01 من بداية كتاب التوحيد

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب التوحيد

وقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

وقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

وقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23- 24].

وقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36].

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فيقول المؤلفُ رحمه الله، وهو الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي التَّميمي الحنبلي، المجدد في القرن الثاني عشر لما اندرس من المعالم الإسلامية في هذه الجزيرة.

يقول رحمه الله: (كتاب التوحيد)، وقبله: (بسم الله الرحمن الرحيم)، هذه عادة أهل العلم: يبدؤون كتبَهم بالبسملة، كما بدأ اللهُ كتابَه بالبسملة: بسم الله الرحمن الرحيم، وقد يبدؤون بالحمدلة مع ذلك، وكله حسن، فإنَّ السنة أن تبدأ الكتب بالتَّسمية، وفي الحديث: كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أجذم، وفي لفظٍ: أبتر، وفي لفظٍ: أقطع، والمعنى: ناقص البركة، فالتَّأسي بكتاب الله وبسُنَّة رسوله ﷺ يقتضي البدء بالبسملة، وإذا ثنَّى بالحمدلة كما بدأ الله كتابه بالتَّسمية ثم الحمدلة فهذا أيضًا حسن؛ لأنَّ الله هو الأهل أن يُثنى عليه، وهو المستحقّ لكل ثناءٍ سبحانه وتعالى.

(بسم الله الرحمن الرحيم) بسم الله أستعين في تأليفي، أو المعنى: بسم الله أُؤلِّف كتابًا في كذا وكذا. فالباء هنا للاستعانة والتَّبرك باسمه سبحانه وتعالى.

و(الله) علمٌ على الذات، على الربِّ ، لا يُسمَّى به سواه ، وهو المستحقّ للألوهية، أي معناه: الإله، أصله الإله، وهو المستحقّ لأن يُعبد وحده ، وهو الإله الحقّ الذي لا تصلح العبادةُ إلا له: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163].

(الرحمن الرحيم) اسمان من أسماء الله عظيمان، من أسمائه الحسنى، دلَّا على وصفه بالرحمة، فهو الرحمن الرحيم لعباده، الذي برحمته خلق الخلق، وهدى مَن هدى لعبادته، من رحمته أوجد لهم ما يُعينهم على طاعة الله: من الماء والثِّمار وغير ذلك، فبرحمته أحسن إليهم، وأجاد عليهم، مع عصيانهم إياه، وكفرهم به، إلا مَن هدى الله، فهو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمتُه كل شيءٍ ، وتعلقت رحمته بجميع الخلق، فهو بالناس رؤوف رحيم ، وبرحمته وجدوا وعاشوا.

(كتاب التوحيد) المعنى: هذا كتاب التوحيد، والتوحيد: إفراد الله بالعبادة، مصدر وحَّد يُوحِّد توحيدًا، المعنى: هذا كتاب مُوضح فيه توحيد الله بالعبادة، وإفراده بها، وبيان ما جاءت به الرسل في ذلك، ويُبين فيه أنه المستحقّ للعبادة، كما بيَّن فيه أنه الخلَّاق، الرَّزاق، المنفرد بالتَّدبير والخلق سبحانه وتعالى.

ويُبين فيه أيضًا أنه ذو الأسماء الحسنى، والصِّفات العُلا، وأنه لا شبيهَ له، ولا كفؤ له، ولا ندَّ له، فهو الواحد في أسمائه وصفاته، وهو الواحد في تدبيره لخلقه، وهو الواحد في استحقاقه للعبادة.

وهذه أقسام التوحيد الثلاثة وأنواعه: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصِّفات، وتوحيد الإلهية. وهذا معلومٌ بالاستقراء من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهو الواحد في تدبير الخلائق، وإيجاد الخلائق، وهو الخالق لكل شيءٍ ، ليس له شريكٌ في خلق عباده وتدبير أمورهم، وهو الواحد في استحقاق العبادة، لا يستحقّها سواه: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23].

فهو الواحد في أسمائه وصفاته، لا شبيهَ له، ولا كفؤ له، ولا ندَّ له، ولا يُقاس بخلقه ؛ ولهذا قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]، في آيات كثيرات كلها تدل على أنه المستحقّ للعبادة .

والمؤلف ذكرها هنا لبيان أنه سبحانه هو المستحقّ للعبادة، لا يستحقها سواه، وقد كان المشركون في الجاهلية يعبدون معه الأصنام والأشجار والأحجار والملائكة والجنّ وغير ذلك، ثم بعث الله نبيَّه محمدًا ﷺ، فأرشد الناسَ إلى توحيد الله، وأنكر عليهم الشِّرك، وعلَّمهم ما يجب عليهم من توحيد الله والإخلاص له، فهدى اللهُ على يديه مَن هدى، وعلى يد أصحابه ومَن بعدهم من دُعاة الهدى، ثم عاد كثيرٌ من الناس إلى الشِّرك وعبادة الأصنام والأوثان.

فوقع في نجدٍ في هذه الجزيرة من الشِّرك بالله الشَّيء الكثير، ولا سيما في القرون المتأخرة: في العاشر والحادي عشر والقرن الثاني عشر، فيسَّر اللهُ جلَّ وعلا خروجَ هذا الشيخ محمد رحمة الله عليه، فإنه تعلم من الصِّغر، ورأى ما عليه الناس من الكفر والشِّرك وعبادة الأشجار والأحجار، ففتح الله بصيرته، وشرح صدره، حتى دعا الناس إلى توحيد الله والإخلاص له، وقام في ذلك أتم قيامٍ، وصبر على الأذى في ذلك، وساعده مَن ساعده من دُعاة التوحيد من أولاده وغيرهم، حتى ظهر دينُ الله في هذه الجزيرة، وحتى أزال اللهُ الشركَ وعبادة الأصنام والأوثان، ودخل الناسُ في دين الله أفواجًا، واستقرَّ الإيمانُ والتوحيدُ في هذه الجزيرة، وأيَّده على ذلك مَن هداه الله ووفَّقه من آل سعودٍ وأنصارهم وأعوانهم وأُمرائهم، حتى ظهر دينُ الله، وحتى تُركت الآلهةُ المعبودة من دون الله: من أشجارٍ وأحجارٍ وبُلْه ومجانين وغيرهم.

واستقرَّ توحيدُ الله في الأرض، وعُمرت المساجد بالدُّروس وبيان الحقِّ، والدَّعوة إلى دين الله ، ونُصبت القُضاة، وحُكم بشريعة الله ، واستقرَّت أمور التوحيد والإيمان في هذه الجزيرة على يد الشيخ محمد وأنصاره رحمة الله عليهم جميعًا، وعلى أتباعهم في الحقِّ.

المقصود أنَّ هذا الكتابَ ألَّفه رحمه الله لبيان حقيقة التوحيد، وبيان حقيقة الشرك، والردّ على المشركين، وبيان أن العبادة حقُّ الله وحده، وأنَّ الواجب إخلاصها لله وحده، وأنَّ الواجب الحذر من الشِّرك: قليله وكثيره، دقيقه وجليله.

وأضاف إلى ذلك بيان شيءٍ من وسائل الشرك وذرائعه، وشيء من البدع التي تقدح في التوحيد، وشيء من المعاصي التي تنقص ثوابَ أهل التوحيد؛ حتى يستكمل قارئُ هذا الكتاب ما ينبغي أن يستكمل من توحيد الله واتِّباع الشريعة، وترك البدع والخُرافات وسائر المعاصي التي حرَّمها الله .

وهو كتابٌ لا نعلم أنه سبق أن أُلِّفَ مثله في معناه، على صغر حجمه، وكثرة فائدته، فينبغي حفظه، وتأمل ما فيه من الآيات والأحاديث؛ لما فيها من العلم النَّافع، والهدى المستقيم، والدلالة على توحيد الله والإخلاص له، وعلى بطلان الشرك وسائر ما حرَّمه الله من البدع والمعاصي التي نهى عنها ؛ ولهذا قال رحمه الله: (كتاب التوحيد، وقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]) يُبين سبحانه أنه ما خلقهم ليتكثَّر بهم من قلَّةٍ، ولا يتعزز بهم من ذِلَّةٍ، فهو الغني عمَّا سواه جلَّ وعلا، ليس به حاجة إلى خلقه، فله الغنى المطلق ، ولكنه خلقهم ليعبدوه ويخصُّوه بالعبادة في دُعائهم ورجائهم وتوكُّلهم وصلاتهم وصومهم وغير ذلك.

وهذا الذي خُلقوا له هو الحكمة الشرعية في إيجادهم، كما أنه خلقهم ليبتليهم أيضًا، وليعلموا صفاته، قال جلَّ وعلا: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2]، وقال : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12].

فهو خلقهم ليُعلمهم أنه الخالق، وأنه الرزاق، وأنه العالم بكل شيءٍ، والقادر على كل شيءٍ، وأنه المستحقّ لأن يُعبد ، وابتلاهم بالأوامر والنَّواهي والتَّكاليف ليعبدوه على بصيرةٍ، ويدعوا ما نهوا عنه على بصيرةٍ، ويعلم أنه المستحقّ للعبادة .

ثم بعث الرسلَ لهذا الأمر الذي خلق الخلقَ لأجله، بعث إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب؛ ليعلموا حقَّه، ويتبصَّروا في دينه، ويعبدوه على بصيرةٍ ؛ ولهذا قال : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] يعني: أمرناهم أن يقولوا للناس: اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، يعني: اعبدوا الله وحده، واجتنبوا الطَّاغوت، وهو ما عُبد من دون الله.

فالطاغوت: كل ما عُبد من دون الله فهو طاغوت: من الأصنام والأشجار والأحجار نحو ذلك، أما ما عُبد من دون الله وهو لا يرضى بذلك: كالرسل والأنبياء والمؤمنين، فليس بطاغوتٍ؛ لأنه يبرأ من ذلك، ولكن الطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى ذلك، وزيَّن ذلك.

وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] يعني: أمر وأوصى أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، فدلَّ ذلك على أنه المستحقّ للعبادة، وهذا هو معنى "لا إله إلا الله"، فإنَّ معناها: لا معبودَ حقّ إلا الله، وهذا معنى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، أَلَّا تَعْبُدُوا معناها: لا إله، وإِلَّا إِيَّاهُ معناها: إلا الله.

وقال سبحانه: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36] يعني: وحِّدوه وخصُّوه بالعبادة، ولا تُشركوا معه أحدًا: لا ملكًا، ولا جنيًّا، ولا صنمًا، ولا غير ذلك، فهو المستحقّ للعبادة ، ولا يستحقّها سواه جلَّ وعلا، وهذا هو الذي بعث اللهُ به جميعَ المرسلين، وأنزل به جميع الكتب، وخلق لأجله الخليقة، فوجب على المكلَّف أن يُؤمن بذلك، وأن يصدق بذلك، وأن ينقاد لتوحيد الله، وأن يخصّه بالعبادة، وأن يحذر الشِّرك كله، وسائر ما حرَّم الله من البدع والمعاصي، والله أعلم.

وقوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا الآيات [الأنعام:151].

قال ابنُ مسعودٍ: مَن أراد أن ينظر إلى وصية محمدٍ ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا الآية. إلى قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا الآية [الأنعام:153].

الشيخ: قال المؤلفُ رحمه الله: (وقوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا الآيات) تقدم قول المؤلف رحمه الله في أول الكتاب: (كتاب التوحيد، وقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وقوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وقوله سبحانه: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36])، هذه الآيات الأربع تقدمت في الدرس السَّابق، وكلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده، وأنَّ الله خلق الخلقَ ليعبدوه، وأمرهم بذلك، وابتلاهم بما ابتلاهم به ليبلوهم أيُّهم أحسن عملًا، وأرسل الرسلَ بهذا الأمر الذي خلق الخلق من أجله، أرسلهم ليدعوا الناس إلى توحيد الله، وينهوهم عن الشِّرك بالله ، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، وقال : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وأمر الناس بذلك.

هذا الذي خُلق من أجله الثَّقلان، وأرسل اللهُ من أجله الرسل، أمر العباد به فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فدلَّ ذلك على أنَّ هذا الأمر هو أفرض الفروض، وأهم الواجبات، وهو إخلاص العبادة لله وحده دون كلِّ ما سواه: بطاعة الأوامر، وترك النَّواهي، والثبات على الحقِّ، والوقوف عند الحدود.

ثم ذكر المؤلفُ رحمه الله قوله سبحانه: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]، ذكر هذه الآية لما فيها من بيان تحريم الشِّرك.

قُلْ يعني: قل يا أيُّها الرسول للناس: تَعَالَوْا يعني: هلموا وأقبلوا أَتْلُ أي: أُخبركم وأقصّ عليكم مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ يعني: عن علمٍ، وعن يقينٍ، لا عن شكٍّ وظنٍّ، أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا يعني: حرَّم اللهُ عليكم أن تُشركوا به شيئًا، لا صلة، المعنى: حرَّم عليكم الشِّرك به ، كما حرَّم ما حرَّم من المحرمات: من الزنا، والسَّرقة، والعقوق، والربا، وغير ذلك.

حرَّم الشرك، لكن الشِّرك هو أعظم المحرَّمات، وأشدّها، وأغلظها، وأولها تحريمًا، وهو ضدّ التوحيد، ضد "لا إله إلا الله"، فالتوحيد: إخلاص العبادة لله وحده، والشرك: صرف العبادة أو بعضها لغير الله: من جنٍّ، أو إنسٍ، أو ملائكةٍ، أو أنبياء، أو أصنام، أو أشجار، أو أحجار، أو كواكب، أو غير ذلك.

فالعبادة حقّ الله وحده، ليس لأحدٍ أن يصرف منها شيئًا لغير الله، فليس لأحدٍ أن يدعو الملائكة والأنبياء، أو الجن، أو الكواكب، أو الأصنام، أو يسجد لهم، أو يركع لهم، أو يستغيث بهم، أو غير ذلك من أنواع العبادة، كلها لله وحده سبحانه وتعالى.

ثم قال: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام:151]) هذه الآية وما بعدها اشتملت على عشرة أمور: أولها: تحريم الشرك. والثاني: قوله: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الأمر بالإحسان للوالدين، فدلَّ ذلك على أنَّ حقَّهما عظيم؛ لأنَّ الله قرنه بحقِّه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وهنا كذلك قرنه بتحريم الشَّريك، والشرك أعظم الذنوب، فدلَّ ذلك على أنَّ عقوقهما وعدم الإحسان إليهما من أقبح السَّيئات والجرائم.

ثم قال: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام:151]، هذه الثالثة، والإملاق: الفقر، كان بعض الجاهلية إذا افتقر قتل بعضَ أولاده، وربما قتل البنات خوف العار، فنهاهم الله عن ذلك، وأخبر أنَّ الرزق بيده ، هو الذي يرزقهم ويرزق أولادهم.

الرابع قال: وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، الفواحش: المعاصي، سُميت: فواحش؛ لأنَّ العقل السَّليم والفطرة السَّليمة تُنكرها وتراها فاحشةً، وتراها خبيثةً: كالعقوق، وقطيعة الرحم، والربا، والزنا، واللِّواط، وظلم الناس في أموالهم ودمائهم، وغير ذلك مما حرَّم الله.

الخامسة: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، هذه الخامسة، والفواحش ظاهرها وباطنها كله محرَّم، جميع الفواحش، جميع المعاصي الظاهرة والباطنة: من النَّميمة، والغيبة، والزنا، والسَّرقة، والكبر، والخُيلاء، والرياء، كلها مُحرَّمة، ظاهرها وباطنها.

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وصَّاكم بهذه الأشياء لتعقلوها، وصَّاهم بأن يحذروا الشِّرك، وصاهم بأن يُحسنوا للوالدين، وصَّاهم بألا يقتلوا أولادهم من إملاقٍ، وصَّاهم بأن يبتعدوا عن الفواحش ظاهرها وباطنها، وصاهم بألا يقتلوا نفسًا بغير حقٍّ.

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ الوصية أمر مُؤكَّد، الوصية الأمر المؤكد الذي يُؤكده الإنسان، يقال: وصَّى بكذا، يعني: أكَّد كذا، فالله وصَّانا بهذا، يعني: أكَّد علينا وأمرنا بهذه الأمور حتى نقوم بها ونلتزم بها إن كنا نعقل: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، فالعُقلاء هم الذين يفهمون هذه الأمور، ويأخذون بها، ويلتزمون بها، بخلاف غير العاقل: كالمجنون، والطفل الذي لا يعقل.

المقصود هنا أنَّ الله جلَّ وعلا أوجب عليهم هذه الأمور، وحرَّم عليهم انتهاك هذه الحرمات؛ ليلتزموها بما أعطاهم الله من العقول.

ثم قال بعدها في السادسة: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام:152]، فاليتيم هو الذي ما له أب، مات أبوه وهو صغير قبل أن يحتلم، يقال له: يتيم، فإذا بلغ زال عنه اليُتم.

فالله أوصانا بالأيتام والإحسان إليهم، وحفظ أموالهم، وألا يُفسد فيها، بل يعمل فيها بما هو أصلح حتى يبلغوا أشدّهم، حتى يرشدوا: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ التي هي أحسن: التِّجارة فيها، والعمل فيها بما ينفع اليتيم: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ.

السابعة والثامنة: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ [الأنعام:152] بالعدل، لا يبخسوا الناسَ موازينهم، ولا مكاييلهم، لا يظلموهم، أوصاهم الله بأن يعدلوا في الكيل والميزان، وألا يظلموا الفقير والمغفل، والذي لا ينتبه، بل يجب أن يُوفوا الكيلَ والميزانَ للجميع، والقسط: العدل.

لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [الأنعام:152] الواجب تحري الحقّ، والحرص على الوفاء.

وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام:152] هذه التاسعة، ومعنى ذلك وجوب العدل بين العدو والصديق، بعض الناس قد يعدل في حقِّ القريب والصديق، لكن ما يعدل مع العدو، لا، الواجب العدل ولو كان عدوًّا لك، ولو كان بينك وبينه شحناء الواجب العدل: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، فعلى الحاكم والمصلح وغيرهما العدل في أقوالهم وأعمالهم، مع القريب والصديق، ومع العدو والبغيض.

وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام:152] عهد الله ما أوصى به عباده، وما أمرهم به من طاعته وتوحيده والإخلاص له، وترك معاصيه، هذا عهد الله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:40]، عهد إلى العباد على أيدي الرسل أن يتَّقوه ويعبدوه ويُطيعوا أوامره وينتهوا عن نواهيه، فعليهم أن يُوفوا بهذا العهد.

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام:152] وصاهم بهذه الوصايا ليتذكروا هذه الوصية ويعملوا بها ويلتزموها.

ثم قال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153] يعني: هذه الأوامر وترك هذه النَّواهي هو صراط الله، الإخلاص لله، والاستقامة على أمره، وترك ما حرَّم هو صراط الله المستقيم، فعلى العباد أن يلتزموه ويستقيموا عليه حتى يموتوا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ يعني: الزموه، وسيروا عليه، واستقيموا عليه.

وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام:153]، والسُّبل: هي البدع والأهواء والشَّهوات المحرَّمة، يجب الحذر منها، ويجب الاستقامة على الطريق السَّوي، وهو صراط الله الذي هو فعل أوامره، وترك نواهيه، وهو الإسلام والإيمان، وهو الهدى.

فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، فالإنسان إذا أخذ بالأهواء والبدع والمعاصي ضيَّعته وأضلته السبيل، وصار في تيه الضَّلالة وبيداء الهلاك.

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153]، وصاكم بهذه الوصايا لتتَّقوه وتُعظِّموه وتستقيموا على أمره.

فذكر العقل أولًا، ثم الذكر، ثم التَّقوى؛ وذلك لأنَّ العبد إذا تأمَّل وتعقل عرف وتذكَّر، ثم يتَّقيه بعد المعرفة والذِّكرى والتَّعقل، يتَّقي ربَّه، ويأخذ بالصالح، ويدع الفاسد، ويلتزم الأوامر، ويدع النَّواهي، وهكذا أوامر الله ونواهيه يُذكر بها أهل الألباب، أهل البصائر؛ حتى يستقيموا عليها، ويأخذوا بها، ويدعوا ما نهى عنه .

قال ابنُ مسعودٍ عند هذا، وابن مسعودٍ هو عبدالله بن مسعود الصَّحابي الجليل، أحد علماء الصحابة، وأحد السَّابقين، مات سنة 32 من الهجرة، أو 33 من الهجرة، في خلافة عثمان .

قال: "مَن أراد أن ينظر إلى وصية محمدٍ ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات".

وكان الصحابةُ قد أسفوا لما أراد النبيُّ أن يُوصي ثم ترك ذلك، وقال ابنُ عباسٍ عند هذا: "إنَّ الرزيَّة كل الرزيَّة ما حال بين الرسول وبين أن يكتب الوصيةَ، لما قال: هاتوا كتابًا أكتب لكم وصية، ثم تنازعوا، قال بعضهم: أحضروا كتابًا. وقال بعضهم: لا تشغلوه وهو مريض عليه الصلاة والسلام. ثم أمر بإخراجهم وقال: ما ينبغي عند نبيٍّ تنازع، فقال ابنُ مسعودٍ عند هذا: "مَن أراد أن ينظر إلى وصية محمدٍ ﷺ التي عليها خاتمه" يعني: كأنه كتبها وختمها بختمه، "فليقرأ هذه الآيات"؛ فإنها وصية الله جلَّ وعلا، وهي وصية الله، ووصية رسوله عليه الصلاة والسلام، فما وصَّى الله به عباده هو وصية أيضًا لرسوله عليه الصلاة والسلام.

هذا يدل على عظمة هذه الآيات، وأنَّ شأنها عظيم، وقد جاء في الحديث: ألا تُبايعوني على هذه الآيات؟، فالآيات هذه عظيمة، وشأنها كبير؛ لما فيها من الوصايا العظيمة، فينبغي للمؤمن والمؤمنة ولكل مسلمٍ أن يلزم ما فيها، وأن يستقيم على ما فيها؛ لأنه الصراط المستقيم؛ ولأنه دين الله الذي بعث به رسله عليهم الصلاة والسلام، والله أعلم.

وعن معاذ بن جبل قال: كنتُ رديف النبي ﷺ على حمارٍ، فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حقّ الله على العباد، وما حقّ العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا، وحقّ العباد على الله أن لا يُعذِّب مَن لا يُشرك به شيئًا، قلت: يا رسول الله، أفلا أُبشر الناس؟ قال: لا تُبشِّرهم فيتَّكلوا. أخرجاه في "الصحيحين".

الشيخ: هذا الحديث العظيم حديث معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي، يقول أنه كان رديف النبي على حمارٍ، فقال له: يا معاذ، أتدري ما حقّ الله على العباد، وما حقّ العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا، وحقّ العباد على الله ألا يُعذِّب مَن لا يُشرك به شيئًا، قلت: يا رسول الله، أفلا أُبشر الناس؟ قال: لا تُبشرهم فيتَّكلوا. أخرجه البخاري ومسلم في "الصحيحين".

معاذ من أئمة الصحابة وكبارهم ، توفي في الشام سنة 18 من الهجرة، أو 17 من الهجرة .

في هذا الحديث أنَّ الرسول حادثه وخاطبه وهو رديفه، فدلَّ ذلك على حُسن خلقه ﷺ وتواضعه من وجوهٍ: من جهة كونه أردفه على الحمار، ومن جهة كونه ركب الحمار، ومن جهة كونه حادثه وسأله، كل هذا يدل على التواضع؛ لأنَّ بعض المتكبرين لا يرضون أن يركبوا الحمر، وبعضهم لا يرضى أن يكون له رديف في دابته.

وكان النبي يُردف على دابته: حمار أو إبل، كان ربما أردف معه في الدابة، وجعل أمامه واحدًا أيضًا، ثلاثة، كما فعل هذا عند قدومه إلى المدينة، في بعض قدماته أردف بعض الصبية، وجعل بعضهم بين يديه، وهذا يدل على تواضع عظيم عليه الصلاة والسلام، فهو يركب الحمار، ويركب البعير، ويركب البغل، ويُردف على الدابة، ويُحادث أصحابه عليه الصلاة والسلام، ويسمع كلامهم، وكل هذا من كمال تواضعه عليه الصلاة والسلام.

وفيه من الفوائد: إخراج السؤال بصيغة الاستفهام، إخراج الفائدة والحكم بصيغة الاستفهام؛ ليكون ذلك أوقع في قلب السامع؛ وليكون مُتهيِّئًا لمعرفة الجواب؛ لأنه إذا هجم عليه الجواب من غير سؤالٍ ربما لم يتطلع ولم يحفظه؛ لأنه مشغولٌ، لكن متى سُئل ثم أُجيب كان هذا أقرب إلى أن يحفظه جيدًا؛ ولهذا كان كثيرًا ما يسأل أصحابه، ثم يُجيبهم عليه الصلاة والسلام.

قال له: أتدري ما حقّ الله على العباد، وما حقّ العباد على الله؟ فقال معاذ: قلت: الله ورسوله أعلم. هذا فيه الأدب الطيب، والأدب الواجب فيمَن سُئل عمَّا لا يعلم: ألا يتكلف، وألا يقول بغير علمٍ، بل يقول: الله أعلم، أو لا أدري، في حياة النبيِّ يقول: الله ورسوله أعلم، لا بأس، وبعد وفاته يقول: الله أعلم، أو يقول: لا أدري؛ لأنَّ الرسول ﷺ لا يعلم ما أحدث الناسُ بعده، ولا يعلم حالَ الناس بعده عليه الصلاة والسلام بعدما توفي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا إذا رأى بعض المرتدين يوم القيامة من أصحابه قال: أصحابي! أصحابي! فيُقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، قال: فأقول كما قال العبدُ الصَّالح: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة:117].

باب فضل التوحيد وما يُكفّر من الذنوب

وقول الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

عن عبادة بن الصامت قال: قال رسولُ الله ﷺ: مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله اللهُ الجنَّةَ على ما كان من العمل أخرجاه.

ولهما في حديث عتبان: فإنَّ الله حرَّم على النار مَن قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله.

الشيخ: يقول المؤلفُ رحمه الله: (باب فضل التوحيد وما يُكفر من الذنوب) هذا الباب أراد به المؤلفُ رحمه الله بيان شيءٍ من فضل التوحيد وتكفيره للذنوب، وأن التوحيد هو أعظم الحسنات، وهو أعظم الواجبات، وهو أعظم الأعمال المكفرة للذنوب، ما هنا عمل أعظم من التوحيد في تكفير الذُّنوب؛ لأنه رأس الأعمال وأساسها وأهمها وأوجبها، وكل الأعمال بعده لا تصحّ إلا بعد وجوده؛ فلهذا قال: (باب فضل التوحيد وما يُكفر من الذنوب) في بيان فضله، وما يترتب عليه من تكفير الذنوب؛ حتى يعلم المؤمنُ هذا الشيء، فيكون له أشدّ عنايةٍ، وأكمل قيامٍ بحقِّه.

والتوحيد مصدر وحَّد يُوحد توحيدًا، وهو إفراد الله بالعبادة، وحَّد الله يعني: أفرده بالعبادة، سُمي: توحيدًا؛ لأنَّ المؤمن يعتقد أنَّ الله واحدٌ لا شريكَ له، فالتوحيد: اعتقاد أنَّ الله واحدٌ لا شريكَ له، لا في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في عبادته، فهو الإله الحقّ المتفرد بالربوبية والأسماء والصِّفات الكاملة .....، والمختص بالعبادة ، ليس معه إله آخر، بل جميع الآلهة كلها باطلة، وهو الإله الحقّ .

وقد جاءت الرسلُ جميعًا بذلك، جاءت الرسل جميعًا تدعو إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وتخصيصه بها، وإنكار الشِّرك على جميع الخلق، وجاءت النصوصُ دالَّةً على أنَّ الله خلقهم لهذا الأمر، خلقهم ليعبدوه ويُوحِّدوه، كما أرسل الرسلَ بذلك: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

وقول الله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، آمنوا يعني: وحَّدوا الله، خصُّوه بالعبادة، وآمنوا بأنه ربّهم، وإلههم الحقّ، وصدَّقوا رسله: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ يعني: يخلطوه، اللبس: الخلط، يلبسوا يعني: يخلطوا، إيمانهم: توحيدهم، بظلمٍ: بشركٍ، بل أخلصوا لله العبادة، وأفردوه بها .

أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ يعني: الأمن الكامل، والهداية الكاملة، إذا كان إيمانهم سليمًا من الظلم كله، دقيقه وجليله، لا شركَ ولا غيره، فمَن لم يلبس إيمانه بظلمٍ: لا بشركٍ، ولا بشيءٍ من المعاصي، ولا بظلم العباد، فله الأمن الكامل، والهداية الكاملة.

ولما نزلت هذه الآية اشتدَّت على أصحاب النبيِّ ﷺ، وجاءوا إليه وقالوا: "يا رسول الله، أيُّنا لم يظلم نفسه؟!" ظنُّوا أنَّ المراد بالظلم جنس الظلم، جنس المعاصي، فقال: ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]؟ بيَّن لهم أنَّ المراد هنا الشِّرك، فمَن سلم من الشِّرك حصل له الأمن والهداية، بخلاف الكافر والمشرك؛ فإنه لا أمنَ له ولا هداية، بل هو إلى النار، نعوذ بالله من ذلك.

أما الموحِّد المؤمن فله الأمن والهداية إذا سلم من الشِّرك الأكبر، لكن إذا سلم من الشِّرك الأصغر والمعاصي وظلم العباد صارت له الهداية الكاملة، وصار له الأمن الكامل في الدنيا والآخرة، أما إن كان معه شيءٌ من الذنوب، أو شيء من الشرك الأصغر، فإنَّ هدايته ليست كاملةً، وأمنه ليس كاملًا، بل هو على خطرٍ من دخول النار بالمعاصي التي يموت عليها، أو بالشرك الأصغر الذي يموت عليه.

فالواجب على المؤمن أن يحذر الشِّرك كله، دقيقه وجليله، وجميع الظلم كله من المعاصي والسيئات وظلم العباد؛ حتى يحصل له الأمن الكامل، والهداية الكاملة.

والنصوص الكثيرة من الكتاب والسنة دالَّة على هذا المعنى، والرسول أخبرهم بما يحصل به الأمنُ المطلق والهداية المطلقة، وهو ترك الشِّرك، لكن دلَّت النصوص الأخرى على أنَّ الأمن لا يكمل، والهداية لا تكمل إلا بالسلامة من المعاصي وظلم العباد وسائر أنواع الشِّرك الأصغر.

فعلى المؤمن أن يحذر جميعَ أنواع الشِّرك، وأن يبتعد عن المعاصي كلها وظلم العباد؛ حتى يحصل له الأمن الكامل، والهداية الكاملة.

ثم ذكر المؤلفُ حديثَ عُبادة بن الصامت الخزرجي الأنصاري ، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبدالله ورسوله، عيسى ابن مريم، يعني: نبي الله، عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، مريم أمه، وروح منه يعني: روح من الأرواح التي خلقها جلَّ وعلا وأوجدها، وأنَّ الجنةَ حقٌّ، والنار حقٌّ؛ أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من العمل، يعني: مَن شهد هذه الشَّهادة صادقًا عالـمًا معناها، مُؤمنًا بها؛ أدخله اللهُ الجنةَ.

وهذا من الأحاديث المطلقة الدالة على فضل التوحيد، وأنه يُكفر الذنوب، وأن أهله موعودون بالجنة والكرامة، ولكن دلَّت النصوص الأخرى على أنَّ هذا اللَّفظ مُقيد، هذا الإطلاق مُقيد بمَن أدَّى حقَّ هذه الشَّهادة، شهد هذه الشَّهادة وأدَّى حقَّها، شهد "أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له" شهادة جازمة تتضمن إخلاص العبادة لله وحده، وترك الإشراك به، ليس قولًا باللسان فقط، بل شهد هذه الشَّهادة عن إيمانٍ، وعن صدقٍ، وعن إخلاصٍ، وعن محبَّةٍ وانقيادٍ وقبولٍ للحقِّ وانقيادٍ له، فمَن شهدها ولكنه لطَّخ الشَّهادة بالمعاصي والسيئات، أو قالها باللسان وهو يُشرك بالله بالعمل: كالمنافقين والوثنيين لا تنفعه هذه الشهادة؛ لأنَّ القول بدون عملٍ لا ينفع، قد كان المنافقون يقولون: لا إله إلا الله، ويشهدون أنَّ محمدًا رسول الله، ولكنَّهم في الدَّرك الأسفل من النار؛ لأنهم قالوها باللسان، ولكن كفروا بالجنان -بالقلب- والأعمال، فلم تنفعهم "لا إله إلا الله"، فلا بدَّ من قولها باللسان، وتصديقها بالجنان -بالقلب- والعمل بمقتضاها: من توحيد الله، والإخلاص له، والبراءة من الشرك كله، دقيقه وجليله.

كما أنه لا بدَّ من الشَّهادة بأنَّ محمدًا رسول الله، والانقياد لما جاء به، والاهتداء بهداه، والثبات على دينه، وعدم الانحراف عنه، ولا بدَّ أيضًا من طاعته في الأوامر، وترك النَّواهي، وإلا فإنَّ الشَّهادة تكون حينئذٍ مدخولة، إذا لطَّخها بالمعاصي والسيئات صارت شهادةً ناقصةً، لا تقوى على دخوله الجنة ونجاته من النار إلا بعفو الله ومغفرته .

فلا بدَّ من كون العبد يتبع هذه الشَّهادة بالعمل الصَّالح الصَّادق، فيدع المعاصي، ويُؤدي الواجبات، ويقف عند الحدود، وبهذا تكون له الجنة والكرامة والسَّعادة، ويُدخله اللهُ الجنةَ على خير حالٍ.

وقوله: على ما كان من العمل يعني: من صلاحٍ وفسادٍ، ما دام قالها عن إخلاصٍ وتوحيدٍ وإيمانٍ، لكن هذا الدخول قد يكون مع أول الدَّاخلين من أول وهلةٍ إذا مات على توبةٍ وصدقٍ وعملٍ صالح، وقد يكون بعد ذلك بعدما يُبتلى به من عذابٍ وعقابٍ إذا مات على السَّيئات والمعاصي ولم يتب، ولم يعفُ الله عنه، فإنه يدخل النار، ويُعذَّب فيها على قدر جرائمه، ثم يكون مصيره إلى الجنَّة بعد ذلك، بعد التَّطهير والتَّمحيص وإخراجه من النار.

فالحاصل أنَّ هذا الحديث يدل على فضل التوحيد، لكنه مُقيد بالأدلة الأخرى، فإن قال هذه الكلمات، وشهد هذه الشَّهادات، وأدَّى الحقَّ الذي عليه دخل الجنة من أول وهلةٍ، وإن مات على المعاصي والسَّيئات فهو تحت مشيئة الله: إن شاء ربُّك غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذَّبه على قدر الجرائم، ثم مصيره بعد هذا إلى الجنة، كما قاله النبيُّ عليه الصلاة والسلام وبيَّنه.

وهكذا حديث عتبان بن مالك الأنصاري: أنَّ الله حرَّم على النار مَن قال: "لا إله إلا الله" يبتغي بذلك وجه الله. يعني: مَن قالها عن إخلاصٍ وصدقٍ ومات عليها أدخله اللهُ الجنةَ، فإن كانت له ذنوب ومعاصٍ ولم يتب منها فهو تحت مشيئة الله كما تقدم، ولكن مَن قالها ابتغاء وجه الله عن صدقٍ وإخلاصٍ كاملٍ، فإنه لا يصرّ على السيئات، فإنَّ إخلاصه الكامل وإيمانه الكامل يمنعه من الإصرار على السيئات، ويمنعه من الإقامة على المعاصي، فحينئذٍ يدخل الجنة على أول وهلةٍ بسبب إيمانه الصَّادق وتقواه لله وقيامه بحقِّه، لكن مَن لطَّخ توحيده بالمعاصي والسَّيئات فهذا تحت مشيئة الله، كما دلَّ عليه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وكما دلَّت عليه الأحاديث المتواترة الدالة على أنَّ أهل المعاصي مُعرضون للوعيد، وأنَّ كثيرًا منهم يدخلون النارَ ويُعذَّبون فيها على قدر جرائمهم، وأنهم بعد هذا يخرجون من النار بشفاعة النبي ﷺ، وبشفاعة الأنبياء والمؤمنين، وبشفاعة الأفراط، وبعفوه سبحانه المجرد من غير شفاعة أحدٍ.

هذا جاءت به النصوص، ودلَّت عليه الأحاديث المتواترة، وأنَّ أهل المعاصي مُعرضون للوعيد، لم يحصل لهم الأمن الكامل، ولا الهداية الكاملة بسبب ما تلطَّخوا به من المعاصي والسَّيئات التي أضعفوا بها توحيدهم، وأضعفوا بها إيمانهم، وصاروا بذلك مُعرضين لوعيد الله ودخول النار، إلا مَن عفا الله عنه .

فينبغي أن نفهم هذا جيدًا؛ لأنَّ هذه مسائل عظيمة، يجب أن يفهمها المؤمنُ كما فهمها أهلُ السنة والجماعة، خلافًا لأهل البدع الذين اختلفوا في هذا المقام وغلطوا غلطًا عظيمًا، وفسَّروا النصوص بما لا تدل عليه من المعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم، وأهل السنة والجماعة هم الذين وُفِّقوا لمعناها، وهُدوا لما دلَّت عليه من المعنى، وبيَّنوا ذلك للعباد، فصار الحقّ بما قالوه رحمة الله عليهم، والله أعلم.

س: ..............؟

ج: إذا شهد الشَّهادتين، وأتى بمُكفر ما تنفعه الشَّهادة؛ لأنه قد كفر، مَن سبَّ الله كفر، مَن سبَّ الرسول كفر، وإذا استحلَّ الزنا كفر، وإذا استحلَّ السَّرقة كفر، إذا أتى بناقضٍ من نواقض الإسلام بطلت الشَّهادة، نسأل الله العافية.

وعن أبي سعيدٍ الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: قال موسى: يا ربِّ، علِّمني شيئًا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال: يا ربِّ، كل عبادك يقولون هذا! قال: يا موسى، لو أنَّ السَّماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفَّةٍ، ولا إله إلا الله في كفَّةٍ، مالت بهن لا إله إلا الله. رواه ابن حبان، والحاكم وصحَّحه.

وللترمذي وحسَّنه عن أنسٍ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تُشرك بي شيئًا لأتيتُك بقرابها مغفرةً.

الشيخ: هذا الحديث -حديث أبي سعيدٍ وحديث أنسٍ- كلاهما في بيان فضل "لا إله إلا الله"، وأنها أفضل الكلام، وأنَّ مَن مات عليها صادقًا مُخلصًا رجحت بسيئاته كلها، وغفر اللهُ له ما معه من الخطيئات إذا حقق ذلك.

عن أبي سعيدٍ، وهو سعد بن مالك بن سنان، الخدري، الصحابي الجليل، من الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم، عن النبي ﷺ أنه قال: قال موسى: يا ربِّ، وموسى هو ابن عمران، كليم الرحمن، أحد أنبياء بني إسرائيل.

قال موسى: يا ربِّ، علمني كلمةً أذكرك وأدعوك بها، فقال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال موسى: يا ربِّ، كل عبادك يقولون هذا! فقال: يا موسى، لو أنَّ السَّماوات السَّبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع وعامرهن غيري في كفَّةٍ، ولا إله إلا الله في كفَّةٍ مالت بهن لا إله إلا الله.

هذا الحديث يدل على فضل هذه الكلمة العظيمة، وأنها ذكر ودعاء، فإنَّ موسى قال: يا ربِّ، علِّمني شيئًا أذكرك وأدعوك به، فدلَّ ذلك على أنها ذكر ودعاء، فيه ذكر لله بالشهادة له بالوحدانية، وأنه الإله الحقّ، وهي دعاء؛ لأنَّ قائلها يرجو ثوابها، يريد من قولها ثوابها، ويطلب ثوابها بالمعنى، فهي ذكر ودعاء، وهكذا جميع الأذكار كلها ذكر ودعاء: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله"، كلها ذكر ودعاء، تذكر الله بها تعظيمًا له سبحانه وتعالى، وتنويهًا بذكره جلَّ وعلا، وصاحبها أيضًا يريد الثوابَ، ويطلب الثواب، ويدعو بالثواب في المعنى.

وفي هذا دلالة على أنَّ هذه الكلمة لها شأن عظيم، وأنها تجمع بين الأمرين: بين الذكر والدعاء، وأنه قد يخفى بعض فضلها على بعض الأنبياء؛ ولهذا قال موسى: يا ربِّ، كل عبادك يقولون هذا، وإنما أراد شيئًا يخصّه به، كما في الرواية الأخرى: وإنما أردتُ شيئًا تخصّني به، فقال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، وبيَّن له معناها، وبيَّن له فضلها وعظمتها، فهي تُحقق العبادة لله وحده، وتُثبتها لله وحده، وتنفيها عمَّا سوى الله ؛ ولهذا كانت أفضلَ الكلام وأصدق الكلام.

"لا إله إلا الله" أي: لا معبود حقّ إلا الله، فجميع الآلهة المعبودة من دون الله كلها باطلة، والعبادة الحقّ لله وحده ؛ ولهذا قال له مُبينًا لعظمتها وشأنها: لو أنَّ السَّماوات السبع وعامرهن غيري .....؛ لأنه العظيم الذي لا أعظمَ منه ، وهو فوق العرش، وبه قامت السَّماوات، وبه عمرت السَّماوات، وهو الذي أمسكها، وهو الذي أقامها ، وهو الذي أقام العرش، وأقام الكرسي، وأقام السَّماوات، وبه قامت هذه المخلوقات؛ لما قال : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم:25]، فلولا أنه أمسكها لسقطت؛ ولهذا في الآية الأخرى يقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:41] يعني: ما أمسكهما من أحدٍ من بعده، إِنْ نافية.

قال جلَّ وعلا: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ فهو القائم عليها، والمقيم لها جلَّ وعلا، والأرضين السبع كذلك.

في كِفَّةٍ يعني: في كفَّة الميزان، ولا إله إلا الله في الكفَّة الأخرى مالت بهن لا إله إلا الله، فالميزان له كفَّتان، فلو وُضعت السَّماوات والأرض والمخلوقات كلها في كِفَّة، ولا إله إلا الله في كِفَّة؛ مالت بهن لا إله إلا الله؛ لأنَّ العبرة في المعنى، وليس الاعتبار بالأجرام، فهذه الأجرام وإن كانت عظيمةً وواسعةً، لكن بالنظر إلى المعاني والحقائق فكلمة التوحيد ترجح بها من حيث المعنى، من حيث أنها اشتملت على أعظم معنًى، وأكبر معنًى، وأهم معنًى، وأصدق معنًى، وهو أنه سبحانه الواحد الأحد الذي لا شريكَ له جلَّ وعلا، فأصحابها ترجح موازينهم على غيرهم متى صدقوا فيها وكمّلوها وأدّوا حقَّها، فإنها ترجح بجميع ما لديهم من سيئات.

ولهذا في حديث أنسٍ الذي ذكره المؤلف: ثم لقيتني لا تُشرك بي شيئًا لأتيتُك بقرابها مغفرةً، فكلمة التوحيد لا يُعادلها شيء في حقِّ مَن صدق فيها وأدَّى حقَّها.

وأصل الحديث -حديث أنسٍ عن النبي ﷺ- يدل على أنَّ الخطايا كلها في مقابل حقيقة التوحيد كلها مرجوحة: لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشرك بي شيئًا؛ لأتيتُك بقرابها مغفرةً، وقد جاء هذا المعنى أيضًا في الصحيح من حديث أبي ذرٍّ: أنَّ العبد لو أتى الله بكل خطيئةٍ ثم لقيه بالتوحيد لا يُشرك بالله شيئًا لرجح بذلك، وقابل تلك الخطايا بقُرابها مغفرةً.

والقُراب بالضم يعني: ما يملأ الأرض، أو يُقارب ملأها، فالمعنى أنَّ جميع الخطايا وجميع السَّيئات في مقابل هذه الكلمة العظيمة كلها مرجوحة، كما أنها ترجح بهذه المخلوقات العِظام، هكذا ترجح بجميع السَّيئات، وهذا عند أهل العلم يُفسر بأحد وجهين:

أحدهما: أنَّ هذا في حقِّ مَن قالها صادقًا مُخلصًا، لم يُصرّ على سيئةٍ أصلًا، بل أتى بها خالصةً، قد كمَّلها وأدَّى حقَّها، وليس معه سيئة أصلًا، بل قد جردها وأحكمها حتى صار مُؤدِّيًا لجميع الواجبات، تاركًا لجميع السَّيئات، مُستقيمًا على شرع الله ، في أي شريعةٍ، وفي أي وقتٍ، وفي أي زمانٍ، فهذا له الجنة والكرامة؛ لأنه لم يأتِ بسيئةٍ تمنع ذلك، أو تقدح في ذلك.

المعنى الثاني: أنَّ هذا في حقِّ مَن قالها وأتى إلى الله تائبًا من خطاياه وسيئاته، غير مُصرٍّ على سيئةٍ، فقد تاب وأقلع، فخطاياه كلها مرجوحة، وكلها ساقطة بسبب إخلاصه في هذه الكلمة التي تتضمن توبته من جميع الذنوب، وإقلاعه من جميع الذنوب، وهذا المعنى لا بدَّ منه؛ لأنَّ النصوص الأخرى من الآيات والأحاديث دلَّت على أنَّ أهل المعاصي على خطرٍ، وأنهم مُتوعدون بالنار، وأنهم تحت مشيئة الله، والنصوص لا يُناقض بعضها بعضًا، ولا يُكذب بعضها بعضًا، بل هي صدق، يُصدق بعضُها بعضًا، فوجب أن يُفسر هذا المعنى بما ذُكر؛ حتى لا يكون هناك اختلافٌ ولا تناقضٌ بين النصوص.

وقد تعلق مَن لا يعلم من العُصاة ومن الجهلة بمثل هذه الإطلاقات، وزعم أنه لا يضرّه ما تركه من الواجبات من الصَّلوات وغيرها، وقال: يكفيه أن يقول: لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويفعل ما يشاء من المعاصي والكبائر، أو يدع ما شاء من الواجبات.

وهذا من الجهل بالله، والجهل بدينه، وهذا مخالف للنصوص، ومخالف لما أجمع عليه سلفُ الأمة وأئمَّتها وعلماء المسلمين، فلا بد من أداء الواجبات، ولا بد من ترك السيئات، ولا بد من الوقوف عند حدود الله، فمَن أصرَّ على ترك الواجبات، أو على فعل المعاصي، فقد خالف الكتاب والسنة، وتعرض لغضب الله وعقابه، وإن كان معه ما يُثبت إسلامه وإيمانه، فهو تحت مشيئة الله فيما معه من المعاصي، وإن كان معه ما ينقض إسلامه صار مُرتدًّا كافرًا، لم تنفعه شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله؛ لأنَّ الترك أنواع: قد يأتي بتركٍ يُوجب كفره وردَّته عن الإسلام، نسأل الله العافية: كترك الصلاة في أصحِّ أقوال العلماء، وقد يأتي بأفعالٍ تنقض إسلامَه: كاستهزائه بالدِّين، وجحده ما أوجب، أو بعض ما أوجب الله، أو استهانته بكتاب الله، أو ما أشبه ذلك من الأفعال التي تُوجب كفره وردَّته، فليس كل مَن قال هذه الكلمة ينجو حتى يُحققها، وحتى يُحقق معناها، وحتى يستقيم على ما دلَّت عليه من إخلاصٍ لله، وأداءٍ لما أوجب، وتركٍ لما حرَّم .

وهذا مقام عظيم يجب التَّنبه له، وأنَّ هذه الشَّهادة لا بدَّ فيها من أداء الواجبات، وترك المحرمات، والوقوف عند حدود الله، وإلا صار صاحبُها على خطرٍ، وصار توحيده ناقصًا، وإيمانه ضعيفًا بما اقترفه من السَّيئات والمعاصي، ولا يسلم من الخطر إلا بتحقيق الإيمان بما أوجب الله، وترك ما حرَّم الله، وأداء ما أوجب سبحانه وتعالى، أو توبة صادقة يُوفَّق لها في آخر حياته، فيموت على توبةٍ صادقةٍ من جميع السَّيئات، مع إخلاصه وتوحيده لله، فينجو من عذاب الله، وينجو من غضبه ، والله أعلم.

باب مَن حقق التوحيد دخل الجنةَ بغير حسابٍ

وقول الله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]، وقال: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59].

الشيخ: قال المؤلفُ رحمه الله: (باب مَن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حسابٍ) تحقيق التوحيد: تخليصه وتصفيته من شوائب الشِّرك والبدع والمعاصي، هذا تحقيق التوحيد، يعني: مَن حقق التوحيد وسلم من الشِّرك والبدع والمعاصي دخل الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ، كما وعد الله بذلك أهلَ الإيمان؛ لأنَّ الشرك الأكبر يُنافي التوحيد بالكلية، والأصغر يُنافي كماله الواجب، والبدع تقدح في التوحيد، وتنقص ثوابه، والمعاصي كذلك تنقص ثوابه، فلا يكون توحيده سالـمًا كاملًا إلا إذا سلم من الشِّرك الأصغر والأكبر، والبدع والمعاصي، فهذا هو تحقيق التوحيد: سلامته ونظافته من الشِّرك والبدع والمعاصي.

قال الله جلَّ وعلا: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وصف خليله إبراهيم بصفاتٍ عظيمةٍ تدل على كمال توحيده، وكمال إيمانه عليه الصلاة والسلام: الأولى من الصفات أنه أُمَّة، فسَّر الأئمةُ معنى الأمة أنه الدَّاعي إلى الخير وحده، الصابر على ذلك، وفسّر بأنه الذي يثبت على الحقِّ ويستقيم عليه وحده عند فساد الناس. وهذان الأمران مُجتمعان في إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ فإنه كان ثابتًا على الحقِّ، ليس عليه غيره، ومع ذلك يدعو إليه، ويُرغب فيه، وهو داعٍ إلى الحقِّ وحده، وثابت عليه وحده، ولما أخذ الجبَّارُ زوجته سارة سأله عنها قال: إنها أختي، أخبرها بعد هذا أنها أُخته في الإسلام: ليس على الإسلام غيري وغيرك، فدلَّ ذلك على أنه كان في زمانه قد انفرد بالحقِّ، واستقام على الحقِّ وحده عند فساد الناس.

قَانِتًا لِلَّهِ يعني: مُطيعًا لله، ثابتًا على الحقِّ، مُستمرًّا في الخير؛ لأنَّ القنوت دوام الطاعة، من معاني القنوت: دوام الطاعة، والاستمرار فيها، وكان إبراهيمُ كذلك: قانتًا لله، ذا عبادةٍ واستقامةٍ عليه الصلاة والسلام.

وقوله: لِلَّهِ فيها الإخلاص على طاعته؛ لأنَّ طاعته لله ليس لغيره، فكان ثابتًا على الحقِّ، داعيًا إليه، مُستمرًّا في العبادة لله وحده .

حَنِيفًا الحنيف: هو المقبل على الله، المعرض عمَّا سواه، من الحنف، وهو الميل، سُمي بذلك لأنه مال عن الأديان كلها وتركها وأعرض عنها، واستقام على دين الله وحده، وثبت عليه وحده، ثم أكَّد هذا بقوله: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بل فارقهم بعقيدته، وفي أعماله وأقواله، وفي منزله، فهاجر عنهم، ابتعد عنهم يريد ما عند الله والدار الآخرة.

فهذه الصِّفات العظيمة تدل على كمال إيمانه، وكمال توحيده وإخلاصه عليه الصلاة والسلام.

وللمؤلف رحمه الله هنا كلام عظيم، قال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً، قال: كان داعيًا إلى الحقِّ وحده. قَانِتًا لِلَّهِ قال: مُطيعًا لله، لله لا لغيره. وحَنِيفًا قال: مُقبلًا على الله، مُعرضًا عمَّا سواه، ولم يكن من المشركين، بل فارقهم، ولم يُكثر سوادهم كما يفعله الكثيرُ من الناس، فكان عليه الصلاة والسلام أمةً وحده على الحقِّ، داعيًا إليه، قانتًا لله ، لا للملوك، ولا للتُّجار، ولا لغيرهم، بل لله وحده سبحانه وتعالى.

حَنِيفًا مُقبلًا على الله، مُعرضًا عمَّا سواه، وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال: خلافًا لمن كثر سوادهم، وزعم أنه من المسلمين.

المقصود أنه ﷺ استقام على الحقِّ وحده، ودعا إليه وحده، وثبت على الحقِّ، قانتًا، مُطيعًا لله ، مُخلصًا له العمل، مُعرضًا عمَّا سوى الله، ثابتًا على الحقِّ وحده، مُقبلًا عليه جلَّ وعلا، عابدًا له وحده، تاركًا للمُشركين، مُفارقًا لهم في بلادهم، وفي عقائدهم، وفي أخلاقهم، وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون على هذا الإخلاص، وعلى هذه الاستقامة، بعيدًا عن كل شرٍّ؛ حتى يكون بذلك قد حقق توحيده، وحقق إخلاصه لله .

قال: (وقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]) هذا وصفٌ لعباد الله المؤمنين، حيث قال : إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:57- 59]، هذا من صفات أهل التوحيد والإيمان: أنهم مع خشيتهم لله، ومع إشفاقهم من عذابه، كانوا مُخلصين له العمل، مُوحدين له سبحانه وتعالى.

ثم قال بعد هذا: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، فهذه صفات أهل الإيمان الخُلَّص، أهل التوحيد الخُلَّص، أهل الاستقامة: أنهم مع خشيتهم لله، ومع إشفاقهم من عذابه، هم مخلصون له، مُوحدون له؛ ولهذا قال: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، بل حقَّقوا توحيدهم بخوفهم من الله، وقيامهم بحقِّه، وإخلاصهم له، ومُسارعتهم إلى أداء ما أوجب الله عليهم، وترك ما حرَّم عليهم، وهذا هو كمال التَّحقيق في التوحيد.

وإذا كان إبراهيمُ الخليل قد حقَّق التوحيد، وحقق إيمانه، فنبينا ﷺ من باب أولى؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أكمل الناس إيمانًا، وأحسنهم خلقًا، وأكمل الأنبياء طاعةً لله ، وجهادًا في سبيله، واستقامةً على دينه عليه وعليهم جميعًا الصلاة والسلام.

فهكذا يكون التَّحقيق للتوحيد، وهكذا تكون البراءة من الشِّرك، وهكذا يكون العملُ بطاعة الله ، وترك معصيته ، فمَن استقام على هذا دخل الجنةَ من غير حسابٍ ولا عذابٍ، وهذا هو تحقيق التوحيد: أن يستقيم على دينه، وأن يحذر الشِّرك كله، دقيقه وجليله، وأن يحذر البدع جميعها، ويحذر المعاصي كلها، ومتى وقع منه شيء بادر بالتوبة، وبادر بالإخلاص والرجوع إلى الله ، وبهذا يكون قد حقق توحيده، واستحقَّ من الله فضلًا وإحسانًا دخول الجنة بغير حسابٍ ولا عذابٍ، رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

عن حصين بن عبدالرحمن قال: كنتُ عند سعيد بن جبير، فقال: أيُّكم رأى الكوكبَ الذي انقضَّ البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلتُ: أما إني لم أكن في صلاةٍ، ولكني لُدِغْتُ. قال: فما صنعتَ؟ قلت: ارتقيتُ. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدَّثناه الشَّعبي. قال: وما حدثكم؟ قلتُ: حدَّثنا عن بُريدة بن الحصيب أنه قال: "لا رقيةَ إلا من عينٍ أو حمةٍ"، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع.

ولكن حدثنا ابنُ عباسٍ، عن النبي ﷺ أنه قال: عُرضت عليَّ الأمم، فرأيتُ النبيَّ ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رُفع لي سواد عظيم، فظننتُ أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرتُ فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أُمَّتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ.

ثم نهض فدخل مَنْزله، فخاض الناسُ في أولئك؛ فقال بعضُهم: فلعلهم الذين صحبوا رسولَ الله ﷺ. وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام فلم يُشركوا بالله شيئًا. وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسولُ الله ﷺ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يَسْتَرقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكَّلون، فقام عكاشةُ بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم، ثم قام رجلٌ آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكاشة.

الشيخ: هذا حديث حصين بن عبدالرحمن، وهو حديث طويل عظيم الفائدة، قال: كنتُ عند سعيد بن جبير، فقال: أيُّكم رأى الكوكبَ الذي انقضَّ البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاةٍ، ولكني لُدغتُ. هذا يُبين أنَّ السلف كانوا يتحرزون من إظهار أعمالهم الصَّالحة؛ خوفًا من الرياء، وخوفًا من تزكية النفوس؛ ولهذا قال لما قال سعيد: أيُّكم رأى الكوكبَ الذي انقضَّ البارحة؟ يعني: رُمي به، فقال حصين: أنا. ثم خاف أن يظنوا أنه قام يُصلي، وأنه أراد أن يمدح نفسه بما لم يفعل، فقال لهم: لم أكن أُصلي، ولكني لُدغتُ. يعني: استيقظتُ من أجل لدغةٍ حصلت عليَّ، وهي لسع ذوات السُّموم من العقرب والحيَّة، يقال: لُدغ، إذا أصابته لسعةٌ من عقربٍ أو حيةٍ أو نحوهما، قال له سعيد: فما صنعتَ؟ قال: ارتقيتُ. وفي روايةٍ أخرى: استرقيتُ. يعني: طلبتُ مَن يرقيني، قال: فما حملك على ذلك؟ هذا فيه الفائدة، وهو أنَّ الإنسان إنما يفعل بحسب الدليل، لا بحسب هواه ورأيه، وهذا يدل على أنَّ السلف كانوا يتذاكرون في أمور العلم، ويبحثون، ويطلبون الدليل؛ ولهذا لما أخبره أنه لُدغ قال: فما صنعتَ لما لُدغتَ؟ أراد أن يعرف ما فعل في هذا، قال: استرقيتُ. يعني: طلبتُ مَن يرقيني؛ لأنَّ الرقية ينفع الله بها من اللَّدغ: لدغ الحيات والعقارب.

قال: فما حملك على ذلك؟ أيش دليلك على ما فعلتَ؟ فقال له حصين: حديث حدَّثناه الشَّعبي، قال: وما حدَّثك؟ قال: حدثنا عن بُريدة بن الحصين أنه قال: "لا رقيةَ إلا من عينٍ أو حمةٍ"، وهذا الحديث جاء موقوفًا عن بُريدة، وجاء مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: لا رقيةَ إلا من عينٍ أو حمةٍ، قال له سعيد: قد أحسن مَن انتهى إلى ما سمع. يعني: مَن انتهى إلى ما بلغه من العلم فقد أحسن، فالذي يتعلم ويعمل بالعلم قد أحسن، وإنما المسيء الذي يتعبد على جهالةٍ، أو يُخالف العمل، يعلم ولكن لا يعمل بعلمه، هذا هو المسيء، أما الذي يتعلم ويتبصر ويعمل بعلمه فقد أحسن.

وفي هذا فائدة، وهو أن مَن أُصيب بلدغ الحيات والعقارب أو بأمراضٍ أخرى فلا بأس أن يسترقي، أو يرقي نفسه، ولا حرج في ذلك، لكن أولى مَا يُسترقى له العين والحمة؛ ولهذا قال: لا رقيةَ يعني: لا رقيةَ أولى وأحقّ، وليس المراد الحصر على الصحيح، إنما قال العلماء: لا رقيةَ أولى وأشفى. فسروا الحديث بهذا؛ لأنَّ الأحاديث دلَّت على أنه لا بأس بالرقى من غير العين والحمى، كما قال النبي ﷺ، لا بأس بالرُّقى ما لم تكن شركًا، فقد رقى ورُقي من غير هذا، فدلَّ ذلك على أنَّ الرقية لا بأس بها.

ومنها النَّفث على المريض، وقراءة الآيات عليه والدَّعوات التي يُرجى نفعها، والعين عين العائن: النَّظرة. والحمى: سمّ من ذوات السُّموم. وكلها ترقى: العين تُرقى، ولدغ الحيات والعقارب تُرقى أيضًا، وهذا كما جاء به النص، فهو مجرب أيضًا ونافع بإذن الله سبحانه وتعالى.

فيُستحب لمن أُصيب بشيءٍ من هذا أن يرقي نفسه، أو يرقيه أخوه؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ: مَن استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه، ومَن استرقى: طلب الرقية كما يأتي تركه أفضل وأولى، لكن إن احتيج إليه فلا بأس؛ ولهذا استرقى النبيُّ ﷺ في أولاد جعفر كما يأتي، قال لأسماء أمِّهم: استرقي لهم لما أصابتهم العين.

ثم بيَّن له سعيد ما هو أولى وأفضل من الاسترقاء قال: ولكن حدَّثنا ابنُ عباسٍ، عن النبي ﷺ: عُرضت عليَّ الأمم، عرضها عليه في ليلة الإسراء على الصحيح، قال: فرأيتُ النبيَّ ومعه الرّهط، وفي اللفظ الآخر: الرهيط، والنبي ومعه الرجل، والرجلان، والنبي وليس معه أحد يعني: يوم القيامة يكون هكذا؛ منهم مَن معه الرهيط: العدد القليل دون العشرة، ومنهم مَن معه الرجل والرجلان قد تبعوه، ومنهم أنبياء ما معهم أحد، ما تبعهم أحد، خالفهم الناس، ومنهم مَن قتله قومه، نعوذ بالله من ذلك.

فهذا يُبين لنا قلَّة الاستجابة للأنبياء كما قال المؤلفُ في مسائله، وأن المستجيبين للحقِّ هم القليل، والأكثرون على الباطل، نسأل الله العافية، كما قال سبحانه: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، وقال سبحانه: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]، فأتباع الرسل هم الأقلون، والأكثرون خالفهم؛ ولهذا قال ﷺ هنا: رأيتُ النبيَّ ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، ثم رُفع لي سوادٌ عظيمٌ، فظننتُ أنهم أُمَّتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه دلَّ على فضل موسى عليه الصلاة والسلام، وعلى أنه استجاب له كثيرٌ من بني إسرائيل فدخلوا في دين الحقِّ.

ثم رُفع لي سوادٌ عظيمٌ قد سدَّ الأُفقَ، فقيل لي: هذه أمَّتك، وفي اللفظ الآخر قال: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا هم قد سدُّوا الأفقَ الآخر أيضًا، فقيل له: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ، هذا فيه فضل هذه الأمة، وأنهم كثير أتباع محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ لأنه هو آخر الأنبياء، وأرسله الله للناس عامَّةً، فهو رسول الله إلى الأمة كلها إلى قيام الساعة، ولسماحة شريعته؛ فلهذا كانت أمَّته أكثر الأمم.

وفي حديثٍ أنه قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وفي لفظٍ: أنَّ أهل الجنة مئة وعشرون صفًّا، وهذه الأمة ثمانون صفًّا، يعني: الثلثين.

فأتباع محمدٍ ﷺ هم الأكثرون من بقية الأمم لرسلها، وفيهم سبعون ألفًا يدخلون الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ.

جاء في الأحاديث الأخرى أنه ازداد ربَّه، فزاده مع كل ألفٍ سبعين ألفًا. وفي لفظٍ: مع كل واحدٍ سبعين ألفًا يدخلون الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ.

وهذا فيه فضل هذه الأمة، وأنَّ فيها جمًّا غفيرًا يدخلون الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ؛ لكمال تقواهم، وكمال إيمانهم، واستقامتهم على شريعة الله ، فكلما كان العبدُ أكمل في طاعة الله واتِّباع شريعته كان أسهل لدخوله الجنة، ونجاته من النار بغير حسابٍ ولا عذابٍ.

فخاض الناسُ في أولئك: فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسولَ الله ﷺ. يعني: ولازموه، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، ولم يكونوا في الجاهلية، بل وُلدوا في الإسلام. وذكروا أشياء غير هذا، ينظرون في أعمال هؤلاء السَّبعين: ما هي أعمالهم؟

هذا فيه شرعية البحث في العلم، والمذاكرة في العلم، وأنه ينبغي لطلبة العلم أن يتذاكروا في العلم، ويبحثوا، وينظروا في معاني النصوص ليستفيدوا، هكذا كان السَّلف الصالح.

فخرج عليهم النبيُّ ﷺ فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكَّلون هؤلاء هم السَّبعون: لا يسترقون لا يطلبون مَن يرقيهم، هذا يدل على فضل ترك سؤال الناس، وأن سؤال الناس تركه أفضل وأولى، والاستغناء عنهم حتى في طلب الرقية، لكن لم ينهَ عن هذا عليه الصلاة والسلام، إنما ذكر فضله، فإذا دعت الحاجةُ إلى ذلك فلا بأس للعلاج؛ ولهذا لما رأى في أولاد جعفر بعض المرض من العين أمر أمَّهم أن تسترقي لهم.

فالمقصود أنَّ هذه إذا استدعت الاسترقاء فلا بأس، ولكن تركه أفضل عند عدم الحاجة إلى ذلك، وهكذا الكي تركه أفضل لهذا الخبر؛ لأنه نوعٌ من التَّعذيب، فإن تيسر دواءٌ غير الكيِّ فهو أولى، فإن دعت الحاجةُ إليه فلا كراهةَ؛ لقوله ﷺ: الشِّفاء في ثلاثٍ: كيّ نارٍ، أو شربة عسلٍ، أو شرطة محجمٍ، وما أُحبُّ أن أكتوي، وفي لفظٍ: وأنا أنهى أُمَّتي عن الكيِّ، وهذا نهي تنزيهٍ، لا تحريم؛ ولهذا كوى بعض أصحابه عليه الصلاة والسلام، وكوى الصحابة من أمراض أصابتهم.

فالكي جائز عند الحاجة إليه، ولكن تركه أفضل؛ لأنه من علامات السَّبعين، فتركه أفضل عند الاستغناء عنه، وعند وجود دواءٍ آخر، فإذا دعت الحاجةُ إليه فلا بأس، ولا كراهة.

ولا يتطيرون الطيرة هي الشِّرك، وهي التَّشاؤم بالمرئيات أو المسموعات حتى يرجع عن حاجته، وحتى يقف عن حاجته، هذه الطيرة، ما أمضاك أو ردَّك هذا منكر، نهى عنه النبيُّ ﷺ وقال: الطيرة شرك، الطيرة شرك، وقال: ولا تردّ مُسلمًا، وقال: إذا رأى أحدُكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السَّيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك، وفي لفظٍ: اللهم لا خيرَ إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك.

فإذا رأى ما يكره فلا يرجع عن حاجته، ولا يتطير، بل يقول ما قاله النبيُّ ﷺ: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السَّيئات إلا أنت، الحسنات يعني: النِّعَم، والسيئات يعني: المصائب، في هذا الحديث: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت يعني: النِّعَم والخيرات، ولا يدفع السَّيئات إلا أنت يعني: المصائب والنِّقَم، ولا حول ولا قوة إلا بك.

أو يقول: اللهم لا خيرَ إلا خيرك، ولا طيرَ إلا طيرك، ولا إله غيرك، فلا يتشاءم، ولا يرجع عن حاجته.

وعلى ربهم يتوكَّلون يعني: يعتمدون على الله ، ويُفوِّضون إليه أمورهم، فهذا شأنهم، فهم مُعتمدون على الله جلَّ وعلا، واثقون به ، يعلمون أنه لن يُصيبهم إلا ما كتب الله لهم، ومع ذلك يبتعدون عن الشِّركيات، وهي الطيرة، وعن المكروهات: كالكي والاسترقاء؛ ثقةً بالله، واعتمادًا عليه، وحرصًا على كمال دينهم، وسلامة دينهم.

فهذه أعمال السَّبعين: أنهم أدّوا الواجبات، وتركوا المحرمات -الشِّركيات- واعتمدوا على ربِّ السَّماوات ، وتوكَّلوا عليه، وفوَّضوا إليه أمورهم ، مع أخذهم بالأسباب المباحة، فالأسباب المباحة أخذوا بها: طلب الرزق، والتِّجارة، وأنواع الطب المباح، إلى غير ذلك، لكنَّهم تركوا الأشياء التي فيها الحاجة إلى الناس: كالاسترقاء، أو ما فيه نوع تعذيبٍ كالكي، إذا لم يضطروا إليه؛ اعتمادًا على الله، وثقةً به، وتوكُّلًا عليه .

فهذه حالهم: أنهم قوم اجتهدوا في الطاعات، وابتعدوا عن السَّيئات، وعن بعض المباحات التي فيها نقصٌ؛ ثقةً بالله، واعتمادًا عليه ؛ ولهذا جازاهم الله بأن أدخلهم الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ.

والرقية بدون سؤالٍ لا حرج فيها، أما مع السؤال فتركها أولى عند عدم الحاجة، لكن الرقية بسؤالٍ، إذا رقاك أخوك، أو رقيتَ نفسك، أو رقاك بغير سؤالٍ، فهذا من أسباب العافية، قال النبي: لا بأس بالرُّقَى ما لم تكن شركًا.

والرقية بشروطٍ ثلاثة جائزة: تكون باللسان المعروف المعنى، وأن يكون لا محذور فيها، وأن يفعل ذلك طلبًا للشِّفاء من الله ، لا اعتمادًا عليها، بل يعلم أنه مُسبب الأسباب ، وأنَّ العافية بيده جلَّ وعلا، وأن الرقية ليست هي الشَّافية، ولا بقية الأسباب أيضًا، وإنما الشِّفاء بيد الله ، فإذا فعل ذلك بهذا الوجه فلا بأس بذلك: يكون بلسانٍ معروف المعنى، وأن يكون المعنى ليس فيه محذور من جهة الشرع، وأن يعتمد على الله وحده، لا على الرقية، بل يعلم أنها من الأسباب فقط.

وهكذا الكي يجوز عند الحاجة إليه، وتركه أولى؛ لما فيه من التَّعذيب، أما بقية الأسباب فلا بدَّ منها، المؤمن لا بد أن يتعاطى الأسباب، كما يأكل ويشرب لئلا يموت، وكما يتَّجر ويعمل بالأسباب الأخرى لطلب الرزق، وكما يعمل ما أوجب الله عليه طلبًا للجنة، ويدع ما حرَّم الله عليه حذرًا من النار.

فالأسباب لا بدَّ منها، لكن الرسول ﷺ أخبر عن هؤلاء بترك أسبابٍ فيها نقصٌ، وهو سؤال الناس الاسترقاء، أو الكي الذي فيه نوعٌ من التَّعذيب، تركوا ذلك واستغنوا عن ذلك بالأسباب الأخرى التي ليس فيها سؤال الناس، وليس فيها تعذيب.

فقام عكاشةُ بن محصن فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم، وفي لفظٍ آخر قال: اللهم اجعله منهم، فقُتل شهيدًا في أيام الردة، ثم قام آخر فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة سدَّ الباب عليه الصلاة والسلام لئلا يتسلسل الأمرُ فيقوم مَن لا يستحقّها؛ ولهذا قال: سبقك بها عكاشة.

قال أهلُ العلم: في هذا استعمال المعاريض فيه، استعمال الكلمات التي تسدّ باب الشيء الذي قد لا يحسن، أو قد يُفضي إلى ما لا تُحمد عقباه، فيستعمل المسلمُ الكلمات التي يسدّ بها الباب الموصل إلى الشَّر، من دون أن يتعرض لإهانة أحدٍ، أو إيذاء أحدٍ، أو فضيحة أحدٍ؛ فلهذا قال ﷺ: سبقك بها عكاشة، ما قال: لستَ منهم. ولا قال: أنت منهم. بل قال: سبقك بها عكاشة سدًّا للباب، وحسمًا للمادة التي قد يسألها مَن ليس أهلًا لها.

والخلاصة من هذا الحديث: الدلالة على أن المستجيبين للأنبياء هم القليلون، وأنَّ الواجب على المؤمن أن يُحقق توحيده: باتباع الشرع، والاستقامة عليه، والبُعد عمَّا حرَّم الله ، وأن يتحرى من الأسباب المباحة الطيبة التي ليس فيها الحاجة إلى الناس بالسؤال، وليس فيها ما يضرّهم كالكي، بل يستعمل الحاجات الأخرى والأسباب الأخرى، مع الثِّقة بالله، والاعتماد عليه، والتوكل عليه سبحانه وتعالى، وفَّق الله الجميع.

س: .................؟

ج: سؤال الناس كونه يسأل الناس أن يرقوه، هذا تركه أفضل، وأما كونه يرقي نفسه فما في كراهة.

س: .................؟

ج: جاء فيه حديث: لا تنسنا من دعائك، لا بأس: ادعُ لي يا أخي، لا بأس.

...............

باب الخوف من الشِّرك

وقول الله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

وقال الخليل : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35].

وفي الحديث: أخوف ما أخاف عليكم الشِّرك الأصغر، فسُئل عنه فقال: الرياء. رواه أحمد والطبراني والبيهقي.

وعن ابن مسعودٍ : أنَّ رسول الله ﷺ قال: مَن مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار رواه البخاري.

الشيخ: يقول رحمه الله: (باب الخوف من الشِّرك) يعني: باب وجوب الخوف من الشِّرك، يعني: يجب على المؤمن أن يخاف الشِّرك، وأن يحذره؛ لما مَنَّ اللهُ عليه بالتوحيد والإيمان والدخول في الإسلام، فلا يأمن، بل يجب عليه أن يخاف الشِّرك ويحذره، ويحذر المعاصي، ويبتعد عنها، ولكن أعظم الأمور المنهي عنها وأكبرها وأخطرها الشِّرك، فيجب أن يخاف منه أكثر من غيره.

والشِّرك معناه هو تشريك غير الله في العبادة، سُمي الشرك شركًا؛ لأنَّ المشرك شرك غير الله في العبادة: دعا غير الله، طلب المدد من غير الله، صلَّى لغير الله، سجد لغير الله، ذبح لغير الله، المعنى: جعل شريكًا لله في العبادة، والعبادة حقّ الله وحده، لا يجوز أن يُشْرَك معه أحدٌ فيها، فإذا صرف بعضَها لغير الله صار هذا شركًا بالله ع، وأعظم من ذلك وأكبر أن يجعل العبادةَ كلها لغير الله، وينسى الله بالكلية، فهذا أعظم كفرًا وشركًا، نسأل الله العافية.

(وقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]) هذا بيانٌ من الله جلَّ وعلا لعظم الشرك وخطره، وأنه ذنب خطير عظيم لا يُغفر لمن مات عليه، نسأل الله العافية؛ فلهذا وجب الخوفُ منه، فالذنوب كلها تحت مشيئة الله إذا مات عليها العبدُ: إذا مات على الزنا، على العقوق، على شرب المسكر، على غير هذا من الذنوب تحت مشيئة الله: قد يُعفا عنه، وقد يُعذَّب على قدر الجريمة، لكن إذا مات على الشِّرك والكفر لا، نسأل الله العافية، إذا مات مُشركًا بالله، كافرًا بالله، صار إلى النار مُخلَّدًا فيها أبدًا، لا يُغفر له: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، وقال : وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].

فالمقصود أن الشِّرك أعظم الذنوب، وأكبر الجرائم، فيجب الحذر منه.

وقوله : وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]، فيها بيان عظم الشِّرك أيضًا، وأنَّ من صفة المؤمنين وأعمالهم العظيمة أنهم لا يُشركون بالله جلَّ وعلا.

وهكذا قوله سبحانه: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35]، عن إبراهيم الخليل أنه قال: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، هذا يُبين لنا أنَّ خطرها عظيم، إذا كان إبراهيمُ الخليل وهو سيد الأنبياء وإمامهم وأفضلهم بعد نبينا محمدٍ ﷺ يقول هذا الكلام: يسأل ربَّه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، دلَّ ذلك على أنَّ خطرها عظيم، فوجب التَّأسي بالأنبياء: بالحذر من الشرك الذي هو أعظم الذنوب، وأعظم الجرائم.

وعبادة الأصنام هي السجود لها ودعوتها ونحو ذلك، والأصنام جمع صنم، وهو ما نُحت على صورةٍ، يُقال له: صنم، صورة إنسان، أو أسد، أو غير ذلك من الصور، فهذا الصنم هو ما يُنحت على صورةٍ، ويُعبد من دون الله، يُقال له: صنم.

والمشركون كانوا أقسامًا: منهم مَن يعبد الأصنام، ومنهم مَن يعبد الأوثان التي هي غير الأصنام: كالشجر والقبر والحجر ونحو ذلك، الذي لم يُصور. ويُطلق على الصنم أنه وثن أيضًا.

وكذلك منهم مَن يعبد الكواكب والنجوم والشمس والقمر، هم أقسام وأصناف، نسأل الله العافية، يجمعهم صرف العبادة لغير الله.

وفي الحديث الصحيح يقول النبيُّ ﷺ: أخوف ما أخاف عليكم الشِّرك الأصغر، فسُئل عنه فقال: الرياء.

هذا الحديث رواه أحمد وغيره بإسنادٍ جيدٍ عن محمود بن لبيد، عن النبي ﷺ أنه قال: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسُئل عنه فقال: الرياء.

وجاءت له شواهد، وكلها تدل على وجوب الحذر من الشرك الأصغر، وهو الرياء، وأنه خطير؛ ولهذا خافه النبيُّ ﷺ على أمته، ويُبتلى به الصُّلحاء، فقد يُرائي بعبادته، وقد يُرائي بقراءته، وقد يُرائي بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فيقع في هذا في الأغلب مَن ينتسب للصلاح، فيجب الحذر من ذلك، نسأل الله السلامة.

وفي الحديث الصحيح: مَن سمَّع سمَّع اللهُ به، ومَن راءى راءى اللهُ به، وتمام هذا الحديث: يقول الله يوم القيامة للمُرائين: اذهبوا إلى مَن كنتم تُراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم من جزاءٍ؟ ما عندهم جزاء، ما عندهم إلا الخيبة في هذا، نسأل الله العافية.

فالمقصود أنَّ هذا يُوجب الحذر من الرياء في الصلاة، في القراءة، في غير ذلك، والرياء: المراءة، مصدر راءى يُرائي.

ومن هذا الحديث الآخر، وهو قوله ﷺ: يقول الله : أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك، مَن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه رواه مسلم.

فهذا يُفيد الحذر من الرياء، وأنَّ الواجب على العبد أن تكون عبادته لله وحده، إذا صلَّى صلَّى لله، وإذا صام صام لله، وإذا قرأ قرأ لله، وإذا دعا إلى الله يُخلص لله، وإذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر يكون لله، لا يقصد مراءة الناس وحمدهم وثناءهم، هذا خيبة، فيضرّه ذلك، ويأثم بذلك، ويبطل عمله، نسأل الله السلامة.

وعن ابن مسعودٍ ، وهو عبدالله بن مسعودٍ الهذلي، أحد السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين ، يقول : عن النبي ﷺ أنه قال: مَن مات وهو يدعو لله ندًّا دخل النار يعني: مَن مات يتَّخذ لله ندًّا، يعني: شبيهًا، أو نظيرًا يدعوه مع الله: يستغيث به، ينذر له؛ دخل النار يعني: مُخلَّدًا فيها، نعوذ بالله من ذلك.

وفي روايةٍ: كان ابنُ مسعودٍ يقول: قال الرسولُ ﷺ: مَن مات وهو يُشرك بالله شيئًا دخل النار، وقلتُ: مَن مات وهو لا يدعو لله ندًّا دخل الجنةَ.

حديث ابن مسعودٍ هذا من أحاديث التوحيد، وأنَّ مَن مات على التوحيد دخل الجنة، هذا فيه الحذر من الشرك، وأن اتِّخاذ الأنداد من أسباب دخول النار، واتخاذ الأنداد معناه: تشريك غير الله مع الله في العبادة، سواء كان نبيًّا، أو صالحًا، أو جنيًّا، أو شجرًا، أو حجرًا، أو غير ذلك، فمَن اتَّخذ لله ندًّا يدعوه مع الله، ويستغيث به، ويذبح له، وينذر له، ويُصلي له، ويسجد له، دخل النار بهذا؛ لأنَّ هذا شركٌ أكبر، نسأل الله السلامة.

فمَن اتَّخذ لله ندًّا يدعوه مع الله، ويستغيث به، ويذبح له، وينذر له، ويُصلي له، ويسجد له، دخل النار بهذا؛ لأنَّ هذا شرك أكبر، نسأل الله السَّلامة.

ولمسلمٍ عن جابرٍ : أنَّ رسول الله ﷺ قال: مَن لقي الله لا يُشرك به شيئًا دخل الجنة، ومَن لقيه يُشرك به شيئًا دخل النار.

الشيخ: وفي حديث جابرٍ، وهو جابر بن عبدالله الأنصاري، صحابي جليل، وأبوه صحابي جليل، يقول : أنه سمع النبيَّ يقول ﷺ: مَن لقي الله لا يُشرك به شيئًا دخل الجنة، ومَن لقيه يُشرك به شيئًا دخل النار.

هذا يدل على شدة الخوف من الشرك، وأن عاقبته النار، ويدل على فضل التوحيد، وأنَّ مَن مات عليه دخل الجنة.

فالحديث فيه مُوجبتان: مَن مات على التوحيد دخل الجنة، ومَن مات على الشِّرك دخل النار؛ ولهذا في اللفظ الآخر أنه قال: ألا أُخبركم بالموجبتين؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: مَن لقي الله لا يُشرك به شيئًا دخل الجنة، ومَن لقيه يُشرك به شيئًا دخل النار.

فهاتان مُوجبتان: إحداهما تُوجب الجنة، والثانية تُوجب النار: مَن مات على التوحيد والإيمان فله الجنة، ومَن مات على الشِّرك بالله فله النار.

فهذا يُوجب الحذر من الشِّرك، وأنَّ الواجب على المؤمن أن يبتعد عن ذرائعه ووسائله، ويتفقه فيه، ويسأل ربَّه العافية من ذلك.

وفَّق اللهُ الجميعَ، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

س: ..............؟

ج: يحذر، يحذر، إذا ابتُلي بهم يحذرهم، ولا يُطيعهم، يسأل أهلَ العلم ويتبصَّر، ولا يخضع للجُهَّال والمنجمين، ولا للصوفية المجرمين، ولا لدُعاة القبور، يكون عنده حذر، يسأل أهل العلم المعروفين الذين يدعون إلى توحيد الله، وإلى كتاب الله وسنة رسوله، لا يخضع لهؤلاء.

س: ................؟

ج: إذا مات على ذلك فهو مع ربعه إلى النار.

س: الشِّرك الأصغر أعظم من كبائر الذُّنوب؟

ج: هذا الصواب، نعم.

س: ما الدليل على ذلك؟

ج: هذا الوعيد، ما جاء به من الوعيد.

س: ترك بعض الطاعات مخافة الرِّياء؟

ج: لا، غلط، ما ينبغي هذا، ينبغي أن يجتهد في الطَّاعات، ولا يلتفت إلى الرياء، ولا يترك للناس، ولا يعمل للناس.