05 من قوله: (الطواغيت الكهان، كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد)

ولهذا قال جابرٌ رضي الله عنه: الطواغيت: الكهَّان، كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حيٍّ واحد. يعني: من استراق السمع في كل حيٍّ، يعني: في كل قبيلةٍ من قبائل العرب يكون عندهم كهان، والكهنة يدَّعون علم الغيب، وقد يكونوا سحرة، وقد يكونوا مُشعوذين ليس عندهم شيء كالعرَّافين؛ فإنهم قد يكونون مشعوذين، وقد يكون عندهم شيء من السحر الذي تلقوه عن الشياطين.

وفي حديث أبي هريرة يقول عليه الصلاة والسلام: اجتنبوا السبع الموبقات يعني: المهلكات، قلنا: وما هنَّ يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحقِّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات متفق عليه.

الشاهد قوله: والسحر دلَّ على أنَّ له وجودًا وله حقيقةً؛ ولهذا قال: اجتنبوا السبع الموبقات يعني: المهلكات، أعظمها الشرك، ثم يليه السحر، وهو من الشرك؛ لأنَّ السحر لا يُتوصل إليه إلا بعبادة الشياطين والتَّقرب إليهم بما يُريدون، فيقع في الشرك.

وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحقِّ هذا من أعظم الكبائر والموبقات، وأكل الربا من أقبح الموبقات، وقتل المحصنات المؤمنات الغافلات كل هذا من السبع الموبقات، وأكل مال اليتيم كذلك من السبع الموبقات.

فالواجب الحذر، أعظمها الشرك بالله، والسحر من الشرك، ثم قتل النفس الكبيرة الثالثة، وأكل الربا الكبيرة الرابعة، وأكل مال اليتيم الخامسة، والتولي يوم الزحف السادسة، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات السابعة.

التولي يوم الزحف يعني: عند مقابلة العدو ينهزم، هذه من الكبائر، نعوذ بالله.

فالواجب الحذر من أعمال السحر والكهانة، والحذر من تصديق الشياطين والتقرب إليهم، يقول ﷺ كما يأتي: مَن أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة كما يأتي إن شاء الله في بيان السحر، ويقول: مَن أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ ﷺ، فهؤلاء المشعوذون يجب الحذر منهم، والحذر من إتيانهم، ومن تصديقهم.

وقال جندب بن عبدالله البجلي : "حدُّ الساحر ضربه بالسيف"، يُروى مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح، ولكنه في حكم الرفع، لا يُقال من جهة الرأي، حكمه حكم الرفع.

وكان عمر يكتب إلى عماله أن يقتلوا السحرة، كما قال بجالة بن عبدة: أن عمر كتب إلى عماله أن يقتلوا كل ساحرٍ وساحرةٍ. قال: فقتلنا ثلاث سواحر. يعني: عماله في الشام.

وقتلت حفصةُ رضي الله عنها جاريةً لها سحرتها، فأمرت بها فقُتلت.

وقال أحمد: صحَّ هذا عن ثلاثةٍ من أصحاب النبي ﷺ أنهم قتلوا الساحر: جندب وحفصة وعمر، فدلَّ على أنَّ السحرة متى عُرفوا وثبت سحرهم وجب قتلهم؛ لأنهم لا يتوبون في الغالب، ولو أظهروا التوبة لا يُؤمنون؛ لأنَّ سحرهم خفي، فلهذا يجب قتلهم، وإن صدقوا في التوبة فيما بينهم وبين الله صحَّت توبتهم فيما بينهم وبين الله، لكن في الظاهر لا يُقبل منهم، يجب أن يُقتلوا متى عُرفوا كما أمر بقتلهم عمر رضي الله عنه، وكما في حديث جندب، وكما فعلت حفصةُ رضي الله عنها؛ لأنَّ شرَّهم عظيم، وفسادهم كبير، فمتى عُرفوا وجب قتلهم بغير استتابةٍ، وإن تابوا فيما بينهم وبين الله وهم صادقون فالله يقبل توبة التائبين حتى من الشرك الأكبر.

وفَّق الله الجميع.

باب بيان شيءٍ من أنواع السحر

قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا عوف، عن حيان بن العلاء: حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه: أنه سمع النبيَّ ﷺ قال: إنَّ العيافة والطرق والطيرة من الجبت.

قال عوف: العيافة: زجر الطير.

والطرق: الخطّ يخط بالأرض.

والجبت: قال الحسن: "رنة الشيطان".

إسناده جيد، ولأبي داود والنَّسائي وابن حبان في "صحيحه" المُسند منه.

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله ﷺ: مَن اقتبس شعبةً من النُّجوم فقد اقتبس شعبةً من السحر، زاد ما زاد رواه أبو داود، وإسناده صحيح.

وللنسائي من حديث أبي هريرة : مَن عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر، ومَن سحر فقد أشرك، ومَن تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه.

وعن ابن مسعودٍ: أن رسول الله ﷺ قال: ألا هل أُنبئكم ما العضة؟ هي النَّميمة؛ القالة بين الناس رواه مسلم.

ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: إنَّ من البيان لسحرًا.

الشيخ: يقول رحمه الله: "باب بيان شيءٍ من أنواع السحر" لما تقدم أنَّ السحر من أقبح المحرمات، وأنه لا يُتوصل إليه إلا بالشرك وعبادة الشياطين، وتقدم الكلام في ذلك، ذكر هذا الباب في بيان شيءٍ من أنواعه: منها ما جاء في حديث قبيصة: أن النبي عليه السلام قال: إنَّ العيافة والطرق والطيرة من الجبت، وقال عمر: الجبت: السحر. وقال غير عمر: الجبت كل شيءٍ لا خيرَ فيه.

والمعنى أنَّ العيافة وهي ما تعرفه العرب من زجر الطير والتَّشاؤم، والطرق: ما يُخطّ بالأرض، يخطه السحرة يُوهمون أنهم يعرفون به الحوادث، وإنما هي خدمة للشياطين، وتعاون مع الشياطين والجن في ذلك.

وهكذا الطيرة بالتَّشاؤم بالمرئيات والمسموعات كما تفعله العربُ في جاهليتها؛ يتشاءمون تارةً بكذا، وتارة بالكلب الذي صفته كذا، والحمار الذي صفته كذا، وبالمرأة، وبفلان، وبكذا حتى تردَّهم عن حاجاتهم، أخبر النبي ﷺ أنَّ هذا من الجبت، وفي الحديث الآخر: الطيرة شرك كما يأتي في باب التَّطير: الطيرة شرك.

فلا تجوز العيافة وهي التَّشاؤم بالطيور، ولا الطرق، ولا الخط في الأرض يزعم أنه يُدرك بهذا أمور الغيب، وإنما هي تخييل وتلبيس، وإلا فهو طاعة للشياطين وخدمة لهم، وهكذا الخط، وهكذا الطيرة من الشرك، الطيرة: التَّشاؤم بمرئي أو مسموع، فهو من الشرك، فالواجب الحذر منه، وأن الإنسان يمضي في حاجته حتى لو سمع صوت طيرٍ لا يُعجبه، أو رأى حيوانًا لا يُعجبه في الطريق، يمضي في حاجته، لا يتشاءم، يقول النبيُّ ﷺ: لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر كما يأتي إن شاء الله، فتشاؤم الجاهلية بالطيور أو بكذا أو كذا كله باطل لا أساس له، وليس فيه شيء، إنما هو ظنٌّ فاسد.

فالمقصود من هذا أن المؤلف يُبين أن هذه الأشياء من جملة ما يتعاطاه السحرة، وهي زجر الطير، والخطوط في الأرض، والتطير، كل هذا من أعمال السحرة، والعيافة نوع من التطير تتعلق بالطيور، والطيرة أعم، تعم الطيور وغير الطيور.

ولأبي داود والنَّسائي وابن حبان المسند منه -يعني المرفوع منه- ليس عنده الزيادة: قال عوف: العيافة: زجر الطير، والخط يخط في الأرض. ليس هذا عند أبي دواد والنَّسائي.

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي عليه السلام قال: مَن اقتبس شعبةً من النجوم فقد اقتبس شعبةً من السحر، زاد ما زاد يُبين لنا أن تعلم النجوم من جملة أنواع السحر، يتعلمها ليستفيد منها في إصابة فلانٍ، أو شفاء فلانٍ، أو علمه بالمغيبات، هذا من أعمال السحرة، فالنجوم ليس عندها خير ولا شرٌّ، ليس عندها علم بالمغيبات، الله خلقها لثلاثٍ: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، ليس عندها سوى ذلك، فتعلمها ليعرف بها علوم الغيب هذا من عمل السحرة .....

في رواية النَّسائي: مَن عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر، ومَن سحر فقد أشرك هذا من عمل السحرة؛ العقد: عقد الخيوط والنفث فيها لمقاصدهم هذا من أعمالهم، كما قال تعالى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:4]، يعقدون ثم يفعلون أشياء يزعمون أنَّ هذا يُسبب مقاصدهم، ويحصل به المقصود مما يُريدون بواسطة شياطين الجنِّ.

وفيه أن الساحر مشرك؛ لأنه يعبد غير الله، فهو يعبد الجنَّ كما قال تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة:102]، وقال تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.

ومَن تعلق شيئًا وُكِلَ إليه مَن تعلَّق الله كفاه الله ما أهمه، ومَن تعلق على الطيرة وعلى السحرة وعلى النجوم خاب وخسر، نسأل الله العافية.

وللنسائي قوله ﷺ: ألا أُنبئكم ما العضة؟ النَّميمة؛ القالة والعضة: الشيء، يُطلق على الشيء الذي لا خيرَ فيه، وعلى السحر، والمعنى: ما هي بالسحر الذي يتعلق به على الشياطين، ولكنه السحر الذي يضرّ الناس كما قال بعضُهم؛ يُفسد النَّمام والكذَّاب في الساعة ما لا يُفسده الساحر في السنة، فالنَّميمة تُسمَّى: عضة، وهو الشيء الذي لا خيرَ فيه، وتُطلق العضة على السحر، فالمعنى: أن النَّميمة شرّها عظيم كالسحر، بل أقبح من السحر؛ لما يترتب عليها من الفساد بين الناس، والشحناء بين القبائل، وبين الأفراد، وبين الحمائل، حصول ضرر عظيم؛ ولهذا قال: هي النَّميمة؛ القالة بين الناس يعني: الفاشية بين الناس، والنميمة: نقل الكلام السيئ من قومٍ إلى قومٍ، ومن عربٍ إلى عربٍ، ومن شخصٍ إلى شخصٍ، هذه النَّميمة؛ لأنها تُثير الشَّحناء والعداوة، يقول النبيُّ ﷺ: لا يدخل الجنةَ نمَّام، سمَّاها: سحرًا، وهي العضة؛ لخبثها وضررها.

ولهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا -يعني يقول ﷺ: إنَّ من البيان لسحرًا يعني: البلاغة وحُسن صيغة الكلام والتَّكلف قد يسحر الناس بهذا، يسحر قلوبهم وأسماعهم فيظنونه صادقًا وهو كاذب؛ من كثرة بيانه وحُسن تصرفه في الكلام يسحر الناس بكلامه، فإن كان في باطلٍ فهو منكر، وإن كان في حقٍّ فلا بأس، إن كان إيضاحًا للحقِّ فلا بأس، أما إن كان في الباطل فهو أشد الإثم، نسأل الله العافية، وهكذا التَّكلف لغير حاجةٍ لا يجوز؛ ولهذا في الحديث: إنَّ الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة بلسانها يعني: يتكلف بدون حاجةٍ، يتقعر في كلامه ويتكلف، يعني: اعرفوني أني أحسن الكلام، وأني جيد، وأني أتصرف، فهذا مما زجر عنه النبيُّ ﷺ، وأخبر أنه مما يُبغض إلى الله جلَّ وعلا، فالبيان قسمان: بيان في الحقِّ، هذا ممدوح. وبيان في الباطل، هذا هو المذموم، وهو سحر مذموم، نسأل الله العافية.

باب ما جاء في الكهان ونحوهم

روى مسلم في "صحيحه" عن بعض أزواج النبي ﷺ، عن النبي ﷺ قال: مَن أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ فصدَّقه لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا.

وعن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: مَن أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ ﷺ رواه أبو داود، وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن أبي هريرة: مَن أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ ﷺ، ولأبي يعلى بسندٍ جيدٍ عن ابن مسعودٍ مثله موقوفًا.

وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعًا: ليس منا مَن تَطير أو تُطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له، ومَن أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ ﷺ رواه البزار بإسنادٍ جيدٍ، ورواه الطبراني في "الأوسط" بإسنادٍ حسنٍ من حديث ابن عباسٍ دون قوله: ومَن أتى .. إلى آخره.

قال البغوي: العرَّاف: الذي يدَّعي معرفة الأمور بمُقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضَّالة ونحو ذلك. وقيل: هو الكاهن.

والكاهن: هو الذي يُخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يُخبر عمَّا في الضمير.

وقال أبو العباس ابن تيمية: العرَّاف: اسم الكاهن والمُنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق.

وقال ابن عباسٍ في قومٍ يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: "ما أرى مَن فعل ذلك له عند الله من خلاقٍ".

الشيخ: الكهَّان: هم الذين يدَّعون علم الغيب بعلامات، وحقيقة أمرهم أنهم يستخدمون الجنَّ، ويسمعون منهم، ويُصدقونهم، ويثبتون ذلك في الناس، ونحوهم من الرَّمالين وأصحاب الطرق والعرَّافين وأشباههم ممن يتكلم في معرفة أمور الغيب بعلامات وأمارات وأشياء يُحدثها، كل هؤلاء في حكم الكهنة والمنجمين، وكلهم لا يجوز سؤالهم، ولا تصديقهم، بل بيَّن النبيُّ ﷺ أن تصديقهم كفر بما أُنزل على محمدٍ عليه الصلاة والسلام.

ومن هذا ما وراه مسلم في الصحيح عن بعض أزواج النبيِّ ﷺ أنه قال: مَن أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة مجرد السؤال، هكذا جاء في مسلم، أما زيادة: فصدَّقه فليست في "صحيح مسلم"، بل في "صحيح مسلم": مَن أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة، وهذا عقوبة عظيمة لسؤاله، فكيف إذا صدَّق؟!

وفي اللفظ الآخر: مَن أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ ﷺ.

وفي اللفظ الثالث: مَن أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ ﷺ.

والعرَّافون والكهنة والمنجمون بابهم واحد، هم يدَّعون علم الغيب بأشياء يُحدثونها ويزعمونها، والحقيقة أنهم خُدَّام للجنِّ، يسألون الجنَّ، ويُصدقون الجنَّ، ويصدُقون في واحدةٍ، ويكذبون في المئات الكثيرة، وهذه الواحدة التي صدقوا فيها هي التي سمعها الجنُّ من السماء من الملائكة حين يسترقون السمع، فيبثونها في آذان إخوانهم من العرَّافين والكهنة والمنجمين، ويبثونها في الناس.

فالواجب الحذر من هؤلاء وتصديقهم، ومَن صدَّقهم بدعوى علم الغيب كفر بما أُنزل على محمدٍ عليه الصلاة والسلام، ومَن سألهم فقد أتى جريمةً؛ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة، هذا وعيد شديد وإن لم يُصدقهم، فالواجب الحذر من سؤالهم، ومن الإتيان إليهم، ومن تصديقهم.

وفي الحديث الآخر: ليس منا مَن تَطير أو تُطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له الفاعل والمفعول له كلهم يجب الحذر، لا تسأل ولا تُصدق، فالذي يفعل ذلك له أو لغيره فقد أتى هذه الجريمة؛ ليسحر لنفسه أو لغيره، يتكهن لنفسه أو لغيره، يتطير له أو لغيره، كله داخل في الوعيد، فالواجب الحذر من ذلك، وألا يُؤتى إلا أهل المعرفة وأهل الإيمان وأهل البصيرة وأهل الرقية الشرعية، أما هؤلاء المشعوذون فلا يجوز سؤالهم، ولا تصديقهم، سواء سموا: كهانًا أو مُنجمين أو عرَّافين أو بأسماء أخرى، كل إنسانٍ يتشبَّه بأمور الغيب، ويدَّعي أنه يعرف كذا، ويعرف كذا، كل هذا كذب، أو بواسطة الجن، وبعضهم إذا جاءه المريضُ قال: أعطنا اسم أمك، واسم كذا، كل هذه من علامات الخرافة، ومن علامات أنه يتكهن ويسأل الجنَّ.

فهذه أشياء وقعت للناس اليوم يجب الحذر منها، وألا يُؤتى إلا مَن يرقي الناسَ بكلام الله، أو بالأدعية المباحة، ويكون بعيدًا عن الريبة، أما مَن صدَّق الكهنة والعرَّافين والمنجمين والسَّحرة فهذا يجب أن يُرفع أمره إلى ولي الأمر؛ لأنَّ مثل هذا لا يجوز إقراره، بل يجب قتله، عمر رضي الله عنه كتب إلى عماله أن يقتلوا السحرة، فالواجب الحذر من هؤلاء، ومَن عُرف بشيءٍ من هذا يُرفع أمره حتى يُؤدَّب وينتهي عمَّا يتعاطاه، وحتى يحذره الناس.

وهكذا الحديث الأخير: يقول عليه الصلاة والسلام: ليس منا مَن تَكهن أو تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له، أو تَطير أو تُطير له.

ويقول البغوي رحمه الله: العرَّاف: الذي يدَّعي معرفة الأمور بالمقدمات التي يدَّعيها: ما ثوب أمك؟ ما خمار أمك؟ ما كذا؟ وسويت كذا، وسويت كذا. كلها مما يتلقونه عن الشياطين، ويُلبسون به على الناس، وأمورهم لا تخفى، فكل إنسانٍ لا يتعاطى الرقية الشرعية، ويُتمتم في قراءتها، ولا يُبين للناس ماذا يفعل، ويزعم أشياء غيبية فهذا كله مما يدل على أنه من خُدَّام الجن، وممن يستخدم الجنَّ، وهو من الكهنة، ومن المشعوذين.

وقال شيخُ الإسلام: العرَّاف: اسم للكاهن والمنجم والرَّمال ونحوهم، كل مَن يدَّعي معرفة الأمور بالطرق الخفية والطرق الغيبية يُقال له: عرَّاف، يقال له: كاهن، يقال له: منجم، يقال له: ساحر، يجب الحذر منه، إلا إنسان يتعاطى الرقية الشرعية بالقرآن، أو بالأدعية المعروفة، فهذا هو الذي يستخدم ويستعمل لا بأس، أما إنسان يُستراب منه فيما يدَّعيه من معلوماته، فهذا يجب الحذر منه، وأن يُرفع أمره إلى الهيئة وإلى المحكمة وإلى إمارة البلد، حتى لا يغترَّ به الناس؛ لأنَّ هؤلاء شرّهم عظيم، وبلاءهم كثير، يُوقعون الناس فيما حرَّم الله جلَّ وعلا، نسأل الله للجميع العافية.

يقول ابن عباسٍ في قومٍ يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم –أي: حروف أبجد: "ما أرى هؤلاء لهم عند الله من خلاق" يعني: من حظٍّ ولا نصيب، هؤلاء علامة على أنهم كهنة؛ يكتب حروف الأبجد ثم يقول: إذا كان وافق كذا صار كذا، وإذا وافق الجيم صار كذا، وإذا وافق الحاء صار كذا، وإذا وافق الشين صار كذا، كل هذا من الخرافات، كل هذا من التلبيس على الناس، من عمل السحرة والمنجمين والكذَّابين والخرافيين، فهو ما بين كذَّاب يأكل أموال الناس بالباطل، وما بين ساحر أو كاهن أو عرَّاف يستخدم الجنَّ، ويكذب مع ما يقول مئات الكذبات، نسأل الله العافية.

الواجب على المسلمين في هذا التَّعاون ضدّ هؤلاء المجرمين؛ حتى يُرفع أمرهم، حتى يُفضحوا إذا وُجدوا، أينما وُجدوا يُفضح أمرهم، ويُرفعون إلى الهيئات والمحاكم وإمارة البلد؛ حتى يحكم بأمر الله، حتى يُحالوا للمحكمة، والمحكمة تُنفذ فيهم أمر الله جلَّ وعلا؛ حتى يسلم الناسُ من شرِّهم. نسأل الله العافية.

باب ما جاء في النّشرة

عن جابرٍ: أن رسول الله ﷺ سُئل عن النُّشرة فقال: هي من عمل الشيطان رواه أحمد بسندٍ جيدٍ، وأبو داود، وقال: سُئل أحمد عنها فقال: ابن مسعودٍ يكره هذا كله.

وفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيب: رجل به طبّ، أو يُؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يُريدون به الإصلاح، أما ما ينفع فلم يُنْهَ عنه. اهـ.

وروي عن الحسن أنه قال: "لا يحل السحر إلا ساحر".

قال ابنُ القيم: النّشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:

أحدهما: حلّ بسحرٍ مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يُحمل قول الحسن، فيتقرب الناشرُ والمُنتشر إلى الشيطان بما يُحب، فيبطل عمله عن المسحور.

والثاني: النّشرة بالرقية والتَّعوذات والأدوية والدَّعوات المُباحة، فهذا جائز.

الشيخ: لما ذكر السحر وأنه محرم، وأنه لا يُتوصل إليه إلا بالشياطين، وأن الساحر يجب قتله، ذكر هذا الباب في النشرة، والنشرة: حل السحر عن المسحور، فإذا وقع السحر كيف الحيلة؟ فالحيلة هي التَّنشير عنه، يعني: حلّ السحر بما شرع الله من الدَّعوات والأدوية المباحة، يحل السحر لا بالشرك والسحر مثله؛ ولهذا لما سُئل الرسول عن النشرة قال: هي من عمل الشيطان، لما سُئل عنها قال: هي من عمل الشيطان؛ لأنها حلٌّ بالسحر فلا تجوز، أما حلّ السحر بالأدوية المباحة والآيات القرآنية والتَّعوذات الشرعية مثلما قال ابنُ القيم هذا لا بأس به.

ولحديثٍ رواه أحمد وأبو داود بإسنادٍ جيدٍ: أن النبي سُئل عن النّشرة فقال: هي من عمل الشيطان، وذلك ما يكون من طريق الشياطين وسؤالهم والاستعانة بهم، هذه هي النشرة المحرمة، أما النشرة المباحة مثلما قال سعيد بن المسيب: ما يُراد به الإصلاح، يحل عنه وينشر عنه بالأشياء الطيبة التي يُراد بها الإصلاح، وليس فيها دعوة للجن، ولا تعلق بالجن، فيجب حمل كلام ابن المسيب على هذا، يجب حمل كلام سعيد بن المسيب على النشرة الشرعية، فلا يُحمل كلامه على ما حرَّم الله مثلما قال الحسن البصري رحمه الله: "لا يحل السحر إلا ساحر"، التقرب إلى الجن، ودعاء الجن، والاستغاثة بالجن هذا هو الشرك الأكبر.

أما ما قاله ابنُ القيم رحمه الله من تقسيم النّشرة إلى نوعين:

أحدهما: أن تُحل بسحرٍ مثله، هذا من عمل الشياطين، وهذا هو الذي أنكره الله، وبيَّن الرسولُ ﷺ أنه من عمل الشيطان.

الثاني: حلّ السحر بالتَّعوذات وقراءة القرآن الكريم والأدوية المباحة، هذا كله لا بأس به، وهو الحل الشرعي، وقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّ سورتي المعوذتين من أعظم العلاج للسحر، مع قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص]، فهذه السور الثلاث من أعظم أسباب الشِّفاء إذا قُرئت على المسحور، أو قرأها في كفيه ومسح بها وجهه وصدره ورأسه ثلاث مرات عدة ليالٍ يزول ما يجد من ذلك، وهكذا التَّعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق صباحًا ومساءً ثلاث مرات من أسباب العافية من كل سوءٍ، وهكذا "بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" ثلاث مرات صباحًا ومساءً من أسباب العافية من كل سوءٍ.

فالوصية لمن أحسَّ بشيءٍ، أو ظنَّ أنَّ به شيئًا من هذا أن يتعوذ بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص] والمعوذتين، يقرأ في كفَّيه ثلاث مرات عند النوم، ويمسح على وجهه وصدره ورأسه ثلاث مرات عدة ليالٍ ويزول هذا، كذلك آية الكرسي عند النوم من أسباب العافية، وقراءة الفاتحة والنَّفث بها كل هذا من الأسباب، كذلك التَّعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، "أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامةٍ، ومن كل عينٍ لامةٍ"، كل هذه من أسباب العافية والشفاء.

وفَّق الله الجميع.

باب ما جاء في التَّطير

وقول الله تعالى: أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف:131].

وقوله: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [يس:19].

وعن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال: لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر أخرجاه، زاد مسلم: ولا نوء، ولا غول.

ولهما عن أنسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ: لا عدوى، ولا طيرة، ويُعجبني الفأل، قالوا: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة.

ولأبي داود بسندٍ صحيحٍ عن عقبة بن عامر قال: ذُكرت الطيرةُ عند رسول الله ﷺ فقال: أحسنها الفأل، ولا تردّ مسلمًا، فإذا رأى أحدُكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلَّا بك.

وعن ابن مسعودٍ مرفوعًا: الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلَّا ولكن الله يُذهبه بالتوكل رواه أبو داود والترمذي وصحَّحه، وجعل آخره من قول ابن مسعودٍ.

ولأحمد من حديث ابن عمرو: مَن ردَّته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: فما كفَّارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك.

وله من حديث الفضل بن عباس : إنما الطيرة ما أمضاك أو ردَّك.

الشيخ: إن كثيرًا من الناس قد يقع فيما وقعت فيه الجاهلية من التَّطير، فأراد أن يُنبه الناس على أن هذا من عمل الجاهلية، وأن الواجب تركه؛ ولهذا قال رحمه الله: "باب ما جاء في التَّطير" يعني: في حكمه شرعًا، حكمه شرعًا أنه منكر ولا يجوز، وأنه من الشرك الأصغر؛ من عمل الجاهلية.

والتطير هو التَّشاؤم بالمرئيات أو المسموعات على وجهٍ يرده عن حاجته، التَّشاؤم الذي يحكم بأنه من الطيرة هو الذي يرده عن حاجته، أو يمضي فيها، أما الفأل فلا بأس به، كونه يتفاءل بالشيء الطيب ولا يرده عن حاجته هذا لا بأس به، قال الله جلَّ وعلا: أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:131]، وقال تعالى: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس:19] أعداء الرسل تطيروا بالرسل، فقال الله لهم: طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ نحسكم معكم، وهو شركهم وذنوبهم، هو سبب هلاكهم، طائرهم معهم يعني: شؤمهم وشرّهم ومعاصيهم وكفرهم، وقوله: أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يعني: بقدره جلَّ وعلا، هو الذي قدَّر ذلك وقضاه بعلمه السابق بأسباب أعمالهم القبيحة، طائرهم عند الله يعني: قضاءً وقدرًا، وأسباب ذلك منهم؛ ولهذا قال: طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ يعني: شؤمكم وذنوبكم ومعاصيكم التي هي سبب كل شرٍّ معكم.

عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه قال: لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، وزاد مسلم: ولا نوء، ولا غول، وفي حديث أنسٍ: لا عدوى، ولا طيرة، ويُعجبني الفأل، فقالوا: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة، أراد النبيُّ ﷺ بهذا بطلان ما عليه الجاهلية من اعتقادهم أنَّ الأشياء تُعدي بطبعها، وأن الأشياء لها تسبب في الضرِّ والنَّفع بنفسها وذاتها، ويتطيرون بها، قال: لا عدوى، ولا طيرة على الوجه الذي تعتقده الجاهلية أن الأشياء تُعدي بطبعها، وأن مَن خالط المريض أصابه ما أصابه قطعًا، وهذا غلط، كل شيءٍ بقدر الله، لكن الله جعل بعض الأمراض تنتقل عند المخالطة: كالجرب والجذام، قد ينتقل من هذا إلى هذا بقدر الله، وقد لا ينتقل بقدر الله ؛ ولهذا جاء عنه ﷺ أنه أخذ بيد مجذوم فقال: كل بسم الله، ثقةً بالله مع قوله ﷺ: فرّ من المجذوم فرارك من الأسد.

فهذه الأمراض لا تُعدي بطبعها، لكن قد يجعل الله المخالطة للمريض سببًا لانتقال المرض، وهذا بإذن الله الكوني القدري؛ ولهذا يقول ﷺ: لا يُورد ممرضٌ على مُصحٍّ يعني: لا يُورد صاحبُ الإبل المريضة على صاحب الإبل الصحيحة، بل يكون هذا له ورد، وهذا له ورد؛ حتى لا تختلط، وهذا من باب اتِّقاء أسباب الشرِّ.

وهكذا حديث: فرّ من المجذوم اتِّقاءً لأسباب الشرِّ، فإن المخالطة قد تُؤثر، وقد تُسبب، فلهذا قال ﷺ: لا يُورد ممرضٌ على مُصحٍّ مع قوله: لا عدوى، ولا طيرة، وقال: فرّ من المجذوم فرارك من الأسد مع قوله: لا عدوى، ولا طيرة؛ لأنَّ هذه الأشياء قد تُسبب شكوكًا وظنًّا من المخالط فيعتقد اعتقاد الجاهلية؛ ولأنَّ الله سبحانه قد يجعل المخالطة سببًا لقضائه وقدره.

فالواجب على صاحب الإبل الجرباء أن يكون سقيها وحدها، والصحيحة وحدها، وأن ترعى هذه وحدها، وهذه وحدها؛ بُعدًا عن أسباب الانتقال للمرض.

ولا هامة الهامة: طائر يُسمَّى: البومة، إذا وقع على بيت أحدٍ قالوا أنه يخرب البيت، أو يموت صاحبه، يتشاءمون، فأبطل الله ذلك، وأن هذا الطير ما عنده خبر، وليس سبب خير ولا شرٍّ، فالطيور من البومة أو غيرها ليست تُسبب شرًّا ولا خيرًا: لا بومة، ولا غراب، ولا غيره.

ولا صفر الشهر المعروف، كان بعضُ الجاهلية يتشاءمون بصفر، ولا يتزوجون فيه، وبعضهم لا يُسافر فيه، فأبطل النبيُّ ﷺ التَّشاؤم بصفر، وأخبر أنه كسائر الشهور ليس فيه لا ضرّ ولا نفع.

وقال بعضهم: إنها دابة تكون في البطن تُسمى: صفر، والمشهور أنه صفر المشهور، الشهر المعروف.

ولا نوء النجم واحد النجوم، واحد الأنواء، والغول: نوع من الجن يتشكلون للناس في الصحاري والمفاوز، أبطل النبيُّ اعتقاد الجاهلية في الأنواء، واعتقادهم في الجنِّ، وأنهم يفعلون ويفعلون، وأن الأمر بيد الله جلَّ وعلا؛ ولهذا يُروى عنه ﷺ أنه قال: إذا تغوَّلت الغيلان فبادروا بالأذان.

والأنواء خلقها الله زينةً للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، ما عندها ضرّ ولا نفع، قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5]، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام:97]، وقال تعالى: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، فهي زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، ليس عندها ضرٌّ ولا نفعٌ.

وهكذا الغول: الجن، يُستعاذ بالله من شرِّهم، كان بعض مخبّلات الجن يظهرون للناس في الأسفار والصحاري ويرعونهم، فبين النبيُّ ﷺ أنهم ليس لهم تصرف إلا بإذن الله، واعتقاد الجاهلية فيها أنها تفعل وتفعل بتصرف فيها غلط، كل هذا بإذن الله وقضائه وقدره، فإذا تغوَّلت ورأى شيئًا يُريبه من الجنِّ فليذكر الأذان، يُؤذن، يذكر الله، فالأذان يطردها، إذا سمع الشيطانُ الأذانَ أدبر، فإذا تغولت الغيلانُ ينبغي أن يُعالجه بالأذان والذكر.

وقوله ﷺ في حديث عروة بن عامر لما سُئل عن الطيرة قال: أحسنها الفأل يعني: الفأل قد يُشبه الطيرة من بعض الوجوه؛ لأنه يسر المؤمن، إذا سمع ما يسره يُشبه الطيرة من بعض الوجوه؛ كالمريض يسمع مَن يقول: يا مشافى، يا مُعافى، يا مُوفق، فيفرح، فهذا من باب التَّفاؤل، ولا ترده عن حاجته، الفأل ما يرده عن الحاجة؛ ولهذا قال ﷺ: يُعجبني الفأل، فالمريض إذا سمع مَن يقول: يا معافى، يا مشفي، يا طيب، يا سليم، قد يسره هذا الكلام.

هكذا الذي يبحث عن ضالةٍ فيسمع إنسانًا يقول: أبشر، أو: يا واجد أبشر بما تُحب، أو ما أشبه ذلك فيُسر بهذا، ولكن لا ترده عن حاجته، هذا فأل لا بأس به؛ ولهذا قال ﷺ لما سُئل عن الفأل قال: الكلمة الطيبة.

وفي حديث عقبة بن عامر: أحسنها الفأل، .. فإذا رأى أحدُكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك إذا رأى شيئًا يكرهه ويسوؤه: صوتًا يكرهه، أو رؤيا يكرهها فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك، في حديث عبدالله بن عمرو: فليقل: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك يعني: يأتي بالكلام الطيب، والذكر الذي يُرغم الشيطان، ويدفع عنه ظنَّ السوء، ويمضي في حاجته.

وفي حديث ابن مسعودٍ : يقول النبيُّ ﷺ: الطيرة شرك، الطيرة شرك؛ لأنها نوع من التَّعلق بغير الله في قضاء الحاجة أو ردّها، فهي شرك من هذه الحيثية، يعني: شرك أصغر؛ لأنها نوع من التَّعلق على غير الله.

وقوله في الحديث: وما منا إلَّا ولكن الله يُذهبه بالتوكل هذا من كلام ابن مسعودٍ، مُدرج، يعني: ما منا من أحدٍ إلا وقد يقع في قلبه شيءٌ من هذا، لكن الله يرده بالتوكل، الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يعتمدون على الله، ويثقون به، ولا يلتفتون إلى ما قد يقع في نفوسهم من المكروهات، ولا يجوز للإنسان أن ترده الطيرةُ، الإنسان مثلًا يخرج ليُسافر، فيُصادفه عدو له في الطريق يشوفه، أو يشوف دابةً مقطوعة الذنب، أو مقطوعة الآذان، أو دابة ما تسره، أو إنسان ما يسره، ثم يرجع عن سفره، لا، يمضي في سفره، لا ترده الطيرة، يمضي في سفره ويقول: ما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا يرده ذلك؛ إذا رأى أو سمع ما يكره، بل يمضي في سفره ويتعوذ بالله من كل شرٍّ.

وفي حديث الفضل: إنما الطيرة ما أمضاك أو ردَّك فالطيرة هي التي تُمضيه وما أراد السفر، أو ترده عن حاجته، كما في حديث عبدالله بن عمرو: مَن ردَّته الطيرةُ عن حاجته فقد أشرك، فالواجب على المؤمن أن يُحسن ظنّه بربه، وإذا رأى ما يكره أو شاهد ما يكره يفعل الأسباب الشرعية، ولا ترده الكلمة التي سمعها وهو يكره عن حاجته، أو منظر رآه لا يرده عن حاجته، بل يمضي في حاجته، ويعتمد على الله، ويسأله العافية من كل بلاءٍ، هذا هو الواجب على المسلم، وأن يحذر مُشابهة الجاهلية في التطير.

وفَّق الله الجميع.

باب ما جاء في التَّنجيم

قال البخاري في "صحيحه": قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاثٍ: زينةً للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمَن تأوَّل فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علمَ له به. انتهى.

وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يُرخص ابن عيينة فيه. ذكره حرب عنهما. ورخَّص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.

وعن أبي موسى قال: قال رسولُ الله ﷺ: ثلاثة لا يدخلون الجنة: مُدمن الخمر، ومُصدق بالسحر، وقاطع الرحم رواه أحمد وابن حبان في "صحيحه".

الشيخ: هذا الباب عقده المؤلفُ لبيان ما قد وقع فيه بعضُ الناس من التَّعلق بالنجوم، والاستسقاء بالنجوم، واعتقاد أنها لها تصرف في الكون، فقال رحمه الله: "باب ما جاء في التَّنجيم" يعني: أنه يُنكر، وأن النجوم لا يجوز التَّعلق بها، ولا اعتقاد أنها لها تصرف في الكون، أو أن الشيء بيدها من مطرٍ أو غيره، بل كل هذا بيد الله جلَّ وعلا، وإنما النجوم زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يُهتدى بها في البر والبحر؛ ولهذا قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاثٍ" يعني: لثلاث فوائد وخصال خلقها: "زينةً للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمَن تأوَّل فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبَه وتكلف ما لا علمَ له به"، قال الله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5]، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام:97]، وقال تعالى: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، فمَن ظنَّ فيها غير ذلك واعتقد أنها لها تصرف في إنزال الأمطار أو بالجدب أو بالرخاء أو في موت أحدٍ أو حياة أحدٍ فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلَّف ما لا علمَ له به. يعني: قد قال على الله بغير علمٍ وأخطأ، فليس عندها تصرف: لا في ضرٍّ، ولا نفعٍ، ولا حياة، ولا موت، ولا جدب، ولا رخاء، ولا مطر، ولا عدمه، وإنما زينة للسماء كما ذكرها الله، ورجوم للشياطين، وعلامات يهتدي بها الناسُ في برهم وبحرهم.

وكره قتادة بن دُعامة السَّدوسي التابعي الجليل تعلم منازل القمر، ولم يُرخص سفيان بن عيينة في ذلك، ورخَّص في ذلك أحمد وإسحاق، والصواب أنه لا حرج في ذلك؛ يتعلم المنازل للتسيير لا للتأثير، بل للتسيير، مثلما قال الله جلَّ وعلا: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، فتعلمها لمعرفة القبلة ومعرفة البلدان والطرق لا بأس بذلك، ودخول فصل الصيف، فصل الربيع، فصل الشتاء، إلى غير ذلك، كل هذا لا حرج فيه؛ لقوله جلَّ وعلا: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا [الأنعام:97].

وفي الحديث يقول ﷺ: ثلاثة لا يدخلون الجنة: مُدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومُصدق بالسحر هذا فيه التَّحذير من إدمان الخمر، وأن شرب الخمر من أسباب حرمان الجنة، وقد لعن رسولُ الله ﷺ شاربَ الخمر وساقيها وعاصرها ومُعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، وقال: لا يدخل الجنةَ شاربُ الخمر، ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارقُ حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن يعني: إيمانًا كاملًا، يعني: أن إيمانه ناقص، ضعيف، بسبب هذه المعصية، وهو متوعد بالنار، وجاءت فيه اللعنة.

فالواجب الحذر من جميع المسكرات، الواجب الحذر منها، والخمر: ما خامر العقل، كل مُسكرٍ خمر، كل مسكر مأكول أو مشروب أو مشموم كله يُسمَّى: خمرًا، كما قال ﷺ: كل مُسكر خمر، وكل مُسكر حرام، وقال ﷺ: ما أسكر كثيره فقليله حرام، فالتدخين والقات ملحق بذلك؛ لأنه قد يُسكر بعض الأحيان، ويترتب عليه مضارّ كثيرة على الدخان، وعلى القات يترتب عليه مضار كثيرة، غير ما قد يقع من تغيير العقل في بعض الأحيان، فالواجب الحذر من جميع المخدرات والمسكرات وما يضرّ الإنسان في دينه وعقله.

وكذلك قطع الرحم؛ يجب الحذر من قطيعة الرحم، أن يكون الإنسان وصولًا لأرحامه وأقاربه، يقول الله جلَّ وعلا: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22]، ويقول ﷺ: لا يدخل الجنةَ قاطعُ رحمٍ، ويقول ﷺ: مَن أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أجله فليصل رحمه، ويقول ﷺ: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها، بعض الناس إذا قطع رحمه أو هجره هجره، لا، كن أطيب منه، كن خيرًا منه، صله، وتحبب إليه، واسأله عن أسباب القطيعة، واجتهد في إزالة الهجر، ولا تساهل في هذا إلا إذا كان يتعاطى المعاصي الظاهرة والمنكرات الظاهرة فيستحق الهجر هو وغيره، قريب أو ما هو بقريب، لكن بعد النَّصيحة، بعد التَّوجيه، بعد الإرشاد، بعد العناية.

ثلاث لا يدخلون الجنةَ: مُدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر كذلك السحرة والمصدقون لهم هم مُتوعدون بهذا، مَن سحر فقد أشرك، قال الله جلَّ وعلا: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة:102]، وقال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ، والسحر شرُّه عظيم؛ قد يضرّه، وقد يقتل، وقد يسلب العقل، فيه أضرار كثيرة، فالواجب الحذر منه، وهو من عمل الشياطين، ومن استخدام الشياطين، فالواجب على كل مسلمٍ أن يحذر ذلك.

وحدّ الساحر القتل، مَن عُرف أنه ساحر وجب على ولي الأمر قتله؛ لعظم مضرته؛ ولهذا كتب عمر ابن الخطاب في إمارته إلى عُماله في الشام وغيرها: أنَّ مَن وجدوه يتعاطى السحر يقتلونه، قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر في الشام. ولما ثبت عند حفصة أن جاريةً لها تتعاطى السحر قتلتها، أمرت بقتلها.

فالحاصل أنَّ السحرة شرهم عظيم، وفسادهم كبير، فمتى عُلم أنَّ فلانًا أو فلانةً يتعاطى السحر، وثبت ذلك من طريق المحكمة وجب قتله؛ لعظم شرِّه، ولهذا يقول ﷺ: ثلاث لا يدخلون الجنة: مُدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر، والاعتقاد بالنجوم من السحر، فإن بعض السحرة يتعلقون بالنجوم، ويزعمون أنهم يسحرون بسببها، وهم كذَّابون، وإنما يستخدمون الشياطين، ويتعاطون ما تُمليه عليهم الشياطين، ويزعمون أنهم يتعلقون بالنجوم وهم كذبة، إنما يتعلقون بالشياطين، ويأخذون منهم ما يُضلونهم به، يقول: افعلوا كذا، وافعلوا كذا، وافعلوا كذا، حتى يضروا الناس، كما قال جلَّ وعلا: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا يعني: الملكين مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ يعني: اعتاضه مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ يعني: من حظٍّ ولا نصيب وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ۝ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة:102- 103]، دلَّ على أن السحر ضدّ الإيمان والتقوى، قال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.

باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء

وقول الله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:82].

وعن أبي مالكٍ الأشعري : أن رسول الله ﷺ قال: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطَّعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة.

وقال: النائحة إن لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب رواه مسلم.

ولهما عن زيد بن خالدٍ قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصبح بالحُديبية على إثر سماءٍ كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما مَن قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما مَن قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب.

ولهما من حديث ابن عباسٍ معناه، وفيه: قال بعضُهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ إلى قوله: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:75- 82].

الشيخ: يقول رحمه الله: "باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء" يعني: من الوعيد والتَّحذير، والاستسقاء بالأنواء على نوعين:

  • أحدهما: أن يعتقد أنَّ المطر من النَّوء، فهذا كفر أكبر، وشرك في الربوبية.
  • والثاني: أن يكون اعتقاده أنها بسببه؛ أنَّ هذا المطر بسبب النَّوء، فهذا أيضًا كذلك لا يجوز؛ لأنَّ النوء ليس له سبب في ذلك، النوء إنما هو مثلما تقدم زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، ليس لها تعلق بالأمطار.

ولو قال: إني أردتُ بالباء يعني في وقت كذا. فلا يجوز أن يقول بهذا، بل هذا ممنوع، ولكن يقول: سُقينا في وقت كذا: في الربيع، في الصيف، في كذا، في كذا، لا بأس، يُبين الوقت الذي نزل به الغيث، أما "سُقينا بنجم كذا" أو "بنوء كذا" هذا ممنوع كله، مهما تأوَّل في ذلك.

وإذا أراد بذلك أن النَّوء له تأثير في السُّقيا، وأنه يسقي ويتصرف بنفسه فهذا شرك في الربوبية، كفر أكبر، وكذلك لو ظنَّ أنَّ له تسببًا، كل هذا لا يجوز، وإنما الأمطار تأتي بأمر الله، وتمتنع بأمر الله، هو الذي ينزل الغيث إذا أراد جلَّ وعلا: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى:28]، وهو الذي جلَّ وعلا يُرسل الرياح، ويُثير السحاب فتحمل الرياح إلى ما أراد الله جلَّ وعلا؛ ولهذا قال سبحانه: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:82] يعني: حظّكم ونصيبَكم من شكر الله أنَّكم تُكذبونه بما بيَّنه الله، وتنسبون ..... إلى غيره .

يقول ﷺ في حديث أبي مالكٍ الأشعري: أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت هذه من أمور الجاهلية الباقية، لا تسلم منها الأمم، لا يزال فيها بقية من أمور الجاهلية.

الفخر بالأحساب بأحساب آبائه وأسلافه من كرمٍ وجودٍ، من قرى الأضياف، وشجاعة، وأشباه ذلك.

والطعن في أنساب الناس: فلان كذا، فلان ..، يطعن في أنسابهم، يتنقص أنساب الناس؛ تفاخرًا وتكبرًا، أما قوله: أنَّ هذا من بني فلان، لا بأس إذا أراد بيان أنساب الناس: هذا من مطير، هذا من بني هاشم، هذا من كذا، لا بأس، أما أن يطعن في أنسابهم تعاظمًا وتنقصًا فهذا لا يجوز، يُسبب شحناء وفتنة.

والاستسقاء بالنجوم وهو الشاهد، الجاهلية يستسقون بالنجوم: مُطرنا بنوء كذا، هذا منكر؛ لأنه إما أن يعتقد أنها تتصرف في الكون، أو أنها سبب، وكله منكر وباطل، والذي يعتقد أنها تتصرف في الغيث، وأن الغيث من آثار النجوم، هذا شرك أكبر، ومن كفر الربوبية، نسأل الله العافية.

والنياحة كذلك من خصال الجاهلية، النياحة على الموتى؛ رفع الصوت بالبكاء على الموتى من أمر الجاهلية، وقال ﷺ: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة يعني: من قبرها وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب عقوبةً، نسأل الله العافية.

فهذا يدل على وجوب الكفِّ عن النياحة على الموتى، والحذر من الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، وأن الواجب الحذر من هذه الخصال الجاهلية.

وفي حديث أبي خالدٍ الجهني : أن النبي خطب الناس يومًا بعد صلاة الصبح على إثر مطرٍ في صباح يوم يُمطر فقال: يقول الله جلَّ وعلا: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، ثم فسَّرها لهم فقال: فأما مَن قال: مُطرنا بنوء كذا، ونوء كذا، فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب، وأما مَن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب.

فهذا يُبين أن الواجب على المسلم عندما ينزل مطر أن يقول: مُطرنا بفضل الله ورحمته، اللهم صيِّبًا نافعًا، كان النبي يقول هذا، إذا نزل مطر قال: اللهم صيِّبًا نافعًا، مُطرنا بفضل الله ورحمته، ولا يقول: مُطرنا بنوء كذا، ولا بنجم كذا؛ لأنَّ النجوم لا تأثير لها في هذا، هي مسخرة؛ زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، ما لها تعلق بإنزال المطر، إنزال المطر بأمر الله، هو الذي يصرفه كيف يشاء، يحبسه كيف يشاء، ويُرسله إذا شاء ، فعبارة "مطرنا بنوء كذا" لا تجوز مطلقًا على أي تفسيرٍ، أما إذا أراد الخبر عن الوقت فيقول: مُطرنا في وقت الثريا، في وقت كذا، في وقت كذا، في وقت الشتاء، في وقت الصيف. لا بأس من باب الخبر عن الوقت.

وهذا فيه تحذير أنَّ الاستسقاء بالنجوم كفر؛ قال: كافر بي، مؤمن بالكوكب وذلك إذا اعتقد أنها تُسبب نزول المطر، وأنها هي المؤثرة، أما إذا اعتقد أنها وقت، يظن أنها وقت، وقصده "بنوء" يعني: في، فهذا كفر أصغر، وهو منكر لا يجوز؛ لأنه ما اعتقد فيها، لكن لفظه يُوهم ذلك، فالواجب ترك هذا اللفظ المنكر، وظاهر الحديث أنه كفر أكبر؛ لأنه شرك بالربوبية، مَن اعتقد أنَّ لها تصرُّفًا صار شركًا بالربوبية، نسأل الله العافية.