان يتلقى من يأتي من المدينة ويتعلم عليهم القرآن، فحفظ من ذلك شيئًا كثيرًا، فجاء أبوه بعد ذلك وقال: جئت من عند نبي ﷺ حقا، وكان يقول: لهم صلوا كذا لوقت كذا، وصلوا كذا لوقت كذا، ومن ذلك أنه قال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا قال: فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين لأنهم لم يجدوا أحدًا أكثر مني قرآنا، وفي الرواية الأخرى فقدموه وهو ابن ثمان سنين، وفي بعضها سبع أو ثمان، وهذا يدل على أن ابن السبع وابن الثمان إذا كان يحسن الصلاة لا بأس أن يؤم، وفي الحديث: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر فابن السبع هو أول الحدود لأن الغالب على من كان دون السبع عدم الضبط، فيحمل حديث عمر على أنه كان ابن سبع فأكثر أو ثمان كما في الحديث الآخر عملًا بالحديثين جميعًا، قوله ﷺ: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر.

وفيه أن من الفوائد: أن من كان أكثر قرآنا أو أقرأ فهو أولى بالتقديم لحديث أبي مسعود البدري يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وحديث أبي سعيد يؤمهم أقرؤهم، وهذا يعم الأجود والأكثر، الأجود قراءة والأكثر قراءة، ثم يليه الأفقه وهو الأقدم سنة، الأعلم بالسنة، ثم الأقدم هجرة كما تقدم.

وفي الحديث الآخر الدلالة على أن المسافر يصلي ثنتين والمقيم يصلي أربعة، فإذا صلى المسافر بمقيمين إذا سلم يأتوا بركعتين كما فعل النبي ﷺ، أمرهم أن يتموا لما صلى بهم في مكة، وهكذا عمر لما صلى بهم عمر أمرهم أن يتموا قال: إنا قوم سفر، وقد ثبت عنه ﷺ أنه أمر المسافر إذا صلى خلف المقيم أن يتم أربعًا، فالمقيم إذا صلى خلف المسافر يكمل، المسافر يصلي ثنتين والمقيم إذا سلم المسافر قام وأتى بثنتين. وإن كان الإمام هو المقيم والمسافر هو المأموم فإنه يتم كما في حديث الصحيح عن ابن عباس أن هذا هو السنة، إذا أم المقيم المسافر فإن المسافر يتم أربعًا ويأتم بالإمام في ذلك حتى لو ما أدرك إلا بعض الصلاة يتمها أربعًا.

بَابُ هَلْ يَقْتَدِي الْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ أَمْ لَا

1096 - عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عِشَاءَ الْآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَزَادَ: هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ مَكْتُوبَةُ الْعِشَاءِ.

1097 - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ سُلَيْمٍ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يَأْتِينَا بَعْدَ مَا نَنَامُ وَنَكُونُ فِي أَعْمَالِنَا فِي النَّهَارِ فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَنَخْرُجُ إلَيْهِ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا مُعَاذُ لَا تَكُنْ فَتَّانًا، إمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَلَى قَوْمِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وقد احتج به بعض من منع اقتداء المفترض بالمتنفل، قال: لأنه يدل على أنه متى صلى معه امتنعت إمامته، وبالإجماع لا تجتمع بصلاة النفل معه، فعلم أنه أراد بهذا القول صلاة الفرض، وأن الذي كان يصلي معه كان ينويه نفلًا.

بَابُ اقْتِدَاءِ الْجَالِسِ بِالْقَائِمِ

1098 - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِدًا فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ».

1099 - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا». رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُمَا.

بَابُ اقْتِدَاءِ الْقَادِر عَلَى الْقِيَامِ بِالْجَالِسِ وَأَنَّهُ يَجْلِسُ مَعَهُ

1100 - عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٌّ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا.

1101 - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «سَقَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صُرِعَ عَنْ فَرَسِهِ، فَجُحِشَ شِقُّهُ أَوْ كَتِفُهُ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا.

وَلِأَحْمَدَ فِي مُسْنَده: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ، فَقَعَدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأَتَى أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ الْأُخْرَى قَالَ لَهُمْ: ائْتَمُّوا بِإِمَامِكُمْ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا.

1102 - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا بِالْمَدِينَةِ فَصَرَعَهُ عَلَى جِذْمِ نَخْلَةٍ فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ، فَأَتَيْنَاهُ نَعُودُهُ فَوَجَدْنَاهُ فِي مَشْرُبَةٍ لِعَائِشَةَ يُسَبِّحُ جَالِسًا، قَالَ: فَقُمْنَا خَلْفَهُ فَسَكَتَ عَنَّا، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى نَعُودُهُ فَصَلَّى الْمَكْتُوبَةَ جَالِسًا، فَقُمْنَا خَلْفَهُ فَأَشَارَ إلَيْنَا فَقَعَدْنَا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إذَا صَلَّى الْإِمَامُ جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا، وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَلَا تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

الشيخ: الحديث الأول يدل على أنه لا بأس أن يصلي المفترض بالمتنفل، وأن يكون الإمام متنفلًا والمأموم مفترضًا، هكذا صح عن رسول الله ﷺ من حديث جابر أن معاذا كان يصل مع النبي ﷺ فرضه العشاء ثم يرجع فيصلي بأصحابه، وقد أقره النبي ﷺ على ذلك، ولكن قال له أن يصلي بهم بالتخفيف قال: أفتان أنت يا معاذ؟ وأمره أن يقرأ بالشمس وضحاها والليل إذا يغشى ونحو ذلك، ولم ينكر عليه صلاته بهم، أما الرواية الأخرى التي فيها الإنكار فهي ضعيفة، وثبت عنه أيضًا ﷺ أنه صلى في إحدى صلوات الخوف صلى بأصحابه فرضه وصلى بالطائفة الأخرى نافلة، وهذا إحدى أنواع صلاة الخوف، أحد أنواع صلاة الخوف أنه جعلهم طائفتين فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم بهم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين كانت له نافلة ولهم فريضة، فإذا وجد هذا فلا حرج، لو صلى مفترض خلف متنفل فلا حرج في ذلك، ومثل لو جاء إنسان وفاتته صلاة العشاء والناس يصلون التراويح جاز أن يصلي خلف الإمام، فإذا سلم الإمام قام وأتم صلاته العشاء ولا حرج في ذلك، وفي الأحاديث الأخيرة الدلالة على أنه إذا صلى قاعدًا لمرض صلى إمامهم الحي جالسًا فإنهم يصلون جلوسًا هذا هو الأفضل، وإن صلوا قيامًا أجزأ لا بأس لأنه أقرهم على القيام في آخر حياته ﷺ فصلوا خلفه قيامًا، لكن الأفضل إذا كان إمام الحي جالسًا صلوا خلفه جلوسًا، هذا هو الأفضل. ومعنى إمام الحي يعني الراتب، إمام المسجد الراتب إذا أصابه مرض وصلى بهم قاعدًا صلوا خلفه جلوسًا، وإن صلوا قيامًا فلا بأس، أما غير الإمام الراتب لا يصلي بالناس جالسًا يصلي بهم غيره.