02 من قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا..)

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: فإن الحلقة التالية وهي التي وقعت بتاريخ العاشر من شهر ربيع الأول لعام 1404 من هجرة المصطفى ﷺ الموافق في الأربعاء قد سقطت ولم أجدها فلعلي أقرأ ما جاء في هذه الحلقة إكمالاً للفائدة وعسى الله أن ييسر العثور على هذا الشريط فهو مفقود تبدأ هذه الحلقة من السطر الرابع من صفحة 385 وهو قوله رحمه الله تعالى:وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] والأول أظهر.
وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه، ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون به نحوه.
وقد روى سفيان بن حسين وسليمان بن كثير وعبدالجليل بن حميد ومحمد بن أبي حفصة عن الزهري، عن أبي سنان الدؤلي واسمه يزيد بن أمية، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فقام الأقرع بن حابس رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، والحاكم من حديث الزهري به، ورواه شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه. وروي من حديث أسامة بن يزيد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان عن علي بن عبدالأعلى، عن أبيه، عن أبي البختري، عن علي رضي الله عنه، قال: لما نزلت وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ قال لا، ولو قلت نعم لوجبت، فأنزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101] وكذا رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث منصور بن وردان به، ثم قال الترمذي، حسن غريب، وفيما قال نظر، لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي رضي الله عنه.
وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير، حدثنا محمد بن أبي عبيدة عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله، الحج في كل عام؟ قال لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها، لعذبتم.
وفي الصحيحين من حديث ابن جريج عن عطاء، عن جابر، عن سراقة بن مالك، قال: يا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد؟ قال لا، بل للأبد وفي رواية بل لأبد الأبد.
وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال لنسائه في حجته هذه ثم ظهور الحصر يعني ثم الزمن ظهور الحصر ولا تخرجن من البيوت.
وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعا بنفسه، وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام، قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا إبراهيم بن يزيد، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: الشعث التفل، فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: العج والثج، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: الزاد والراحلة هكذا رواه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي، قال الترمذي: ولا يرفعه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، كذا قال هاهنا وقال في كتاب الحج: هذا حديث حسن.
لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الخوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث، لكن قد تابعه غيره. فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله العامري، حدثنا محمد بن عبدالله بن عبيد بن عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: جلست إلى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: ما السبيل؟ قال الزاد والراحلة وهكذا رواه ابن مردويه من رواية محمد بن عبدالله بن عبيد بن عمير به ثم قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهم والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك، وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى من حديث أنس وعبدالله بن عباس وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم كلها مرفوعة، ولكن في أسانيدها مقال كما هو مقرر في كتاب الأحكام، والله أعلم.
وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث. ورواه الحاكم من حديث قتادة عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله عز وجل من استطاع إليه سبيلا فقيل: ما السبيل؟ قال الزاد والراحلة، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن يونس، عن الحسن، قال قرأ رسول الله ﷺ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فقالوا: يا رسول الله ما السبيل؟ قال الزاد والراحلة، ورواه وكيع في تفسيره عن سفيان، عن يونس به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل وهو أبو إسرائيل الملائي، عن فضيل، يعني ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له.
وقال أحمد أيضا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران بن أبي صفوان، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ من أراد الحج فليتعجل ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي معاوية الضرير به.
وقد روى وكيع وابن جبير عن ابن عباس في قوله مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيل قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلا، وعن عكرمة مولاه أنه قال: السبيل الصحة، وروى وكيع بن الجراح عن أبي جناب يعني الكلبي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيل قال قال: الزاد والبعير.
وقوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه.
وقال سعيد بن منصور عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة، قال: لما نزلت وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله عز وجل: فاخصمهم فحجهم، يعني فقال لهم النبي ﷺ إن الله فرض على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبدالله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبدالله بن مسعود، حدثنا مسلم بن إبراهيم، وشاذ بن فياض، قالا: حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني، حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن الحارث، عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: من ملك زادا وراحلة ولم يحج بيت الله، فلا يضره مات يهوديا أو نصرانيا، وذلك بأن الله قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97].
ورواه ابن جرير من حديث مسلم بن إبراهيم به، وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي: حدثنا هلال بن الفياض، حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني، فذكره بإسناده مثله، ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي عن مسلم بن إبراهيم، عن هلال بن عبدالله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي به، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث يضعف في الحديث. وقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس بمحفوظ.
وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، حدثني عبدالرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديا مات أو نصرانيا، وهذا إسناد صحيح إلى عمر رضي الله عنه.
وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا إلى كل من كان عنده جدة فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.
المعلق: نهاية ما وقع من سقط بعون الله تعالى، ونسأل الله حسن عونه عسى أن نجده ثم نلحقه إن شاء الله تعالى نهاية ص 386 ويعقبها بداية صفحة 387 وهو الذي يقع في أول حلقة الرابع عشر من شهر ربيع الأول لعام 1404 من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام الموافق الأحد.
تفسير قوله تعالى:
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ۝ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
هذا تعنيف من الله تعالى للكفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله، من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم، مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، وبما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين والسادة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
الشيخ: يعني اليهود قد علموا أن ما جاء به الحق من المعجزات التي ظهرت على يديه عليه الصلاة والسلام من انشقاق القمر وإخباره بأخبار الماضين التي جحدوها ونبوع الماء من بين أصابعه وما حصل من بركة الطعام ووقائع كثيرة إلى غير هذا من معجزاته التي علموها وعلمها غيرهم، وأنها دالة على أنه رسول الله حقًا ومع ذلك عندهم أيضاً من العلوم الماضية من التوراة وأخبار الأنبياء الماضين ما يدلهم على أنه هو الحق عليه الصلاة والسلام، ولكن مع هذا كله حملهم البغي حملهم العناد والتكبر وحب الرياسة والطمع في الدنيا على أن جحدوا ما جاء به عليه الصلاة والسلام.
وما بشروا به من ذكر النبي الأمي الهاشمي العربي المكي سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء، وقد توعدهم الله على ذلك، .....الشيخ: ..... على أمرين .... لهم على كفرهم ..... على صدهم الناس عن الحق نسأل الله العافية، وهم قد جمعوا بين الأمرين بين الكفر والصد. في الآية الأخرى الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا [النحل:88] عذابًا على كفرهم وعذاباً آخر على صدهم على الحق نسأل الله العافية.
وأخبرهم بأنه شهيد على صنيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء ومعاملتهم الرسول المبشر به بالتكذيب والجحود والعناد، فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفع مال ولا بنون.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ۝ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
يحذر تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وما منحهم من إرسال رسوله، كما قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: 109] الآية، وهكذا قال هاهنا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ.
الشيخ: وهذا يبين لنا أن طاعة أعداء الله من أهل الكتاب اليهود والنصارى عاقبتها وخيمة وأن طاعتهم من سبب رد الناس إلى الكفر بالله فريق منهم ... والمعاند منهم وأهل الكيد ..... وأهل العلم منهم الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر بخلاف العامة فإنهم ليس عندهم بصيرة وليس عندهم العلم بما جاءت به الرسل وإنما هم أتباع لقادتهم وكبرائهم قال: فريقًا يعني أن أهل الكتاب فيهم من يقصد إضلالكم ويقصد حيدكم عن الطريق وإيقاع الشر عليكم ..... وهناك منهم عامة ليس لهم شيء في هذا وإنما همهم شهواتهم وأهواءهم. فطاعة الكفرة عاقبتها وخيمة ولما كان الكفرة من شأنهم العداوة للمؤمنين وبغض المؤمنين وحب الشر لهم قال في الآية الأخرى، عمم في الآية الأخرى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [آل عمران: 149] فعمم الجميع من أهل الكتاب وغيرهم فطاعة الكفرة والأخذ بآرائهم من أسباب خذلان العباد ومن أسباب الخيبة والخسارة فالواجب على المسلم الحذر من كيدهم، وألا يأخذ منهم إلا ما عرف أنه نافع وطيب والواجب الحذر.
ثم قال تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ يعني أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه، فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلا ونهارا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، وهذا كقوله تعالى: وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: 8].الشيخ: والمعنى أنه جدير بكم الإيمان أنتم أهله وحقيق بكم أن تؤمنوا لأن الكتاب لا يخفى عليكم والرسول بين أظهركم يأمركم وينهاكم ويبشركم وأنتم تشاهدون علامات النبوة ودلائل صدقه فجدير بكم أن تؤمنوا يعني يستبعد أن تكفروا وأنتم تتلى عليكم هذه الآيات والدلائل والمعجزات الباهرات على صدقة وأنه رسول الله حقًا عليه الصلاة والسلام.
 وكما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه يوما: أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة. قال: «وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم» ؟ وذكروا الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن. قال وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فأي الناس أعجب إيمانا؟ قال: قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها وقد ذكرت سند هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري، ولله الحمد.
ثم قال تعالى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد وحصول المراد.
س:... الحديث السابق؟
الشيخ: ما أذكر سنده، ولكن ينبغي للمؤلف أن يذكره هنا ولا يكتفي بشرح البخاري ....
.......يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ۝  وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن سنان، حدثنا عبدالرحمن بن سفيان وشعبة عن زبيد اليامي، عن مرة، عن عبدالله هو ابن مسعود اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ قال: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وهذا إسناد صحيح موقوف، وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود.
وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبدالأعلى عن ابن وهب، عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مرة، عن عبدالله، قال: قال رسول الله ﷺ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، وكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث مسعر عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعا، فذكره، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، كذا قال، والأظهر أنه موقوف، والله أعلم.
ثم قال ابن أبي حاتم: وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خثيم وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي وطاوس والحسن وقتادة وأبي سنان والسدي، نحو ذلك. وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتى يخزن لسانه.
الشيخ: الله أكبر، وما ذاك إلا لأن خطر اللسان عظيم، ولهذا روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: لا يتقي العبد ربه حق تقاته حتى يخزن لسانه؛ يعني حتى يحفظ لسانه ويصونه عما لا ينبغي حتى لا يتكلم إلا بخير، وفي هذا المعني يقول النبي ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت فهذا يدل على وجوب حفظ اللسان، وأن من واجبات الإيمان حفظ اللسان عما لا ينبغي اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70] ويقول سبحانه: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] هذا كله يدل على أن الإنسان يلزمه أن يحفظ لسانه وأن يصونه عما لا ينبغي، فإن كلماته محفوظة عليه وهو مسؤول عنها، واللسان سريع الحركة خطير، وبهذا المعنى روي عن عمر بن عبدالعزيز رحمة الله عليه أنه قال:  ما شيء أحق بطول السجن من اللسان يعني يسجن عن الكلام حتى لا يتكلم إلا بالخير، وفي هذ المعنى أيضاً جاء عن النبي ﷺ أنه قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالاً أو قال: ما يتبين ما فيها، يعني ما يتثبت فيها، تزل به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب هذا يوجب الحذر من خطر اللسان.
وقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ قال: لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.الشيخ: وهذا هو الصواب ليس بنسخ وإنما هو إيضاح للمعنى يقول سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] إيضاح لقوله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102] اتقاء الله حق تقاته أن يطيع الله ربه ما استطاع ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ إيضاح وتبيين وتفسير لقوله جل وعلا: حَقَّ تُقَاتِهِ والنسخ لا يصار إليه إلا بعد أمرين: ثبوت المتأخر من الأمرين وهو الناسخ، وعدم إمكان الجمع، وليس هنا واحد منهما، لا علم بالمتأخر، ولا عدم إمكان الجمع، وإمكان الجمع ممكن فالآية موضحة ومبينة ومفسرة لمعنى حق تقاته ولهذا في الحديث: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر وهذا لازم ومفترض على العبد أينما كان أن يطيع ربه وألا يعصيه وأن يشكره ولا يكفره وأن يذكره فلا ينساه.
وقوله تعالى: وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك.الشيخ: وهذا المعنى يدل على وجوب العناية بالإسلام والثبات عليه وأن المؤمن يسأل ربه دائمًا أن يثبته على الإسلام حتى يموت عليه ولهذا قال: وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] وهذا يشبه قوله تعالى: وَاعبدرَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] يعني الزموا الإسلام واثبتوا عليه واستقيموا عليه حتى يأتي الموت وأنتم على ذلك، وإياكم والتفريط فيه والزيغ عنه، فإن هذا من عمل أهل النفاق ومن عمل الذين ليس عندهم ثبات، بل مع الريح كيفما مالت كما قال عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعبد اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [الحج:11] يعني على جانب وطرف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11] كان بعض الناس من الأعراب لقلة علمهم قد يسلم إسلامًا ضعيفًا، فإن وجد صحة وعافية ومالاً ورزقًا واسعًا ثبت على الإسلام، وإن رأى شدة وتعبًا انحرف وارتد على عقبيه لجهله وقلة بصيرته، فالله عز وجل يأمرنا أن نثبت على الإسلام وأن نستقيم عليه وأن نبقى عليه ونحافظ عليه حتى الموت.
قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا شعبة، قال: سمعت سليمان عن مجاهد: أن الناس كانوا يطوفون بالبيت وابن عباس جالس معه محجن، فقال: قال رسول الله ﷺ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ولو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا من الزقوم؟ وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من طرق عن شعبة به وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب، عن عبدالرحمن بن عبدرب الكعبة، عن عبدالله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه.
الشيخ: وهذا رواه مسلم مطولاً من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في  أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، ثم تجيء الفتنة، فيقول: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه يعني ليعامل الناس كما يحب أن يُعامل بالصدق والنصح وأداء الأمانة وعدم الكذب والخيانة كما يحب أن يعامل الناس صادقًا مؤديًا للأمانة متباعدًا عن الغش والخيانة كما يحب أن يعامل، وهذا هو الواجب على أهل الإيمان في جميع معاملاتهم أن يتحروا فيها الصدق وأداء الأمانة والبعد عن الكذب والخيانة هكذا يجب على كل مسلم ومسلمة.
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل ورواه مسلم من طريق الأعمش به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرا فله، وإن ظن شرا فله، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي.
الشيخ: يراجع الأصل في المسند لأن أبا يونس لم يدرك أبا هريرة ولعل الساقط بين أبي يونس وبين أبي هريرة أبو سلمة أو غيره.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبدالملك القرشي، حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت وأحسبه عن أنس، قال: كان رجل من الأنصار مريضا، فجاءه النبي ﷺ يعوده، فوافقه في السوق فسلّم عليه، فقال له «كيف أنت يا فلان»؟ قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف، ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديثه، ثم قال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلا.
الشيخ: وهذا يبين لنا أن اجتماع الرجاء مع الخوف من أسباب العافية والنجاة إذا اجتمع الخوف والرجاء في قلب المؤمن، ولاسيما عند الموت فهو حري بأنه يغفر له ذنبه ويعطى ما رجا ويؤمن مما يخاف، وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء يرجو ربه ويخاف ذنبه، فهو حريص على أسباب السعادة حريص على أسباب الغفران من التوبة والعمل الصالح والاستغفار وكثرة الذكر.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام، قال: بايعت رسول الله ﷺ أن لا أخر إلا قائما، ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة به، وترجم عليه فقال (باب كيف يخر للسجود)، ثم ساقه مثله فقيل: معناه أن لا أموت إلا مسلما، وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مقبلا غير مدبر وهو يرجع إلى الأول.الشيخ: ما ذكره النسائي هو الأقرب، وهو أنه يخر إلى السجود عند القيام يعني أنه يصلي قائمًا مهما استطاع، فإذا رفع من الركوع واستوى خر عن قيام، أو المعنى أنه يعتدل بعد الركوع ولا يخر إلا بعد اعتداله وانتصابه لا ينقر الصلاة ولا يعجل فيها. أما ما يتعلق بموته على الإسلام بعيد أن يفسر هذا ... وإنما القول ما قاله النسائي هو أنه بايع النبي أن لا يخر إلا عن قيام.
س: هل يستدل بالحديث هذا أن الإنسان إذا قرأ في غير الصلاة وأتى على آية سجود أنه يقف ثم يخر ساجدًا؟
الشيخ: محل نظر وليس بصريح، هذا ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم، كان يقرأ القرآن مع أصحابه فيسجد ويسجدون معه، ولم يذكر أنه كان يقوم عليه الصلاة والسلام، يروى عن عائشة أنها كانت تقوم ولا أعلم حال سنده.
الطالب:.....؟
الشيخ: نعم.
الطالب: روى الحسن بن عرفة في جزئه قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن المغيرة بن قيس التميمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: ومالهم لا يؤمنون وهم عند ربهم قالوا: فالنبيون، قال: "ومالهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم"، قالوا: نحن، قال: "ومالكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم" فقال رسول الله ﷺ: إن أعجب الخلق إليّ إيمانًا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها.
ورواه عنه إسماعيل بن محمد الصفار في جزئه، وكذا ورى البيهقي في الدلائل والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث، والحديث في سنده إسماعيل بن عياش و.. العنسي بالنون أبو عتبة الحمصي فهو ضعيف في روايته عن غير الشاميين وهذه الرواية منها فإن المغيرة بن قيس بصري وقال الحافظ في التقريب في رواية إسماعيل: صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، وكذا فإن المغيرة بن قيس ضعيف أيضاً. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: بصري روى عن عمرو بن شعيب وروى عنه أبو عامر عبدالملك بن عمرو.. سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو منكر الحديث، قال الحافظ في اللسان: وذكره ابن حبان في الثقات.
ورواه البيهقي في الدلائل أيضاً من طريق مالك بن مغول عن طلحة عن أبي صالح مرفوعًا وقال: هذا مرسل، ووصله أبو نعيم في أخبار أصبهان من طريق خالد بن يزيد العمري حدثنا الثوري عن مالك بن مغول عن طلحة بن ... عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا وهو ضعيف أيضاً، فإن فيه خالد بن يزيد العمري، قال الحافظ في اللسان: خالد بن يزيد أبو الهيثم العمري المكي عن ابن أبي ذئب والثوري كذبه أبو حاتم ويحيى، قال ابن حبان: يروي الموضوعات، ومن موضوعاته ما رواه عن ابن  عمر رضي الله عنه ورفعه: "من أدخل بيته حبشيًا أو حبشية أدخل الله ببيته بركة" قال الحافظ في اللسان: فهذا من وضع خالد.
الشيخ: يعني من كذب خالد فالحديث مكذوب موضوع.
الطالب: والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وعنه أخرجه الهروي في ذم الكلام،قال الحاكم: أخبرنا أبو عبيدالله محمد بن عبدالله الزاهد حدثنا أحمد بن مهدي بن رستم، حدثنا أبو عامر العقبي حدثنا محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: أتدرون أي أهل الإيمان أفضل إيمانًا قالوا: يا رسول الله، الملائكة قال: هم كذلك، ويحق لهم ذلك، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بهم، بل غيرهم، قالوا: يا رسول الله فالأنبياء الذين أكرمهم الله تعالى بالنبوة والرسالة، قال: هم كذلك، ويحق لهم ذلك وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها، بل غيرهم، قال: قلنا: فمن يا رسول الله؟ قال: أقوام يأتون من بعدي في أصلاب الرجال فيؤمنون بي ولم يروني ويجدون الورق المعلقة فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانًا.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي، وقال: بل محمد بن أبي حميد ضعفوه، ومحمد بن أبي حاتم قال عنه في التقريب: محمد بن أبي حميد بن إبراهيم الأنصاري الزرقي أبو إبراهيم المدني لقبه حماد ضعيف من السابعة روى له الترمذي وابن ماجه وقال البخاري في الضعفاء: منكر الحديث.
والحديث أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث من طريق محمد بن أبي حميد بزيادة: قلنا: يا رسول الله الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة مع الأنبياء قال: هم كذلك ويحق لهم وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة وبدون زيادة: فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانًا.
وأخرجه قبلهم أبو يعلى في مسنده بنفس الطريق ورواية الخطيب عنه، وأخرجه العقيلي في الضعفاء عن المنهال بن ... قال: حدثنا هشام بن أبي عبدالله عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن أسلم به، وقال العقيلي: المنهال في حديثه نظر، وهذا الحديث إنما يعرف بمحمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم وليس بمحفوظ من حديث يحيى بن أبي كثير ولا يتابع منهالاً عليه أحد.
وأخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريق أحمد بن القاسم بن الريان اللكي عن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط الأشجعي قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبي قال: لما نسخ عثمان المصاحف قال له أبو هريرة: أصبت ووفقت أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أشد أمتي حبًا لي قوم يـأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني يعملون بما في الورق المعلق قال الذهبي في الميزان في ترجمة أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط عن أبيه عن جده بنسخة فيها بلايا سمعناها من طريق أبي نعيم عن اللكي عنه، لا يحل الاحتجاج به فإنه كذاب. فعلى هذا يكون الحديث ضعيفًا والله أعلم.
الشيخ: مثل ما قال الحافظ.. والمعنى أيضاً فيه نظر، وإن كان عجيب جداً، لكن الصحابة أفضل الناس وهم خير الأمة وقد آمنوا عن مشاهدة للنبي ﷺ، لكن إذا جاء بلفظ العجب فله وجه، أما أنهم أفضل إيمانًا أو أشد حبًا فلا، فالصحابة أفضل إيمانًا وأشد حبًا لكن إذا جاء بلفظ العجب فهذا قد يتوجه؛ لأن الذي يؤمن بالشيء الذي عن الغيب غير الذي يؤمن عن شهادة.
وقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] قيل بحبل الله أي بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112] أي بعهد وذمة، وقيل  بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ يعني القرآن كما في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعا في صفة القرآن هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم.
وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أسباط بن محمد عن عبدالملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض.
وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبدالله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، وروي من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك.
الشيخ: لا منافاة فإن حبل الله هو دينه وهو كتابه العظيم وهو عهده إلينا فيطلق على هذا كله فحبل الله هو عهد الله إلينا الذي أوصى به عباده عن طريق الرسل كما قال تعالى وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:40] عهدي أي ديني وما عهدت إليك على أيدي الرسل وعلى يد خاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام فعهد الله هو حبل الله وهو دينه، وهو كتابه العظيم، وما جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعنى اعتصموا بدين الله الذي جاء من طرق الكتاب والسنة ولا تفرقوا.
وقال وكيع: حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبدالله: إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين. يا عبد الله هذا الطريق، هلم إلى الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن.الشيخ: وهذا مثل قوله وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] فالسبل هي الطرق التي عليها الشياطين دعاة النار شياطين الإنس والجن فمن سلك الجادة الواضحة التي جاء بها الكتاب والسنة نجا وفاز بالسلامة، ومن حاد عن ذلك اختطفته الشياطين وأضلته الشياطين، فالواجب الأخذ بالجادة الواضحة وهي دين الله وصراطه المستقيم وهو ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهو  باختصار اتباع أوامر الله، وترك نواهي الله، والوقوف عند حدود الله، هذا هو صراط الله المستقيم، وأصل هذا كله توحيده والإخلاص له واتباع رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فيسمى الصراط ويسمى الحبل ويسمى العهد الذي عهده الله إلينا وعلى الأمة جميعها أن تتمسك به وأن تعتصم به وألا تحيد عنه لا يمنة ولا يسرة.
وقوله: وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضا، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.الشيخ: وهذا يوجب لطالب العلم العبادة بما كان عليه السلف الصالح، وهم الفرقة الناجية الذين ساروا على نهجه ﷺ، وقد سئل عن هذا لما قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: ما هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة يعني المجتمعة على الحق الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، وفي رواية: ما أنا عليه وأصحابي هذه هي الجماعة وهي ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ، ومن سار على نهجهم وسار في طريقهم فيما كانوا عليه، فهؤلاء هم الجماعة وهم الناجون، وقد تخلف عنهم فرق كثيرة فاستحقوا الوعيد الشديد في النار على حسب أحوالهم واختلافهم وما وقعوا فيه من الباطل ولا حول ولا قوة إلا بالله.