16 من حديث: (مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلا)

بَاب الدَّفْنِ لَيْلًا

1480 - عن الشعبي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَاتَ إنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا ؛ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟ قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا، وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ لَيْلًا.

1481 - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَالْمَسَاحِي: الْمُرُورُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

1482 - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَأَى نَاسٌ نَارًا فِي الْمَقْبَرَةِ فَأَتَوْهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَبْرِ يَقُولُ: نَاوِلُونِي صَاحِبَكُمْ، وَإِذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

الشيخ: هذه الأحاديث كلها تدل على جواز الدفن ليلًا، إذا تيسر تغسيله والصلاة عليه فإنه يدفن ليلًا ولا حرج، أما ما جاء عن النهي من الدفن بالليل فقد بينه النبي ﷺ قال: إلا أن تضطروا حتى يصلى عليه فلا يدفن في الليل إذا لم يتيسر من يصلي عليه بل يصبح حتى يصلى عليه في صلاة الفجر، أما إذا تيسر الصلاة عليه في الليل فإنه يدفن ولا حرج كأن يصلى عليه بعد المغرب أو بعد العشاء ثم يدفن لا حرج في ذلك، ولا حرج أيضًا في دخول المقبرة بالنار بالسراج عند الحاجة، أما النهي عن السرج في المقابر فالمراد يعني جعلها في المقبرة مستديمة، أما الدخول بالسراج للحاجة عند الدفن حتى يستعين به من يحفر ومن يدفن فلا بأس بذلك، ولهذا أسرج للنبي ﷺ ودفن هو بالليل عليه الصلاة والسلام، ودفن الصديق في الليل، وعمر في الليل، فلا حرج في ذلك إلا أنه ينهى عن الدفن في الليل إذا كان فيه تقصير في حق الميت، استعجلوا ولم يأت من يصلي عليه فإنه يؤجل حتى يصلى عليه، لا يحرمهم من الصلاة عليه لأن كل ما كثر المصلون عليه صار خيرًا له كما في الحديث الصحيح يقول ﷺ: ما من مسلم يصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة إلا شفعهم الله فيه، وفي اللفظ الآخر: ما من مسلم يموت فيصلي عليه أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه فالرسول نهى عن الدفن بالليل حتى يصلى عليه، وفي اللفظ الآخر: إلا أن تضطروا فالجمع بين الأحاديث أنه لا بأس بالصلاة في الليل على الميت إذا لم يقصر في حقه، أما إذا كان الدفن في الليل يتضمن التقصير في حقه في ... الكفن أو في الصلاة بحيث لا يصلي عليه إلا الواحد أو الاثنان فإنه يؤخر حتى يصلى عليه الفجر إذا لم يتيسر من يصلي عليه في الليل كما فعله النبي ﷺ وكما أمر بذلك عليه الصلاة والسلام وفق الله الجميع.

بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ

1483 - عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

1484 - وَعَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ وَحَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالُوا: إذَا سُوِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْرُهُ وَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ قُلْ: رَبِّي اللَّهُ، وَدِينِي الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ.

بَابُ النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ وَالسُّرُجِ فِي الْمَقْبَرَةِ

1485 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1486 - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ.

الشيخ: الحديث الأول يدل على شرعية الدعاء للميت بعد الدفن، كما في حديث عثمان وهو حديث لا بأس به حديث جيد، كان ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل هذا مستحب بعد الدفن، المشيعون يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ثبته بالقول الثابت، بعد الدفن هذا مشروع للمشيعين الذين حضروا الدفن، أما التلقين الذي ذكره راشد بن سعد ورواه ابن حبيب وحكيم هذا يروى عن جماعة من أهل الشام لما مات أبو المغيرة، ويروى في حديث عن أبي أمامة، ولكنه غير صحيح، حديث غير صحيح، وكلام هؤلاء الذين يلقنون الميت بعد الموت كلام لا أصل له وليس بصحيح، والصواب أنه بدعة لا دليل عليه، ما كان النبي ﷺ يلقن الموتى، هذا أمرهم إلى الله إن الله ثبتهم تكلموا بالحق، وإن لم يثبتوا زاغوا عن الحق، لا ينفعهم التلقين بعد الموت، هذا ينفع قبل الموت، إذا لقنوا قبل موتهم وهم أحياء ونصحوا ووجهوا إلى الخير هذا الذي ينفعهم، أما بعد الموت فقد تم الأمر فالتلقين بعد الموت بدعة لا أساس لها فيما ذكر سعيد عن ضمرة بن حبيب وراشد بن سعد وحكيم بن عمير هذا من البدعة على الصواب لا يجوز، وهكذا ما روي عن أبي أمامة في هذا المقام غير صحيح.

أما البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها هذا بدعة أيضًا ومنكر ومن وسائل الشرك، ولهذا لعن الرسول ﷺ من اتخذ المساجد على القبور ولعن زائرات القبور من النساء والمتخذين عليها المساجد والسرج، وقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلا يجوز البناء على القبور ولا تجصيصها ولا اتخاذ القباب عليها ولا المساجد، كل هذا من وسائل الشرك، وما يفعله بعض الناس في بعض البلدان كله بدعة، كله منكر، ومن التأسي باليهود والنصارى، فالقبر يبقى مكشوفًا فقط ولا يبنى عليه ولا يتخذ عليه قبة ولا غير ذلك، ولا سرج ولا غير ذلك، بل كما كان في عهد النبي ﷺ يرفع قدر شبر حتى يعرف أنه قبر، وحتى لا يمتهن ويكفي، ولا يبنى عليه ولا يجصص ولا يوضع عليه قبة ولا مسجد، كل هذا من البدع ومن وسائل الشرك، فالواجب الحذر من ذلك، والتحذير من ذلك.

بَابُ وُصُولِ ثَوَابِ الْقُرَبِ الْمُهْدَاةِ إلَى الْمَوْتَى

1487 - عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «أَنَّ الْعَاصِ بْنَ وَائِلٍ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَنْحَرَ مِائَةَ بَدَنَةٍ، وَأَنَّ هِشَامَ بْنَ الْعَاصِ نَحَرَ حِصَّتَهُ خَمْسِينَ، وَأَنَّ عَمْرًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَّا أَبُوكَ فَلَوْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْتَ وَتَصَدَّقْتَ عَنْهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.

1488 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يُوصِ، أَفَيَنْفَعُهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

1489 - وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1490 - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ، أَيَنْفَعُهَا إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا، فَأَنَا أُشْهِدُك أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.

1491 - وَعَنْ الْحَسَنِ: «عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّ أُمَّهُ مَاتَتْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: فَتِلْكَ سِقَايَةُ آلِ سَعْدٍ بِالْمَدِينَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.

الشيخ: هذه الأحاديث كلها تدل على شرعية الصدقة على الميت، وأنها تنفعه كما لو تصدق بنفسه، فإذا تصدق عنه أولاده أو غيرهم بنقود أو بطعام أو وقفوا له وقفًا كل ذلك ينفعه لهذه الأحاديث التي فيها أنهم سألوا النبي ﷺ فأجابهم، هذا يقول أمي ماتت ولم توصِ وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، والآخر كذلك يسأل، والآخر يسأل، هذا كله يدل على أن الصدقة على الميت سواء أوصى أو ما أوصى تنفعه ويأجره الله عليها إذا كان مسلما، أما الكافر لا، ولهذا قال النبي ﷺ في حديث عبدالله بن عمرو: إن أباك لو وحد الله لنفعه الصدقة عنه وهو نذر في الجاهلية أن ينحر مائة من الإبل، فنحر عنه ابنه هشام خمسين وبقي خمسون، فنذور الجاهلية باطلة لا يوفى بها لأن الميت على الكفر لا ينفعه ذلك وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].

كذلك الذي سأل الرسول ﷺ عن أمه أنه يحب أن يتصدق عنها، فلما قال له النبي ﷺ: نعم، قال: إني قد جعلت المخرف الذي كذا وكذا صدقة لها، المخرف يعني البستان، يعني وقفت لها البستان، هذا يدل على أنه وقف عن أبيه أو عن أمه بستانًا أو بيتًا أو دكانًا أو مزرعة تنفق في وجوه البر، فهذا ينفع ذلك، والمخرف البستان، فالمعنى أني وقفت هذا البستان لأمي، يعني تكون غلته صدقة لها، هكذا لو وقف بيت أو وقف أرضًا زراعية تكون أجورها إذا أجرت صدقة لأمه، كل هذا لا بأس به، وهكذا لو أوقف كتب جعل ثوابها لأبيه أو أمه، كتب أو سلاح للجهاد في سبيل الله ينفع، هكذا صدقة سعد بن عبادة، مشهور أن الرسول ﷺ أوصاه بالصدقة بالماء، في رواية الحسن عن سعد منقطعة لأن الحسن ما أدرك سعدا، سعد مات قديمًا بعد وفاة النبي بيسير عليه الصلاة والسلام، فرواية الحسن عن سعد بن عبادة منقطعة، لكن وقفه وسقايته مشهورة، فإذا تيسر أنه يوقف ماء بئر يرتوي منها الناس أو يرتوي منها الناس أو عينا جارية يستقي منها الناس أو ما أشبه ذلك، هذا خير عظيم، يقول النبي ﷺ: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ومن الصدقة التي ينفع الله بها الأموات الضحايا، الضحية عن الميت لأنها من الصدقة، إذا ضحى عنه أيام النحر فهي من الصدقة كما كان النبي ﷺ يضحي عن نفسه وعمن وحد الله من أمته، كان يذبح كبشا عنه وعن أهل بيته، والكبش الثاني يذبحه عمن وحد الله من أمته عليه الصلاة والسلام. وفق الله الجميع.

س: .....؟

الشيخ: كل قربة وصدقة إلا ما لم يرد فيه الشرع، الصلاة لا يصلى عليه، ولا يصام عنه تطوعًا، إذا مات وعليه صوم واجب يصام عنه، الحج يحج عنه، يعتمر له ما يخالف نافلة أو واجب، أما الشيء الذي ما ورد كونه يصلي عنه أو يعتكف عنه لا، لأنه لم يرد هذا، والعبادات توقيفية، لكن الدعاء له مشروع، الصدقة الضحية الحج عنه، العمرة كل هذا ينفعه.

س: .....؟

الشيخ: ما لها أصل، تركها أولى، ما عليه دليل، قراءة القرآن ما عليه دليل، لكن يدعو له إذا قرأ دعا له لا بأس.

س: .....؟

الشيخ: من الجميع، من هذا ومن هذا، من الولد لوالده، والوالد لولده، والأخ لأخيه، والعم لابن أخيه، حتى الأجنبي لو تصدق بها عن بعض أحبابك نفعهم ولو كانوا أجناب ليسوا أقاربا.

بَابُ تَعْزِيَةِ الْمُصَابِ وَثَوَابِ صَبْرِهِ وَأَمْرِهِ بِهِ وَمَا يَقُولُ لِذَلِكَ

1492 - عَنْ عبداللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

1493 - وَعَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عبداللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.

1494 - وَعَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلَمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ قَدُمَ عَهْدُهَا فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا إلَّا جَدَّدَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.

1495 - وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

1496 - وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَاءَتْ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: إنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرَكًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ، فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.

1497 - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قَالَتْ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُهَا، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ.

الشيخ: هذه الأحاديث فيما يتعلق بالتعزية، والتعزية مشروعة للمؤمن أن يعزي أخاه إذا أصابه مصيبة، لأنه من باب التعاون والتأثر وجبر المصاب، فيستحب للمؤمن أن يعزي أخاه تأثرًا بما أصابه وجبرًا له ومواساة له، والأحاديث في هذا الباب كلها ضعيفة، لكن يشد بعضها بعضًا. منها الحديث الأول: من عزا مصابًا ألبسه الله من حلل الكرامة يوم القيامة، والثاني: من عزا مصابًا فله مثل أجره ذكر أهل العلم أنها كلها ضعيفة ولكن يشد بعضها بعضًا ويستأنس بها في التعزية، ولما في النصوص من حث المسلم على ملاحظة أخيه ومعاونته على كل ما يدفع عن البلاء ويخفف عنه المصائب، فالمسلم أخو المسلم، والمؤمن أخو المؤمن، ففي التعزية جبر للمصيبة وتسلية للمصاب ومواساة له، وهكذا ما جاء في الأثر الذي رواه عن جعفر بن محمد أنهم سمعوا قائلا يقول: «لما توفي النبي ﷺ إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا» هذا علي بن الحسين لم يدرك الواقعة، لكن هذا مما سمعه من غيره، وهذه أيضا تسلية للمسلمين، قد يكون قال ذلك أحد الملائكة، إذا ثبت من باب التعزية في المصيبة، وقوله ﷺ: إنما الصبر عند الصدمة الأولى هذا حديث صحيح، لما رأى امرأة تبكي على صبي قال: اتقي الله واصبري فلم تعرفه ثم أخبرت فذهبت إليه وقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى يعني الإنسان يتسلى بعد حين، يتعزى بعد حين إذا طالت المدة، فالصبر الواجب والذي فيه الأجر العظيم عند الصدمة الأولى، عندما يصاب بالمصيبة يبادر بالصبر والاحتساب، ومعنى الصبر يعني الكف عما لا ينبغي، فلا ينتف شعرًا، ولا يلطم خدًا، ولا يدعُ بدعوى الجاهلية، بل يحتسب ويصبر، هكذا المؤمن كما قال ﷺ: ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية، وقال ﷺ: أنا برئ من الصالقة والحالقة، والشاقة الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثوبها عند المصيبة، والحالقة التي تحلق شعرها أو تنتفه، هذا كله منكر لا يجوز، فالصبر كون الإنسان يتحمل المصيبة ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله على كل حال، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، لا يتعدى ذلك، لا يشق ثوبًا، ولا يلطم خدًا، ولا يدع بدعوى الجاهلية، ولا ينوح إلى غير هذا مما نهى الله عنه، بل يتحلى بالصبر ويعمل ما شرع الله، هكذا يجب عند المصائب، وحديث أم سلمة يقول النبي ﷺ: ما من عبد يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا آجره الله على مصيبته وأخلف له خيرًا منها قالت أم سلمة :لما مات أبو سلمة قلت: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ﷺ؟، ثم عزم الله لها فقالتها فأخلف الله عليها أن تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، فالمؤمن يتحرى الأمر المشروع ولا يستبعد الإجابة، بل يحسن ظنه بربه ويقول عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون كما قال الله جل وعلا: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157]. ويقول أيضا كما في حديث أم سلمة: اللهم أجرني في مصيبتي يقول: اللهم أجرني أو اللهم آجرني لغتان، في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، يستحب أن يقول هذا مع قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويحمد الله على ما أصابه، ويقول: لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، وفق الله الجميع.

بَابُ صُنْعِ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَكَرَاهَتِهِ مِنْهُمْ لِلنَّاسِ

1498 - عَنْ عبداللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ حِينَ قُتِلَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ.

1499 - وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عبداللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ النِّيَاحَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

1500 - وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ: قَالَ عبدالرَّزَّاقِ: كَانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ بَقَرَةً أَوْ شَاةً.

الشيخ: فهذه الأحاديث تدل على شرعية صناعة الطعام لأهل الميت، لأنهم قد أتاهم ما يشغلهم، فإذا صنع لهم جيرانهم أو أقاربهم طعامًا أيام الحزن فلا بأس، بل هو مستحب لحديث عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه لما جاء نعيه يوم قتل في مؤتة قال النبي ﷺ لأهله: اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم، وهو حديث صحيح، فدل على استحباب صناعة الطعام لأهل الميت لأنهم مشغولون بالحزن، فإذا صنع لهم جيرانهم أو أقاربهم طعامًا في اليوم الأول أو في اليوم الثاني أو الثالث أيام الحزن فلا بأس بل هو مشروع، أما كونهم يصنعون الطعام هم فلا، هذا لا يصلح كون أهل الميت يصنعون للناس، هذا لا يصلح بل هو من النياحة لحديث جرير المذكور قال: «كنا نعد الاجتماع على الميت وصنعة الطعام بعد الدفن من النياحة» وهو حديث جيد رواه أحمد وغيره، فأهل الميت لا يصنعون للناس، أما إذا جاءهم الطعام من غيرهم ودعوا إليهم جيرانهم وأكلوا معهم لا بأس، أو قسموا فضلته على جيرانهم لا بأس، أما أنهم يصنعون الطعام للناس يجمعونهم هذا من أمر الجاهلية لا يصلح.

والحديث الثالث يقول ﷺ: لا عقر في الإسلام كانت في الجاهلية تعقر في الإسلام عند القبور، عند قبر المعظم يعقرون عنده بعيرا أو بقرة تعظيمًا له، هذا من أمر الجاهلية فلا يجوز الذبح عند القبور والعقر لها، لا بعد الدفن ولا بعد مدة، كله من أمر الجاهلية، ولهذا قال ﷺ: لا عقر في الإسلام. أما كون أهل الميت يعزون في البيت أو في الطريق أو في المسجد أو يزوروهم إخوانهم ويعزونهم يشرب من قهوة أو شاهي فلا يضر هذا، لكن لا يصنعون شيئًا يتعمدونه من أجل الميت، وليمة للناس لا، أما كونه يزوره إخوانه في البيت ويسلمون عليه ويدعو له بالعزاء فلا بأس، ولو شرب الزائر قهوة أو شرب شاهي ما يضر، وفق الله الجميع.

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ وَبَيَانِ الْمَكْرُوهِ مِنْهُ

1501 - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أُصِيبَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أَبْكِي، فَجَعَلُوا يَنْهَوْنِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1502 - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَكَتْ النِّسَاءُ فَجَعَلَ عُمَرُ يَضْرِبُهُنَّ بِسَوْطِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَهْلًا يَا عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: إيَّاكُنَّ وَنَعِيقَ الشَّيْطَانِ ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ مَهْمَا كَانَ مِنْ الْعَيْنِ وَالْقَلْبِ فَمِنْ اللَّهِ وَمِنْ الرَّحْمَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الْيَدِ وَاللِّسَانِ فَمِنْ الشَّيْطَانِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

1503 - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعبداللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ، فَقَالَ: قَدْ قَضَى فَقَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَهُ بَكَوْا ؛ قَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ.

1504 - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ إحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ارْجِعْ إلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ: إنَّهَا أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ، فَرُفِعَ إلَيْهِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

1505 - وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ لَمَّا مَاتَ حَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، قَالَتْ: فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنِّي لَأَعْرِفُ بُكَاءَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بُكَاءِ عُمَرَ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ.

1506 - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مِنْ أُحُدٍ سَمِعَ نِسَاءً مِنْ عبدالْأَشْهَلِ يَبْكِينَ عَلَى هَلْكَاهِنَّ، فَقَالَ: لَكِنْ حَمْزَةُ لَا بَوَاكِيَ لَهُ، فَجِئْنَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ فَبَكَيْنَ عَلَى حَمْزَةَ عِنْدَهُ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا وَيْحَهُنَّ أَيْتُنَّ هَاهُنَا يَبْكِينَ حَتَّى الْآنَ، مُرُوهُنَّ فَلْيَرْجِعْنَ وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.

1507 - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ يَعُودُ عبداللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ، فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ وَقَالَ: غُلِبْنَا عَلَيْك يَا أَبَا الرَّبِيعِ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ، فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسَكِّنُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ، قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمَوْتُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.

الشيخ: أما بعد: فهذه الأحاديث كلها تتعلق بالبكاء على الميت، وتدل على أنه لا بأس بدمع العين وحزن القلب، أما الصياح والنياحة فهذا لا يجوز بل هو منكر لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، ولعن النائحة والمستمعة، وقال: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت أما البكاء مجرد دمع العين وحزن القلب فلا بأس به كما دلت عليه الأحاديث المذكورة كلها، ولما مات ابن النبي ﷺ إبراهيم بكى عليه ودمعت عيناه، وقال: العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون، وهكذا لما زار سعد بن عبادة أخبرهم قال: ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم يعني باللسان، فالبكاء لا بأس به دمع العين، وحزن القلب لا حرج فيه من غير صوت، وهكذا أقر الباكين من بني عبدالأشهل الباكيات على موتاهن، وبكاء جابر على أبيه عبدالله بن حرام لما قتل في يوم أحد، وهكذا لما زار ابنته ورأى ابنها في حال الموت دمعت عيناه، فقالوا له في ذلك: يا رسول الله؟ قال: إنها رحمة يجعلها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وقال لابنته: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، وقال لها: فلتصبر ولتحتسب هذا هو الواجب الصبر والاحتساب، والقول بما شرع الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، أما شق الثوب أو لطم الخد أو النياحة والصياح كل هذا لا يجوز كما يأتي في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله، والمؤمن يحتسب الأجر عند المصيبة ويصبر إنما الصبر عند الصدمة الأولى، ولا حرج في دمع العين، ولا حرج في حزن القلب، هذا أمر لا بأس به، وفي قوله لابنته: فلتصبر ولتحتسب، لله ما أخذ ... إلى آخره، الدلالة على أنه ينبغي وعظ المصاب وتسليته وحثه على الصبر كما فعل النبي ﷺ، فأهل الميتة وأهل الميت يعزون ويحثون على الصبر والاحتساب، ويحذرون مما حرم الله من شق ثوب أو لطم خد أو رفع الصوت.

وفيما فعله مع ابنته دلالة على تواضعه وحسن خلقه عليه الصلاة والسلام، فإنها أقسمت عليه فقام إليها، أقسمت أنه يأتي لما حصل عندها من المصيبة، وهي وجود آثار الموت في ابنها، فلما أقسمت عليه قام إليها عليه الصلاة والسلام جبرًا لها، وذهب إليها ومع سعد بن عبادة ومعاذ وأوصاها بالصبر والاحتساب، وقال: لله ما أخذ ... إلى آخره، وفاضت عيناه لما رأى حال الصبي، فلما سئل عن هذا قال: إنها رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. ففي هذا أن الرجل وإن كان كبيرًا يرحم من دونه كبنته وأخته، ولو كان كبيرًا، ولو كان عالمًا، ولو كان أميرًا، ولو كان ملكًا، عليه الرحمة وعليه التواضع وتعزية المصابة من ابنة أو أخت أو غير ذلك، فالرسول ﷺ لما لزمت عليه قام من مجلسه وذهب إليها معه بعض الصحابة لجبر مصابها وتعزيتها وتسليتها، هذا كله من التواضع الذي شرعه الله، ومن العناية بالمصابين وجبرهم بالتعزية والوصية والموعظة، وفق الله الجميع.

س: حديث ابن عباس مدى صحته؟

الشيخ: في صحته نظر، فيه بعض العلل.

بَابُ النَّهْيِ عَنْ النِّيَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَخَمْشِ الْوُجُوهِ وَنَشْرِ الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ الرُّخْصَةُ فِي يَسِيرِ الْكَلَامِ مِنْ صِفَةِ الْمَيِّتِ

1508 - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَةِ الْجَاهِلِيَّةِ.

1509 - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: «وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَصَاحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِيءَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِيءَ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ».

1510 - وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّهُ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ.

1511 - وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ وَفِي رِوَايَةٍ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ.

1512 - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ.

1513 - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ.

1514 - وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ. وَقَالَ: النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.

1515 - وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ إذَا قَالَتْ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهَ وَانَاصِرَاهُ وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَضُدُهَا أَنْتَ نَاصِرُهَا أَنْتَ كَاسِبُهَا؟. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي لَفْظِ: مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ وَاسَنَدَاهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ إلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ أَهَكَذَا كُنْتَ؟. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

1516 - وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «أُغْمِيَ عَلَى عبداللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَاجَبَلَاهُ وَاكَذَا وَاكَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْت شَيْئًا إلَّا قِيلَ لِي أَنْتَ كَذَلِكَ ؛ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1517 - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أَبَتَاهُ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهُ إلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1518 - وَعَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَوَضَعَ فَمَه بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ وَقَالَ: وَانَبِيَّاهُ، وَاخَلِيلَاهُ، وَاصَفِيَّاهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.

الشيخ: هذه الأحاديث العديدة الكثيرة كلها تدل على تحريم النياحة على الميت، وأنه لا يجوز النوح عليه، ولا رفع الصوت، ولا شق الثوب، ولا لطم الخد، يجب تجنب هذا كله، ويجب الصبر والاحتساب والقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما عمل الجاهلية من النياحة، وشق الثياب، ولطم الخدود، وشق الجيوب، هذا كله منكر، أنكره النبي ﷺ وحذر منه، وقال ﷺ: ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية، وفي اللفظ الآخر: ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية، وقال: أنا برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة التي تحلق شعرها أو تنتفه، والشاقة تشق ثوبها عند المصيبة، كل هذا منكر لا يجوز، والميت يعذب بما يناح عليه، جاءت الأحاديث الصحيحة أنه يعذب بما نيح عليه، وهذا عذاب خاص وعقوبة خاصة مستثناة من قوله جل وعلا: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15] وربك حكيم عليم في ذلك، فعلى أهل الميت أن يحذروا ما يؤذي ميتهم ويشق على ميتهم، أما البكاء الذي ليس معه صوت فلا بأس، البكاء الذي ليس معه صوت فلا حرج فيه لقوله ﷺ لما مات ابنه إبراهيم: العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولما زار سعد بن عبادة قال: ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه، وما جاء في بعض الروايات ببكاء يعني بالنياحة، وإذا كان مع النياحة شق الثوب، أو لطم الخد، كان الأمر أشد، وكان الذنب أعظم، وأما تقبيل الميت فلا بأس، قد قبل الصديق النبي ﷺ بين عينيه، وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، أما الزيادة هذه ففيها نظر، زيادة وانبياه هذه فيها نظر، رواه أحمد، والمعروف في صحيح البخاري أنه قبله بين عينيه، وقال: قد طبت حيًا وميتًا، فدل على أنه لا بأس أن يقبل الميت بين عينيه، يقبله الرجل أو تقبله زوجته أو أمه أو نحو ذلك لا بأس بهذا، والحاصل من هذا كله أن الواجب على أهل المصيبة أن يتقوا الله في ميتهم وأن يحذروا النوح عليه لأنه يعذب بهذا الشيء، أما ما جاء عن عائشة أن الرسول ﷺ قال: إن الكافر يزاد في عذابه فهذا لا يمنع من رواية في حق المسلم، الكافر والمسلم، ولا يقتضي منع هذا في حق المؤمن، المقصود أنها خفي عليها الأمر رضي الله عنها فظنت أن هذا في الكافر فقط، والأمر عام ليس بخاص بالكافر، وهو شيء خاص وعقوبة خاصة، من ضمنها تحذير أهل الميت، من فوائدها تحذير أهل الميت من النياحة، وشق الثياب، ولطم الخدود، ونحو ذلك، وأنهم متى علموا أن ميتهم يناله العذاب بذلك صار هذا مما يكفهم ومما يمنعهم من هذا العمل السيئ. رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

بَابُ الْكَفِّ عَنْ ذِكْرِ مَسَاوِئِ الْأَمْوَاتِ

1519 - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

1520 - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَسُبُّوا أَمْوَاتَنَا فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.

بَابُ اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَمَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِهَا

1521 - عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَقَدْ أُذِنَ لَمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

1522 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْت رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

1523 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

1524 - وَعَنْ عبداللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: «أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ الْمَقَابِرِ فَقُلْت لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عبدالرَّحْمَنِ، فَقُلْت لَهَا: أَلَيْسَ كَانَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا». رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ.

1525 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةِ مِثْلُهُ وَزَادَ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ.

1526 - وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى الْمَقَابِرِ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ.

الشيخ: في الحديث الأول وما جاء في معناه التحذير من سب الأموات، يقول ﷺ: لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا، وفي عدة أحاديث: لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء، وفي حديث عائشة الذي رواه أحمد وغيره بإسناد جيد لا تذكروا هلكاكم إلا بخير. هذا يدل على أنه يجب على المسلمين الكف عن سب الموتى، وألا يذكروهم إلا بالخير الذي يعلمونه منهم، لأن سب الموتى يضرهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا، وقد يسبهم فيكون ظالمًا لهم، ويكون فيه أذى للأحياء من أقاربهم، فسد الباب عليه الصلاة والسلام وقال: لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموالكن إذا كان لهم حسنات وأعمال طيبة تذكر يذكر خيرهم ولا يذكر شرهم ما داموا مسلمين، فالمسلم يجب أن يحترم حيًا وميتًا، وإذا مات تكف عن مساويه وتذكر محاسنه، ويدعى له بالخير والمغفرة والرحمة لما تقدم من أنهم قد أفضوا إلى ما قدموا، ولأن سبهم يسيء إلى الأحياء ويسبب مشاكل بين الساب والأحياء أيضًا.

وفي الأحاديث الأخيرة الدلالة على شرعية زيارة القبور، وأنه يستحب زيارة القبور لأنها تذكر الموت وتذكر الآخرة، وكان النبي ﷺ نهى عن زيارة القبور أولًا لما كان الناس حديثي عهد بعبادة الأموات والقبور، فنهاهم عن زيارة القبور حتى تنقطع تعلقاتهم بها، وحتى يعلموا أن ما فعلوه سابقًا من الشرك وهو دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات، فلما جاء الله بالإسلام أبطل هذا ونهاهم عن زيارة القبور لئلا يقعوا في الشرك الذي قد اعتادوه، فلما تقرر التوحيد في قلوبهم واستقر الإسلام وانتشر الإسلام عرف حكم الشرك أذن لهم بالزيارة لأنها تذكر الآخرة، فصارت مصلحة بدون مضرة، فقال: زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة، وفي اللفظ الآخر: تذكركم الموت، وكان ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية هكذا ثبت في صحيح مسلم وغيره، وزاد في رواية أخرى: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده رواه أحمد وغيره، وجاء في رواية أخرى أنه زار قبور المدينة فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنت سلفنا ونحن في الأثر، وكان يقول: اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد البقيع في المدينة، وزار قبر أمه فبكى وأبكى عليه الصلاة والسلام لما تذكر من كونها ماتت في الجاهلية فاستأذن ربه أن يزورها فأذن له للعبرة، واستأذنه أن يستغفر لها فلم يأذن له لأنها ماتت في الجاهلية على دين المشركين، فلهذا استأذن في الاستغفار لها فلم يؤذن له، أما الزيارة لقبور الكفار للعبرة والعظة فقط فلا بأس من غير دعاء لهم ولا سلام، إذا مر على قبور كفار للعبرة وتذكر الموت فلا بأس كما زار قبر أمه لأنها ماتت في الجاهلية في الأبواء على طريق المدينة، أما المسلم فيزار ويدعى له، الميت المسلم يزار قبره ويدعى له، وهكذا قبور المسلمين يزارون ويدعى لهم للذكرى، لذكر الآخرة والموت وللإحسان إلى الموتى أيضًا، أما أهل الجاهلية والكفار فإذا زارهم الإنسان لا بأس، لكن لا يدعو لهم ولا يسلم، إذا زار قبور المشركين أو أهل الجاهلية الذين ما تعرف حالهم إنما يزور للعبرة والذكرى، ولا يسلم ولا يدع إلا إذا كانوا مسلمين، وفق الله الجميع.

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَيِّتِ يُنْقَلُ أَوْ يُنْبَشُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ

1527 - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عبداللَّه بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ». وَفِي رِوَايَةٍ «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عبداللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ»، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا، قَالَ سُفْيَانُ: فَيَرَوْنَ النَّبِيَّ ﷺ أَلْبَسَ عبداللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً بِمَا صَنَعَ. رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.

1528 - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُرَدُّوا إلَى مَصَارِعِهِمْ وَكَانُوا نُقِلُوا إلَى الْمَدِينَةِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

1529 - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

ولمالك في الموطإ أنه سمع غير واحد يقول: أن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق فحملا إلى المدينة ودفنا بها، ولسعيد في سننه عن شريح بن عبيد الحضرمي أن رجالًا قبروا صاحبًا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنًا ثم لقوا معاذ بن جبل فأخبروه فأمرهم أن يخرجوه، فأخرجوه من قبره ثم غسل وكفن وحنط ثم صلى عليه.

الشيخ: هذه الأحاديث والآثار فيما يتعلق بإخراج الميت من قبره ونقله من محل موته إلى محل آخر، حديث عبدالله بن أبي بن سلول أنه أخرج من قبره وكساه النبي ﷺ قميصًا ونفث فيه، كان عبدالله بن أبي بن سلول هذا رأس المنافقين وكان من أخبث الناس ومن أشرهم، وكان ضد النبي ﷺ وضد المسلمين، وله مواقف خبيثة، وكان النبي ﷺ يصفح عنه ويتألفه لأنه كان رئيسا في الخزرج، وقد كادوا أن يملكوه عليهم حتى هاجر النبي إليهم عليه الصلاة والسلام فأصابه بهذا شر عظيم، لأن قدوم النبي ﷺ إلى المدينة حال بينه وبين الرياسة، فلم يزل في قلبه من الشر ما فيه والنفاق حتى مات، وكان ابنه عبدالله بن عبدالله من أصلح الناس، ومن خير الناس، وكان النبي ﷺ يتألف عبدالله ويتقبل منه ما أظهر من الخير رجاء أن يهديه الله، رجاء أن يسلم، وأيضًا مراعاة لجماعته وعشيرته يتألفهم على الإسلام عليه الصلاة والسلام، فلما توفي طلب ولده عبدالله كما في الرواية الأخرى عند البخاري أن يلبسه قميصه، لعل الله ينفعه بهذا القميص ببركة كونه مس جسد النبي ﷺ، فأجابه النبي ﷺ إلى ذلك، وأخرجه بعدما دلي في القبر وألبسه القميص رجاء أن ينفعه الله بذلك، وأما كونه كسا عباسا فلا مانع، قد يكون لهذا وهذا، لكن المقصود والمهم هو أن عبدالله طلب من النبي ﷺ ذلك رجاء أن ينفعه الله بهذا الثوب الذي باشر جسد النبي عليه الصلاة والسلام، وهو عليه الصلاة والسلام مبارك وجسده مبارك وعرقه مبارك فرجا عبدالله ابنه أن ينفع الله أباه بهذا الشيء، ولكن الرجل مات على الكفر فلم ينفعه هذا، وقد صلى عليه النبي ﷺ، وقد قال له عمر: أتصلي عليه وقد قال كذا وكذا، قال: إني خيرت استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، ولو أطمع أنهم يغفر لهم ولو سبعين لزدت على السبعين فأنزل الله بعد ذلك: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:84] فانتهى أمرهم، وصار كل من أظهر النفاق لا يصلى عليه ولا يقام على قبره؛ لأن المنافق شر من الكافر المعلن، قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145].

وفي الحديث الثاني: أن الشهداء يدفنون في محل قتلهم، وأن الذين نقلوا أعيدوا، النبي ﷺ أمر أن يدفنوا في محلهم، في المحل الذي قتلوا فيه، ودفن شهداء أحد في محل القتال.

وفي حديث جابر أنه دفن مع أبيه شخصا آخر، وكان عبدالله قتل يوم أحد، عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر، قال: فلم تطب نفسي حتى أخرجته، فهذا يدل على أنه لا بأس إذا كانوا اثنين ثم تيسر دفن كل واحد على حدة لا بأس، لأن مثل هذا في عهد النبي ﷺ، إن كان في عهد النبي ﷺ لا يخفى عليه في الغالب، وهذا إذا كان الميت لم يتمزق، أما إذا كان قد تمزق يترك في محله كما دفنهم النبي ﷺ، فهذا اجتهاد من جابر، فلو قدر أنه سالم ولم يتمزق لأن جابر ذكر أنه وجده على حاله لم يتغير منه شيء سوى شعيرات حول أذنه، وجد أباه على حاله، الله أكبر، المقصود أنهم إذا دفنوا لعلة جميعا بسبب كثرة القتلى أو لأسباب أخرى لا بأس كما فعل النبي ﷺ في قتلى أحد، وإذا أخرجوا بعد ذلك ولم يتغيروا ودفن كل واحد على حدة فلا حرج في ذلك كما فعل جابر، وكما فعل معاوية لما أخرج المدفونين بسبب لما أجرى العين في المدينة، فإخراج الميت من قبره إلى محل آخر لمصلحة شرعية أو كونهم اثنين أو ثلاثة ثم أخرجوا وجعل كل واحدة على حدة وهم على حالهم لا حرج في ذلك إذا كانوا على حالهم لم يتمزقوا، أما نقل الميت من مكان إلى مكان فلا حرج في ذلك لكن تركه أولى، وسعد نقل وسعيد نقلوا من أعلى المدينة إلى البقيع لا حرج في ذلك، المسألة قريبة، لكن إذا مات في بلد فلا ينقل إلى بلد أخرى لما فيه من مشقة وعدم الدليل، فإذا مات في الرياض أو في القصيم لا ينقل إلى المدينة أو إلى مكة أو إلى بلد آخر، يدفن في محله؛ لأن الصحابة دفنوا أمواتهم في محلهم، الذي ماتوا في الكوفة دفنوا في الكوفة، والذي مات في البصرة دفنوه في البصرة، والذي مات في المدينة دفنوه في المدينة، والذي مات في غير ذلك دفنوه في محله، هذا هو السنة وعدم النقل لأن هذا فيه مشقة، أما إذا كان قريبا مثل سعد وسعيد في أعلى المدينة ونقلوه إلى البقيع هذا شيء بسيط، شيء خفيف لا يكلف شيئًا ولا حرج، وهكذا لو دفن الإنسان ولم يغسل ولم يكفن فإنه يخرج إذا كان العهد قريب في الحال يخرج ويغسل ويكفن كما في الأثر الذي عن معاذ الأخير، هذا إذا كان قريبا قبل أن يتغير، أما إذا تغير فيترك على حاله.