04 من باب ما جاء أن سبب كفر بني آدام هو الغلو في الصالحين

باب ما جاء أنَّ سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصَّالحين

وقول الله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171].

وفي الصحيح عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في قول الله تعالى: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطانُ إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلمُ عُبدت.

وقال ابنُ القيم: قال غيرُ واحدٍ من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوَّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمدُ فعبدوهم.

وعن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: لا تطروني كما أطرت النَّصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبدالله ورسوله أخرجاه.

ولمسلم عن ابن عباسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ: إياكم والغلو; فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلو.

ولمسلم عن ابن مسعودٍ: أن رسول الله ﷺ قال: هلك المُتنطعون قالها ثلاثًا.

الشيخ: يقول رحمه الله في كتاب التوحيد: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين" أسباب وقوع الشرك في الناس وتركهم الدين هو الغلو في أهل الصلاح من أنبياء وغيرهم، كما فعل قومُ نوح ومَن بعدهم، غلوا في الصَّالحين، وزيَّن لهم الشيطانُ أنَّ دعاءهم إياهم ونذرهم لهم وذبحهم لهم واستغاثتهم بهم والعكوف على قبورهم أنَّ هذا من أسباب جلب الخيرات لهم، وجلب الشفاء والأرزاق والولد وغير ذلك، هكذا فعل بهم الشيطان، وزيَّن لهم الشيطانُ الشرك، كما زيَّن لأهل مكة قبل بعثه ﷺ حتى عبدوا اللَّات والعُزَّى ومناة والأصنام الكثيرة حول الكعبة، وزيَّن لغيرهم عبادة النجوم والشمس والقمر وغير ذلك من الكواكب، وزيَّن لآخرين عبادة الجنِّ، وزيَّن لآخرين عبادة أشياء أخرى.

فالرسل بعثهم الله لإنكار هذا الشرك، ولإرشاد الناس إلى ما خلقهم الله من توحيد الله وطاعته وعبادته، بعث الرسل بهذا؛ لأنه خلق الخلق ليعبدوه، وأرسل الرسل تدعوهم إلى ذلك، وأنزل الكتب تدعوهم إلى ذلك، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فالجن والإنس خُلقوا ليعبدوا الله، وعبادة الله هي توحيده وطاعته، هي الإسلام والإيمان، هي الهدى، هذه عبادته؛ توحيده سبحانه، وإخلاص العبادة له، وطاعة أوامره، وترك نواهيه، واتباع شريعته التي جاء بها أنبياؤه ورسله، هذه العبادة التي خُلقوا لها، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] هي العبادة، وهي التقوى، خُلقوا لها، وأُمروا بها، وجعلها سبحانه وسيلةً إلى أن يتَّقوه في جميع الأوامر، ويبتعدوا عن غضبه.

وبعث الرسل بهذا، الرسل بُعثوا بهذا الأمر، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] من أولهم نوح، إلى آخرهم محمد، كلهم بُعثوا يدعون الناس إلى توحيد الله وطاعته، ويُنذرونهم من الشرك بالله ومعصيته، كلهم من أولهم إلى آخرهم، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال سبحانه: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45] لا، استفهام إنكار، لم نجعل، قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، وقال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، أنكر عليهم فقال: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18]، لا يعلم له شريكًا، لا في السماوات، ولا في الأرض، والذي لا يعلمه سبحانه لا وجودَ له، قال تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ۝ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ، ثم قال بعده: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى يعني: يقولون: ما نعبدهم إلا ليُقربونا إلى الله زُلفى، قال رادًّا عليهم سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:2- 3] سمَّاهم: كذبة، كفرة في دعواهم أنها تُقربهم إلى الله زلفى، قد كذبوا، لا تُقربهم، وكفروا بذلك بعبادتهم الأصنام والأشجار والأحجار والجنّ، والاستغاثة بهم، ونذرهم لهم، هذا الشرك الأكبر الذي وقعت فيه الأمم: قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، والمشركون بعدهم.

وهكذا وقعت فيه العرب، بعدما أرسل الله الرسل وقعوا في هذا الشرك، حتى بعث الله نبيَّه محمدًا ﷺ فأنكر عليهم هذا الشرك، ودعاهم إلى توحيد الله وقال: يا قومي، قولوا: لا إله إلا الله تُفلحوا، وقام على الصفا ذات يومٍ بعدما أنزل الله عليه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[الشعراء:214] قام على الصفا وقال: يا صباحاه فاجتمعوا، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أنَّ جيشًا يُصبحكم ويُمسيكم أكنتم مُصدقي؟ قالوا: نعم؛ ما جرَّبنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد يعني: اعبدوا الله واتركوا عبادة الأصنام والأوثان واللَّات والعُزَّى، اتركوها واعبدوا الله وحده، فقام أبو لهبٍ عمه فقال: تبًّا لك سائر اليوم، ما جمعتنا إلا لهذا! قبَّحه الله، فأنزل الله في حقِّه: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ۝ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ۝ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ۝ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد].

فالغلو هو أصل الشرك، الغلو في الصَّالحين هو أصل الشرك، كما وقع لقوم نوح ولغيرهم؛ ولهذا ترجم المؤلفُ بهذه الترجمة العظيمة فقال: "باب ما جاء" يعني: من الأدلة من القرآن والسنة على "أنَّ سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين"، هذه الأسباب، قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، فأخبرنا عن نهيه لأهل الكتاب، وهو نهي لنا، يعني: لا تفعلوا مثلهم: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، فهكذا نحن علينا ألا نغلوا في ديننا، كما نهى الله أهل الكتاب فعلينا أيضًا أن نحذر.

والغلو هو الزيادة في القول أو العمل، يقال: "غلا القدر" إذا ارتفع الماء بسبب النار، فالغالي هو الذي يزيد في القول أو في العمل بغير ما شرعه الله، فهذا الغالي، والذي يعبد الأصنام أو الأولياء أو الصالحين قد غلا، أعطاهم غير حقِّهم، زاد لهم، والواجب محبَّتهم في الله، محبة الصالحين، محبة الأنبياء والتأسي بهم في الخير، لكن إذا دعاهم وعبدهم فقد زاد، فقد غلا، ما اقتصر على الجائز؛ لأن الجائز والمطلوب أن يحبَّهم في الله، وأن يتأسَّى بهم في أعمالهم الطيبة، هذا المطلوب؛ يتأسى بالرسل والأخيار، يعمل بأعمالهم الطيبة، أما أن يدعوهم من دون الله، أو يعتقد فيهم أنهم يعلمون الغيب، أو أنهم يشفون المرضى، هذا هو الشرك الذي وقعت فيه الأمم المشركة.

في الصحيح –"صحيح البخاري"- عن ابن عباسٍ. وهو عبدالله بن العباس بن عبد المطلب، إذا أُطلق فهو عبدالله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام: أنه قال في تفسير قوله تعالى: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23] قال: هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطانُ إلى قومهم -زيَّن لهم الشيطان- قال لهم: هؤلاء رجال صالحون طيبون، صلوا صلاتهم، وانصبوا صورهم، وتأسوا بهم. يعني: اقتدوا بهم، حتى يصيد بهم مَن بعدهم، أو يصيدهم في الآخر.

هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، رجال طيبين، صوَّروا صورهم وحطوها في مجالسهم؛ حتى يتذكروا أعمالهم، أتاهم من هذه الحيلة، قال: إذا نصبتم صورهم وجعلتُموها في مجالسكم كأنهم حاضرين؛ حتى تتأسوا بهم، ومقصود الخبيث أن يصيدهم في آخر الزمان، أو مَن بعدهم فيعبدونهم من دون الله، ففعلوا، أطاعوه، زيَّن لهم وأطاعوه، فلما طال الأمدُ ونُسخ العلم –يعني: ذهب العلم، وانقرض العلم الذي علمه الأخيار- دسَّ عليهم الشيطانُ أن هؤلاء يُعبدون ويُدعون ويُستغاث بهم ويُنذر لهم، ففعلوا.

وقال غير واحدٍ من السلف كما قال ابنُ القيم: لما هلكوا، لما طال عليهم الأمدُ جاء مَن بعدهم وعبدوهم من دون الله، عكفوا على قبورهم، ثم صوَّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.

هكذا عمل الشيطان؛ يُزين للناس الباطل بالحيل الكثيرة: في الشرك والزنا واللوط وشرب الخمر وغير هذا، يسعى في كل شيءٍ من الباطل، يُزين الشرك والمعاصي جميعًا، يقول سبحانه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6]، هذا قصد الخبيث، وقال سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ:20]، هو ظنَّ أنهم يتبعونه فاتَّبعوه.

وبهذا نعلم أنَّ ما يفعله الناسُ الآن في مصر والشام والعراق وغير ذلك من نصب الصور والعكوف على القبور أنَّ هذا من دين قوم نوح الذين هلكوا بسببه، هذا الشرك، ما يُفعل عند قبر البدوي أو الحسين في مصر، أو ابن عربي في الشام، أو عند قبر الشيخ عبدالقادر الجيلاني في العراق، أو غيرهم، هذا هو الذي فعله قوم نوح، الشيطان صاد هؤلاء كما صاد أولئك.

وهكذا ما كان يُفعل في هذه البلاد في مكة والمدينة في الجزيرة العربية قبل دعوة الشيخ في القرون المتأخرة من العكوف على قبر خديجة، والعكوف على قبور البقيع، وعلى القبور هنا، وغير ذلك، وفي الرياض، وفي الدرعية، وفي أماكن كثيرة؛ كلها من عمل الشيطان، حتى أزال الله ذلك بدعوته المباركة؛ دعوة الشيخ محمد والعلماء الذين ساعدوه وأوضحوا للناس الحقَّ ودعوهم إلى توحيد الله، وحذَّروهم من الشرك، فأزال الله ذلك بسبب الدَّعوة المباركة، وبسبب ولاة الأمور الصالحين الذين نفذوا الدَّعوة من آل سعود الذين ملكوا الجزيرة، ثم ملكوا الحجاز ونفذوا هذه الدَّعوة المباركة، وهدموا القباب التي على القبور، وأزالوا أسباب الشرك، فجزاهم الله خيرًا، ورحمهم الله رحمةً واسعةً.

وعن عمر : أن النبي ﷺ قال: لا تُطروني كما أطرت النَّصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبدالله ورسوله، هكذا يقول النبيُّ ﷺ للصحابة: لا تطروني يعني: لا تغلو في مدحي، الإطراء: الزيادة في المدح، الإطراء: الزيادة، لما قال له رجل: أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم -أو ببعض قولكم- ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبدالله ورسوله، فإذا قالوا: إن محمدًا يشفي الضرَّ، أو يُدعا من دون الله، أو يُستغاث به، أو يعلم الغيب؛ فهذا الغلو، هذا الشرك الأكبر، ولكن محمد عبد من عباد الله كالرسل قبله، أكرمه الله بالنبوة والرسالة، فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يكذب، بل يجب أن يُطاع ويُتبع، فلا يُدعا من دون الله، ولا يُستغاث به، ولا يُنذر له، ولا يقال: إنه يعلم الغيب، كل هذا باطل.

أما في حياته فلا بأس أن يُستعان به فيما يقدر عليه، يُستعان به في مساعدة الفقراء، يُستعان به في الجهاد، في إقامة الحدود، وهو حي، كما يُستعان بالأمراء وغيرهم في تنفيذ أوامر الله، أما بعد الموت لا، بعد الموت انقطع العمل، لكن يُصلَّى عليه، والواجب اتباع شريعته، أما أنه يُدعا من دون الله، أو يُستغاث به، أو ينذر له، هذا الغلو الذي نهى عنه عليه الصلاة والسلام، هذا هو الإطراء، ولكن يُصلَّى عليه، ويُدعا له أن الله يجزيه عنا أفضل الجزاء كما دعانا إلى الخير، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته، وصلى الله وسلم عليه وعلى آله صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين.

ولكن لا يُعبد من دون الله؛ لا يُدعا، لا يُستغاث به، لا يُنذر له، لا هو ولا غيره من الأنبياء، ولا الصديق، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، وما تفعله الرافضةُ مع عليٍّ وأهل البيت من دعائهم هذا هو الشرك، ما تفعله الرافضة مع عليٍّ ومع الحسين والحسن وغيرهم هذا الشرك؛ دعاؤهم إياهم، واستغاثتهم بهم هذا هو الشرك الأكبر.

وهكذا ما يفعله غيرُهم مع أصحاب القبور في مصر والشام والعراق وغير ذلك: من دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، والنذر لهم، هذا هو الشرك الأكبر، هذا عمل قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وغيرهم، نسأل الله العافية.

ولهذا قال: إنما أنا عبد، فقولوا: عبدالله ورسوله يعني: أنا عبد من عباد الله، كما قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف:1]، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23]، عبد من عباد الله خلقه الله كما خلق غيره، لا يُعبد، ولكن يُطاع ويتبع عليه الصلاة والسلام.

وقال ﷺ: إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلو في الدين، الغلو: الزيادة في القول أو العمل، هذا هو الغلو، حذَّر أمته من الغلو قال: إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلو في الدين، فالبناء على القبور غلو، وعبادتها من دون الله غلو، والاستغاثة بهم غلو، والنذر لهم غلو، لكن بعضه شرك، وبعضه بدعة، فالبناء على القبور بدعة، وسيلة للشرك، ودعاؤهم والاستغاثة بهم والنذر لهم من الشرك الأكبر.

وقال في حديث ابن مسعودٍ : يقول ﷺ: هلك المتنطِّعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون يقولها ثلاثًا، المتنطعون: المتشددون، الغالون، المتنطع: الذي يزيد في الكلام ويُشدد ويغلو، يقال: مُتنطع، والذين يغلون في القبور ويدعونهم من دون الله قد تنطعوا؛ ولهذا سمَّاهم: هالكون، قال: هلك المتنطعون، وهم الغالون الذين يغلون في القبور -قبور الصالحين- أو في الأشجار والأحجار، أو في النجوم، ويدعونها من دون الله، قد هلكوا بالشرك، وقالها ثلاثًا يُحذر من ذلك عليه الصلاة والسلام.

فالواجب الاقتصاد وعدم الغلو، وذلك باتباع الأنبياء، واتباع طريقهم، واتباع خاتمهم محمد ﷺ، والسير على منهاجه، والإيمان بأن الله هو المعبود الحق، هو الذي يعلم الغيبَ، هو مدبر الأمور، ومصرف الأمور، وهو الذي بيده كل شيء سبحانه، له الخلق والأمر، كما قال جلَّ وعلا: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54]، فالواجب عبادته وحده، وطاعة أوامره، وترك نواهيه، ومحبة رسله، ومحبة أوليائه، والسير على منهاجهم الطيب، والتأسي بهم في الخير، لكن لا يُدعون مع الله، لا يُستغاث بهم، لا يُنذر لهم، لا يُذبح لهم، لا يُطاف بقبورهم، هذا عمل المشركين، ولكن يُحبون في الله، ويتبع طريقهم، ويعمل بأعمالهم الطيبة، ويدعو إلى ذلك، هذا هو الطريق، هذا هو السبيل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108]، تدعو إلى الله لا إلى غيره، تدعو إلى عبادة الله وحده على طريقة رسولك وإمامك محمد عليه الصلاة والسلام.

باب ما جاء من التَّغليظ فيمَن عبد الله عند قبر رجلٍ صالحٍ، فكيف إذا عبده؟

في الصحيح عن عائشة: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسةً رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجلُ الصالحُ أو العبدُ الصالحُ بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة.

فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التَّماثيل.

ولهما عنها قالت: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنَّصارى، اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد يُحذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خشي أن يُتَّخذ مسجدًا. أخرجاه.

ولمسلم عن جندب بن عبدالله قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإنَّ الله قد اتَّخذني خليلًا كما اتَّخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنتُ متَّخذًا من أمتي خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكر خليلًا، ألا وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك.

فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق مَن فعله.

والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبْنَ مسجد، وهو معنى قولها: "خشي أن يُتَّخذ مسجدًا"، فإنَّ الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكل موضعٍ قُصدت الصلاة فيه فقد اتُّخذ مسجدًا، بل كل موضعٍ يُصلَّى فيه يُسمَّى: مسجدًا، كما قال ﷺ: جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا.

ولأحمد بسندٍ جيدٍ عن ابن مسعودٍ مرفوعًا: إنَّ من شرار الناس مَن تُدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتَّخذون القبور مساجد، ورواه أبو حاتم في "صحيحه".

الشيخ: يقول رحمه الله في كتاب التوحيد: "باب ما جاء من التَّغليظ فيمَن عبد الله عند قبر رجلٍ صالحٍ، فكيف إذا عبده؟!" يعني: إذا كانت الأدلةُ الشرعية جاءت بالتَّحذير من التَّعبد عند قبور الصالحين، فكيف إذا وقعت العبادةُ لهم؟! يكون الشرك الأكبر، فالأول تحذير من الوسائل، والثاني هو الغاية، فالرسول ﷺ حذَّر من اتّخاذ القبور مساجد يُبنى عليها؛ لأنها وسيلة إلى الشرك، كما قد وقع في قوم نوح لما عظَّموا ودًّا وسواعًا .. إلى آخره عبدوهم من دون الله، فإذا كانت القبور إذا اتُّخذت مساجد أو بُني عليها وسيلة للشرك ملعون مَن فعل ذلك، فكيف بمن فعل الغاية وهي الشرك؛ يكون إثمه أعظم وأكبر، ويكون بذلك قد خرج من الإسلام.

فالبناء على القبور واتّخاذها مساجد وسيلة، وعبادتها من دون الله ودعوتها والاستغاثة بها هذا هو الغاية، هذا هو الشرك الأكبر، فالمؤلف يُنبه بهذا التَّحذير من اتّخاذ القبور مساجد، ولعن مَن فعل ذلك إنما هو لأنها وسيلة إلى غايةٍ هي الشرك الأكبر.

في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين: أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت للنبي ﷺ كنيسةً رأتها بأرض الحبشة، كانت أم سلمة فيمَن هاجر إلى الحبشة، لما هاجر جماعةٌ من المسلمين من مكة إلى الحبشة كانت مع أبي سلمة ممن هاجر إلى الحبشة، رأت كنيسةً هناك -والكنيسة: معبد النصارى- وما فيها من الصور، فقال الرسول ﷺ: أولئك يعني: أولئك المشركون النصارى إذا مات فيهم الرجلُ الصالحُ بنوا على قبره مسجدًا، مات فيهم نبيٌّ أو عبدٌ صالحٌ بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور يعني: صوَّروا صورة المقبور وصورًا أخرى في الكنيسة حتى وقع فيهم الشركُ، حتى عُبدت القبور من دون الله، وعُبد الأنبياء والصَّالحون من دون الله، قال في حقِّهم: أولئك شرار الخلق عند الله يعني: أولئك القوم هم شرار الخلق عند الله بهذا العمل؛ باتِّخاذهم القبور مساجد، واتّخاذ الصور عليها؛ صور زيد وعمرو، مثلما صوَّر قومُ نوح ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرا، ثم وقع الشركُ.

قالت عائشةُ رضي الله عنها: أن النبي ﷺ كان في مرض موته مع شدة المرض يقول عند شدة المرض وهو يكشف الغطاء عن وجهه ويقول: اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد يُحذِّر ما صنعوا وهو في حال شدة المرض، المرض الذي مات فيه عليه الصلاة والسلام.

لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت عائشة: يُحذر ما صنعوا، قالت: ولولا ذلك -لولا تغليظه في اتِّخاذ القبور مساجد- لأُبرز قبره في البقيع، لكنه خشي أن يتّخذ مسجدًا. يعني: خشي الصحابةُ إذا أبرزوه أن يُصلَّى عنده ويُتَّخذ مسجدًا، فدفنوه في بيت عائشة، وقد حيل بينه وبين الناس، ثم دفنوا معه الصديق أبا بكر، ثم عمر في حجرة عائشة، في بيتها.

فالثلاثة في بيت عائشة خارج المسجد، ثم لما وسع المسجد في عهد الوليد بن عبدالملك أُدخلت الحجر وما حول المسجد في التوسعة، ودخل بيت عائشة وفيه القبور في التوسعة، ولم يُدفن في المسجد عليه الصلاة والسلام، إنما دُفن في بيت عائشة، فضُعفاء العلم وضُعفاء البصيرة يحتجون بوجود قبر النبي في المسجد أنَّ هذا أمر مشروع، وأن القبور تُجعل في المساجد، وهذا جهل كبير، الرسول صرح بالنَّهي عن هذا، قال: لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وقال في حقِّهم: أولئك إذا مات فيهم الرجلُ الصالحُ بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله، وقال: ألا وإن مَن كان قبلكم في حديث جندب: ألا وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك، حديث جندب، وحديث عائشة، وحديث أم سلمة، وأحاديث أخرى كلها تدل على تحريم بناء المساجد على القبور، والصلاة عند القبور؛ لأنَّ الصلاة عندها اتِّخاذٌ لها مسجدًا، كل موضعٍ يُصلَّى فيه يُسمَّى: مسجدًا، وإن لم يُبن فيه مسجد، كما قال ﷺ: جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، سمَّاها مسجدًا، كل موضعٍ يُصلَّى فيه يُسمَّى: مسجدًا؛ لأنه محل سجودٍ.

فلا يجوز أن يُصلَّى عند القبور، ولا بين القبور، بل يجب الحذر من ذلك، ولا أن يُبنى عليها لا مسجد ولا غيره، الرسول نهى أن يُبنى على القبور، وأن يُقعد عليها، وأن تُجصص؛ لأنَّ هذا كله وسيلة إلى الشرك.

وفي حديث جندب الدلالة على فضل الصديق، يقول ﷺ: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإنَّ الله قد اتَّخذني خليلًا كما اتَّخذ إبراهيم خليلًا والخليل: هو المحبوب المحبَّة التامة، فالخليلان هما: محمد وإبراهيم، هما خليلا الرحمن عليهما الصلاة والسلام.

ويقول: لو كنتُ مُتَّخذًا من أمتي خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكر خليلًا فدلَّ على أن أبا بكر هو أفضل الصحابة، وهو أحبهم إلى النبي ﷺ، وقد سُئل عن هذا؛ قيل له: مَن أحبّ الناس إليك من الرجال؟ قال: أبو بكر ، فهو أحب الناس إليه، وأفضل الصحابة، وهو صديق الأمة ، ثم يليه في الفضل عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عن الجميع.

وفي حديث ابن مسعودٍ: إنَّ من شرار الناس مَن تُدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتَّخذون القبور مساجد هم من شرار الناس: الذين يتَّخذون القبور مساجد؛ لأنَّ ذلك وسيلة إلى الشرك.

فالواجب الحذر من ذلك، وألا يُبنى على القبر، ولا يُصلَّى عنده، ولا يُتَّخذ عليه مسجد، وأنَّ هذا من عمل اليهود والنصارى الذين استحقوا عليه اللعنة، نسأل الله العافية، فالنبي يُحذر أمته لئلا تقع فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، وجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء.

باب ما جاء أن الغلو في قبور الصَّالحين يُصيرها أوثانًا تُعبد من دون الله

روى مالك في "الموطأ": أن رسول الله ﷺ قال: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد.

ولابن جريرٍ بسنده عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم:19] قال: كان يلت لهم السّويق فمات، فعكفوا على قبره.

وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباسٍ: كان يلت السّويق للحاج.

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: لعن رسولُ الله ﷺ زائرات القبور، والمُتَّخذين عليها المساجد والسرج. رواه أهل السنن.

الشيخ: يقول رحمه الله: "باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يُصيرها أوثانًا تُعبد من دون الله" وهذا هو الواقع؛ الغلو في قبورهم يجعلها أوثانًا تُعبد من دون الله، كما جرى في قصة ودّ وسواع لما غلوا فيهم وصوَّروا تماثيلهم عُبدوا من دون الله، وهكذا اللات والعزى لما غلوا فيها صارت أوثانًا: العزى ومناة، وهكذا قبور كثيرة عُبدت من دون الله بسبب الغلو.

"باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يُصيرها أوثانًا تُعبد من دون الله" هذا هو الواقع، قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ۝ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم:19- 20]، جاء في تفسيرها أنَّ اللَّات كان يلت السويق للحاج، يعني: يُحسن إليهم، فلما مات عكفوا على قبره واتَّخذوه وثنًا يُعبد من دون الله، وعبدوا صخرته التي كان يلت السويق عليها، وهذا من جهلهم وضلالهم، وهم ثقيف، أهل الطائف ذاك الوقت ومعهم مَن شاركهم في ذلك، وأهل مكة عبدوا العزى، وهي شجرة، وهكذا الأوس والخزرج وغيرهم ممن كان حولهم من أهل المدينة عبدوا مناة، وهي صخرة ...... عند قديد، وكان حول الكعبة ثلاثمئة وستون صنمًا، منها: هبل، كانت تُعبد من دون الله، وهكذا ذو الخلصة كان يُعبد من دون الله.

والآن في مصر قبرا الحسين والبدوي وغيرهما تُعبد من دون الله، وفي العراق عبدالقادر الجيلاني قبره يُعبد من دون الله، وفي الشام ابن عربي وجماعة اتُّخذت قبورهم أوثانًا، كل هذا بسبب الغلو، وهكذا في أمصار كثيرة لما غلوا فيهم اتَّخذوا قبورهم أوثانًا.

فالواجب الحذر من ذلك، الواجب على المسلمين أن يحذروا هذا، القبور تُزار للدعاء لهم، قال الرسول ﷺ: زوروا القبور؛ فإنها تُذكركم الآخرة، وكان ﷺ يُعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، يُدعا لهم، يسأل لهم العافية، ما يُدعون من دون الله، يُدعا لهم، هم محتاجون للدعاء، الأموات محتاجون للدعاء إذا كانوا مسلمين، كيف يعبدون مَن لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؟! ما عندهم، مساكين مُرتهنون بأعمالهم: إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له، هم محتاجون للدعاء لهم، كيف يُعبدون من دون الله؟! أين العقول؟! أين ذهبت العقول؟! لولا استيلاء الشيطان عليها وتلاعبه بها حتى جعلها تخضع لأصحاب القبور وتُناديهم من قريبٍ وبعيدٍ: يا فلان، يا سيدي فلان، انصرني، اشفع لي، أنا في جوارك، أنا في حسبك! هكذا يفعلون مع أصحاب القبور، هذا هو الضلال البعيد، والشرك الوخيم، نسأل الله العافية.

الميت يُدعا له، لا يُدعا مع الله، يقال: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، محتاج للدعاء إذا كان مسلمًا، أما أنه يُدعا مع الله ويُستغاث به ويُتبرك بقبره ويُستنصر به فهذا لا يجوز، هذا الشرك الأكبر، يقول الله جلَّ وعلا: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ القطمير: اللّفافة التي على النّواة إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13- 14].

فالمؤمن والمكلف العاقل يحذر هذه الأشياء، ويدعو إلى الله، ويُعلم الناس الخير، ويُبشرهم بالخير، ويُحذرهم من الشرك: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71]، وقال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، ويقول سبحانه: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، وقال جلَّ وعلا: قُلْ هَذِهِ قل يا محمد للناس هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108].

فالمؤمن يدعو إلى الله، ويُرغب الناس في الخير، ويُحذرهم من الشرِّ، ويُبين لهم أنَّ الله هو المعبود الحقّ، هو الذي يُدعا ويُرجا، هو الذي يُصلَّى له، ويُذبح له، ويُنذر له، أما الأموات والأصنام والأشجار فلا، الأموات المسلمون يُدعا لهم، يُترحم عليهم، والأموات الكفَّار لا يُدعا لهم، ولا يُستغفر لهم، والأحجار والأشجار ما عندها حلّ ولا عقد، ولا تملك شيئًا لنفسها ولا لغيرها، جماد، لا يملكون شيئًا، لكن إذا ضاعت العقولُ زيّن لها الباطل، فهؤلاء إن عبدوها من دون الله ضاعت عقولهم، لعب بها الشيطان حتى عبدوا الأشجار والأحجار والأموات والأصنام والنّجوم لذهاب العقول، وفساد العقول، وإلا فأي شيءٍ عند ميتٍ أو جبلٍ أو حجرٍ أو شجرٍ أو صنمٍ أو نجمٍ؟! أي شيء عنده؟! لا يملكون شيئًا، يقول جلَّ وعلا: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ردَّ الله عليهم بقوله: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18]، ويقول جلَّ وعلا: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ۝ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى يعني يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، ردَّ الله عليهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:2- 3]، سماهم: كذبة كفرة؛ بزعمهم أنَّ هذه القبور وأهلها يُقربونهم إلى الله زُلفى، قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ كذبة في قولهم: تُقربنا زلفى، وكفرة بدُعائهم إياهم، والاستغاثة بهم، وتعلقهم بهم.

والواجب على كل مَن لديه علم أن ينشر العلم، ويُعلم الناس، ولا سيما في البلاد التي يقع فيها الشرك؛ يُنذرهم ويُبصرهم ويدعوهم إلى الله، ويُخبرهم أنَّ العبادة حقّ الله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، والعبادة جامعة تجمع الدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر والصلاة والصوم، كلها لله وحده؛ لهذا خُلق الناس، خُلق الجنّ والإنس، وبهذا أُمروا، ولكن زيَّنت لهم الشياطين سُوء أعمالهم حتى وقعوا في الشرك، فأقام الله علماء الحقِّ من السلف والخلف، علماء الدين، علماء الحق بالدَّعوة إلى الله، وتبصير الناس، منهم الشيخ الإمام محمد صاحب هذا الكتاب الذي أقامه الله في القرن الثاني عشر يدعو الناس إلى توحيد الله في نجد وفي الرياض وما حولها، وفي أطراف المملكة، حتى دخل الناس في هذه المملكة في دين الله في هذه الجزيرة، وانتشرت الدعوة في اليمن، ثم انتقلت الدعوة بيد العلماء إلى الهند، وإلى العراق، وإلى الشام، وإلى غيرها، فهدى الله بها مَن هدى على يد علماء الحقِّ من علماء الهند، ومن علماء الشام، ومن علماء العراق، وغيرهم لما اتَّضح لهم الحق.

باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسدّه كل طريقٍ يُوصل إلى الشرك

وقول الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ، فإنَّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ، رواته ثقات.

وعن علي بن الحسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجةٍ كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أُحدثكم حديثًا سمعتُه من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ؟ قال: لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ، فإنَّ تسليمكم يبلغني أين كنتم رواه في "المُختارة".

الشيخ: يقول رحمه الله: "باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد" يعني: جانبه "وسدّه كل طريقٍ يُوصل إلى الشرك"، فهو ﷺ اجتهد في حماية جناب التوحيد وسدّ الذرائع الموصلة إلى الشرك، وحمى حماه، كما يأتي في آخر الكتاب أيضًا، حمى حمى التوحيد أيضًا، حمى جنابه وحماه، كل ذلك سدًّا لباب الشرك وذرائعه ووسائله، ونُصحًا لأمته عليه الصلاة والسلام حتى لا يقعوا في الشرك؛ ولهذا قال الله في حقِّه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ عليه الصلاة والسلام، فوصفه بهذه الصِّفات الحميدة الدالة على غاية النُّصح والمحبة للخير لهذه الأمة: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ تعرفون نسبه ومدخله ومخرجه منكم، معروف ليس مجهولًا، وكان يُلقب بالأمين، معروف بالصدق والأمانة حتى قبل النبوة عليه الصلاة والسلام، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ يعني: يشقّ عليه ما يعنت أمته، يعني: شاقٌّ عليه عنتكم، مَا عَنِتُّمْ يعني: عنتكم والمشقة عليكم، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ يعنى: على ما ينفعكم، على هدايتكم وإنقاذكم من النار، وبهذا نشر الدَّعوة، وصبر على الأذى في مكة والمدينة عليه الصلاة والسلام، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ رأفته بأهل الإيمان، وغلظته على أهل الكفر والنفاق كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، وقال تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88]، فهو بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، لكنه على أعداء الله غليظ إذا استكبروا عن الحقِّ وعاندوا؛ ولهذا صبر على الدَّعوة ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، في الشدة والرَّخاء، مع الأذى العظيم في مكة، وهكذا في المدينة صبر مع وجود الأذى من المنافقين واليهود، صبر واجتهد حتى بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، حتى أظهره الله، وأعلى دينه، ونصره على أعدائه.

ومن حرصه على الأمة ونجاتها سدّه طرق الشرك، وحمايته حمى التوحيد، والنهي عن وسائل الشرك وذرائعه؛ حتى لا تقع فيه أمته، ومن هذا ما ذكر في حديث أبي هريرة: يقول ﷺ: لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا في بيوتكم، وصلُّوا عليَّ، فإنَّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم هذا من حمى التوحيد، وسدّه طرق الشرك، الإنسان لا يتّخذ بيته قبرًا، بل يُصلي في بيته، يقول ﷺ: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتَّخذوها قبورًا، وقال: لا تتَّخذوا قبري عيدًا، والعيد ما يتكرر في السنة، وفي الشهر، وكل أسبوع، يقال له: عيد.

المقصود تحذيرهم من الغلو، فإذا تيسرت الزيارة زار من غير أن يكون هناك اجتماع وتحديد كما يكون في العيد، يزور كما يزور القبور، ويُسلم عليها عليه الصلاة والسلام عند القبر من غير اتِّخاذه عيدًا.

ولا بيوتكم قبورًا، يعني: لا تُعطلوها من الصلاة فيها والقراءة فيها كالقبور، البيت تُصلَّى فيه النافلة، يتهجد فيه، يُصلي فيه الرواتب، يقرأ فيه القرآن؛ ولهذا في الحديث الآخر: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم يعني: ما هو بلازم أن تجيء وتُصلي عند القبر، صلِّ عليه ولو في الطائرة، ولو في السيارة، ولو في الشام، ولو في اليمن، ولو في أمريكا، في أي مكانٍ صلِّ عليه كما أمر: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ .. إلى آخره، في أي مكانٍ، ليس من لازم ذلك أن تأتي عند القبر؛ ولهذا قال: وصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، وفي الحديث الصحيح: إنَّ لله ملائكةً سيَّاحين يبلغوني عن أمتي السلام.

وهكذا الحديث الثالث: حديث علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدِّه، يقول ﷺ: لا تتَّخذوا قبري عيدًا .....، وصلوا عليَّ، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم، ولما رأى علي بن الحسين إنسانًا يدعو عند القبر نهاه، وخشي عليه من الغلو، وذكر له الحديث، وقال في اللفظ الآخر: ما أنت ومَن في الأندلس إلا سواء، تدعوه هنا، أو في أقصى المغرب، أو المشرق، الله يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ [البقرة:186] في الشام، في اليمن، في أمريكا، في المغرب، في المشرق، في أي مكانٍ، ليس هناك حاجة إلى أن تأتي عند القبور، أو عند قبره عليه الصلاة والسلام وتدعو، صلِّ عليه أينما كنت، وسلِّم عليه أينما كنت عليه الصلاة والسلام، واتبع السنة، خذ بالسنة واستقم عليها، واحذر البدع والغلو الذي يجرّ إلى الشرك: من قصد القبور، والدعاء عندها، أو القراءة عندها، أو الصلاة عندها، من وسائل الشرك، فلا قبر النبي ولا غيره.

هكذا البناء عليها واتِّخاذ المساجد عليها من وسائل الشرك: إسراجها، واتِّخاذ القباب عليها كل هذا من وسائل الشرك الذي نهى عنه النبيُّ ﷺ: لا تتخذوا البيوت قبورًا وصلوا عليَّ، وقال: لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وقال: لا تتخذوا قبري عيدًا.

فهذا يدل على أنه ﷺ سدَّ الذرائع الموصلة للشرك، وحمى جانب التوحيد؛ حتى لا تقع الأمة فيما يُغضب الله عليها.

وهكذا بقية القبور إنما تُزار للدعاء لها، للتذكرة، لا للغلو فيها، يقول ﷺ: زوروا القبور؛ فإنها تُذكركم الآخرة، وكان يُعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين هكذا السنة، لا تُدعا، ولا يُصلَّى عندها، ولا يُقرأ عندها، ولا يُطاف بها، كل هذا مما حرَّمه الله: دعاؤها، والاستغاثة بها، والقراءة عندها تقرُّبًا إليها شرك أكبر، أما الطواف بها لأنه يظنها مشروعةً هي بدعة، والقراءة عندها بدعة، والصلاة عندها بدعة، أما إذا صلَّى لها أو طاف لها للأموات، أو استغاث بهم، أو نذر لهم، هذا شرك أكبر، وهكذا البناء عليها من وسائل الشرك، سواء مسجد، أو قبَّة، أو غير ذلك.

نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

باب ما جاء أنَّ بعض هذه الأمة تعبد الأوثان

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51].

وقوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60].

وقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21].

عن أبي سعيدٍ : أن رسول الله ﷺ قال: لتتبعنَّ سنن مَن كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتُموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟ أخرجاه.

ولمسلم عن ثوبان : أن رسول الله ﷺ قال: إنَّ الله زوى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأُعطيتُ الكَنْزين: الأحمر والأبيض، وإني سألتُ ربي لأمتي أن لا يُهلكها بسنةٍ عامَّةٍ، وأن لا يُسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني قد قضيتُ قضاءً فإنه لا يُردُّ، وإني أعطيتُك لأمتك أن لا أُهلكهم بسنةٍ عامَّةٍ، وأن لا أُسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم بأقطارها -أو قال: من بين أقطارها- حتى يكون بعضُهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضُهم بعضًا.

ورواه البرقاني في "صحيحه" وزاد: وإنما أخاف على أمتي الأئمة المُضلين، وإذا وقع عليهم السيفُ لم يُرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعةُ حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئامٌ من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النَّبيين، لا نبيَّ بعدي، ولا تزال طائفةٌ من أمتي على الحقِّ منصورة، لا يضرّهم مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى.

الشيخ: يقول رحمه الله: "باب ما جاء أنَّ بعض هذه الأمة يعبد الأوثان"، هذا الكتاب -كتاب التوحيد- من أوله إلى آخره يشتمل على بيان التوحيد، وبيان ضدّه، وبيان الوسائل التي تُوصل إلى ضدِّه، وبيان ما وقع للناس من مُخالفتهم لشرع الله المطهر؛ لنحذر ذلك، وأنه ﷺ أخبر عمَّا سيقع في أمته فوقع كما أخبر، وذلك من علامات صدقه، وأنه رسول الله حقًّا عليه الصلاة والسلام.

"باب ما جاء" يعني: من الأدلة من الكتاب والسنة على "أن بعض الأمة يعبد الأوثان" يعني: أنها تقع في الشرك، وأن الإسلام يكون غريبًا كما كان غريبًا، وأن أعمال الجاهلية تعود وتقع، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء:51]، هذا وقع في الأمة؛ مَن آمن بالجبت والطَّاغوت، الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، كما قال عمرُ ، والجبت يُطلق على الصنم، وعلى كل شيءٍ لا خيرَ فيه، والطاغوت يُطلق على الشيطان، وعلى مَن دعا إلى غير الله: من ادِّعاء علم الغيب، ومَن حكم بغير ما أنزل الله، ومن ادَّعى الإلهية كفرعون، كلهم يقال لهم: طواغيت.

وقال تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60] وقع في الأمة مَن عبد الطَّاغوت، كما وقع في اليهود والنصارى وغيرهم، والدليل الحديث الآتي، وهكذا قوله جلَّ وعلا: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، كما وقع في الأمم الماضية كذلك وقع في هذا الأمة؛ اتَّخذوا المساجد على القبور، وعظَّموها، واستغاثوا بأهلها، ونذروا لأهلها، كما وقع في اليهود والنصارى، والدليل على ذلك قوله ﷺ: لتتبعن سنن مَن كان قبلكم حذو القذة بالقذة قذة السهم بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتُموه مبالغة في أنَّكم تُتابعونهم في القليل والكثير، كما قد وقع، إلَّا مَن رحم الله، إلا مَن عصم الله من الأمة، وهم الطائفة المنصورة.

قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ وفي روايةٍ: فارس والروم؟ قال: فمَن؟ يعني: فمن الناس إلَّا أولئك؟ تتبعون فارس والروم واليهود، هذا وقع كله في الأمة؛ بنوا على القبور المساجد، واتَّخذوا عليها القباب، ودعوها من دون الله، وعظَّموا الأشخاص وعبدوهم من دون الله، إلا مَن رحم الله، إلا مَن سلَّم الله، وهم الطائفة المنصورة.

وهكذا حديث ثوبان في رواية مسلم: يقول ﷺ: إنَّ الله زوى لي الأرض، ورأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها هذا مصداق النبوة وقع ما وقع؛ اتَّسع الملك غربًا وشرقًا وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، فالذي أخبر به ﷺ وقع، وإن الله جلَّ وعلا قال: يا محمد، إني إذا قضيتُ قضاءً فإنه لا يُرد، وإني أعطيتُك لأمتك ألا أُهلكهم بسنة عامةٍ، وألا أُسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم وعده الله هذا حتى يكون بعضُهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضُهم بعضًا، أما ما داموا مجتمعين على الحقِّ، متعاونين على الحقِّ؛ فإنَّ الله ينصرهم ويُعينهم، كما قال سبحانه: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد:7]، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ۝ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ۝ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171- 173]، ما دام المسلمون متمسكين بالحقِّ، متعاونين عليه، ثابتين عليه، فإنَّ الله ينصرهم، فإذا تخلَّفوا وتخاذلوا سلَّط عليهم عدوهم؛ ولهذا قال: حتى يكون بعضُهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضُهم بعضًا يعني: إذا اختلفوا وتنازعوا طمع فيهم الأعداء، وسُلط عليهم الأعداء كما قد وقع.

وفي زيادة البرقاني: وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين أئمة الإمارة، وأئمة العلم هم الذي يخاف عليهم الأمة؛ إما لسلطانه، وإما لعلمه الذي اغترَّ به الناس، وهو علم مدخول، قد دخله ما دخله من الغلو، أو من التقصير، أو من التقليد الأعمى حتى أضلَّ الناس بسبب علمه الذي لم يستقم على الحقِّ؛ إما لتقليد أعمى، وإما لشبهة، وإما ..... حتى وقع الناس في الشرك بسبب علماء السوء ودعاة السوء وسلاطين السوء، نسأل الله العافية، كما وقع في عهد المأمون والمعتصم والواثق وغيرهم، وهكذا دُعاة السوء وعلماء السوء: كأحمد بن أبي دؤاد، ودُعاة الجهمية والمعتزلة والشيعة وغيرهم من دعاة الباطل.

ولا تقوم الساعةُ حتى يلحق حيٌّ من أمتي المشركين، وحتى تعبد فئامٌ من أمتي الأوثان هذا قد وقع أيضًا، وقع من أمته مَن عبد الأوثان، وعبد القبور، ولحقوا بأهل الشرك، كل هذا قد وقع من أزمان طويلة.

وإذا وقع فيهم السيفُ لم يُرفع إلى يوم القيامة لما وقع السيفُ بقتل عثمان استمرت الفتن والبلاوي والمحن في الأمة.

وإنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي وهذا قد وقع أيضًا، يدَّعي النبوة كثيرٌ من الناس: كمُسيلمة، والمختار بن أبي عبيد، وغيرهما ممن ادَّعى النبوة، وآخرهم الدَّجال يدَّعي أنه نبي، ثم يدَّعي أنه ربّ العالمين، فيُنزل الله عيسى فيقتله بباب لدٍّ في الشام، كما جاءت به الأخبار عن النبي ﷺ، كل ما أخبر به فهو من علامات النبوة، كله وقع، وأخبر أنه سيكون في أمته كذَّابون ثلاثون، وقد وقع هذا، ادَّعوا النبوة، وسلط الله عليهم مَن جاهدهم؛ الأسود العنسي ومُسيلمة الكذَّاب والمختار وغيرهم ممن ادَّعى النبوة.

ولا تزال طائفة من أمتي على الحقِّ منصورة، لا يضرُّهم مَن خذلهم وفي اللفظ الآخر: ولا مَن خالفهم حتى يأتي أمر الله وهذا واقع بحمد الله، هذه بشارة أنَّ الحق لا يزال في الأمة، عليه طائفة منصورة حتى تقوم الساعة، يكون هناك بحمد الله مَن يقوم بالحقِّ، ويدعو إلى الله، ويصدع بالحقِّ، ويستقيم عليه كما هو الواقع، وكما قام به المؤلفُ رحمه الله في النصف الثاني من القرن الثاني عشر في هذه الجزيرة؛ صدع بالحقِّ، ودعا إليه، ودعا إلى هدم الأوثان، وإزهاق أسباب الشرك؛ حتى دخل الناسُ في دين الله أفواجًا، واستقامت هذه الجزيرة على التوحيد والإيمان، ثم انتشر ذلك في بلدان كثيرةٍ، سارت هذه الدعوة على أيادي علماء الحقِّ في بلادٍ كثيرة: في العراق، وفي الشام، وفي الهند، وفي غير ذلك على يد العلماء الصالحين.

ولا تزال هذه الدَّعوة بحمد الله في أماكن كثيرة؛ يدعون إلى توحيد الله، وإلى ترك الشرك والحذر منه، وإلى محاربة العقائد الزائفة، فلا تزال طائفةٌ على الحقِّ منصورة، منها أقسام، منهم هنا، ومنهم في الشام، ومنهم في اليمن، ومنهم في أمريكا، وفي أوروبا، وفي بلدان كثيرةٍ هنا بحمد الله مَن يدعو للحقِّ ويُوضح الحقَّ للمسلمين، كل هذا من رحمة الله وإحسانه، وأنه لا تزال طائفةٌ على الحقِّ منصورة حتى تقوم الحُجَّة، وتنقطع المعذرة، حتى تأتي الريح الطيبة في آخر الزمان بعد طلوع الشمس من مغربها فيقبض الله بها أرواح المؤمنين والمؤمنات، وبعد ذلك لا يبقى إلا شرار الخلق، فعليهم تقوم الساعة، يقبض الله مَن بقي من المؤمنين بريح طيبةٍ بعد طلوع الشمس من مغربها، وعند هذا لا يبقى إلا مَن هو كافر بالله.

ولهذا في الحديث الآخر: حتى لا تقوم الساعةُ حتى لا يُقال في الأرض: الله، الله، وفي لفظٍ: حتى لا يُقال في الأرض: لا إله إلا الله يعني: لا تقوم إلا على الأشرار، على الكفرة، ليس فيهم مؤمن ولا مُوحِّد، نسأل الله السلامة والعافية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.