09 باب ما جاء في منكري القدر

باب قول الله تعالى: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران:154].

وقوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح:6].

قال ابنُ القيم في الآية الأولى: فسّر هذا الظنّ بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحلُّ، وفسّر بأنَّ ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يُظهره الله على الدين كله.

وهذا هو ظنّ السوء الذي ظنَّ المنافقون والمُشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا الظنّ السّوء لأنه ظنّ غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصَّادق.

فمَن ظنَّ أنه يُديل الباطلَ على الحقِّ إدالةً مُستقرةً يضمحل معها الحقّ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره بحكمةٍ بالغةٍ يستحق عليها الحمد، بل زعم أنَّ ذلك لمشيئةٍ مجردةٍ، فذلك ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:27].

وأكثر الناس يظنون بالله ظنَّ السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا مَن عرف الله وأسماءه وصفاته، ومُوجب حكمته وحمده.

فليعتنِ اللبيبُ الناصحُ لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنِّه بربه ظنَّ السوء، ولو فتشت مَن فتشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامةً له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا؛ فمُستقلّ ومُستكثرٌ.

وفتش نفسك، هل أنت سالم؟

فإن تنج منها تنج من ذي عظيمةٍ وإلا فإني لا إخالك ناجيا

الشيخ: قد عقد المؤلفُ رحمه الله هذا الباب في كتاب "التوحيد" للتحذير من ظنِّ السوء الذي يظنه المنافقون والكافرون، والواجب على أهل الإيمان أن يظنوا بالله ظنَّ الحقِّ، وأن يأخذوا بأسباب السعادة، فالله جلَّ وعلا وعد أولياءه ووعد رسله بالنصر والتأييد إذا استقاموا على ما شرع لهم، كما قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ۝ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ۝ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171- 173]، وقال جلَّ وعلا: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، وقال : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ۝ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:40- 41]، وذمَّ المنافقين والكافرين في قوله: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [آل عمران:154]، وقال جلَّ وعلا: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْء [الفتح:6].

والكفار ظنوا بأنه لا ينصر رسوله ولا يُؤيده، وهكذا المنافقون ظنوا أنَّ الله لا ينصر رسوله، وأنه يُديل الباطل على الحقِّ، وأنه يُقضى عليه، وأن الكفار ينتصرون، فخيَّب الله ظنَّهم ونصر رسولَه وأيَّده وأظهره عليهم، ثم فتح الله عليه مكةَ عليه الصلاة والسلام، ودخل الناسُ في دين الله أفواجًا.

فالواجب على كل مؤمنٍ أن يظن بالله ظنَّ الحق، وأن يعرف أنه سبحانه هو الحكيم العليم، فإذا أدال أهلَ الكفر على أهل الحقِّ في بعض الأحيان فهو لأسبابٍ وقعت من أهل الإيمان: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165]، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].

فالواجب على العبد المؤمن أن يظنَّ بالله ظنَّ الحقِّ، وأن يُخلص العمل الذي لله، وأن يُجاهد في طاعة الله، ويعلم أنَّ الله سيُجازيه بالجزاء الحسن؛ بالسعادة في الدنيا والآخرة، والنَّجاة في الدنيا والآخرة على عمله الطيب وعمله الصالح، ولا يُوافق أهلَ الضلالة من المنافقين والجاهلين والكافرين بظنِّ السوء، فليحذروا ما هم عليه من الباطل، ويظنوا بالله ظنَّ الحق، ويأخذ بالأسباب، يعمل بالأسباب التي شرع الله جلَّ وعلا، ومَن أخذ بها أخذ بالسعادة، لا بدَّ من أخذ الأسباب: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور:55]، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71]، هذه أسباب النصر وأسباب التَّأييد: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ۝ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:40- 41]، فإذا أخلُّوا بما يجب عليهم قد يُعاقبون حتى ينتبهوا، وحتى يعودوا إلى رُشدهم كما جرى يوم أُحدٍ.

نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

باب ما جاء في مُنكر القدر

وقال ابن عمر: "والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحدٍ ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يُؤمن بالقدر"، ثم استدلَّ بقول النبي ﷺ: الإيمان أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتُؤمن بالقدر خيره وشرِّه رواه مسلم.

وعن عُبادة بن الصامت أنه قال لابنه: "يا بني، إنك لن تجد طعمَ الإيمان حتى تعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فقال: ربّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيءٍ حتى تقوم الساعة، يا بني، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: مَن مات على غير هذا فليس مني".

وفي روايةٍ لأحمد: إنَّ أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة.

وفي روايةٍ لابن وهبٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ: فمَن لم يُؤمن بالقدر خيره وشرِّه أحرقه الله بالنار.

وفي "المسند" و"السنن" عن ابن الدَّيلمي قال: "أتيتُ أُبي بن كعبٍ فقلتُ: في نفسي شيء من القدر، فحدّثني بشيءٍ لعلَّ الله يُذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقتَ مثل أحدٍ ذهبًا ما قبله الله منك حتى تُؤمن بالقدر، وتعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، ولو متّ على غير هذا لكنتَ من أهل النار".

قال: "فأتيتُ عبدالله بن مسعودٍ وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابتٍ، فكلهم حدَّثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ" حديث صحيح، رواه الحاكم في "صحيحه".

الشيخ: هذا الباب عقده المؤلفُ رحمه الله في كتاب "التوحيد" لبيان أن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، ومن توحيد الله الذي أوجبه على عباده، فالواجب على جميع المكلفين الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فلا بدَّ من هذا كله، وهذه أصول الإيمان الستة: الإيمان بالله، وأنه ربك ومعبودك الحق، وأنه مستحق العبادة، وأنه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، وهو الخلَّاق العليم، وهو المستحق لأن يُعبد، كما قال جلَّ وعلا: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، وقال سبحانه: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، فهو المستحق أن يُعبد جلَّ وعلا، كل المعبودات من دون الله من أنبياء أو ملائكة أو جنّ أو أصنام كلها باطلة، والعبادة بالحقِّ لله وحده: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].

وهكذا الإيمان بالملائكة؛ أن لله ملائكةً، وهكذا الكتب، وهكذا الرسل، وهكذا اليوم الآخر، لا بدَّ منها؛ أن يؤمن العبدُ بملائكة الله، وأنهم في طاعته وتنفيذ أوامره، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ولا بدَّ من الإيمان بكتب الله المنزلة على الأنبياء، وأعظمها وأشرفها القرآن، وهو خاتمتها، ولا بدَّ من الإيمان بالرسل جميعًا من أولهم إلى آخرهم عليه الصلاة والسلام، ولا بدَّ من الإيمان باليوم الآخر، وأن الله يبعث الناس ويُجازيهم بأعمالهم من خيرها وشرِّها، فالمتقون لهم الجنة، والكافرون لهم النار.

ولا بدَّ من الركن السادس وهو الإيمان بالقدر، قال ابن عمر رضي الله عنهما لما سأله سائلٌ عن القدرية قال: "لو كان لأحدهم مثل أُحدٍ ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يُؤمن بالقدر"، ثم ذكر قول النبي ﷺ: الإيمان أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرِّه.

وهكذا قال عبادةُ بن الصامت لابنه: "يا بني، اعلم أنَّك لن تجد طعم الإيمان حتى تُؤمن بالقدر، وتعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، وأنَّ الله جلَّ وعلا لما خلق القلمَ قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة"، قدَّر الله المقادير كلها كما في الحديث الآخر؛ يقول ﷺ: إنَّ الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السَّماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.

وهكذا ابن الديلمي سأل أبي بن كعب وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان وابن مسعودٍ عن القدر فقالوا: "لو أنفقتَ ما في الأرض ذهبًا ما قبله الله منك حتى تُؤمن بالقدر، وتعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك".

فلا بدَّ من الإيمان بأنَّ الله قدَّر الأشياء وعلمها، وعلم الأشقياء من السُّعداء، وعلم أكساب الناس وأعمالهم، وعلم كل شيءٍ جلَّ وعلا، فما من حادثٍ وكائنٍ يكون إلا وقد مضى في علم الله أمره، والجنين في بطن أمه يُكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أم سعيد، تفصيلًا من القدر السابق، وهكذا في ليلة القدر قدر مقادير الخلائق تفصيلًا مما مضى، كما قال تعالى في ليلة القدر: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4]، كل ما يكون في السنة ينسخ قدره من القدر السابق.

فالواجب على المؤمن أن يعلم ذلك، وأن يجتهد في طاعة الله ورسوله، وأن يحذر ما نهى الله عنه ورسوله، وأن يسأل ربه التوفيق والهداية والإعانة، ولا يحتج بالقدر، فالعبد له فعل، وله اختيار، وله إرادة، وله عمل، فليجتهد وليسأل ربه التوفيق، وليعمل، العبد عامل، كل عبدٍ له عمل؛ ولهذا قال ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، وقال الله لعباده: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105]، وقال: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل:88]، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:153]، فالعبد له أفعاله، وله إرادته، وله قصده، فالواجب عليه أن يجتهد في أعمال الخير، وأن يُجاهد نفسه في أعمال الخير، وأن يحذر عمل الشر، وأن يسأل ربه التوفيق والإعانة والتَّسديد عن إيمانٍ صادقٍ بأنَّ الله قدَّر كل شيءٍ، وأنه بيده تصريف الأمور .

باب ما جاء في المُصورين

عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ: قال الله تعالى: ومَن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرةً، أو ليخلقوا حبَّةً، أو ليخلقوا شعيرةً أخرجاه.

ولهما عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله ﷺ قال: أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يُضاهئون بخلق الله.

ولهما عن ابن عباسٍ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: كل مصورٍ في النار يُجعل له بكل صورةٍ صوَّرها نفسٌ يُعذَّب بها في جهنم.

ولهما عنه مرفوعًا: مَن صوَّر صورةً في الدنيا كُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخٍ.

ولمسلم عن أبي الهياج قال: قال لي عليٌّ: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسولُ الله ﷺ؟ ألا تدع صورةً إلا طمستها، ولا قبرًا مُشرفًا إلا سويته".

الشيخ: هذا الباب عقده المؤلفُ في كتاب "التوحيد" فيما يتعلق بالتصوير؛ لأنَّ الصور من أسباب الشرك، ومن وسائل الشرك، وقد صور قومُ نوحٍ صورة ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، لما كانوا رجالًا صالحين ثم ماتوا، وصوَّروهم ونصبوا صورهم في مجالسهم للذكرى، ثم عبدوهم من دون الله، وأصبحت أوثانًا تُعبد في قوم نوحٍ، قال جلَّ وعلا: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ۝ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا [نوح:23- 24]؛ فلهذا عقد المؤلفُ هذا الباب.

قال: "باب ما جاء في المصورين" يعني: من الوعيد الشديد، والتحذير الأكيد من التصوير، وأن المصورين على خطرٍ عظيمٍ؛ قد لعنهم الرسولُ ﷺ، يقول الله جلَّ وعلا: ومَن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرةً، أو ليخلقوا حبةً، أو ليخلقوا شعيرةً يعني: لا أحدَ أظلم من هؤلاء بتصويرهم ما يُصورون، فإن كانت عندهم قُدرة فليخلقوا ذرةً أو شعيرةً أو غيرها مما يختص الله به، فهم عاجزون.

وقال ﷺ: أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يُضاهئون بخلق الله، وفي اللفظ الآخر: أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، وقال عليه الصلاة والسلام: كل مصورٍ في النار يُجعل له بكل صورةٍ صوَّرها نفس يُعذَّب بها في جهنم، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: مَن صوَّر صورةً في الدنيا كُلِّف أن ينفخ فيها الروح –يعني: يوم القيامة- وليس بنافخٍ.

وقال عليٌّ : "بعثني رسولُ الله ﷺ"، فقال له ﷺ: لا تدع صورةً إلا طمستها، ولا قبرًا مُشرفًا –يعني: مُرتفعًا- إلا سويته، فالواجب طمس الصور وتكسيرها وإتلافها، والواجب تسوية القبور المشرفة، يجب أن تكون لاصقةً بالأرض، شبر فما حوله، ارتفاعها في الأرض يكون شبرًا وما يُناسبه ويُقاربه، ولا يجوز البناء عليها، ولا تجصيصها، ولا الكتابة عليها؛ لأنَّ هذا كله من وسائل الشرك بالقبور.

فهذه الأمور التي ذكرها المؤلفُ هنا من التصوير والبناء على القبور كل ذلك من أسباب الشرك، وفي الحديث الصحيح عن جابرٍ قال: نهى رسولُ الله أن يُجصص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه، وأن يُكتب عليه. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ألا وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك، وقال ﷺ: لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد يدفنون في المساجد، يجعلون القبور في المساجد، حتى عُبدت من دون الله.

فالواجب الحذر من ذلك، وأن تكون القبور بارزةً عن البلد، ليست في المساجد، أما ما يتعلق بوجود قبر النبي ﷺ في المسجد؛ فهو ليس في المسجد، هو دُفن في بيت عائشة، في بيته، لكن لما وسع الأميرُ الوليد بن عبدالملك المسجد أدخل البيتَ في المسجد، وإلا فليس من المسجد، بل دُفن في بيت عائشة عليه الصلاة والسلام، فلا ينبغي لأحدٍ أن يحتج بهذا، وأن يُكابر ويُغالط، فالأحاديث التي جاء فيها النهي واللعن في بناء المساجد على القبور محكمة صحيحة ثابتة، كما أنها محكمة في النَّهي عن التصوير ولعن المصورين.

فيجب الحذر من التصوير، ويجب الحذر من البناء على المساجد، ويجب هدم المساجد التي بُنيت على القبور، كما يجب تكسير الصور وإتلافها التي تُصور تامةً، أما بدون الرأس فلا يضرّ كما جاء في حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ جاءه جبرائيل على موعدٍ فلم يدخل، فسأله النبيُّ عن ذلك فقال: إنَّ في البيت تمثالًا وسترًا فيه تصاوير وكلبًا، فمُرْ برأس التمثال أن يُقطع حتى يكون كهيئة الشجرة، ومُر بالستر أن يُبسط حتى يكون وسادةً أو وسادتين، ومُرْ بالكلب أن يُخرج، فأمر النبي ﷺ بذلك؛ فقُطع رأس التمثال، وجُعل الستر بساطًا يُمتهن، ووُجد الكلب جروًا تحت نضدٍ أدخله الحسن أو الحسين في البيت فأُخرج.

فالمقصود من هذا كله أنَّ الواجب الحذر من التصوير، والحذر من البناء على القبور، واتّخاذ المساجد عليها، كل ذلك مما حرَّمه الله، وكله من وسائل الشرك، نسأل الله العافية والسلامة.

باب ما جاء في كثرة الحلف

وقول الله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89].

عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب أخرجاه.

وعن سلمان: أن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة لا يُكلمهم الله، ولا يُزكيهم، ولهم عذاب أليم: أشيمط زانٍ، وعائل مُستكبر، ورجل جعل الله بضاعته؛ لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه رواه الطبراني بسندٍ صحيحٍ.

وفي الصحيح: عن عمران بن حُصين قال: قال رسولُ الله ﷺ: خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا، ثم إنَّ بعدكم قومًا يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، وينذرون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمَن.

وفيه عن ابن مسعودٍ: أن النبيَّ ﷺ قال: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قومٌ تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته.

وقال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.

الشيخ: يقول رحمه الله: "باب ما جاء في كثرة الحلف" يعني: من الوعيد والتَّحذير؛ وذلك لأنَّ كثرة الحلف تُفضي إلى الكذب والتَّساهل باليمين، وهذا نقصٌ في الإيمان، ونقص في التوحيد، فالعبد إذا أكثر الحلف جرَّه ذلك إلى الكذب والأيمان الغموس والأيمان الفاجرة، وتساهل بالأيمان، فالواجب الحذر من ذلك، وألا يحلف إلا على بصيرةٍ، قال الله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89]، فأمر سبحانه بحفظ اليمين حتى لا يحلف إلا على بصيرةٍ؛ على صدقٍ.

يقول عليه الصلاة والسلام: الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب يعني: أن الحلف قد ينفق السلعة –يدرجها- والله إنها زينة، والله إنها طيبة، والله إني شريتُها بكذا، وهو كذا، يريد أن يُدرجها، ممحقة للكسب يعني: ممحقة لكسب الإنسان وربحه بسبب أيمانه الفاجرة وكثرتها.

وفي حديث سلمان الفارسي : يقول ﷺ: ثلاث لا يُكلمهم الله، ولا يُزكيهم، ولهم عذاب أليم: أشيمط زانٍ، وعائل مُستكبر، ورجل جعل الله بضاعته؛ لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه هذا فيه التَّحذير من الزنا، وأن الزنا من أقبح الخصال، ولا سيما من الشيخ، من كبير السن، عند ضعف القوة ومع هذا اعتاد الزنا -نعوذ بالله- وعائل مُستكبر مع فقره هو مُتكبر، الإنسان الغني التاجر قد يتكبر بسبب المال، والكبر محرم وقبيح ومنكر من جميع الأشخاص، لكن إذا كان من عائلٍ صار أشدَّ في القبح، وأشد في الإثم، وإن كان مُحرَّمًا من الجميع، والزنا مُحرَّم على الجميع، لكن الشاب قد تدعوه شدةُ الشهوة ثم يتوب، ولكن الشيخ الكبير إذا زنا يدل ذلك على أنه سجية له، وأنه خُلق له -نعوذ بالله- فيكون إثمه أكبر.

ورجل جعل الله بضاعته ديدنه يبيع باليمين ويشتري باليمين، ما عنده مبالاة، أيمانه ذاهبة وحاضرة عند البيع والشراء، هذا فيه الحذر من هذا الخلق، وأنه وسيلة إلى الكذب، ويدل على استخفافٍ بعظمة الله وتساهلٍ بذلك، ويُوقعه هذا في الكذب والأيمان الغموس.

وفي حديث عمران يقول ، عمران بن حصين رضي الله عنهما يقول: سمعتُ رسول الله يقول: خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا. والثابت مرتان فقط، الثابت مرتان: قرنه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثلاثة قرون، القرون المفضلة ثلاثة، هذا هو الثابت، كما في حديث ابن مسعودٍ الآتي: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، وينذرون ولا يُوفون، وتسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته لضعف الإيمان، لضعف الإيمان تكثر الخيانة والشهادة بغير حقٍّ والأيمان الفاجرة بسبب ضعف الإيمان وقلة الإيمان.

ومعنى هذا الكلام التَّحذير من النبي ﷺ من التَّساهل بالشهادة والأيمان، وأن الواجب على المؤمن ألا يشهد إلا على بصيرةٍ، وألا يحلف إلا على بصيرةٍ، وأن يحذر الخيانة والكذب.

وهكذا النذور؛ إذا نذر يُوفي، قال الله في حقِّ أهل الإيمان: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، ويقول سبحانه: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270] يعني: فيُجازيكم عليه.

فالنذر لا ينبغي للمؤمن، لا ينبغي له النذر، يقول النبيُّ ﷺ: لا تنذروا؛ فإنَّ النذر لا يرد من قدر الله شيئًا، وإنما يُستخرج به من البخيل، لكن متى نذر الطاعة وجب الوفاء، متى نذر طاعةً لله وجب الوفاء.

قال إبراهيمُ، هو النخعي، إبراهيم بن يزيد النخعي، من التابعين الصغار: "كانوا –يعني: التابعين- يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار" يعني: أصحاب عبدالله بن مسعودٍ كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار، يعني: يُؤدبونهم حتى لا يعتادوا الشهادة والعهود وهم صغار، يشهد بالله، عهد الله، كان السلفُ يمنعون الصغار من هذا، يُؤدبونهم حتى لا يعتادوا التَّساهل بهذه الكلمات، حتى تكون عندهم الأيمان عظيمة، والشهادة عظيمة، والعهود عظيمة، فإذا اعتادوا في الصغر الأيمان الكاذبة والشَّهادات الكاذبة والعهود الكاذبة استمروا عليها في الكبر، وصارت خلقًا لهم؛ فلهذا كان السلفُ يمنعون أولادهم من هذا، ويُؤدبونهم على هذا حتى يعتادوا الصدقَ في الأيمان والشَّهادة.

باب ما جاء في ذمَّة الله وذمَّة نبيه

وقوله: أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:91].وعن بُريدة قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيشٍ أو سريةٍ أوصاه بتقوى الله ومَن معه من المسلمين خيرًا فقال:

اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصالٍ -أو خلالٍ- فأيتهنَّ ما أجابوك فاقبل منهم وكفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التَّحول من دارهم إلى دار المُهاجرين، وأخبرهم أنَّهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمُهاجرين، وعليهم ما على المُهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يُجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفَّ عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.

وإذا حاصرت أهلَ حصنٍ فأرادوك أن تجعل لهم ذمَّة الله وذمَّة نبيه، فلا تجعل لهم ذمَّة الله وذمَّة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمَّتك وذمَّة أصحابك؛ فإنَّكم أن تخفروا ذممكم وذمَّة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمَّة الله وذمَّة رسوله.

وإذا حاصرت أهل حصنٍ فأرادوك أن تُنزلهم على حكم الله فلا تُنْزلهم، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنَّك لا تدري: أتُصيب فيهم حكم الله أم لا

 رواه مسلم.

 

الشيخ: هذا الباب عقده المؤلفُ رحمه الله في كتاب "التوحيد" لبيان عظم ذمَّة الله وذمَّة نبيه، وأن الواجب الوفاء بها وعدم إخفارها، يعني: من تعظيم الله ومن تعظيم رسوله ﷺ الوفاء بالذمم وعدم إخفارها، فالمعاهدة لا بأس بها، لكن تكون على ما جاء به الشرع، من غير تعرضٍ لذمة الله وذمة نبيه، يقول الله جلَّ وعلا: أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:91]، فلا بأس أن يُعطي ولي الأمر العهد لأهل بلدٍ أو قبيلةٍ أو نحو ذلك إذا رأى المصلحةَ في ذلك، ولا بأس أن يُصالح أهل الذمة على مالٍ، أو أهل الحرب على مالٍ، ولكن لا يجعل لهم ذمَّة الله ولا ذمَّة نبيه؛ ولهذا كان ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو سريةٍ أوصاه بتقوى الله ومَن معه من المسلمين خيرًا.

وهذا هو الواجب على ولاة الأمور؛ إذا أمَّروا الأمراء أن يُوصوهم بتقوى الله، وأن يُوصوهم بالمسلمين خيرًا، والرفق بهم، وإنصاف مظلوميهم، وردع ظالميهم، هذا هو الواجب على الأمراء، وهو الواجب على ولي الأمر؛ أن يعظ الأمراء، وأن يُوصيهم بتقوى الله، وأن يُوصيهم بالإحسان إلى الرعية، والحرص على أداء حقوقهم، وإنصاف مظلوميهم، وردع ظالميهم، سواء كان في الغزو أو في غير الغزو؛ ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يُوصي أمراء الجيوش والسرايا بتقوى الله، ويقول لهم عليه الصلاة والسلام إذا توجَّهوا للجهاد، يأمرهم أن يعتمدوا ألا يُمثلوا، ولا يغدروا، ولا يقتلوا وليدًا، يعني: يُوصيهم بأن يستقيموا على الطريق الشرعي، وأن يحذروا ما حرَّم الله عليهم جلَّ وعلا، فليس للأمير أن يغدر، متى أعطى العهود لا يغدر، ولا يمثل إذا انتصر على العدو، لا يمثل بقطع الأيدي أو الأنوف أو الآذان، لا، يقتله قتلًا شرعيًّا: إذا قتلتُم فأحسنوا القتلة، ولا يقتل الصبيان ولا النساء في الحرب إلا إذا قاتلوا.

ثم يأمرهم أن يعتمدوا في غزوهم وجهادهم ثلاثة أمور:

الأمر الأول: الدعوة إلى الإسلام، يدعون مَن توجهوا إليهم إلى الإسلام، فإذا أجابوا قبل منهم، وصاروا من جملة المسلمين؛ لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، ولهم مشاركة في كل شيءٍ، ويُخبرهم أنَّ عليهم أن يتحولوا -إذا كانوا أعرابًا- إلى دار المهاجرين، فإن أبوا وأحبوا أن يبقوا في العرب -يعني: في التَّعرب- فيكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، لكن لا يكون لهم في الغنيمة شيء، بل يكسبون حاجاتهم ويتصرفون، وليس لهم في الغنيمة والفيء شيء مع المسلمين، إلا إذا تحوَّلوا إلى دار المهاجرين، أو جاهدوا معهم.

أما أهل الحصون: فإذا حاصر أهلَ الحصون التي تكون في المدن والقرى يتحصنون بها، فإنه إذا حاصرهم يدعوهم إلى أحد الأمور الثلاثة: الإسلام كما تقدم، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فالقتال.

وقد احتجَّ بهذا بعضُ أهل العلم على أن الجزية تُؤخذ من أهل الكتاب والمجوس؛ لإطلاق الحديث، ولكن حمله الجمهورُ على أن المراد بهم: اليهود والنصارى والمجوس، هم أهل الحصون، أما العرب الوثنيون فطريقتهم أنهم في البوادي، ما هم في الحصون، فالجزية تُؤخذ من اليهود والنصارى والمجوس، إن دخلوا في الإسلام فالحمد لله، وإن أبوا فالجزية؛ لقوله جلَّ وعلا: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29].

فإذا سلموا الجزيةَ -والجزية مالٌ يضربه وليُّ الأمر عليهم كل سنة- فإذا سلَّموها حقنت دماؤهم وأموالهم، فإن أبوا الجزيةَ وجب قتالهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يُؤدوا الجزية: يهودًا أو نصارى أو مجوسًا، أما غيرهم من أصحاب الأوثان أو الشيوعيون أو غيرهم ممن لا دينَ لهم فهؤلاء يُقاتلون حتى يُسلموا، ما في جزية، يُقاتلون حتى يُسلموا، إلا إذا رأى وليُّ الأمر مُهادنتهم مدةً من الزمان، كما هادن النبيُّ قريشًا عشر سنين، إذا رأى المهادنة والمصالحة لوقتٍ فلا بأس، كما قال تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا [الأنفال:61]، فإذا رأى ولي الأمر الموافقة على الصلح معهم لمدةٍ معلومةٍ؛ لعلهم يُسلمون، لعلهم يهتدون، أو ليتقيهم المسلمون حتى يعدوا القوةَ فلا بأس، هذا داخلٌ في مصلحة المسلمين، ولولي الأمر النظر في ذلك؛ لقوله جلَّ وعلا: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.

وإذا حاصرهم وأرادوا النزولَ على ذمَّة الله وذمَّة رسوله وحكمه، لا، بل يُنزلهم على ذمته وذمة أصحابه، وعلى ما يعلمه من الشرع هو؛ لأنَّ إخفار ذمّته وذمّة أصحابه أهون من إخفار ذمّة الله وذمّة رسوله ..... قد يغلط فيه فيقول: أنا أحكم بما ظهر لي من الشرع، أحكم فيكم بما يظهر لي من الشرع، فينزل على الحكم الذي يظهر لولي الأمر من الشرع.

وفَّق الله الجميع.

باب ما جاء في الإقسام على الله

عن جندب بن عبدالله قال: قال رسولُ الله ﷺ: قال رجلٌ: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله: مَن ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفرَ لفلانٍ؟! إني قد غفرتُ له، وأحبطتُ عملك رواه مسلم.

وفي حديث أبي هريرة: أنَّ القائل رجلٌ عابد، قال أبو هريرة: "تكلم بكلمةٍ أوبقت دنياه وآخرته".

الشيخ: هذا الباب عقده المؤلفُ لبيان تحريم الجرأة على الله والإقسام عليه أنه لا يفعل كذا، وأنه منكر لا يجوز، وصاحبه على خطرٍ من حبوط عمله، فالله سبحانه أعلم وأحكم، فليس لأحدٍ أن يُقسم على الله ألا يفعل كذا، وألا يغفر لفلانٍ، أو يُدخله النار، أو ما أشبه ذلك، بل الواجب حُسن الظنِّ بالله، وعدم سُوء الظن بالله.

ولما كان هذا من كمال التوحيد وتمام التوحيد ذكر المؤلفُ هذا الباب في كتاب "التوحيد"، فمن الأدب الشرعي ومن تعظيم الله ألا يُقسم على الله ألا يفعل كذا.

في حديث جندبٍ أنَّ رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلانٍ رأى منه أعمالًا سيئةً فقال: والله لا يغفر الله لفلانٍ! فقال الله جلَّ وعلا: مَن ذا الذي يتألَّى عليَّ ألا أغفر لفلانٍ؟! إني قد غفرتُ له، وأحبطتُ عملك هذا وعيد شديد، وسوء ظنٍّ بالله لا يليق.

وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجلٌ عابدٌ، قال أبو هريرة: "تكلم بكلمةٍ أوبقت دنياه وآخرته".

فالمقصود من هذا كله أن الواجب حُسن الظنِّ بالله، وسؤاله الرحمة والعفو والمغفرة، أما الإقسام عليه بألا يُجاب فلان، أو ألا يغفر لفلانٍ، أو لا يدخل الجنة، أو لا ينصره، أو ما أشبه هذا؛ لا يجوز، وسوء ظنٍّ بالله، وتألّ عليه، وتحكم عليه وجرأة، فلا يجوز.

نسأل الله العافية.

باب لا يُستشفع بالله على خلقه

عن جبير بن مطعمٍ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفسُ، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسقِ لنا ربَّك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فقال النبيُّ ﷺ: سبحان الله! سبحان الله! فما زال يُسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يُستشفع بالله على أحدٍ وذكر الحديث. رواه أبو داود.

الشيخ: هذا الباب فيما يتعلق بالاستشفاع بالله إلى المخلوقين، عقد المؤلفُ هذا الباب في كتاب "التوحيد" لأنَّ الاستشفاع بالله على خلقه نقصٌ في توحيد الإنسان وجهل، ما يليق بالمؤمن أن يستشفع بالله على أحدٍ من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك؛ فلهذا أدخل هذا الباب في كتاب "التوحيد" لبيان أن الاستشفاع بالله على خلقه أمرٌ لا يجوز، وأنه نقص في توحيد العبد وإيمانه، وأن الواجب أن يُنزه إيمانه عن ذلك.

ولهذا لما جاءه رجلٌ قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فاستسقِ لنا ربَّك. يعني: بسبب الجدب والقحط فاستسقِ لنا ربك، فإننا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام لما سمع هذا الكلام قال: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! شأن الله أعظم من ذلك، إنَّ الله لا يُستشفع به على أحدٍ من خلقه؛ لأنَّ القاعدة أن المستشفع به دون المشفوع إليه، والله جلَّ وعلا فوق الجميع، هو أعظم من كل أحدٍ، فلا يستشفع بالله على خلقه، ولكن يستشفع بالمخلوق على الله فيقال: يا فلان، ادع الله، يا نبي الله، ادع الله لي، يا فلان، استغفر لي. لا بأس، أما أن تقول: "أستشفع بالله عليك" فلا يجوز مثل هذا، وإن كان السند فيه ضعف، لكن معناه صحيح، لا يُستشفع بالله على أحدٍ من خلقه، أما السؤال بالله فلا بأس: أسألك بالله كذا، فلا بأس، لكن تركه أولى؛ لما فيه من التَّشديد.

وحديث: مَن سأل بالله فأعطوه كما تقدم، وحديث الثلاثة: الأبرص والأقرع والأعمى في "الصحيحين": سألوا الأبرص والأقرع والأعمى بالله، قال كل واحدٍ منهم: أسألك بالذي أعطاك كذا وأعطاك كذا. هذا سؤال بالله تعظيمًا للمسؤول -الشيء المسؤول- أما الاستشفاع بالله على خلقه فلا، لا يستشفع بالله على أحدٍ من خلقه، بل هذا نقص في التوحيد، ونقص في الإيمان، والواجب تركه.

وفيه أيضًا من الفوائد: أن المسلم إذا سمع شيئًا لا يليق بالله يقول: سبحان الله! الله أكبر. هكذا كان إذا سمع شيئًا يُعجبه أو يُنكره سبَّح الله، فالسنة عند سماع ما يُعجبك أو يسوؤك أن تقول: سبحان الله! الله أكبر. هكذا كان النبيُّ ﷺ إذا سمع ما يُعجبه قال: الله أكبر، الله أكبر. وإذا سمع شيئًا ما يُناسبه قال: سبحان الله! سبحان الله!

ولما قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، قال: فكبرنا، قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، قال: فكبرنا، قال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، قال: فكبرنا. وكان ﷺ إذا رأى ما يُعجبه كبَّر، وإذا رأى ما لا يُناسبه قال: سبحان الله! سبحان الله!

فالمؤمن عند سماع ما لا يليق يقول: سبحان الله! وعند سماع الشيء الذي يليق بالله يقول: الله أكبر، الله أكبر؛ تكبيرًا لله، وتعظيمًا لله، كما يُكبر الله في الأعياد وفي أيام التَّشريق وفي ليلة عيد النحر تعظيمًا لله جلَّ وعلا، يُكبر لله تعظيمًا له سبحانه، قال تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة:185] على نعمه جلَّ وعلا.

باب ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسدّه طرق الشرك

عن عبدالله بن الشّخير قال: انطلقتُ في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله تبارك وتعالى، قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا. فقال: قولوا بقولكم -أو بعض قولكم- ولا يستجرينَّكم الشيطان رواه أبو داود بسندٍ جيدٍ.

وعن أنسٍ : أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم -أو بعض قولكم- ولا يستهوينَّكم الشيطان، أنا محمد عبدالله ورسوله، ما أُحب أن ترفعوني فوق مَنْزلتي التي أنزلني الله رواه النَّسائي بسندٍ جيدٍ.

الشيخ: يقول رحمه الله: "باب ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسدّه طرق الشرك" تقدمت ترجمة سابقة: "باب ما جاء في حماية النبي ﷺ جناب التوحيد"، فالأولى في حماية جناب التوحيد، يعني: جانب التوحيد، وهنا حمايته للحمى، وهو أبلغ من الأولى، يعني: أنه ﷺ حمى الجانب، وحمى الحمى أيضًا؛ سدًّا لذرائع الشرك، وحمايةً لأمته من أسباب الشرك عليه الصلاة والسلام.

وحمى الشيء: ما قرب منه وجانبه، جزؤه وبعضه، فهنا حمى النبيُّ حمى التوحيد، وذلك أن بعض الأعراب قالوا له: أنت سيدنا. فقال: السيد الله تبارك وتعالى، قالوا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا. قال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم -أو بعض قولكم- ولا يستجرينكم الشيطان، وفي اللفظ الآخر: يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. قال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم -أو بعض قولكم- ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبدالله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله .

وتقدم قوله ﷺ في حديث عمر: لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبدالله ورسوله أخرجه البخاري كما تقدم.

والمقصود من هذا سدّ ذرائع الشرك، وحمى حمى التوحيد، وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، وهو خير الناس عليه الصلاة والسلام، لكن خاف عليهم إذا تمادوا في هذه الألفاظ أن يقع منهم الشرك والغلو، وإلا فهو سيد بني آدم، وهو خير الناس عليه الصلاة والسلام، لا شكَّ في هذا، كما في الحديث؛ يقول ﷺ: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وهو خير الأمة عليه الصلاة والسلام، وأفضل الناس، ولكنه خاف على أمته من الغلو، فيستعمل الألفاظ فيقول: اللهم صلِّ على محمدٍ عبدالله ورسوله، اللهم صلِّ على محمدٍ عبدك ورسولك، اللهم صلِّ على نبينا محمدٍ، وإلا فهو سيد ولد آدم، لكنه خاف عليهم إذا واجهوه بهذا: أنت سيدنا، يا خيرنا، خاف عليهم أن يغلوا فيه، وأن يعبدوه ويدعوه من دون الله، أو يعتقدوا فيه عقيدةً باطلةً، خاف عليهم فحمى حمى التوحيد عليه الصلاة والسلام، وسدّ الذرائع، وقال لهم: أنا محمد عبدالله ورسوله، ما أُحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ، وفي حديث عمر: أنا محمد عبدالله ورسوله.

فالواجب على المؤمن اتباعه وطاعته، وتعظيم أمره ونهيه، ما هو بالغلو في الألفاظ، والحرص على الألفاظ، الألفاظ ما تنفعهم، لكن المهم اتباعه وطاعته والاستقامة على دينه، وترك ما نهى عنه، هذا هو الذي يُقربه من الله، ويُباعده من غضب الله، أما الغلو في الألفاظ فلا حاجةَ إليه، ولا وجهَ له، ولا يُفيد شيئًا، فهو محمد ﷺ، فهو خيرنا وخير الأمة، وهو سيد ولد آدم بلا شكٍّ، لكنه خاف عليهم لما قالوا: أنت سيدنا، يا خيرنا، خاف عليهم من الغلو عليه الصلاة والسلام، وأرشدهم إلى ما هو الأفضل والأحسن؛ أن يُخاطبوه: يا رسول الله، يا نبينا، يا رسول الله، ثم يسألون عن حاجتهم عليه الصلاة والسلام.

باب ما جاء في قول الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]

عن ابن مسعودٍ قال: جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أنَّ الله يجعل السَّماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثَّرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبعٍ، فيقول: أنا الملك. فضحك النبيُّ ﷺ حتى بدت نواجذه؛ تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وفي روايةٍ لمسلم: والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله.

وفي روايةٍ للبخاري: يجعل السَّماوات على إصبع، والماء والثَّرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبعٍ. أخرجاه.

ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: يطوي الله السَّماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبَّارون؟ أين المُتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبَّارون؟ أين المُتكبرون؟.

وروى عن ابن عباسٍ قال: "ما السَّماوات السبع والأرضون السبع في كفِّ الرحمن إلا كخردلةٍ في يد أحدكم".

وقال ابن جريرٍ: حدَّثني يونس: أخبرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابن زيد: حدَّثني أبي قال: قال رسولُ الله ﷺ: ما السَّماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة أُلقيت في ترسٍ.

وقال: قال أبو ذرٍّ : سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ما الكرسي في العرش إلا كحلقةٍ من حديدٍ أُلقيت بين ظهري فلاةٍ من الأرض.

الشيخ: هذا الباب الذي ختم به المؤلفُ كتاب "التوحيد"؛ لما فيه من بيان صفات الله وعظمته، وأنه المستحق لأن يُعبد جلَّ وعلا، وهو سبحانه العظيم الذي يجب أن يُخصَّ بالعبادة: بدعائك وصلاتك وصومك وذبحك ونذرك وغير ذلك: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، يقول جلَّ وعلا: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67] يعني: ما قدره المشركون وعظَّموه حقَّ تعظيمه؛ ولهذا عبدوا معه وسواه، وأشركوا به الأنداد وأصحاب القبور والأصنام؛ لجهلهم وضلالهم: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ يعني: ما عظَّموه حقَّ تعظيمه وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.

فهو العظيم الذي لا أعظمَ منه، هذه الأرض الواسعة قبضته، والسَّماوات مطويات بيمينه، فهو جلَّ وعلا العظيم الذي لا أعظمَ منه، والكبير الذي لا أكبرَ منه، والقوي الذي لا أقوى منه، هو القوي العزيز، وهو القوي المتين .

وفي هذا أن يهوديًّا جاء إلى النبي ﷺ فقال: "يا محمد، إنا نجد –يعني: في التوراة- أنَّ الله يجعل السَّماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء على إصبع، والثَّرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع"، وفي روايةٍ: "والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهنَّ فيقول: أنا الملك، أين الجبَّارون؟ أين المتكبرون؟".

وفي حديث ابن عمر كذلك: يطوي الله السَّماوات بيمينه، ويقبض الأرض بشماله ويقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ففي هذا تعظيم الله، وبيان أنه سبحانه العظيم الذي لا أعظمَ منه، وأنه الكبير الذي لا أكبرَ منه، وأن الواجب الخضوع له، والقيام بحقِّه، وترك معصيته .

ورُوي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: "ما السَّماوات السبع والأرضين السبع في كفِّ الرحمن إلا كخردلةٍ في يد أحدكم".

وقال زيدُ بن أسلم مرفوعًا -كما روى ابن جريرٍ: ما السَّماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة أُلقيت في ترسٍ.

وفي رواية أبي ذرٍّ: ما الكرسي في العرش إلا كحلقةٍ من حديدٍ أُلقيت بين ظهرني فلاةٍ من الأرض، المقصود أنَّ الكرسي بالنسبة للعرش صغير، مع أنه عظيم، والعرش أعظم المخلوقات، وأكبر المخلوقات، وأرفعها، فهو سقف الدنيا، هذا العرش سقف الدنيا.

فالواجب على المؤمن أن يُؤمن بما أخبر الله به ورسوله، وأن يخضع لحكم الله، وأن يستقيم على أمر الله، وأن يتباعد عن محارم الله، وأن يصف الله بأوصافه اللائقة به من عظمته وكبريائه، وأنه العظيم الذي لا أعظمَ منه، والكبير الذي لا أكبرَ منه، وأن هذه المخلوقات كلها تحت تصرفه، يُدبرها كيف يشاء جلَّ وعلا، هو خالقها، وهو مُدبرها سبحانه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62]، هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3]، فهو سبحانه خالقها ومُصرف شؤونها ومُدبرها، فالواجب على كل عبدٍ أن يخضع لله، وأن يُعظم أمره ونهيه، وأن ينقاد لحقِّه، وأن يقف عند حدوده، وأن يحذر محارمه، يرجو ثوابه، ويخشى عقابه .

وفَّق الله الجميع.

وعن ابن مسعودٍ قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمئة عام، وبين كل سماءٍ وسماء خمسمئة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمئة عام، وبين الكرسي والماء خمسمئة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم". أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبدالله. ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبدالله. قاله الحافظُ الذهبي رحمه الله تعالى. قال: وله طرق.

وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسولُ الله ﷺ: هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: بينهما مسيرة خمسمئة سنة، ومن كلِّ سماء إلى سماءٍ مسيرة خمسمئة سنة، وكثف كل سماءٍ مسيرة خمسمئة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم أخرجه أبو داود وغيره.

الشيخ: هذان الحديثان -حديث ابن مسعودٍ وحديث العباس بن عبد المطلب- كلاهما يتعلقان بالمسافات التي بين السَّماوات، وبين السماء والأرض، وحديث ابن مسعودٍ حديث صحيح، يدل على أنَّ ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمئة عام، وبين كل سماءٍ إلى سماء خمسمئة عام، وكثف كل سماءٍ خمسمئة عام، يعني: غلظه، غلظ السماء خمسمئة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمئة عام، يعني: مسيرة، وبين الكرسي والماء مسيرة خمسمئة عام، وهي البحر، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:7] في سورة هود، والعرش على الماء، وعلى أكتاف الحملة من الملائكة، كما قال جلَّ وعلا: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7]، فالمقصود أن هذا العرش فوق الماء، وله حملة من الملائكة، لا يعلم عظم خلقهم إلا هو ، وهم ناصحون، يستغفرون للمؤمنين، ويدعون الله للمؤمنين.

جاء في بعض الأحاديث الصحيحة: يقول ﷺ: لقد أُذن لي أن أُحدِّثكم عن ملكٍ من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمئة عام، فعظم هؤلاء الملائكة أمرٌ لا يقدره إلا الله .

وقد ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنهم أربعة، كما رجَّحه الحافظُ ابن كثير رحمه الله، في الدنيا أربعة، وأشار إلى هذا أمية بن الصلت في شعره، قال النبيُّ ﷺ أنه قد صدق في بعض شعره؛ حيث قال:

رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد

يعني: أربعة، ويوم القيامة يكونون ثمانية، كما قال تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17].

وحديث العباس يُؤدي حديث ابن مسعودٍ في المسيرة، لكن في حديث ابن مسعودٍ الزيادة: ما بين السماء والكرسي مسيرة خمسمئة عام، وحديث ابن عباسٍ في سنده مقال، وحديث ابن مسعودٍ أصحّ منه وأثبت، فظاهر الأدلة أن الحملة أربعة عظام، ويوم القيامة يُزادون ويكونون ثمانية: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ.

والملائكة من أنصح الناس للناس عليهم الصلاة والسلام؛ يستغفرون للمؤمنين، ويدعون للمؤمنين، يقول الرسولُ ﷺ: إذا دعا الرجلُ لأخيه بظهر الغيب قال الملكُ الموكل: آمين، ولك بمثله، وإذا أمَّن الإمامُ في الصلاة أمَّنوا على دعائه، الرسول ﷺ يقول: إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنه مَن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه متفق على صحته.

فهذه الآيات تدلنا على عظمة هذه المخلوقات، وسعة المسافة بين السَّماوات والكرسي، والكرسي والعرش، وأن ربنا جلَّ وعلا في أعلى شيءٍ، هو سبحانه عالٍ فوق العرش، فوق جميع الخلق، استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله، لا يُشبه خلقه في شيءٍ من صفاته، قال السلفُ رحمة الله عليهم: "الاستواء معلوم" يعني: معروف، المعنى: أنه العلو، "والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

أجمع أهلُ السنة والجماعة على أنَّ الله جلَّ وعلا فوق العرش، استوى عليه استواءً يليق بجلاله وعظمته، لا يُشابه خلقه في شيءٍ من صفاته، ولا يعلم كيفية ذلك إلا هو جلَّ وعلا.

ولما سُئل مالك بن أنس رحمه الله -إمام دار الهجرة في القرن الثاني- قيل: يا أبا عبدالله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟ فأطرق طويلًا، وعلته الرَّحضاء –العرق- ثم قال: "الاستواء معلوم -وهو العلو- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وهكذا قال شيخُه ربيعة بن أبي عبدالرحمن، ورُوي عن أم سلمة رضي الله عنها هذا المعنى، وهكذا قال الأوزاعي والثوري وأئمة السلف: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

وهكذا النزول، وهكذا المجيء، وهكذا الرضا، وهكذا الغضب، وهكذا الرحمة، وهكذا المشيئة، وهكذا الضحك، كلها يُقال فيها: معلوم، كلها صفات معلومة، والكيف مجهول، والإيمان بذلك واجب. هذا قول أهل السنة والجماعة رحمة الله عليهم.

وفَّق الله الجميع.