03 من (باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله)

باب لا يُذبح لله بمكانٍ يُذبح فيه لغير الله

وقول الله تعالى: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108].

عن ثابت بن الضَّحاك قال: نذر رجلٌ أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأل النبيَّ ﷺ، فقال: هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسولُ الله ﷺ: أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاءَ لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما.

الشيخ: (باب لا يُذبح لله في مكانٍ يُذبح فيه لغير الله) هذا الباب أراد به المؤلفُ رحمه الله أنه لا يجوز لأهل الإيمان التَّشبه بأهل المعاصي، ولا مُشاركتهم في محلات المعاصي والشُّرور، فلا يتشبَّه بأهل المعاصي فيُحسب منهم، ولا يكون معهم في مجامعهم التي فيها معصية، والتَّقرب إلى غيره، بل ينبغي أن يكونوا على انفصالٍ واتِّحادٍ ضد أهل الباطل، وأهل الشرك والكفر والمعاصي، فإذا كان هناك موضعٌ يُذبح فيه لغير الله، أو تعبد فيه المشركون بغير الذَّبح؛ فإنَّ المؤمن لا يُشاركهم حتى لا يُعدّ منهم، وحتى لا يُنسب إليهم.

(باب لا يُذبح لله في مكانٍ يُذبح فيه لغير الله) فإنه إذا ذبح فيه قد يُنسب إليهم، وقد يُظنُّ أنه شاركهم في ذلك وذبح لغير الله ، والمؤمن يبتعد بنفسه عن أن يُظنّ به السُّوء، وأن يُنسب إلى أهل السّوء.

وقول الله : لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:108]، نزلت في مسجد الضِّرار الذي قال الله فيه سبحانه: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ۝ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا الآية [التوبة:107- 108].

هؤلاء جماعة من المنافقين أسَّسوا مسجدًا لإيواء بعض الكفرة: كأبي عامر الراهب المعروف، وكانوا أرادوا أن يجعلوا حصنًا يأوون إليه، ويجتمعون فيه إذا حضروا، أرادوا بهذا أن يُناهضوا النبيَّ ﷺ، وأن يُقاتلوه، وأن يكون هذا ..... لهم إذا اجتمعوا، ولكنهم أخفوا هذا الأمر، وأظهروا أنهم بنوا المسجد للضَّعفة من الناس في الليلة الشَّاتية، وفي الحالات التي قد يشقّ عليهم الذَّهاب إلى المساجد البعيدة، وطلبوا من النبي ﷺ أن يأتي إليهم ويُصلي فيه، وكان ليس بعيدًا من مسجد قباء، فقال النبيُّ ﷺ: نحن على سفرٍ، وكان قد أراد غزوةَ تبوكٍ، ولكن بعدما نرجع إن شاء الله نُصلي لهم، فلما رجع من تبوكٍ على قرب المدينة أنزل الله في حقِّهم ما أنزل من بيان مقاصدهم الخبيثة، وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:107]، فبعث إليه مَن أشعل فيه النار وهدمه.

فدلَّ ذلك على أنَّ المحلات المؤسسة للكفر والضَّلال لا يجب بقاؤها، بل يجب إتلافها والقضاء عليها؛ حتى لا تبقى شعارًا للكفرة، ولا موئلًا لهم، ولا مُجتمعًا لهم.

واحتجَّ به المؤلفُ على المحلِّ المعدِّ للذبح لغير الله، أو المعدِّ للصلاة لغير الله، أو المعدّ للفسق والمعاصي، هذا يُقضى عليه، لا يبقى حتى لا يكون تشجيعًا لأهل الباطل، وإعانةً لهم على باطلهم، وحتى لا يُنسب المسلمُ إليهم جهلًا منه بحالهم.

والقياس إذا توافرت شروطُه جاء به الشرع بإلحاق النَّظير بالنَّظير، والفرع بالأصل.

ولما جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود. وأراد أن ينفيه، استنكره، كان أبيض، وزوجته بيضاء، فاستنكر الغلام، فقال له النبيُّ: هل لك من إبلٍ؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ يعني: أسود، قال: نعم، قال: فأنَّى أتاها ذلك؟ قال: لعله نزعه عرقٌ، فقال: لعلَّ ابنك هذا نزعه عرقٌ.

فقاس بني آدم على الإبل، فكما أنه يُوجد في الإبل الحُمر: قعود، أو بكرة سوداء، أو لها لون آخر غير أمهاتها وآبائها، كذلك الإنسان قد يقع له ولدٌ لا يُشابهه، ولا يُشابه زوجته والأقارب الأدنين، فقد يكون شبيهًا لأبٍ بعيدٍ، أو خالٍ بعيدٍ، أو عمٍّ بعيدٍ، قد يقع هذا.

ولا يجوز أن تُنفى الأولاد بهذه الشُّبهة: إذا كانوا ليسوا على شبه آبائهم وأمَّهاتهم لا يجوز نفيهم.

فالمقصود هنا أنَّ التَّشبه بالكفار والعُصاة أمر ممنوع؛ ولهذا في الحديث: مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم.

وفي حديث ثابت بن الضَّحاك الأنصاري : أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إني نذرتُ أن أنحر إبلًا ببوانة. وبوانة: موضع معروف في أسفل مكة، ويقال ..... في ينبع، فقال له الرسولُ ﷺ -استفصله- هل فيها وثنٌ يُعبد؟ قال: لا، قال: فهل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟ قال: لا، قال: أوفِ بنذرك، خاف النبي أن يكون تخصيصه لها أنَّ فيها شيئًا من أوثانهم، أو أعيادهم، فيتأسَّى بهم.

فدلَّ ذلك على أنَّ المحلات المعدّة لأعياد الجاهلية وللعبادات الجاهلية لا يكون المؤمنُ مثلهم فيها، ولا يتأسَّى بهم، ولا يخصّها بالعبادة، بل يجتنبها؛ حتى لا يكون مُتشبِّهًا بهم، وحتى لا يُنسب إليهم، فلما أخبره الرجلُ أنه ليس فيها وثنٌ ولا عيدٌ قال: أوفِ بنذرك.

وهذا يدل على أنَّ الإنسان إذا نذر أن يذبح في أي مكانٍ نذرًا لله لا بأس إذا كان ما فيه محذور، ينذر ويذبح فيه: في مكة، في جدة، في المدينة؛ لقصد الفقراء والمساكين، لا يقصد في مكانٍ يريد التَّشبه فيه بالكفرة، فلا بأس، أما إذا كان لقصد التَّشبه بالكفرة فلا.

ثم قال: فإنه لا وفاءَ لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم هذا يُبين لنا أنه لا نذرَ في معصية الله، لا يجوز الوفاء به، فإذا قال: لله عليه أن يشرب الخمرَ، لله عليه أن يزني. هذا نذرٌ لا يجوز؛ ولهذا قال ﷺ: مَن نذر أن يعصي الله فلا يعصه.

واختلف العلماءُ: هل فيه كفَّارة يمينٍ؟

على قولين، أرجحهما أنَّ فيه كفَّارة يمينٍ، فلا يصح، وعليه كفَّارة يمين.

وقال آخرون: بل هو باطل، ولا كفَّارة فيه. واحتجُّوا بالعمومات، ولكن جاء في عدة أخبار ما يدل على وجوب كفَّارة اليمين.

ولا فيما لا يملك ابن آدم لو قال: عليه أن يعتق عبد فلان، أو يتصدق ببيت فلان، أو نخل فلان. هذا نذرٌ باطلٌ؛ لأنه ليس له، لا نذر له فيما لا يملك، يكون نذره باطلًا في هذا.

والمقصود من هذا كله الدلالة على أنَّ المكان المعدَّ للشِّرك والمعاصي لا ينبغي للمؤمن أن يفعل فيه طاعة الله ، بل يبتعد عن ذلك، إلا إذا غُيّر هذا المكان بأن جُعل مسجدًا أو بيتًا للمؤمن، وانتفت عنه حالات الجاهلية، مثلما أمر النبيُّ ﷺ بهدم اللات، وأن يكون مكانه مسجدًا يُعبد الله فيه جلَّ وعلا، كما أمر بعض بني حنيفة أن يرجع من البيعة ويجعلها مسجدًا، فإذا غُيِّر وجُعل معبدًا لله، أو غيره وصار سكنًا لابن آدم، ليس فيه عيدٌ للجاهلية، بل صار سكنًا، أو مزرعةً، وانتهى عنه أمر الجاهلية، وانقطع ما يتعلق بذلك؛ صار لا بأس أن يُعبد الله فيه، ويُصلي فيه ونحو ذلك.

وفَّق الله الجميع.

...............

س: عمر ما صلَّى في الكنيسة؟

ج: عمر صلَّى ..... لأمور الكنائس كونها معبدًا لله بزعمهم ..... عندهم شرك ما يتعلق بعيسى، عبادتهم ليست مُستقيمةً، بل باطلة، بل هي شركٌ، فلعلَّ الشبهة أنهم اتَّخذوها معبدًا لله؛ أو لأنَّ المؤمنين مُضطرون ..... إليها بسبب مرورهم إليها في أسفارهم، فقد يكون للضَّرورة، أو يكون لأنَّ جنس عبادة الله متَّفق عليه بينهم فيما يتعلق بالصلاة، قد يكون لهذا أو لهذا.

بابٌ من الشِّرك: النَّذر لغير الله

وقول الله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7].

وقوله: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270].

وفي الصحيح عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رسول الله ﷺ قال: مَن نذر أن يُطيع الله فليُطعه، ومَن نذر أن يعصي الله فلا يعصه.

الشيخ: يقول رحمه الله: (باب من الشرك: النذر لغير الله) يعني: الشرك الأكبر؛ لأنَّ الشِّرك أصغر وأكبر، فالأصغر من جنس الرياء، من جنس قول: ما شاء الله وشاء فلان. ومن جنس الحلف بالأمانة، [أو] بالنبي، [أو] بالكعبة، هذا يُقال له: شرك أصغر، وأما دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، والصلاة لهم، والسجود لهم، ونحو ذلك، هذا يُقال له: الشرك الأكبر، وهو شرك المشركين الأولين، شرك الجاهلية، شرك أبي جهل وأشباهه ومَن قبلهم، وهو شرك المشركين اليوم عند القبور، عند عُبَّاد القبور: يدعونهم، وبهم يستغيثون، وينذرون لهم، ويطلبون المدد: كعُباد البدوي، وعُباد ابن عربي، وعُباد الشيخ عبدالقادر، وعُباد غيرهم من المعروفين، وهكذا عُبَّاد الرسول ﷺ، وعُبَّاد أهل البيت، كلهم هذا شركهم: يدعونهم، ويستغيثون بهم، وينذرون لهم، هذا هو الشرك الأكبر الذي بعث اللهُ الرسلَ بإنكاره، والدَّعوة إلى تركه، والتحذير منه.

فلهذا قال المؤلفُ: (باب من الشرك: النذر لغير الله) كان المشركون ينذرون لآلهتهم، يقول: إن جرى كذا فللشيخ كذا، أو للولي فلان كذا، أو للبدوي كذا: عجل، أو ربع عجل، أو نصف العجل، أو كذا من النقود، أو كذا من الزيت، أو كذا من كذا، كلها تقرب إليهم؛ حتى يُعطوهم مطالبهم: من شفاء مريض، أو ردّ غائبٍ، أو سلامة مزرعة، أو سلامة حيوانٍ، أو ما أشبه ذلك.

(باب من الشرك: النذر) يعني: من الشرك الأكبر النذر لغير الله، فإذا قال: نذر عليه إن شفى الله مريضه أن يذبح العجلَ للبدوي، أو للنبي ﷺ، أو للشيخ عبدالقادر، أو لابن عباس، أو لعلي، أو ما أشبه ذلك. هذا هو الشِّرك الأكبر.

وهكذا إذا قال: يا سيدي البدوي، المدد، المدد. أو يا سيدي رسول الله، المدد، المدد. أو يا ابن عباس، المدد، المدد. أو يا سيدي علي، أو يا سيدي عبدالقادر، المدد، المدد. أو أنا في جوارك، وأنا في حبسك، وأنا أستجير بك. هذا كله من شرك الأولين، نسأل الله العافية.

وقول الله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]، هذا مدحٌ للمؤمنين بوفاء النذر، المؤمنون يوفون بنذورهم الطيبة الشَّرعية، الله يمدحهم بالوفاء بالنذور، فدلَّ على أنها عبادة، مُدحوا بالوفاء بها، دلَّ على أنها عبادة، والعبادة شأنها أن تُصرف لله، وأن يخصّ بها الله وحده ، وقال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270] يعني: الله يعلم نفقات العباد ونذورهم، ويُجازيهم عليها ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ يعني: ويُجازيكم عليه إذا كان لوجهه .

فدلَّ ذلك على أنَّ النذر عبادة؛ لأنَّ الله قرنه بالنَّفقة، والنفقة عبادة إذا كانت لوجه الله، إذا كانت النَّفقةُ على الفقراء والمحاويج، والنَّفقة في تعمير المساجد والمدارس، وفيما يُرضي الله ، فهي صدقات تُرضي الله، وهي عبادة، فإذا جعل نفقات للولي، يتقرب للولي بالنفقات: بتعمير قبره، يُسوي قبةً عليه، بتقديم شيءٍ من الصَّدقات لأي شخصٍ يريد بها التَّقرب إلى صاحب القبر، أو إلى الصنم، أو إلى الشجرة، أو إلى النجم، أو ما أشبه ذلك؛ صار شركًا بالله ، فإذا أراد بها وجه الله صارت عبادةً لله .

وفي الصحيح: في "صحيح البخاري" عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن نذر أن يُطيع الله فليُطعه، ومَن نذر أن يعصي الله فلا يعصه.

هذا حديثٌ عظيمٌ جليلٌ، يدل على أنَّ الطاعات يجب الوفاء بها، وأما نذور المعصية فلا يجوز الوفاء بها، فإذا قال: لله عليه أن يتصدق بكذا، أو يُصلي ركعتين، أو يصوم كذا، إن شفى الله مريضه، أو ردَّ الله غائبه. أو أطلق ذلك قال: لله عليه أن يصوم يوم الخميس، لله عليه أن يُصلي ركعتين، يلزمه ذلك. أو قال: لله عليه أن يذبح ناقةً، أو شاةً، أو بقرةً. أو قال: إن شفى الله مريضي فعلتُ ذلك. فإذا وُجد الشَّرط لزمه الوفاء.

أما إذا كان نذر معصيةٍ، مثل أن يقول: لله عليه أن يشرب الخمر، أو لله عليه أن يقتل فلانًا بغير حقٍّ، ولله عليه أن يعمل بالربا. هذه الأمور معصية، ليس له الوفاء بها، بل هذه أمور منكرة يجب الكفُّ عنها. واختلف العلماءُ فيها: هل عليه كفَّارة يمينٍ، أم هي باطلة ولا كفَّارة فيها؟

على قولين، والأرجح أنَّ فيها الكفَّارة -كفارة اليمين- وقال جماعةٌ من أهل العلم: لا كفَّارة فيها، بل هي باطلة، ولكن جاء في عدة أحاديث ما يدل على أنَّ فيها كفَّارة يمينٍ، فعليه أن يدعها ويُكفر كفَّارة يمينٍ عن قولها، وليس له أن يُقدم على المعصية، ومثل: لو قالت المرأةُ: لله عليها أن تصوم أيام الحيض، أو تُصلي في أيام الحيض. هذا نذر معصيةٍ، ليس لها أن تفعل ذلك.

وفَّق الله الجميع.

بابٌ من الشِّرك: الاستعاذة بغير الله

وقول الله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6].

وعن خولة بنت حكيمٍ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: مَن نزل مَنْزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، لم يضرَّه شيءٌ حتى يرحل من مَنْزله ذلك رواه مسلم.

الشيخ: يقول رحمه الله: (بابٌ من الشرك: الاستعاذة بغير الله) الشرك يعني: الأكبر، كما أنَّ النذر من الشِّرك الأكبر لغير الله، كذلك الاستعاذة والاستغاثة والذَّبح والنَّذر، هذه كلها عبادات، وتوجيهها لغير الله، والتَّقرب بها لغير الله من الشِّرك الأكبر، فالذي يستعيذ بالأموات، أو يستغيث بهم، أو ينذر لهم، أو بالأصنام، أو بالكواكب، أو بالجنِّ يكون قد عبدهم مع الله، فيكون هذا شركًا أكبر؛ لأنَّ الله قال سبحانه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200]، فأمر بالاستعاذة به ، وقال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1].

فالاستعاذة بالله عبادة، وصرفها لغير الله شركٌ به ، إلا في المخلوق فيما يقدر عليه إذا كان حاضرًا، مثلما تستغيث به إذا كان حيًّا حاضرًا قادرًا، كما قال جلَّ وعلا: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15]، كما تقول للسيد: أنا عائذ بك من شرِّ غلامك. أو أجرني من شرِّ غلامك. أو أغثني من شرِّ غلامك، أو زوجتك، أو ما أشبه ذلك. فهذه الأمور مع الحي الحاضر القادر ليست من الشرك، وإنما يكون من الشرك إذا كان مع ميتٍ، أو غائبٍ، أو حجرٍ، أو صنمٍ، أو جنيٍّ، أو ما أشبه ذلك.

وقول الله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6]، هذه الآية نزلت في أناسٍ كانوا يعوذون بالجنِّ وسادات الجنِّ، فأخبر الله أنهم زادوهم رهقًا، وهذا على سبيل الذَّم لهم، والعيب لهم، فَزَادُوهُمْ رَهَقًا يعني: زادهم خوفًا وذعرًا، لما استعاذوا بهم تأسَّدوا عليهم، وتكبَّروا، فزادوهم يعني: زاد الجنُّ الإنسَ، الواو في زادوا للجنِّ، والهاء للإنس، فَزَادُوهُمْ رَهَقًا يعني: ذُعرًا وخوفًا؛ عقوبةً لهم.

وقال آخرون من السَّلف: زادوهم رهقًا أي: طغيانًا، فتصير الواو للإنس، زادوا أي: الإنس، والهاء للجنِّ، زادوهم رهقًا يعني: طُغيانًا، وتكبُّرًا عليهم، واستعلاءً عليهم.

وكلا المعنيين حقّ، فإذا تعوَّذ بالجنِّ ..... مما يزيد الإنسان خوفًا وتعظيمًا لهم، وخوفًا منهم، وحذرًا منهم، واستكثارًا للتَّعوذ بهم، وهكذا الجنّ يزدادون تكبُّرًا على الإنس، قالوا: خافونا، وعظَّمونا. فيزدادون طغيانًا وتكبُّرًا.

وهذا كله على سبيل الذَّم، فدلَّ ذلك على ذمِّ مَن استعاذ بالجنِّ، وأنه لا يجوز الاستعاذة بالجنِّ.

وكانت العربُ في جاهليتها إذا نزلوا واديًا أو شعبًا قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي، أو بعزيز هذا الوادي من سُفهاء قومه. فهذا كله من عمل الجاهلية، والواجب ترك ذلك.

وعن خولة بنت حكيم رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: مَن نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، لم يضرّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك رواه مسلم.

هذا يدل على فضل هذه الاستعاذة، وأنها من أسباب العافية من شرِّ الجنِّ والإنس، ويُستحب لمن نزل منزلًا أن يقول هذا: أعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، وهذا إذا كان في الطائرة أو السيارة كالمنزل، في الطائرة أو السيارة أو القطار أو السَّفينة أو الباخرة يقول: أعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق.

وجاء في حديثٍ صحيحٍ ما يدل على استحباب تكرارها ثلاثًا: كان النبي إذا دعا كرر ثلاثًا عليه الصلاة والسلام.

ومعنى "كلمات الله" يعني: النافذة الكونية التي لا رادَّ لها.

وقال بعضُ السلف: إنَّ المراد بكلمات الله التَّامة هنا: الشرعية، كلمات القرآن؛ لأنها كلمات عظيمة مُشرفة، وهي كلام الله، وكله حقّ، فإنَّ كلماته الكونية وكلماته الشرعية كلها حقّ، وكلها وصفٌ له ، فكلامه الكوني نافذ: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] ، وكلامه الشَّرعي أفضل الكلام، وأحبّ الكلام إليه، وهو توسل بصفات الله؛ ولهذا استدلَّ السلفُ بهذا الحديث وأشباهه على أنَّ كلام الله غير مخلوقٍ، قالوا: لو كان مخلوقًا لم يجز الاستعاذة به؛ لأنه أجمع العلماء على أنه لا يُستعاذ إلا بالله، فلما جاءت الاستعاذةُ بكلمات الله دلَّ ذلك على أنَّ كلام الله صفةٌ من صفاته، وعلى جواز الاستعاذة بصفات الله، وعلى أنَّ كلام الله غير مخلوقٍ كما قال أهلُ السنة والجماعة.

الذي لم يضره شيء هذا عام، نكرة في سياق النَّفي تدل على العموم: حتى يرتحل من منزله ذلك، وهذا فضل عظيم لهذه الكلمات وهذه التَّعوذات، فينبغي للمؤمن أن يعتاد ذلك، وأن يفعل ذلك أخذًا بما وجه إليه النبيُّ عليه الصلاة والسلام.

وفيه الدلالة على أنَّ التعوذ بغير الله وبغير صفاته أمرٌ لا يجوز بإجماع أهل العلم، بل هو من الشِّرك، نسأل الله العافية والسَّلامة.

س: أليس الأقرب أنها الكلمات الكونية؟

ج: محتمل، هذا محتمل.

س: في الحديث الآخر: التي لا يُجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجرٌ؟

ج: لأنَّ التَّامات من جهة الشرع والفضل، والتَّامات من جهة .....، وذاك حديثٌ آخر، كلمات الله النَّافذة.

بابٌ: من الشِّرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره

وقول الله تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106].

وقوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107].

وقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت:17].

وقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ۝ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5- 6].

وقوله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:62].

وروى الطبرانيُّ بإسناده: أنه كان في زمن النبي ﷺ منافقٌ يُؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ: إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله.

الشيخ: يقول رحمه الله: (بابٌ من الشرك) يعني: الشرك الأكبر (أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره) عطف الدعاء على الاستغاثة من باب عطف العام على الخاصِّ؛ لأنَّ الاستغاثة دعاء أيضًا، ولكنها من المكروب، والدعاء أعم، فكل مُستغيثٍ داعٍ، وليس كل داعٍ مُستغيثًا؛ إذ المستغيث هو الذي يدعو من شدة الكرب: كالذي يُقدم للقتل، أو تنزل به شدَّة عظيمة فيدعو، فيُسمَّى: مُستغيثًا، كما قال تعالى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15]، إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال:9] يوم بدر.

فالذي يستغيث بغير الله عند الشَّدائد مثل: إذا نزل به مرضٌ، أو كان في البحر واشتدَّت الأمواج، أو ما أشبه ذلك، يقول: يا سيدي فلان، يا سيدي البدوي، يا سيدي عبدالقادر، يا حسين، يا فاطمة، يا رسول الله أغثني. هذا الشرك الأكبر.

وكانت الجاهليةُ تترك هذا، ولا تفعل هذا في جاهليتها؛ لأنها تعلم أنَّ المنجي في الشَّدائد هو الله وحده ، لكن هؤلاء المشركون المتأخِّرون خالفوا أولئك بسبب شدَّة جهلهم، وعظم ضلالهم، فصار شركهم أشدَّ من شرك الجاهلية، صاروا في حال الشَّدائد يُشركون، وفي حال الرخاء يُشركون، أما الجاهلون الأولون فكان شركهم في الرخاء، إذا جاء الرخاءُ عبدوا آلهتهم، وإذا جاءت الشَّدائد أخلصوا الدُّعاء لله وحده، كما قال : فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

فالحاصل أنَّ هذه الترجمة في بيان أنَّ مَن دعا الأوثان والأصنام والأولياء والقبور والأشجار والأحجار والجنّ ونحو ذلك، مَن دعاهم في الرخاء أو دعاهم في الشدة والاستغاثة فقد أشرك، فإذا كانت له واسطة من الجنِّ، أو من الملائكة، أو من أصحاب القبور، أو ما أشبه ذلك يدعوهم في الشَّدائد صار مشركًا بالله، ويُسمَّى: مُستغيثًا، وإن دعاهم في الرخاء يُسمَّى: داعيًا، وكلاهما شرك.

ثم ذكر الأدلة على ذلك، ذكر خمس آيات، وذكر الحديث الذي رواه الطبراني:

الآية الأولى قوله تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] يعني: المشركين، الظلم إذا أُطلق فهو الشرك، قال تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254]، بيَّن أنَّ مَن دعا غير الله مما لا ينفع ولا يضرّ هذا وصفٌ عام، كل المخلوقات ما تنفع ولا تضرّ، هذا وصف عام لجميع المخلوقات، فإنها لا تنفع استقلالًا، ولا تضرّ استقلالًا إلا بالله ، فلا يليق بالعاقل أن يعبدها من دون الله، ولا أن يدعوها من دون الله؛ إذ النَّافع الضَّار هو الله وحده، وما من شيءٍ في الوجود من نفعٍ أو ضرٍّ إلا بتقديره ومشيئته .

فدلَّ ذلك على أنَّ مَن دعا غير الله من الأشجار والأحجار ونحو ذلك صار ظالـمًا مُشركًا، ويُستثنى من ذلك مَن دعا المخلوق الحيَّ الحاضر القادر، فإنَّ دعاءه ليس بشركٍ، ولا حرج فيه بإجماع المسلمين، غير داخلٍ في الآيات، فإذا قلت لأخيك: يا فلان، هاتِ السيارة من محلِّ كذا، هاتِ الفاروع، هاتِ القدر، هاتِ العتلة، هاتِ كذا، وهو يستطيع، يُجيب، ليس في هذا بأس، أو تقول له في الحرب: ساعدني على قتل فلانٍ، على الجهة الفلانية، أو تقول لجماعةٍ من إخوانك: نتساعد على الهجوم على فلانٍ في الحرب حتى نقتله، أو هذه الجهة نضبطها ونحفظها، أو ما أشبه ذلك، أو تطلب من زيدٍ أو عمرو الحي الحاضر، يسمع كلامك، أو بالبرقية، أو بالمكاتبة، أو بالهاتف -بالتليفون- تقول له: يا فلان، أرسل لي كذا، أعطني كذا، سلفني كذا من الفلوس، احضر، أريدك في اليوم الفلاني. هذه أمور عادية، ما فيها شيء، ليس من دعاء غير الله، ليس من الشِّرك.

الآية الثانية قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107].

هذه تدل على أنَّ الناس جميعهم والبشر كلهم غير قادرين على كشف الضرِّ، ولا جلب النَّفع، بل الله هو القادر ، فإذا كان الأمرُ هكذا فكيف يُدعا غيره ما دام هو القادر على كل شيءٍ؟!

فالواجب أن يُخلص له الدعاء، وأن يُعبد وحده، فما سواه عاجز، فعلمت بذلك أنَّ دعاء غير الله دعاء للعاجز، سواء كان جنيًّا، أو ملكًا، أو صالحًا، أو صنمًا، أو كوكبًا، أو غير ذلك، فكله عاجز، والواجب أن يُعبد الله وحده، فمَن دعا هذه المخلوقات فقد أشرك بالله، إلا إذا كان حيًّا، حاضرًا، قادرًا يسمع، فلا بأس أن يُستعان به في المقدور.

الآية الثالثة قوله جلَّ وعلا: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ [العنكبوت:17]، أمر بابتغاء الرزق من عند الله، والعبادة لله وحده، فالذي يقول: يا سيدي فلان، أنا في حاجةٍ إلى فلوس، أنا في حاجةٍ إلى زوجة. يأتي القبر، أو يقول للجنِّ، أو للملائكة، أو للأموات، من أي جنسٍ، أو الأشجار، أو الكواكب، أو في حاجة إلى زوجةٍ: أنا في حاجة إلى دراهم، أنا في حاجة إلى طعام، أعطوني. هذا شركٌ أكبر، أو يدعوهم، يستغيث بهم، ينذر لهم، يذبح لهم قرابين من الإبل، أو البقر، أو الدجاج، أو العصافير، أو غير ذلك، يرجو منهم النَّفع، يتقرب إليهم حتى يشفعوا له، حتى يُجيبوا دعوته، حتى يُعطوه مطلوبه، كل هذا شركٌ بالله كما يأتي إن شاء الله؛ لقوله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي يعني: ذبحي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162- 163]، وقوله سبحانه: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:1- 2]، وقول النبي ﷺ: لعن اللهُ مَن ذبح لغير الله.

الرابعة قوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ۝ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5- 6].

هذه الآية بيَّنت أنه لا أضلَّ ممن دعا غير الله، ما هناك أحدٌ أضلّ منه؛ لأنه خاب في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا لا يُفلح، وفي الآخرة إلى النار، فهو خاسرٌ، نعوذ بالله.

ووصف المدعوون من دون الله بأربع صفات:

أنهم لا يستجيبون لداعيهم إلى يوم القيامة، ما يستجيبون، عاجزون.

الثانية: أنهم غافلون عن دعوة غير الله، ما عندهم شعور: ما بين ميت لا إحساسَ له بما عليه الناس، وما بين جمادٍ: من صنمٍ، أو شجرٍ ليس له إحساس، أو حيّ مشغول: كالملك والجنِّ، ليس له علم، ولا يعلم الغيب.

الثالثة: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ يعني: جُمع الناس، الحشر: الجمع، إذا جُمع الناس يوم القيامة كانوا لهم أعداءً، كان المعبودون أعداءً للعابدين -نعوذ بالله- فباءوا بالصَّفقة الخاسرة والخيبة والنَّدامة، نسأل الله السَّلامة.

وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ هذه الرابعة: أنهم يكفرون بعبادتهم، ويُنكرونها، ويتبرؤون منها، ويقولون: ما علمنا، ولا شعرنا، ولا رضينا. فأصبح حينئذٍ الدَّاعي إلى غير الله من أخسر الناس، ومن أضلهم، ومن أبعدهم عن كل خيرٍ، نعوذ بالله.

الآية الخامسة: قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] يُبين سبحانه أنه لا يُجيب المضطر سواه جلَّ وعلا، ولا يكشف السُّوء إلا نفسه، فمَن طلب كشف الضُّر، أو كشف السُّوء من الأموات، أو الأشجار، أو الأحجار، فقد حاد وأشرك بالله ، وإنما يجوز له أن يطلبه من الحي الحاضر، يقول للملك فلان: أنا أصابني كذا، أرجو أن تنفعني بكذا، يقول لأخيه القادر، يقول لعمه، يقول لجاره: عاوني على كذا، مثلما تقدم: أحياء حاضرون يسمعون ويعقلون ويستطيعون، لا بأس أن يستعين بهم.

أما الحديث: فروى الطبراني بإسناده، والطبراني هو أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، الإمام المشهور رحمه الله، توفي سنة 360 عن مئة سنة، عمَّر مئة عام، فكانت وفاته سنة 360.

روى بإسناده عن النبي ﷺ أنَّ بعض الصحابة قال بعضُهم لبعضٍ: قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق. فأتوا النبيَّ ﷺ فقال: إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله .

هذا الحديث جاء في روايةٍ أخرى أنه عن عُبادة بن الصَّامت، وأن المنافق هو عبدالله بن أُبي بن سلول، وفي سنده بعض الضعف.

وقوله: "قوموا بنا نستغيث برسول الله" إنما قالوا هذا لأنَّ الرسول يقدر فيما ظهر لهم، عبدالله بن أُبي موجود بين أيديهم، يستطيع النبيُّ أن يقتله، أو يحبسه، أو ينفيه؛ فلهذا قالوا: قوموا بنا نستغيث برسول الله؛ لأنهم يعلمون أنَّ الاستغاثة بالحيِّ القادر الحاضر لا بأس بها، كما في قصة موسى مع صاحبه: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15]، لكن الرسول أخبرهم لو صحَّ الخبرُ أنه لا يُستغاث به؛ لأنَّ عبدالله بن أُبي كان ممنوعًا من قتله؛ لئلا يتحدث الناسُ أنَّ محمدًا يقتل أصحابه، فامتنع من قتله عليه الصلاة والسلام، وقال في هذا: إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله  يعني: لا يُستغاث بي على الأشخاص الذين أنا ممنوعٌ من قتلهم، أو فيما لا أقدر عليه.

ويحتمل إن صحَّ الخبر أن يكون قال هذا من باب سدِّ الذَّريعة، وإن كان يقدر على قتله، لكن قال هذا حتى لا يتسارعوا إلى هذا الكلام ويعتادوه، قال: فإنه لا يُستغاث بي من باب سدِّ الذَّرائع؛ لئلا تقع منهم هذه الكلمة في أمورٍ لا يقدر عليها عليه الصلاة والسلام، فمنع هذا الباب، وسدَّ هذا الباب؛ حتى يعتادوا الاستغاثة بالله، والرجوع إلى الله، والتَّعلق بالله: وإنما يُستغاث بالله .

فالمعنى أحد أمرين:

أحدهما: أنه ﷺ قال ذلك لأنه لا يستطيع قتل عبدالله بن أُبي؛ لأنه ممنوعٌ من ذلك عليه الصلاة والسلام، فقال: لا يُستغاث بي في شيءٍ لا أقدر عليه.

والمعنى الثاني: أنه قال هذا سدًّا للذريعة، وإن كان يقدر على قتله، أو سجنه، أو نفيه من الأرض، لكنه قال هذا من باب سدِّ الذَّرائع؛ حتى لا يتساهلوا في مثل هذا فيقولوا هذا الكلام في أمرٍ لا يستطيعه عليه الصلاة والسلام، فيقع الشِّرك.

وبكل حالٍ هو دليل على أنه لا يُستغاث بالمخلوقين في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ، وإنما يُستغاث بالله في كل شيءٍ، لكن يجوز أن يُستغاث بغيره فيما يقدر عليه المخلوق الحيّ الحاضر، هذا يُستثنى، وإنما ..... الأدلة؛ لأنه معروف، هذا الشيء معروف: أنَّ الحيَّ الحاضر القادر يُستغاث به فيما يقدر عليه بالكلام أو بالكتابة أو بإرسال الرسول إليه: أريد كذا وكذا، أو بالهاتف اليوم، أو بالبرقية اليوم، أو ما أشبه ذلك من الوسائل التي يعلم بها استغاثة أخيه به، ويطلب منه التمديد على حسب قُدرته، هذا ليس من باب الشِّرك، ولكنه من باب الأمور العادية.

وفَّق الله الجميع.

باب قول الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۝ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا [الأعراف:191- 192]

وقوله: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13].

وفي الصحيح عن أنسٍ قال: شُجَّ النبيُّ ﷺ يوم أحد، وكُسرت رباعيته، فقال: كيف يُفلح قومٌ شجّوا نبيَّهم؟! فنَزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128].

وفيه: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول إذا رفع رأسَه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانًا وفلانًا بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ الآية.

وفي روايةٍ: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنَزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.

وفيه: عن أبي هريرة قال: قام رسولُ الله ﷺ حين أُنزل عليه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، فقال: يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبدالمطلب، لا أُغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمّة رسول الله ﷺ، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتِ، لا أُغني عنك من الله شيئًا.

الشيخ: يقول رحمه الله: (باب قول الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۝ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف:191- 192]) أراد بهذه الترجمة بيان ما عليه أهل الشرك في عهد النبي ﷺ، وما قاتلهم عليه عليه الصلاة والسلام، وما دعا أمّته إليه من التوحيد والإيمان.

يُبين في هذه الترجمة أنَّ أهل الشرك كانوا على هذه الحالة في عهده ﷺ، وأنهم يعبدون مَن لا يخلق شيئًا، وأنهم مخلوقون، وأنَّ معبوداتهم لا تستطيع نصرًا لأنفسهم، ولا لمن عبدهم.

ويُبين في هذا كله بطلان ما هم عليه من الشِّرك، وأنَّ هذه حال المشركين: يعبدون غير الله ممن هذا وصفه، وهذا الوصف يدل على أنهم لا يستحقون العبادة، وأنه لا يجوز أن يُعبدوا من دون الله، قال تعالى: أَيُشْرِكُونَ إنكارًا عليهم وتوبيخًا لهم مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا، لا قليلًا ولا كثيرًا، حتى الذباب، وحتى النملة، لا يستطيعون ذلك، وَهُمْ يُخْلَقُونَ يعني: وهم مخلوقون، مربوبون، ما بين جمادٍ: كالأصنام لا إحساسَ له، ولا شعور له بما يُقال حوله، أو حيوان عاجز، أو إنسان ليس له قُدرة، أو ملك، أو جني، إلى غير ذلك، كلهم عاجزون ليس لهم قُدرة، بل هم مخلوقون، مربوبون، وإن سمعوا في حياتهم مَن يدعوهم، وإن قدروا على بعض الشيء مما يقدر عليه المخلوق بالسبب الحسي، لكنَّهم لا يستطيعون ما لا يستطيعه إلا الله ، ولا يصلحون للعبادة: لا أحياء، ولا أمواتًا؛ لعجزهم؛ لكونهم مربوبين، مخلوقين.

وإنما يجوز مع الحيِّ الحاضر ما يستطيعه مما جرت العادةُ بأنه من أهله، هذا هو، وليس من هذا الباب في شيءٍ، وهو ما يتعاون به الناس فيما بينهم على كونهم أحياء قادرين، يفهم بعضهم كلام بعضٍ، ويستطيع أن يُعينه بما جعل الله له من القُدرة: من بناء بيته معه، من إصلاح شجره معه، من إصلاح سيارته، من مُعاونته على دابته، إلى غير هذا من الأمور العادية التي بين الناس، هذه غير داخلةٍ في العبادات، وليس لها دخلٌ فيما يتعلق بالتوحيد والعبادة.

وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا كذلك؛ لأنَّ المعبودين لا يستطيعون نصرًا لعابديهم؛ لأنهم مثلما تقدم ما بين جمادٍ: من شجرٍ وحجرٍ، وما بين ميتٍ لا شعورَ له بما يُطلب منه، وما بين حيٍّ لا قُدرة له.

وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ هم أيضًا عاجزون عن نصر أنفسهم، لا يحمون أنفسهم: لا من قتالٍ، ولا من غيره، كما يقال: أنهم يُعبدون من دون الله. الأنبياء والصَّالحون هم لم ينصروا أنفسهم، فكم من نبيٍّ قُتل، قتله قومه، وكم من صالحٍ قتله أعداؤه، فمَن لا يُدفع عن نفسه كيف يُعبد مع الله؟! وكيف يُدعا مع الله؟! وكيف يُرجى منه النصر في الدنيا أو في الآخرة؟!

وإنما تُطلب هذه الأمور من الذي يقدر على كل شيءٍ ، وهو الخالق لكل شيءٍ، وبيده كل شيءٍ .

فهذه أربع صفاتٍ يُوصف بها معبودو المشركين من دون الله:

أولًا: أنهم لا يخلقون شيئًا، بل الخالق هو الله وحده.

الثاني: أنهم مخلوقون، مربوبون، عاجزون.

الثالث: أنهم لا يستطيعون لهم نصرًا، أي: لعابديهم.

والرابع: أنهم لا ينصرون أنفسهم أيضًا.

فهذه أربع صفاتٍ تدل على بطلان عبادتهم من دون الله، وأنهم لا يصلح أن يُعبدوا، لا يُسألون قضاء الحاجات، ولا يُستغاث بهم، ولا يُنذر لهم، ولا يُتقرب إليهم بالذَّبائح، ولا غير هذا من العبادات، بل هذا كله شركٌ بالله جلَّ وعلا.

هكذا قوله سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ القطمير: اللُّفافة التي على النَّواة إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13- 14] ، فوصف آلهتهم بأربع صفات:

الأولى: أنهم لا يملكون شيئًا، حتى القطمير، عاجزون، ليس لهم قوت إلا ما أعطاهم الله إياه.

الثاني: أنهم لا يسمعون دعاء مَن دعاهم، ما بين جمادٍ وميتٍ وغائبٍ مشغولٍ بشأنه.

الثالث: أنهم لو سمعوا ما استجابوا، لو فُرض استماعهم لم يستجيبوا لداعيهم.

الرابع: أنهم يكفرون يوم القيامة بشرك هؤلاء، ويتبرؤون منهم.

فدلَّ ذلك على بطلان تعلُّقهم بهم، وأنهم لا يرضون بعبادتهم إياهم، بل يكفرون بهم، ويُنكرونها، ويتبرؤون منها يوم القيامة، يقولون: تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [القصص:63].

المقصود أنَّ هذه الصِّفات هي صفات معبوديهم من دون الله، ليسوا بمالكين، بل عاجزون، ضُعفاء، الملك لله وحده في كل شيءٍ ، وأنهم لا يسمعون دعاء مَن دعاهم، ولو سمعوا ما استجابوا، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم، ويتبرؤون من ذلك، ويتنصَّلون منه، ويُعلنون أنهم لا يرضون بعبادتهم من دون الله، ولا يملكون لهم شيئًا، وأنهم لا يعقلونها، ولا يعلمونها، بل هم غافلون عنها، كما قال تعالى في الآية الأخرى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ۝ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ يعني: جمع الناس كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5- 6]، فهم يُعادونهم، ويكفرون بعبادتهم، وهم عنها غافلون.

فهذه حال المشركين: هم أخسر الناس صفقةً في الدنيا والآخرة، فعبدوا مَن لا يملك شيئًا، ولا ينفعهم، ولا يملك نجاتهم، ولا سعادتهم، فهم خاسرون في الدنيا، خاسرون في الآخرة، نعوذ بالله.

وهذه الصفات تدل على أنَّ عبادتهم من دون الله باطلة، وأنه لا يجوز أن يُعبد مع الله أحدٌ، فالعبادة حقُّ الله وحده، هو المالك، هو النافع، الضَّار، هو المعطي، المانع ، أما غيره فعاجز لا يستطيع أن ينفع عابديه، ولا أن يُخلصهم من النار، ولا أن يُدخلهم الجنة، ولا أن يُخلصهم يوم الموقف، بل هذا كله إلى الله ، إنما يحصل بسبب طاعته وعبادته والاستقامة على أمره؛ لأنه المالك لكل شيءٍ .

ثم ذكر حديث أنسٍ، وحديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة في بيان أنَّ الرسول ﷺ وهو أفضل الخلق، وأفضل الأنبياء، لم يدفع عن نفسه، فإذا كان الرسولُ محمد لم يدفع عن نفسه، بل جُرح وضُرب يوم أحدٍ في رأسه حتى كُسرت البيضةُ على رأسه، وجُرحت وجنتاه عليه الصلاة والسلام، وكُسرت رباعيته، وأرادوا قتله، لولا دفاع الله عنه، فإذا كان هكذا، فكيف يُعبد مع الله هو أو غيره وهو بهذه المثابة؟!

ويوم حُنين قُتل جمعٌ من أصحابه، وجُرح جمعٌ من أصحابه، ولم يستطع أن يدفع عن نفسه، ولا عنهم.

فإذا كان سيدُ ولد آدم، وأفضل الناس، وأقربهم إلى الله، وأعظمهم منزلةً لم يدفع عن نفسه، ولا عن جماعته وأصحابه، وأصحابه هم أفضل الناس بعد الأنبياء لم يدفعوا عن أنفسهم، بل جرت الهزيمةُ العظيمةُ يوم أحدٍ بسبب المعصية التي وقعت من الرُّماة، بسبب الفشل والتَّنازع، فلم يدفع النبيُّ ﷺ عن نفسه، ولا عن أصحابه، فجرى ما جرى لحكمةٍ بالغةٍ؛ ليعلم الناسُ أنَّ محمدًا وأصحابه ليسوا آلهةً، وليسوا قادرين على الدَّفع عن أنفسهم، بل أمرهم إلى الله ، كبقية الرسل، وبقية الصَّالحين.

فإذا كان أفضلُ الخلق وأعظمهم منزلةً عند الله لا يدفعون عن أنفسهم، ولا يصلحون للعبادة، فغيرهم من باب أولى: كالبدوي، والحسين، وزينب، ونفيسة، والجيلاني، وابن عربي، وغيرهم، ومَن دونهم، ومَن فوقهم، كلهم لا يصلحون للعبادة، فالصحابة أفضل منهم، والنبي أفضل من الجميع، ومع هذا لا يصلحون للعبادة، ولا يدفعون عن أنفسهم، فغيرهم من باب أولى.

وقد شُجَّ النبي يوم أحدٍ، وكُسرت رباعيته، فقال عند هذا: كيف يُفلح قومٌ شجّوا نبيَّهم؟! استعظم ذلك، فقال الله له: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128]، بل الأمر إلى الله ، هو الذي يُدبر الأمور .

وهكذا دعا على جماعةٍ يوم أُحدٍ، دعا عليهم عليه الصلاة والسلام: اللهم العن فلانًا وفلانًا: الحارث بن هشام ..... وصفوان بن أمية كانوا من صناديد قريش، ومن كبارهم، كانوا من أشدِّ الناس عداوةً له عليه الصلاة والسلام، ثم هداهم الله بعد ذلك، لم تُقبل دعوته فيهم، ولم يُقبل لعنه لهم، بل هداهم الله وأسلموا وحسن إسلامهم.

فإذا كان سيدُ ولد آدم لم تُقبل دعوته في هؤلاء، ولم يُقبل سبُّه لهم، وقيل له: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فغيره من باب أولى عليه الصلاة والسلام.

وكان دعا عليهم بعد الركوع في صلاته ﷺ، قنت عليهم بسبب أعمالهم الخبيثة، ومع هذا قيل له: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فتاب اللهُ عليهم وهداهم. فالله أعلم بأحوال عباده ، وأحكم جلَّ وعلا.

وهكذا حديث أبي هريرة لما أنزل الله على نبيِّه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] قام على الصَّفا ونادى في الناس: واصباحاه، فاجتمع الناسُ إليه، فقال: أيها الناس، لو قلتُ لكم إنَّ جيشًا خلف هذا الجبل يغزوكم أو يُصبحكم أو يُمسيكم، هل أنتم مُصدقي؟ قالوا: ما جرَّبنا عليك كذبًا، فقال: إني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد، فقال له أبو لهبٍ عمّه -قبَّحه الله- تبًّا لك سائر اليوم، لهذا جمعتنا؟! فأنزل الله فيه:تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد]، وكان من أشدِّهم على رسول الله ﷺ -قبَّحه الله- فأنزل الله فيه هذه السورة العظيمة الدالة على كفره وضلاله، وأن مصيره النار.

فالمقصود أنه ناداهم قال: يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أُغني عنكم من الله شيئًا يعني: ما تنفعكم قرابتي، إذا لم تُؤمنوا ما تنفعكم قرابتي، وأنكم عشيرتي، اشتروا أنفسَكم من الله بالتوحيد والإيمان، واتِّباع ما جاء به نبيُّه ﷺ، هذا هو طريق النَّجاة.

يا عباس بن عبدالمطلب وهو عمّ النبي ﷺ لا أُغني عنك من الله شيئًا يعني: اشترِ نفسَك بالتوحيد والإيمان وطاعة المصطفى عليه الصلاة والسلام واتِّباعه.

يا صفية عمّة رسول الله، اشتري نفسك من الله، لا أُغني عنك من الله شيئًا.

ثم خصَّ بالنَّذارة أقرب الناس إليه فقال: ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتِ، لا أُغني عنك من الله شيئًا يعني: من مالي الذي أستطيع أن أُعطيك، لكن النَّجاة من النار والفوز بالجنة هذا إلى الله، ليس إليَّ.

فخصَّ وعمَّ بهذه النَّذارة، وبيَّن للناس أنَّ الأمر بيد الله، وأنه ليس بيده ﷺ، ليس بيده أن يُنجي الناس من النار، أو يُدخلهم الجنةَ، حتى قراباته، حتى عمّه وعمّته، حتى بنته.

فعُلم بهذا أنَّ العبادة حقُّ الله، وأنه لا يجوز النَّجاة من النار، أو طلب الجنة من غير الله ، وإنما هذا إلى الله ، هو الذي بيده النَّفع والضُّر، والعطاء والمنع، وإدخال الجنة، والنَّجاة من النار، وشفاء المرضى، وردّ الغُيَّاب، إلى غير ذلك، فهذا هو شأن التوحيد والإيمان.

فهذه الأحاديث والآيات الكريمات كلها دالة على وجوب إخلاص العبادة لله وحده، وأنَّ الواجب عبادة الله، وهو تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، إذ معناها: لا معبودَ حقّ إلا الله، وبهذا جاءت الآيات: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، إلى غير ذلك.

فالواجب على الثَّقلين أن يعبدوا الله وحده، وأن يدعوه وحده، ويخصُّوه بالعبادة دون كلِّ ما سواه، فلا يُدعا إلا الله، ولا يُستغاث إلا به، ولا يُنذر إلا له، ولا يُصلَّى إلا له، ولا يُسجد إلا له، ولا يُتقرب بالنُّذور والذَّبائح إلا له، كل هذا حقّ الله، لا تجوز العبادة لغيره: لا لملكٍ مُقرَّبٍ: كجبرائيل وميكائيل، ولا نبيٍّ مُرسلٍ: كمحمدٍ وإبراهيم وعيسى وموسى ونحوهم، فضلًا عن غيرهم من الناس، فإذا كانت العبادةُ للأنبياء ممنوعةً، فغيرهم من باب أولى.

فعلى المؤمن أن يعقل هذه الأمور، وأن ينتبه لها، وأن يُوضح للناس حقيقة التوحيد والإيمان، ويُنذرهم ما هم فيه من الباطل والشِّرك بالله الذي غرَّهم به الغرور، وغرَّهم به أتباع الغرور من علماء السُّوء، ودُعاة الضَّلالة الذين حُرِموا البصيرة بهذا الدِّين، وعميت عليهم الطريقة، حتى ظنُّوا الحقَّ ضلالًا، والضَّلال هدًى، وظنوا التوحيد شركًا، والشرك توحيدًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لكن يُستثنى من ذلك، ويُعلم من ذلك أنه ليس داخلًا في هذا ما تقدم مما يستطيعه الإنسانُ القادرُ، فما بين الناس من حال الحياة والقُدرة غير داخلٍ فيما يتعلق بالعبادة والتوحيد.

قد يُشبِّه عُبَّاد الأصنام وعُبَّاد القبور بهذا ويقولون: إنَّ هؤلاء يمنعون أن يستعين الإنسانُ بأخيه بحاجاته في الدنيا!

ليس من هذا الباب، وإنما هو تلبيس من أعداء الله، فإذا قلت لأخيك الحاضر الحي القادر: يا أخي، أقرضني كذا، أو أعطني كذا، أو ساعدني على إصلاح هذا البيت، أو غرس هذه الشجرة، أو إصلاح هذه السيارة، فأباحه الله للناس، هذه أسباب معقولة مقدورة بين الناس فيما بينهم، أو من طريق الكتابة: تكتب له، تقول له: أعطني كذا، أو من طريق الهاتف -التليفون- أو تبرق البرقية، أو تليكس مما حدث الآن، صار الناسُ يتصل بعضُهم ببعضٍ بهذه الأمور، هذه أمور حسية، غير داخلةٍ في العبادة.

فإذا قلت لزيد من طريق الهاتف، من طريق التليكس: أرسل لنا كذا، أعطنا كذا، أرسل لنا ألف ريال، أرسل لنا سيارةً، أرسل، هذه أمور معقولة ومحسوسة بين الناس، ليس لها دخلٌ في العبادة، فلا ينبغي أن يلتبس هذا على المؤمن، وإن لبس به أعداء الله من المشركين وقالوا: إنَّ دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات من جنس طلب الأحياء، ومن جنس أن تقول لأخيك الحي بالبرقية أو بالتليفون: أعطنا كذا، أو أرسل كذا. هذا كله تلبيس، وكله ضلال، ولو كان هذا جائزًا لما قاتل النبيُّ ﷺ قريشًا وغيرهم، ولما أنكر عليهم هذا، وبيَّن أنه شركٌ، وقد قال الله : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، وقال عنهم أنهم يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فسمَّاها: عبادة، سمَّى ما يتعلق بدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات سماه: عبادة، وسمَّى أهله: متّخذين لهم شُفعاء، المتقربين بهم إلى الله.

فعُلم بذلك أنَّ هذا هو الشِّرك الأكبر، وأنَّ هذا هو دين الجاهلية، ولو كان هذا جائزًا لبين لهم أنه جائز، ولا بأس به، فلما أنكره عليهم، وقاتلهم عليه، وبيَّن لهم بطلانه، وأنه شركٌ عُلم بذلك أنَّ هذا هو دين الجاهلية، وأنَّ هذا هو الشِّرك الأكبر، وأنَّ هذا ليس من جنس قوله لأخيه الحي الحاضر بالمشافهة أو بالمكاتبة: أرسل لي كذا، وأعطني كذا، هذا ليس من الشرك في شيءٍ، هذا تعلق بأسبابٍ حسيةٍ معقولةٍ مشروعةٍ، أو مرئيةٍ بين الناس فيما بينهم: إما مُشافهة، أو في أمرٍ يتعاطونه باليد هكذا: خذ، وهاتِ، أو بالكتابة، أو من طريق الوسائل الحسية الجديدة: من هاتفٍ، أو برقيةٍ، أو تليكس، أو غير ذلك، هذه أمور معقولة، معلومة، ولها تعلق بالحسِّ، ليس لها تعلق بأمور الغيب، وليس لها تعلق بما وراء الأسباب، بل تتعلق بالأسباب الحسية التي بين الناس: يسمع كلامك، أو يقرأ كتابك، حي، حاضر، قادر، له قُدرة، ليس من باب التَّعلق بالأموات، ولا التَّعلق بالغائبين، ولا التَّعلق بالملائكة، ولا بالجن، ولا بالأشجار، ولا بالأحجار، هذا شيء، وهذا شيء، هذا لون، وهذا لون.

وفَّق اللهُ الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه.

باب قول الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]

في الصحيح عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: إذا قضى اللهُ الأمرَ في السَّماء ضربت الملائكةُ بأجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوانٍ ينفذهم ذلك: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فيسمعها مُسترق السمع، ومُسترق السمع هكذا بعضه فوق بعضٍ، وصفه سفيان بكفِّه فحرفها، وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمةَ فيُلقيها إلى مَن تحته، ثم يُلقيها الآخرُ إلى مَن تحته، حتى يُلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشِّهابُ قبل أن يُلقيها، وربما ألقاها قبل أن يُدركه، فيكذب معها مئة كذبةٍ، فيُقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟! فيُصدق بتلك الكلمة التي سُمعت من السَّماء.

وعن النَّواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أراد اللهُ تعالى أن يُوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السَّماوات منه رجفة -أو قال: رعدة- شديدة؛ خوفًا من الله، فإذا سمع ذلك أهلُ السماوات صُعقوا، وخرُّوا لله سُجَّدًا، فيكون أول مَن يرفع رأسه جبريل، فيُكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريلُ على الملائكة، كلما مرَّ بسماءٍ سأله ملائكتُها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريلُ: قال الحقَّ وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثلما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله.

الشيخ: يقول المؤلفُ رحمه الله: (باب قول الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]) أراد المؤلفُ بهذه الترجمة الردّ على عُبَّاد القبور، وعُبَّاد الملائكة، وعُبَّاد الرسل، وعُبَّاد الأشجار والأحجار، يبين إذا كانت الملائكة تفزع وتخاف من الله ، وتوجل منه ، فكيف يجوز أن تُعبد من دون الله؟! مَن كان يخاف الله، ويجل منه، ويُشفق ويخاف العذاب، وهو متوعد بالعذاب إذا خالف أمر الله، كيف يُعبد؟!

وهكذا الرسل، وهكذا بقية الصَّالحين، وهكذا الجنّ، وهكذا غيرهم، كلهم لا يستحقون العبادةَ، كلهم يخافون الله، الرسل وغيرهم كلهم يخافون الله، وهو القادر على كل شيءٍ جلَّ وعلا، فالعبادة حقّه : وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وقال في الردِّ على المشركين: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57]، هذه في وصف الأنبياء والصَّالحين، كلهم يرجو رحمةَ الله، كلهم يخافون عذابه، كلهم يتقربون إليه، فلا يصلح أن يُعبدوا من دون الله ، قال في الآية الأخرى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأعراف:194].

فالمؤلف أراد بهذا الرد على جميع المشركين، وأنَّ العبادة حقّ الله وحده، وأنه لا يجوز أن يُعبد مع الله: لا ملائكة، ولا رسل وأنبياء، ولا جنّ، ولا إنس، ولا شجر، ولا حجر، ولا صنم: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:2]، إلى أمثال هذه الآيات.

وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ:23] إذا فُزع يعني: زال عنهم الفزعُ، والمراد بهم الملائكة كما دلَّت عليه الأحاديث، فإذا زال عنهم الفزعُ والخوفُ ورُدت إليهم عقولهم: قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ما هو الخبر؟ ما الجاري؟ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أي قال بعضُهم لبعضٍ الْحَقَّ أي: قال ربنا كذا، وقال ربنا كذا، فيسمع هذه الكلمة الجن.

فإذا سمعت الملائكةُ قولَ الرب ضربت بأجنحتها خُضعانًا لقوله، ضُبطت: خضعانًا، وخضعانًا، يعني: خاضعين، وجلين، مشفقين، ذليلين بين يدي الله .

كأنه سلسلة على صفوان: كأنه ضرب سلسلة الحديد على الصفوان، ويسمعها مُسترق السمع، يسمع الكلمات التي يقولها الملائكة فيما بينهم، والجنّ تسترق السمع، الشياطين تسترق السمع.

قال سفيان: ومُسترقو السمع هكذا. في رواية ابن عيينة وفي رواية الثَّوري: مُسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعضٍ. وشبَّك هكذا، حرَّف بين أصابعه هكذا، غير مُتلاصقةٍ بعضها فوق بعضٍ، غير مُتلاصقين، فحرَّفها وبدد بين أصابعه.

فيُلقي الكلمة إلى مَن تحته، حتى يُلقيها الأخيرُ منهم على لسان الساحر أو الكاهن، فتأتيهم الشُّهب، يُرمون بالشُّهُب، وربما أدرك الشِّهابُ هذا الشيطان قبل أن يُلقيها، وربما ألقاها قبل أن يُدركه؛ ابتلاءً وامتحانًا من الله لعباده، ولو شاء لما أخذوا شيئًا، ولكنه يبتلي عباده بما شاء .

فعندما تجتمع هذه الكلمات عند السَّحرة والكهنة يكذبون معها مئة كذبةٍ. في بعض الرِّوايات: يزيدون. في روايةٍ: مئة كذبة، ويزيدون من أنواع الكذب، فيصدقون في واحدةٍ، فيقول الناس فيما بينهم: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟! فيُصدق بتلك الكلمة، فيُصدقونه بالكذب الكثير وأباطيله الكثيرة بأسباب الكلمة التي سمعتها الشياطينُ من الملائكة واسترقوها.

فهذا من الامتحان والابتلاء، فلا ينبغي لعاقلٍ أن يغترَّ بهؤلاء وما قد يصدقون فيه، فإنهم إذا صدقوا في شيءٍ: فإما أن يكون شيئًا شاهدوه في الدنيا، كما قد يُخبرون بأنه جرى في الشام كذا، في مصر كذا، في أمريكا كذا، فإنَّ الشياطين تتساعد ويُخبر بعضُها بعضًا، وتتناقل الأخبار، فتأتي بالأخبار إلى جهةٍ أخرى لم تبلغها الأخبارُ، فيُخبر بهذا هذا المصروع المجنون، أو يُخبر بها هذا المسترق هذا الساحر أو هذا الكاهن.

فالمقصود أنَّ هذه الأخبار التي قد يأتون بها: إما أن تكون مما استرقوه بواسطة الشياطين من السماء، وإما بواسطة النَّقلة منهم من الشياطين بعضهم لبعضٍ، ينقلونها من بلادٍ إلى بلادٍ، ومن إقليمٍ إلى إقليمٍ، ومن قريةٍ إلى قريةٍ، حتى يُلقوها على أوليائهم من السحرة والكهنة، فيُحدثون بها الناس، ويفتنون بها الناس؛ لأنهم سمعوها من هؤلاء، ولم يسمعوها من غيرهم، وربما قالوا: إنهم يعلمون الغيب .....، وربما ادعوا لهم علم الغيب، فيكفرون بذلك، نسأل الله العافية.

ففي هذا الحذر من هذه الأشياء، وأنَّ الواجب تكذيب السَّحرة، وتكذيب الكهنة، وعدم الإصغاء إليهم، وعدم الإصغاء إلى أخبارهم، وإن صدقوا في بعض الأحيان، وأنَّ الواجب عبادة الله وحده، وأنَّ هؤلاء الذين يعبدون الملائكة، أو يعبدون الأنبياء، أو يعبدون الصَّالحين، أو الجنّ، أو الأصنام، عبادتهم باطلة، والواجب إخلاص العبادة لله وحده، ولو كان أفضل الرسل محمد عليه الصلاة والسلام لا تجوز عبادته من دون الله، بل يجب أن يُعبد الله وحده، فالعبادة حقّ الله وحده، أما حقّ الأنبياء فاتِّباعهم ومحبَّتهم عليهم الصلاة والسلام، وحقّ الصَّالحين محبَّتهم في الله، وحقّ الملائكة محبَّتهم في الله، أما أن يُعبدوا من دون الله، لا، العبادة حقّ الله وحده.

وهكذا حديث النَّواس بن سمعان: سمعان بالكسر، وسمعان بالفتح: أنَّ الله إذا أراد أن يُوحي بالأمر تكلم بالوحي، فإذا تكلم بالوحي خرَّت الملائكةُ سُجَّدًا لله وفزعوا؛ خوفًا منه ، وتعظيمًا له.

وفي هذا اللفظ: أخذت السَّماوات رعدة، أو قال: رجفة شديدة؛ خوفًا من الله ، فيصعق الملائكة، ويكون أول مَن يفيق جبرائيل عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أشرف الملائكة، وهو الرسول بين الله وبين الرسل عليه الصلاة والسلام، يُقال: جبرائيل، ويقال: جبريل، فيأمره الله جلَّ وعلا أن يُبلغ الوحي إلى مَن يشاء، وكلما مرَّ بسماءٍ سألته الملائكةُ: ماذا قال ربُّنا يا جبرائيل؟ فيقول: قال كذا وكذا، فينتهي بالوحي إلى حيث أمره .

ومُسترقو السمع يسمعون هذا الكلام بين الملائكة، وربما حفظوا شيئًا، وربما ألقوه إلى السَّحرة، وربما أُحرقوا بين السَّماء والأرض، ولم يُبلغوا شيئًا، فالأمر بيد الله .

والمقصود من هذا كله بيان أنَّ الواجب عبادة الله وحده، وأنَّ العبادة حقُّ الله وحده، ليس للملائكة ولا لغيرهم ممن هو أفضل منهم كالرسل، ليس لهم حقّ في هذا، هذا حقٌّ لله وحده، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62]، وفي هذا دلالة على خوف الملائكة من ربهم وفزعهم منه.

وفيه من الفوائد: أنَّ الشياطين تسترق السمع، تسمع بعض الشيء من السماء، وقد أُلقيت عليهم الشُّهب، وشُدد عليهم وقت الوحي، كانوا قبل ذلك يستمعون، وبعد ذلك، لكن شُدد عليهم في زمن النبوة، فلما مات النبيُّ ﷺ وتوفي عليه الصلاة والسلام صار استماعُهم تارةً يُصيبهم شهاب، وتارة لا يُصيبهم، ولكن لم يكن كما كان في عهد النبي ﷺ؛ لأنَّ الله حفظ الوحي، وصان كلامه من تلطيخ الشياطين وكذبهم وافترائهم.

وبكل حالٍ فهم قد يسمعون شيئًا، ولكن لا ينبغي أن يغترّ بذلك، ولا ينبغي أن يُقلد السَّحرة والكهنة في ذلك، بل يجب تكذيبهم، والإنكار عليهم، وعقوبتهم، والقضاء عليهم؛ لئلا يفتنوا الناس، ومَن ادَّعى أنه يعلم الغيبَ، أو صدَّقهم في علم الغيب صار كافرًا، نسأل الله العافية.

وفي هذا فضل الملائكة، وأنهم في طاعة الله ، وفضل جبرائيل، وأنه رأسهم، والسَّفير بين الله وبين رسله عليه الصلاة والسلام، والله أعلم.

وفيه أيضًا من الفوائد: كلام الله، وأنه يتكلم إذا شاء، فهو سبحانه يتكلم إذا شاء، ويتكلم بالقرآن، ويأمر بما يشاء، وهكذا يوم القيامة يتكلم، ويأمر جلَّ وعلا، ويُخاطب أهَل الجنة ويقول: هل رضيتُم؟.

فكلامه حقّ، كلام يليق بجلاله، لا يُشابه كلام المخلوقين ، وهكذا الإرادة: إذا أراد اللهُ، وصف الله بالإرادة، فله إرادة جلَّ وعلا ومشيئة تليق به .

س: ...............؟

ج: يعني في وقت النبي قليل جدًّا، لكن بعد النبي وقبل النبي موجود، ولكن ليس كل شيءٍ يُدركونه، قد يُدركون شيئًا، وقد يُصيبهم الشِّهاب قبل أن يُلقوه إلى السَّحرة، قد يُمتحن الناس بما يُدركون، وقد يحول الله بينهم وبين الاستراق بالشُّهب، هذا للابتلاء والامتحان.

س: ...............؟

ج: هذا لا يمنع، كما أخبر النبيُّ ﷺ قد يُرمون بالشُّهب، ولكن قد يسلم بعضهم ويبلغ إلى السَّحرة والكهنة.

باب الشَّفاعة

وقول الله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام:51].

وقوله: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44].

وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255].

وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26].

وقوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ:22].

قال أبو العباس: نفى الله عمَّا سواه كلَّ ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملكٌ أو قسطٌ منه، أو يكون عونًا لله. ولم يبقَ إلا الشَّفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، فهذه الشَّفاعة التي يظنّها المشركون هي مُنتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآنُ، وأخبر النبي ﷺ: أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشَّفاعة أولًا، ثم يُقال له: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسَلْ تُعْطَ، واشفع تُشفَّع.

وقال له أبو هريرة: مَن أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: مَن قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه، فتلك الشَّفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.

وحقيقته: أنَّ الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء مَن أذن له أن يشفع؛ ليُكرمه وينال المقام المحمود.

فالشفاعة التي نفاها القرآنُ ما كان فيها شركٌ؛ ولهذا أثبت الشَّفاعة بإذنه في مواضع.

وقد بيَّن النبيُّ ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. اهـ. كلامه.

الشيخ: يقول رحمه الله: (باب الشَّفاعة) لما كانت الشَّفاعة قد تكلم فيها الناسُ، واضطربت أقوالهم في الشَّفاعة، وشذَّ المبتدعةُ بكلامٍ باطلٍ، وعقيدةٍ باطلةٍ، احتاج العلماءُ أن يُبينوها، وأن يخصُّوها ببحثٍ خاصٍّ، وبابٍ خاصٍّ، حتى يعرف المؤمنُ حقيقةَ الأمر، وحتى يكون على بصيرةٍ في الشَّفاعة التي تنازع فيها الكفَّار والمسلمون وأهل البدع، فيعرف ما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة، ويعتقد الاعتقاد الصَّحيح، ويسلم من الاعتقادات الباطلة المنحرفة؛ ولهذا قال رحمه الله: (باب الشفاعة) يعني: باب بيان ما ثبت منها، وما نُفي منها. (باب الشفاعة) أي: باب بيان الحقِّ منها والباطل، والمثبت والمنفي؛ حتى تكون على بينةٍ في هذا.

ثم قال رحمه الله: (وقول الله : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ يعني: أنذر يا محمد به: بالقرآن الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ أن يُجمعوا إلى ربِّهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:51]).

أمر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يُنذر بالقرآن، والإنذار هو الإخبار بأسباب الخطر: الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ أي: يُنذر به المسلمين؛ لأنَّ الكفار لم يقبلوا، ولم يستجيبوا؛ ولهذا أمر أن يُنذر به المؤمنين الذين يخافون ربَّهم: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ، هذه الشفاعة الباطلة؛ فإنَّ العباد ليس لهم وليٌّ ولا شفيعٌ بالكلية إلا مَن رضي الله قوله وعمله، ومَن أذن له ، فالكفار يظنون أنَّ هناك لهم أولياء، ولهم شُفعاء يُنقذونهم من النار، ويشفعون لهم عند الله، وأنهم لا يدخلون النار بسبب هؤلاء الشُّفعاء، حتى عبدوهم من دون الله وقالوا: هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، فقال الله عنهم أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد وليٌّ ولا شفيعٌ من دونه جلَّ وعلا، وأنَّ هذه الشَّفاعات التي يتعلق بها الكفَّار باطلة، وإنما الشفاعة الحقّ هي التي يأذن الله فيها لأنبيائه وأوليائه وأهل طاعته في أهل التوحيد والإيمان، لا في أهل الكفر والنِّفاق.

لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: ليتقوا الله إذا عرفوا أنه لا شفاعةَ ولا ولايةَ لغيره سبحانه، ليتَّقوه فيستقيموا على دينه ويُوحِّدوه ويحذروا أسبابَ غضبه .

قال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44] أمر الله نبيَّه أن يُخبر الناسَ أنَّ الشفاعة لله وحده، قبلها قوله جلَّ وعلا: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ۝ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:43- 44]، فالشفاعة له ، أما ما يدَّعيه المشركون من كون أصنامهم أو أشجارهم أو أحجارهم أو أمواتهم يشفعون لهم، هذا لا حقَّ له، بل هو باطل؛ ولهذا نفاها الله عنهم فقال: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18].

فالشَّفاعة له ، ليس ملكًا لغيره: لا للأنبياء، ولا لغيرهم، وإنما يشفع الأنبياءُ بإذنه ، وهكذا المؤمنون بإذنه: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فهو الذي يُعطيها مَن يشاء، ويمنعها مَن يشاء ، تطلب منه تقول: اللهم شفِّع فيَّ نبيك، اللهم شفِّع فيَّ عبادك المؤمنين، اللهم شفِّع فيَّ أفراطي. تطلب منه جلَّ وعلا: اللهم لا تحرمني شفاعة نبيِّك ﷺ.

فالمطلوب منه جلَّ وعلا، لا من غيره ، ولا مانع في الحياة أن يطلب من النبي أو من غيره الشَّفاعة، تقول للنبي في حياته: يا رسول الله، اشفع لي أن يغفر اللهُ لي، اشفع لي أن يرزقني اللهُ ولدًا، أو رزقًا طيبًا، أو تقول لأخيك الطيب: يا فلان، ادعُ الله لي، اشفع لي عند الله أن الله يغفر لي، أن الله يهديني، لا بأس. أما الأموات والأشجار والأحجار والأصنام فلا يُطلب منهم شيء، وهكذا الغُيَّاب من الملائكة أو الجنّ لا يُطلب منهم شيء، وهكذا غير الجنّ والملائكة؛ لأنَّ الغائب لا يشعر بك، ولا يدري عنك، فليس لك أن تطلب منه شيئًا باعتقادك أنه له سرٌّ به يطَّلع على الغيب، أو به يسمع كلامك عن بُعدٍ، أو ما أشبه ذلك مما يعتقده الجُهَّال والكُفَّار، وإنما يُطلب هذا من الحيِّ: إما بالمشافهة، أو بواسطة الكتابة، أو الهاتف، أو التليكس كما حدث الآن، أو ما أشبه ذلك من الاتصالات التي تحسّ وتعرف وجوهها.

أما أن يعتقد أنَّ هذا الميت، أو هذا الحجر، أو هذا الصنم، أو هذه الشَّجرة تنفع فيدعوها، ويستغيث بها، هذا هو الشِّرك الأكبر، أو يعتقد أنَّ الميت الفلاني، أو الصنم الفلاني، أو الشخص الفلاني في أقصى الدنيا يدري عن حاله، ويعلم سرَّه، ويسمع كلامه، كل هذا باطل، كله من الشرك الأكبر، نسأل الله العافية.

قال تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]، وقال : وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، وقال سبحانه: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]، وقال : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وقال : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ۝ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الآية [سبأ:22- 23]، فبين أنه لا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه، وأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى: لا الملائكة، ولا غيرهم، وأنَّ الملائكة في السَّماء لا تملك إذنًا، ولا شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، وهم الملائكة الذين عظَّمهم الله جلَّ وعلا، وجعل لهم شيئًا، فقال: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26].

فإذا كان الرسلُ وهم أفضل الخلق لا يشفعون إلا بالإذن والرضا، فهكذا الملائكة، وإن كانوا من خيار الناس، وأفضل الخلق، فكذلك لا يشفعون إلا بإذنٍ وبرضا، وهكذا غيرهم من باب أولى: المؤمنون، والأطفال، والأفراط، والملائكة، وغيرهم، كلهم لا يشفعون إلا بإذنه ، فالأنبياء والملائكة والمؤمنون والأطفال كلهم لا يشفعون إلا بإذن الله ورضاه .

وبيَّن جلَّ وعلا أنَّ جميع المخلوقات الذين يدعونهم من دون الله، سواء كانوا أنبياء، أو ملائكة، أو غيرهم، كلهم ليس لهم قُدرة على شيءٍ، لا يملكون مثقال ذرةٍ في السَّماوات، ولا في الأرض، ليس لهم ملكٌ، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا في السَّماوات والأرض مِنْ شِرْكٍ [سبأ:22]، فهم لا يستقلون بملك السَّماوات والأرض، وليس لهم شركٌ في ذلك، وليس لهم أيضًا مُظاهرة، وهي المساعدة، وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ يعني: من عوين، فهو سبحانه لا يحتاج إلى أحدٍ، فليس له شريكٌ ولا عوين ولا شفيعٌ إلا بإذنه ؛ ولهذا قال: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23]؛ لأنَّ المتعلقين بالأنبياء والملائكة وبغيرهم إنما يتعلَّقون بأحد أمورٍ أربعة: إما لأنَّ الـمُتعلَّق عليه مالكٌ لما يُطلب منه، بيَّن الله أنهم لا يملكون، لا يملكون الشفاعة ولا غيرها. أو شريكٌ لمالكٍ، فبين الله أنهم ليسوا بشركاء. أو عوين وظهير، وبيَّن الله أنه ليس له أعوان ولا مُظاهرون، بل هو مستقلٌّ في كل شيءٍ .

بقي أمرٌ رابعٌ: وهو أن يكونوا شُفعاء، فيُعبدون لذلك، فبين الله أنهم ليسوا شفعاء إلا بإذنه، ما في شفاعة مستقلة كما قد يقع في الدنيا عند الملوك: قد يشفع عندهم بعضُ الناس بغير إذنهم، ويخضعون لشفاعته؛ خوفًا منه، أو رجاءً له، أو لحاجتهم إليه، فقد يشفع الشَّافعون عند الملوك، والملوك لا يرغبون ذلك، ويكرهون هذه الشَّفاعة، لكن لا حيلةَ لهم إلا أن يُنفذوا، فقد يشفع أميرٌ كبيرٌ، أو شيخ قبيلةٍ كبير لا تُردّ شفاعته، ربما خرب عليهم ملكهم وبلادهم، فيُشفعونه خوفًا من شرِّه، وخوفًا من بلائه، أو لحاجتهم إليه في أمورٍ أخرى يستعملونه فيها، ولو ردُّوا شفاعته ما ساعدهم، ولا أعانهم في أمورهم، فهم يُشفعون بعض الناس إما خوفًا، وإما لحاجةٍ.

أما الربُّ فلا يحتاج إلى أحدٍ، ولا يخاف من أحدٍ، فهو المالك لكل شيءٍ، والقادر على كل شيءٍ، ولا يخاف أحدًا، ولا يرجو أحدًا؛ ولهذا لا يشفع أحدٌ إلا بإذنه .

(قال أبو العباس) وأبو العباس هو أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية، الملقب: بشيخ الإسلام في زمانه، والملقب: بتقي الدين، وقد كانت وفاته سنة 728 في أوائل المئة الثامنة، وكان مولده سنة 661.

يقول رحمه الله في هذه الآية: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية [سبأ:22]: نفى الله سبحانه أن يكون لغيره ملكٌ أو شريك أو عونٌ، فلم يبقَ إلا الشَّفاعة، لم يبقَ مما يتعلق به الكفَّار إلا الشَّفاعة، أما كونه مالكًا أو شريكًا أو عوينًا فهذا معلوم الانتفاء، قد نفى أن يكون لغيره من الأنبياء أو الملائكة شراكة في ملك السَّماوات والأرض، أو ملك لها، أو مظاهرة، فلم يبقَ إلا الشَّفاعة، فليس لأحدٍ ملك في السَّماوات، ولا في الأرض، ولا شركة، ولا مساعدة، أو مظاهرة، فلم يبقَ إلا مجرد الشَّفاعة.

وبيَّن سبحانه أنها لا تنفع الشَّفاعة عنده إلا لمن أذن له، فحينئذٍ بطل تعلق الكفَّار بالكلية من جميع الوجوه، وسأله أبو هريرة : مَن أحقّ الناس بشفاعتك؟ مَن أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: مَن قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه.

فأسعد الناس بشفاعته ﷺ هم الموحِّدون الذين يقولون: "لا إله إلا الله" عن صدقٍ، وعن إخلاصٍ، من قلوبهم.

وفي الحديث الآخر: إنَّ لكل نبيٍّ دعوةً يعني: مُستجابة فتعجَّل كلُّ نبيٍّ دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ إن شاء الله مَن مات من أمتي لا يُشرك بالله شيئًا.

فبين عليه الصلاة والسلام أنها لا تنفع أمَّته إلا مَن وحَّد الله وأخلص له، هذا هو الذي تناله الشَّفاعة، أما مَن مات على غير الإسلام من أمته: من يهود أو نصارى أو عرب أو عجم، فهؤلاء لا حظَّ لهم في الشَّفاعة، إنما الشَّفاعة لأهل التوحيد في دخول الجنة، وفي إخراجهم من النار إذا دخولها بمعاصيهم.

فهذا كله واضحٌ في أنَّ الشَّفاعة إنما تكون لأهل التوحيد والإيمان، لا أهل الشِّرك والكفران.

ثم يقول رحمه الله: فهذه الشَّفاعة التي يظنّها المشركون -يعني: يعتقدونها- هي مُنتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآنُ، هم يظنون أنَّ آلهتهم تشفع لهم، وأنَّ أصنامهم، وأن الأنبياء، وأن الملائكة الذين عبدوهم أنهم يشفعون لهم شفاعةً ملزمةً، وأنهم لا يحتاجون إلى إذنٍ، بل يشفعون وتُقبل شفاعتهم، ويحصل لهم دخول الجنة، والنجاة من النار، هذا في حقِّ مَن يؤمن بالآخرة، وأما مَن لم يُؤمن بالآخرة فهم يعتقدون أنهم يعبدونهم ليشفعوا لهم في حاجات الدنيا ومصالح الدنيا: من حصول رزقٍ، من دفع خطر عقوبات، وأشباه ذلك.

وأكثر العرب لا يُؤمنون بالآخرة، أكثرهم دهريون لا يؤمنون بالآخرة، فهم يتشفعون بالملائكة أو بغيرهم لحظِّهم العاجل، ومقاصدهم العاجلة، ومَن آمن منهم بالآخرة أو من غيرهم من العجم فهم يظنون أنَّ هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله يشفعون لهم عند الله شفاعةً ملزمةً، وهي الشفاعة عند الملوك وأشباه الملوك، وهذا من جهلهم وضلالهم في حقِّه ، وغناه، وملكه العظيم.

ويُبين رحمه الله حقيقتها: أنَّ حقيقة الشَّفاعة أنها تفضُّلٌ من الله، وإحسانٌ منه جلَّ وعلا على الشَّافع والمشفوع له، هذه حقيقتها، فهو تفضُّل من الله على الشَّافع حيث جعله أهلًا للشفاعة؛ ليُكرمه ويُبين مقام النبي ﷺ، فإنَّ الله أكرمه بالشَّفاعة العظمى، وسمَّاها: المقام المحمود الذي يحمده به الآخرون والأوَّلون يوم القيامة، المذكور في قوله جلَّ وعلا: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، هذا المقام المحمود على الصحيح هو الشَّفاعة العظمى، وقيل: أن المقام المحمود أنَّ الله يُجلسه معه على العرش يوم القيامة. لكن الحديثَ في صحَّته نظر، وإنما المشهور عند أهل العلم أنَّ المقام المحمود هو الشَّفاعة العظمى يوم القيامة.

ثم هي تفضُّلٌ من الله جلَّ وعلا على المشفوع فيه، حيث شفع الأنبياء فيه، وشفع غيرهم حتى عمَّت الرحمة هذا المشفوع فيه، وأُخرج من النار، وأُدخل الجنة بسبب توحيده وإسلامه وشفاعة هؤلاء الشُّفعاء الأخيار فيه.

هذه الحقيقة -حقيقة أمر الشفاعة- فينبغي للعاقل أن ينتبه لهذا الأمر، وألا يغترَّ بما يقوله عُبَّاد القبور وعُبَّاد الأصنام بأنَّ عبادتهم للأنبياء أو لأصحاب القبور تجعلهم يدخلون الجنةَ، وتجعلهم يستحقون الشَّفاعة من هؤلاء مطلقًا، وأنَّ شفاعتهم لا تُردّ فيهم، وأنهم من أهل الجنة بسبب هذا. هذا غلطٌ كبيرٌ، بل نفس ما فعلوه هو سبب حرمانهم الشَّفاعة، فهم أتوا بشيءٍ يحرمهم من الشَّفاعة، ويمنعهم منها، وهي الشِّرك، نسأل الله السلامة.

رزق الله الجميع العافية والسلامة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.