01 من قوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ..)

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ۝ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ۝ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ 
قُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ أَرَادَ دِينًا سِوَى دِينِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ بِهِ كُتَبَهُ، وأرسل به رسله، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّذِي لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَيِ اسْتَسْلَمَ لَهُ مِنْ فِيهِمَا طَوْعًا وَكَرْهًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الرَّعْدِ:15] وَقَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النَّحْلِ:48-50] فَالْمُؤْمِنُ مُسْتَسْلِمٌ بِقَلْبِهِ وَقَالَبِهِ لِلَّهِ، وَالْكَافِرُ مُسْتَسْلِمٌ لِلَّهِ كَرْهَا، فَإِنَّهُ تَحْتَ التَّسْخِيرِ وَالْقَهْرِ وَالسُّلْطَانِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا يُخَالِفُ وَلَا يُمَانِعُ.
الشيخ: وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران:83] أي له ذل وانقاد لأمره سبحانه طوعًا وكرهًا من في السماوات ومن في الأرض من في السماوات الملائكة يطيعون الله جل وعلا، وفي الأرض المسلمون مطيعون ويستسلمون لله انقيادًا  وطاعة وتعظيمًا ورغبة فيما عنده، والكافرون ... لأنهم مربوبون مخلوقون ليس لهم ... في أنفسهم بل الله الذي يصرف أمورهم ويدبرها سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال في الآية الأخرى في آية الحج: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ[الحج:18] يعني حق عليه العذاب لأنه لم يسجد لله طائعًا وإن سجد كارهًا وإن خضع كارهًا وذل كارهًا فإن الله هو المتصرف في شؤون العباد، وإن لم يرضوا بذلك فإنه سبحانه مدبر أمورهم ومصرف شؤونهم، فالمرض والحياة والموت والسفر والإقامة كلها يدبرها سبحانه وتعالى وهو يصرف أرزاقهم وهم خاضعون ساجدون ذليلون طوعًا له سبحانه إذا كانوا مسلمين وكرهًا إذا كانوا غير مسلمين فيما يتكبرون عنه وفيما يستكبرون عنه وفيما يأبون فالله جل وعلا أمره غالب فيهم سبحانه وتعالى.
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَعْنًى آخَرَ فِيهِ غَرَابَةٌ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِحْصَنٍ الْعُكَّاشِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً، أَمَّا مَنْ في السموات فَالْمَلَائِكَةُ، وَأَمَّا مَنْ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا كَرْهًا فَمَنْ أُتِيَ بِهِ مِنْ سَبَايَا الْأُمَمِ فِي السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ وَهُمْ كَارِهُونَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ وَسَيَأْتِي لَهُ شَاهِدٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ لِلْآيَةِ أَقْوَى.
وَقَدْ قَالَ وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الزمر:25] قَالَ: هُوَ كَقَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَانَ:25] وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً قَالَ: حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ.
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ أَيْ يَوْمَ الْمَعَادِ فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ.
 ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أَيْ مِنَ الصُّحُفِ وَالْوَحْيِ، وَالْأَسْباطِ وَهُمْ بُطُونُ بَنِي إِسْرَائِيلَ المتشعبة من أولاد إسرائيل- وهو يَعْقُوبُ- الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى يَعْنِي بِذَلِكَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ جُمْلَةً لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يَعْنِي: بَلْ نُؤْمِنُ بِجَمِيعِهِمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ، لَا يَكْفُرُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ هُمْ يصدقون بِمَا أُنْزِلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَبِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ.
الشيخ: وهذا هو الواجب على الجميع أن يؤمنوا بجميع ما أنزل الله من كتب وأن يصدقوا بكل ما أرسل الله من الرسل وبعث من الأنبياء كما قال جل وعلا: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة:285] فالمقصود أن الواجب على أهل الأرض من الجن والإنس الإيمان بكل ما أنزل الله من الكتب من أبينا آدم إلى نزول القرآن، ويؤمنون بكل من أرسل الله من الرسل والأنبياء وتصديق ما جاءوا به وأنهم بُعثوا بالحق، وأن الله أرسلهم دعاة للهدى ونذراً للعباد يدعونهم إلى توحيد الله وإلى طاعة الله ويبصرونهم بما خلقوا له من طاعة الله وعبادته، وينذرونهم من معاصيه ومخالفة أمره، ومن الشرك به سبحانه ويبشرون من أطاع بالجنة والسعادة، وينذرون من عصى بالنار وغضب الله عز وجل، هذا هو الواجب على جميع المكلفين من جن وإنس أن يؤمنوا بالرسل جميعًا وبالكتب جميعًا ولا يفرقوا بين أحد بل يؤمنوا بهم جميعًا، وبما أنزل الله عليهم وأنهم جاءوا بالحق والهدى، وأن خاتمهم وإمامهم هو نبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء وهو أفضلهم، وكل رسول قبله وكل نبي بعث إلى قومه خاصة أما محمد ﷺ فرسالته عامة إلى الجميع إلى جميع أهل الأرض المكلفين كما قال سبحانه: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا[الأعراف:158] وقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا[سبأ:28] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فهو رسول للجميع وهكذا القرآن العظيم أنزل للجميع تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1] فالقرآن والرسول كل منهما نذير وبشير للعالمين من الجن والإنس سواء كانوا عربًا أو عجمًا جنًا أو إنسًا ذكورًا أو إناثًا أغنياء أو فقراء حكامًا أو محكومين  بجميع أصنافهم، واجب عليهم طاعة هذا الرسول والإيمان به والإيمان بما جاء به والإيمان بجميع الرسل الماضين وتصديقهم والإيمان بكل ما أنزل الله من الكتب وأنها حق وأن الله أنزل فيها ما فيه الشرائع لهم والأوامر والنواهي والتفاصيل والإخبار عما يكون يوم القيامة وعما كان وما يكون كما قال جل وعلا: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد:25] ... والكتاب ما يُقرأ في الشرائع والأحكام والأخبار، والميزان الشرائع الحكيمة العادلة التي ليس فيها جور ولا ظلم؛ ولهذا قال بعدها: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد:25] أي بالعدل وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25]  
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ الآية، أَيْ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا سِوَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ إِذْ ذَاكَ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَجِيءُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَجِيءُ الصَّلَاةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَا الصَّلَاةُ فَيَقُولُ إِنَّكِ على خير وتجيء الصَّدَقَةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَا الصَّدَقَةُ فَيَقُولُ إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ الصِّيَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَا الصِّيَامُ، فَيَقُولُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ تَجِيءُ الْأَعْمَالُ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ الْإِسْلَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنْتَ السَّلَامُ وَأَنَا الْإِسْلَامُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي، قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، قَالَ أَبُو عبدالرَّحْمَنِ عبداللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ ثِقَةٌ، وَلَكِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ من أبي هريرة.
الشيخ: وهذا يبين لنا أن الإسلام هو دين الله لجميع المرسلين لجميع أهل الأرض لا دين آخر إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19] فهو دين آدم ومن بعده وهو دين نوح وقومه ودين هود وقومه ودين صالح وقومه وهكذا إلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو الدين الحق هو دين الله.
والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والخضوع والتبرؤ من الشرك والانقياد للأوامر، سمي دين الله إسلامًا لما فيه من الانقياد لله في أوامره ونواهيه وإخلاص العبادة له، فالمسلم مستسلم لله  مخلص لله عز وجل منقاد لأوامره قد أسلم لأوامره وانقاد وسلم خلص فالإسلام فيه السلامة وفيه الخلوص وفيه الذل والانقياد، فالمسلمون خالصون لله عابدون الله وحده منقادون لأوامره أذلاء في طاعته فالإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والإخلاص والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله فهو دين الله إلى جميع المرسلين من أولهم إلى آخرهم، فرض عليهم سبحانه أن يعبدوه وحده، وأن يؤمنوا بالآخرة والجنة والنار والجزاء والحساب وأنه حق.
ثم تنوعت الشرائع، الشرائع التي فيها الأوامر والنواهي تنوعت فيما أوجب الله على هؤلاء وهؤلاء، قال جل وعلا: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48] فالواجبات التي على الأمم والمحرمات التي على الأمم تختلف بحسب أحوالهم وظروفهم وشؤونهم على حسب حكمة الله عز وجل الحكيم العليم سبحانه وتعالى.
وأكمل هذه الشرائع وأعظمها وأتمها وأنفعها للعباد شريعة محمد عليه الصلاة والسلام هي أكمل الشرائع وهي خاتمة الشرائع ليس بعدها شريعة وهي شريعة الله للناس إلى يوم القيامة فما أحل الله فيها فهو الحلال، وما حرم فيها فهو الحرام وما أوجب فيها فهو الواجب فعلى أهل الأرض جميعًا من الجن والإنس أن يلتزموها وأن يأخذوا بها من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وأن يثبتوا عليها حتى يلقوا الله إلى أن ينزع هذا القرآن من الناس وإلى أن لا يبقى على وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله فعند ذلك تقوم الساعة على الأشرار لأهل الأرض كلهم كفار لا يعرفون عن الله شيئًا فعليهم تقوم الساعة في آخر الزمان نسأل الله العافية.كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ۝ أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ۝ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبداللَّهِ بْنُ بَزِيعٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ، ثُمَّ نَدِمَ فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ أَنْ سَلُوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ فَنَزَلَتْ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ - إلى قوله- فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأرسل إليه قومه فأسلم، وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
الشيخ: وهو كما قال فسنده جيد، وهو دليل على أن العبد إذا ارتد ثم هداه الله ومَنّ عليه بالتوبة فلا حرج من تاب تاب الله عليه ولو بعد الردة، ولو ارتد ثم ارتد ثم ارتد ثم تاب توبة صادقة ... والندم على ما وقع منه والإقلاع عن ذلك والعزم ألا يعود في ذلك فإن الله يتوب عليه، هذا من فضله ورحمته سبحانه وتعالى ومن جوده وكرمه أنه لا يرد تائبًا، ولكن في الحكم الشرعي يختلف فإن المعروف عند أهل العلم أن من تكررت من الردة يقتل لتلاعبه ولكن فيما بينه وبين الله إذا صدق تاب الله عليه سبحانه وتعالى.
وَقَالَ عبدالرزاق: أنبأنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: جَاءَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ فَأَسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ كَفَرَ الْحَارِثُ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ - إلى قوله- غَفُورٌ رَحِيمٌ قَالَ: فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ الْحَارِثُ: إِنَّكَ- وَاللَّهِ ما علمتُ- لصدقٌ، وإن رسول الله لَأَصْدَقُ مِنْكَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَأَصْدَقُ الثَّلَاثَةِ، قَالَ: فَرَجَعَ الْحَارِثُ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أَيْ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَجُ وَالْبَرَاهِينُ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ، وَوَضَحَ لَهُمُ الْأَمْرُ ثُمَّ ارْتَدُّوا إِلَى ظُلْمَةِ الشِّرْكِ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ هَؤُلَاءِ الْهِدَايَةَ بَعْدَ مَا تَلَبَّسُوا بِهِ مِنَ الْعَمَايَةِ، ولهذا قال تعالى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. ثُمَّ قَالَ تعالى أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أَيْ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ، وَيَلْعَنُهُمْ خَلْقُهُ، خالِدِينَ فِيها أَيْ فِي اللَّعْنَةِ، لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أَيْ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً.
الشيخ: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97] فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا [النبأ:30] نسأل الله العافية، لكن مع هذا الوعيد العظيم متى تابوا تاب الله عليهم نسأل الله السلامة.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ وَبِرِّهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وعائدته على خلقه أن من تاب إليه، تاب عليه.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ۝ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
يقول تعالى متوعدا ومهددا لِمَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، ثُمَّ ازْدَادَ كُفْرًا أي استمر عليه إلى الممات، ومخبرا بأنهم لن تقبل لهم توبة عند الممات، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النِّسَاءِ:18]، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ أَيِ الْخَارِجُونَ عَنِ الْمَنْهَجِ الْحَقِّ إِلَى طَرِيقِ الْغَيِّ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبداللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ قَوْمًا أَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ثُمَّ أَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، فَأَرْسَلُوا إِلَى قَوْمِهِمْ يَسْأَلُونَ لَهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وهكذا رواه، وإسناده جيد.
ثم قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أَيْ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ خَيْرٌ أَبَدًا، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَنْفَقَ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبَا فِيمَا يَرَاهُ قُرْبَةً، كَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عبداللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ وَكَانَ يُقْرِي الضَّيْفَ وَيَفُكُّ الْعَانِي وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ: هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدهر: ربي اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.
الشيخ: أي أنه لم يؤمن بالآخرة بل مات على كفره ولم يؤمن بالآخرة؛ ولهذا أعماله حابطة ولو أنفق ملء الأرض ذهبًا نسأل الله العافية ولو أنفق ملء الدنيا كلها، فالمقصود أن شرط القبول كونه مسلمًا وكونه يموت على الإسلام وإذا مات على الكفر بالله حبطت أعماله وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5] وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] فمن مات على الكفر بالله فلا حيلة فيه نسأل الله العافية.
وَكَذَلِكَ لَوِ افتدى بملء الأرض ذَهَبًا مَا قُبِلَ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ [الْبَقَرَةِ:123] وَقَالَ: لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [إِبْرَاهِيمَ:31]، وَقَالَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [الْمَائِدَةِ:36] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ فَعَطَفَ وَلَوِ افْتَدى بِهِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أن لا يُنْقِذَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ قَدْ أَنْفَقَ مِثْلَ الْأَرْضِ ذَهَبَا، وَلَوِ افْتَدَى نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبَا، بِوَزْنِ جِبَالِهَا وَتِلَالِهَا وَتُرَابِهَا وَرِمَالِهَا وَسَهْلِهَا وَوَعْرِهَا وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: نعم، فيقول الله: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ وهكذا أخرجه البخاري ومسلم.
الشيخ: وهذه الإرادة هي الإرادة الشرعية "قد أردت منك" أي أمرتك وأرشدتك وأردت منك شرعًا أن تسلم وتنقاد إلى الحق فأبيت إلا الشرك! أما الإرادة الكونية فغير مرادة هنا لأن الإرادة الكونية لا يخالفها شيء، ولكنه أراد شرعًا وأمر شرعًا وقضى شرعًا ألا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى فأبى المشركون إلا كفوراً نسأل الله العافية، فلهذا لا تنفعه يوم القيامة لا خلة ولا شفاعة ولا عدل ولا ملء الأرض ذهبًا ولا غير ذلك.
طريق أخرى: وقال الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ خَيْرُ مَنْزِلٍ، فَيَقُولُ: سَلْ وَتَمَنَّ، فَيَقُولُ: مَا أَسْأَلُ وَلَا أَتَمَنَّى إِلَّا أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ عَشْرَ مِرَارٍ، لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، وَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ شَرُّ مَنْزِلٍ، فيقول له: أتفتدي مِنِّي بِطِلَاعِ الْأَرْضِ ذَهَبًا؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نَعَمْ، فَيَقُولُ: كَذَبْتَ، قَدْ سَأَلْتُكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وأيسر فَلَمْ تَفْعَلْ، فَيُرَدُّ إِلَى النَّارِ.
وَلِهَذَا قَالَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أَيْ وَمَا لَهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَا يُجِيرُهُمْ مِنْ أَلِيمِ عقابه.
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
رَوَى وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ قال: الْجَنَّةُ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عبداللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءُ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بها بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَضَعْهَا يَا رسول الله حيث أراك اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ، بَخٍ بَخٍ ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ وَأَنَا أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عمه، أخرجاه، وفي الصحيحين أن عمر قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْ سَهْمِي الَّذِي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: احبس الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ.
الشيخ: وهذا يدل على فضل الصدقة والإحسان وصلة الرحم وفضل الصدقة الجارية التي تنفع الإنسان في حياته وبعد وفاته وهي الأوقاف الشرعية التي قال فيها النبي ﷺ لعمر: حبس أصلها وتصدق بثمرتها، وفي هذا وفي أبي طلحة رضي الله عنه لما سمع الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ [آل عمران:92] قال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إليّ بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فقال له ﷺ: قد سمعت ما قلت بخ بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح يعني قد ربح فيه صاحبه بسبب ماله عند الله من الأجر العظيم، وفي نحو ذلك مال رائح يعني زائل وذاهب ليبقى للمتصدق خيره ونفعه، أو ذلك مال رائح يروح عليك ثمره بثوابه وجزائه وعاقبته الحميدة، ثم قال: أرى أن تضعها في الأقربين هذا يبين لنا أن الصدقة في الأقربين لها مزية وهي اثنتان صدقة وصلة، والصدقة على الفقراء الأجانب صدقة، ولكن على الأقارب صدقة وصلة كما في حديث سلمان بن عامر الضبي: الصدقة على الفقير صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة. ويقول ﷺ: من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه فصلة الرحم وهم الأقارب من أفضل القربات ولو كانوا أغنياء، فكيف إذا كانوا فقراء، كالأب والأم والأولاد والإخوة والأخوات والأخوال والخالات والأعمام والعمات كلهم أقارب وهكذا أولادهم لكن الأقرب فالأقرب أقربهم الآباء والأمهات ثم الأولاد وأولادهم، ثم الإخوة وأولادهم، ثم العمومة وأولادهم والأخوال أولادهم فهؤلاء هم ذو الرحم، وفي الحديث الصحيح: قيل: يا رسول الله، من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب فالأب والأم هم الأصل وهم أعظم الناس حقًا في البر والإحسان ثم يليهم الأولاد ثم الإخوة والأخوات ثم من بعدهم.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ عبداللَّهِ: حَضَرَتْنِي هَذِهِ الْآيَةُ لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فَذَكَرْتُ مَا أَعْطَانِي اللَّهُ، فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أحب إليّ من جارية لي رُومِيَّةٍ، فَقُلْتُ: هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَلَوْ أَنِّي أَعُودُ فِي شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ لَنَكَحْتُهَا، يعني تزوجتها.الشيخ: وهذا الذي قاله ابن عمر رضي الله عنه مثل الذي قاله طلحة في التقرب إلى الله بما هو أحب إلى الإنسان وكان عنده جارية رومية يعني من سبي الروم وكان يحبها كثيرًا فلما حضرته هذه الآية لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] أعتقها وقال: هي حرة لوجه الله ولم ير أن يتزوجها خوفًا أن يكون هذا نوع من الرجوع، ولكن الصواب أن هذا ليس برجوع لو تزوجها ليس هذا برجوع بل هذا مما يزيدها خيرًا، وقد تصدق النبي ﷺ على صفية فأعتقها وتزوجها عليه الصلاة والسلام، أعتق صفية وجعل عتقها صداقها وهكذا لو أن ابن عمر نكحها فليس هذا برجوع ولكن لعله لم يذكر قصة صفية وغابت عن باله أو الأن الأثر ضعيف، وأبو عمرو بن حماس هذا لا أعرف حاله، فإن كان أبو عمرو بن حماس هذا ثقة فسندها جيد فيكون خفي على ابن عمر قصة نكاح النبي ﷺ صفية بعدما أعتقها.كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ۝ فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ۝ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حدثنا هاشم بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عبدالْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا شَهْرٌ، قال: قال ابن عباس حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: حَدِّثْنَا عَنْ خِلَالٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، قَالَ: سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، وَلَكِنِ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ اللَّهِ، وَمَا أَخَذَ يَعْقُوبُ عَلَى بَنِيهِ، لَئِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْْ شَيْئًا فَعَرَفْتُمُوهُ لَتُتَابِعُنِّي عَلَى الْإِسْلَامِ قَالُوا: فَذَلِكَ لَكَ، قَالَ: فَسَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ. قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ أَرْبَعِ خِلَالٍ: أَخْبِرْنَا أَيُّ الطَّعَامِ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ وَكَيْفَ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ الذَّكَرُ مِنْهُ والأنثى؟ وأخبرنا كَيْفَ هَذَا النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ فِي النَّوْمِ، وَمَنْ وَلَيُّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ لَئِنْ أخبرهم ليتابعنه، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِالذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا وَطَالَ سُقْمُهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟ فقالوا: اللهم نَعَمْ: قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ، فَأَيُّهُمَا عَلَا كَانَ لَهُ الْوَلَدُ، وَالشَّبَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ إِنْ عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ كَانَ ذَكَرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِنْ عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ كَانَ أُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ قَالُوا: وَأَنْتَ الْآنَ فَحَدِّثْنَا من وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك ونفارقك قَالَ: إِنَّ وَلِيِّيَ جِبْرِيلُ وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَهُوَ وَلِيُّهُ، قَالُوا: فَعِنْدَ ذلك نفارقك، لو كَانَ وَلِيُّكَ غَيْرَهُ لَتَابَعْنَاكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [البقرة:97] الآية، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عبدالْحَمِيدِ بِهِ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عبداللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعِجْلِيُّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ أَنْبَأْتَنَا بِهِنَّ عَرَفْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَاتَّبَعْنَاكَ، فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ إِسْرَائِيلُ عَلَى بَنِيهِ إِذْ قال: وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص:28] قَالَ «هَاتُوا» قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ عَلَامَةِ النَّبِيِّ قَالَ: تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا كَيْفَ تُؤَنِّثُ الْمَرْأَةُ، وَكَيْفَ تُذَكرُ؟ قَالَ: يَلْتَقِي الْمَاءَانِ، فَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ، أَذْكَرَتْ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ آنَثَتْ
الشيخ: ومعنى ذكرت وآنثت يعني صار الولد ذكرًا أو صار أنثى، فإذا علا ماء الرجل صار الولد ذكرًا، وإذا علا ماؤها صار الولد أنثى.
والمعنى الثاني: يعني صار الشبه للذكر، وإذا علا ماؤها صار الشبه لها، وفي رواية: "إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها ماءه عند الشهوة صار الشبه لها" فالمعنيان متقاربان.
وقال قوم: إنهما معنى واحد والمعنى أنزلت وكان الشبه لها المعنى واحد ..... وليس المراد صار الولد ذكرًا أو صار أنثى، ولكن لا مانع من المعني الثاني فإن الله على كل شيء قدير. إذا أراد هذا وإذا أراد هذا سبحانه وتعالى.
 قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: كَانَ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلَائِمُهُ إِلَّا أَلْبَانَ كَذَا وَكَذَا- قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي الْإِبِلَ- فَحَرَّمَ لُحُومَهَا قَالُوا: صَدَقْتَ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا هَذَا الرَّعْدُ؟ قَالَ: مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ موكل بالسحاب بيده - أو في يديه- مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ يَزْجُرُ بِهِ السَّحَابَ يَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ؟ قَالَ صَوْتُهُ. قَالُوا صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟
قال: جبريل عليه السلام، قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر، لكان، فأنزل الله تعالى: قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين [البقرة:97] والآية بعدها.
وقد رواه الترمذي والنسائي، من حديث عبدالله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي: حسن غريب،
الشيخ: وهذا من ... وإنما أرادوا الحسد والعناد والبغي وإلا فهم يعلمون أن جبرائيل هو الذي أنزل على محمد وأنزل على موسى وهو الذي أنزل إليهم جميعًا هو الذي يأتي بالوحي من السماء عليه الصلاة والسلام ولكن اليهود قوم بهت قوم حسد وبغي فقد عاندوا وكابروا وتركوا الحق وهم يعلمون أن محمدًا جاء بالحق وأنه رسول الله حقًا ولكن حملهم البغي والحسد والعناد وإيثار الدنيا نسأل الله العافية.
وقال ابن جريج والعوفي عن ابن عباس: وكان إسرائيل عليه السلام- وهو يعقوب- يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم، ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقا ولا يأكل ولداً ما له عرق، وهكذا قال الضحاك والسدي، كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استناناً به واقتداء بطريقه، قال: وقوله مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ أي حرم اسرائيل ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.
قلت: ولهذا السياق بعد ما تقدم مناسبتان:
إحداهما: أن إسرائيل عليه السلام حرم أحب الأشياء إليه وتركها لله، وكان هذا سائغا في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه.
الشيخ: أما في شريعة محمد فلا يجوز تحريم ما أحل الله، كان هذا في شريعة إسرائيل وهو يعقوب أما في شريعة محمد فلا يجوز تحريم ما أحل الله بل يجب ترك ذلك؛ لأن الله جل وعلا قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ[التحريم:1] وحرم الظهار فليس لأحد أن يحرم ما أحل الله لا من اللحم ولا غيره وإذا حرم ذلك فعليه كفارة يمين ويأكل ما حرمه لو قال: علي حرام ما آكل لحم الإبل، أو عليّ حرام ما آكل لحم الغنم أو لحم الحبارى أو ما أشبه ذلك أخطأ وعليه التوبة والاستغفار وعليه كفارة يمين إذا أكل شيئًا من ذلك هذا في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام وهي أكمل الشرائع وأتمها وأرفقها بالناس وأسمحها وأيسرها.
فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبدويشتهيه، كما قال تعالى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ [البقرة:177] وقال تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ [الإنسان:8] الآية.
المناسبة الثانية: لما تقدم بيان الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح وتبيين زيف ما ذهبوا إليه وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأمه، كيف خلقه الله بقدرته ومشيئته وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه تبارك وتعالى، شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخرى زيادة على ذلك، وكان الله عز وجل قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك بعد ذلك كله، وكان التسري على الزوجة مباحا في شريعة إبراهيم عليه السلام، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغا، وقد فعله يعقوب عليه السلام جمع بين الأختين، ثم حرم عليهم ذلك في التوراة، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح عليه السلام، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لا يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدا ﷺ من الدين القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ [آل عمران:93] أي كان حلا لهم، جميع الأطعمة قبل نزول التوراة إلا ما حرمه إسرائيل.
ثم قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فإنها ناطقة بما قلناه، فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي فمن كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائما، وأنه لم يبعث نبيا آخر يدعو إلى الله بالبراهين والحجج بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه فأولئك هم الظالمون.
ثم قال تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ أي قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن، فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد ﷺ فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:161] وقال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:123].
الشيخ: وملة إبراهيم هي ملة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي ملة محمد ﷺ أوحى الله إلى نبيه محمد ﷺ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ [النحل:123] في عبادة الله وحده والإخلاص له، وترك عبادة ما سواه جل وعلا هذه ملة إبراهيم وهي الصراط المستقيم أن تعبد الله وحده في دعائك وخوفك ورجاءك وصلاتك وصومك وذبحك ونذرك كله لله وحده هذه ملة إبراهيم وهي ملة الأنبياء كما قال جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] وقال جل وعلا: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] فملة جميع الأنبياء عبادة الله وحده والإخلاص له سبحانه وتعالى والمبادرة إلى أوامره وإلى ترك نواهيه هذه ملة إبراهيم وملة الأنبياء جميعًا من أولهم إلى آخرهم محمد عليه الصلاة والسلام، فالواجب على جميع أهل الأرض من الجن والإنس الاستقامة على ملة إبراهيم في توحيد الله والإخلاص له وطاعة أوامر الله وترك نواهي الله والوقوف عند حدود الله حتى يلقى ربه هذا هو الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وهو الصراط المستقيم وهو الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19].إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ۝ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
يخبر تعالى أن أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده لَلَّذِي بِبَكَّةَ يعني الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه، ولهذا قال تعالى: مُبَارَكًا أي وضع مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع أول ؟ قال المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة. قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به.

الشيخ: والمعنى أن أول بيت وضع للناس للعبادة، أول بيت بني للعبادة هي الكعبة بناها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وابنه إسماعيل، ثم بني بعدها البيت المقدس مسجد إيلياء بناه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وكان بينهما أربعون عامًا بين بناء هذا وبناء هذا، فالبيت الذي يحج إليه ويستقبل هو الكعبة المشرفة، وهو بيت الله العتيق الذي بناه إبراهيم، وقد روي أن الأنبياء بنته سابقًا، وأن آدم بناه سابقًا، وأن أرضه معروفة لدى الأنبياء السابقين يقصدونها ويحجون إليها الكعبة المشرفة، ولكن الذي بناه البناية والتي استمرت وبقيت حتى جددت بعد ذلك في عهد قريش هي بناية إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإنه بناها وساعده على ذلك ابنه إسماعيل ولم تزل والأنبياء والرسل يحجون هذا البيت العتيق ويقصدونه إلى أن بعث الله نبيه محمد ﷺ وشرع له أن يستقبله والمسلمون كذلك يستقبلونه إلى أن تقوم الساعة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، عن شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا قال: كانت البيوت قبلة، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله.
وحدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، قال: قام رجل إلى علي رضي الله عنه، فقال: ألا تحدثني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضعت فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول سورة البقرة فأغنى عن إعادته هنا، وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقا، والصحيح قول علي رضي الله عنه.
فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبدالله بن عمرو بن العاص مرفوعا بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف. والأشبه، والله أعلم، أن يكون هذا موقوفا على عبدالله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب.
الشيخ: وهذا هو المعروف أن أول من بناه أنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أما ما يروى أنه بناه آدم أو بناه غيره فليس بثابت، المحفوظ أن أول من بناه هو إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام بأمر الله عز وجل.
وقوله تعالى: لَلَّذِي بِبَكَّةَ بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل: سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة؛ بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكّون فيها أي يزدحمون. قال قتادة: إن الله بك به الناس جميعا، فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها.الشيخ: بسبب الزحام والتباكّ بين الناس وازدحام الناس، وإلا المشروع أن يكن خلف الرجال في كل مكان لكن عند الزحام قد تقع النساء أمام الرجال وعن يمينهم وعن شمالهم وبسبب الزحمة العظيمة لا يستطاع معها التخلص في بعض الأحيان عند قرب الحج.
وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب ومقاتل بن حيان. وذكر حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء، وقال شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم: بكة البيت والمسجد، وكذا قال الزهري. وقال عكرمة، في رواية، وميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة.
وقال أبو مالك وأبو صالح وإبراهيم النخعي وعطية العوفي ومقاتل بن حيان: بكة موضع البيت وما سوى ذلك مكة، وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رحم، وأم القرى، وصلاح، والعرش على وزن بدر، والقادس لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة، والناسّة بالنون، وبالباء أيضا والحاطمة، والنساسة، والرأس، وكوثاء والبلدة، والبنية، والكعبة.

الشيخ: والمشهور هو الأول وأن بكة من أسمائها فقط، يقال مكة ويقال بكة بالباء والميم هذا هو المشهور عند أهل العلم.
وقوله تعالى: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ أي دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظمه.قال المعلق: بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فلدى بداية الحلقة التالية وهي التي بتاريخ السابع من شهر ربيع الأول لعام 1404 لهجرة المصطفى ﷺ الموافق الأحد حدث خطأ وتم به مسح يسير نقرأ ما وقع خلال هذا المسح بإذن الله تعالى إكمالاً للفائدة وهو من آخر سطر في صفحة 383
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:
وقوله تعالى: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ أي دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظمه وشرفه، ثم قال تعالى: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ [البقرة:125] وقد قدمنا الأحاديث في ذلك فأغنى عن إعادتها هاهنا، ولله الحمد والمنة.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ أي فمنهن مقام إبراهيم والمشاعر. وقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة.
وكذا روي عن عمر بن عبدالعزيز والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد وعمرو الأودي، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله تعالى: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ قال: الحرم كله مقام إبراهيم، ولفظ عمرو: الحجر كله مقام إبراهيم، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: الحج مقام إبراهيم هكذا رأيته في النسخة، ولعله الحجر كله مقام إبراهيم، وقد صرح بذلك مجاهد.
وقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء.
إلى هنا قد وصلنا إلى الموضع الذي تم فيه المسح والله المستعان وبه الثقة وعليه التكلان.
س: أحسن الله إليك قال الله تعالى: وإسماعيل يعني أثبت الله أن إسماعيل كان مع إبراهيم؟
الشيخ: هذا في البناء وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127]  ...... كان البيت كاملاً ... لما بناه إبراهيم وإسماعيل ... البناء أصله إبراهيم إسماعيل مساعد.
وقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء. وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج.
الشيخ: هذا اصطلاح عندهم أن هذا قاتل فلا يقتل حتى يخرج من الحرم، وهكذا النبي ﷺ قال للناس: إنه لا يحل أن يسفك فيها دم ولا يعضد فيها شجرة، وقال: إنما أحلت لي ساعة من نهار، ونهى عن القتال فيها وسفك الدماء، وقال: إنها حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة.
والمعنى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا هو خبر يتضمن معنى الأمر يعني من دخلها فأمنوه أي اجعلوه آمنًا، فهو خبر بمعنى الأمر، ولهذا قد يقتلون وقد يفعلون ما لا ينبغي في حرم الله، ولكن ... هو خبر بمعنى الأمر يعني من دخل الحرم فأمنوه حتى يخرج.
 وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التميمي، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه.
الشيخ: يعني لا يؤوى ولا يساعد إذا كان عليه قصاص أو حد، لا يؤوي ولا يطعم شيئًا ويهجر حتى يخرج ويقام فيه الحد، يعني حتى لا يتخذ حيلة لترك الحدود وإقامة القصاص وغيرها.
س:.....؟
الشيخ: محل نظر لكن يهجر ولا يطعم ولا يساعد في شيء حتى يخرج.
س: .....؟
الشيخ: إذا فعل في مكة يقام عليه الحد، لكن إذا جاء من خارج هذا في الذي يأتي من خارج، أما الذي يفعل الجناية في مكة، فهذا هتك الحرم فيقضى عليه إذا زنى يقام عليه الحد، سرق يقام عليه الحد، فالنبي ﷺ أقام الحد على المخزومية لما سرقت في مكة أقام عليها الحد، وقتل ابن خطل في مكة لأنه ارتد، وقيل أنه قتله في الساعة التي أذن لها فيه ويحتمل أنه قتله لأنه جنى في مكة.
وقال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67]، وقال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3، 4] وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفا.
ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح فتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا وقال يوم الفتح فتح مكة إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله، إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال إلا الإذخر، ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه.
ولهما واللفظ لمسلم أيضا عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة.

الشيخ: وعمرو بن سعيد هذا من بني أمية من أمراء يزيد بن معاوية في ذاك الوقت سنة 64 للهجرة سنة وقعة الحرة كان يبعث البعوث إلى ابن الزبير ؛ لأن ابن الزبير بايعه الناس في مكة وأبى أن يبايع ليزيد بن معاوية وصار يبعث البعوث إليه للحرب، فنصحه أبو شريح ونهاه عن ذلك فأجابه عمرو بهذا الكلام الرديء حيث قال: أنا أعلم منك يا أبا شريح، وهذا غلط أن يقال مثل هذا لصحابي جليل ولكن هذا من الجهل  والظلم .... إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًا بدم، ولا فارًا بخربة هذا من جهله في السنة وعدم علمه بالسنة ...
وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح رواه مسلم.
وعن عبدالله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف بالحزورة بسوق مكة، يقول والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت. رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وكذا صحح من حديث ابن عباس نحوه وروى أحمد عن أبي هريرة نحوه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان حدثنا أبو عاصم، عن زريق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم، حدثني زياد بن أبي عياش، عن يحيى بن جعدة بن هبيرة في قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا قال: آمنا من النار.
وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن سليمان الواسطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا ابن المؤمل عن ابن محيصن، عن عطاء، عن عبدالله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفورا له ثم قال: تفرد به عبدالله بن المؤمل، وليس بالقوي.
الشيخ: وهذا حديث ضعيف وما جاء في معناه  أنه من دخلها أمن من النار وكم دخلها من فاسق وخبيث فالمقصود .... ولكن إذا أتى إلى الحج أو العمرة أو العمل الصالح يرجى له الخير وتوفيق الله جل وعلا إذا أتى للحج أو العمرة والعمل الصالح، فهذا يرجى له الخير العظيم لأنه أتى إلى بلد عظيم تضاعف فيه الحسنات، وأما مجرد الدخول فلا يكفي.
...