03 من قوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُم..)

وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا... إلى آخر الآية، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن وذحول، طال بسببها قتالهم والوقائع بهم.الشيخ: وآخرها يوم بعاث التي قتل فيه مقتلة كبيرة بين الطائفتين الأوس والخزرج فجمعهم الله بهذا الدين وألف بين قلوبهم وصاروا إخوة متحابين في الله بعد فرقة كبيرة، وهذا من ثمرات التمسك بالدين، ومن فائدة الاجتماع على الحق؛ أن العداوة تذهب وتحل محلها المحبة والألفة والتعاون على الخير، وهذا ليس خاصًا بهم بل هكذا كانت قبائل العرب بينها ذحول بينها حروب ونهب وسلب وقتل حتى جاءهم الله بهذا الدين العظيم وصاروا إخوة متحابين في الله بعد العداوات والبغضاء والشحناء والقتال والفتن الكثيرة.
طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: ... هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ۝ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ... [الأنفال:62، 63] إلى آخر الآية، وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان، وقد امتن عليهم بذلك رسول الله ﷺ يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم؛ بما فضل عليهم في القسم، بما أراه الله فخطبهم فقال يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ فكلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن.
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم. وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك، والله أعلم.
الشيخ: واليهود وأشباههم من الكفرة يغيظهم إسلام المسلمين ويحزنهم اتفاق المسلمين ويسرهم إخفاق المسلمين وعداوتهم، فلهذا سعوا بين الأنصار للتفرقة بتذكيرهم بأحقادهم الأولى وشحناهم الأولى حتى سكن الله ذلك وأزاله ببركة نبيه عليه الصلاة والسلام ونصيحته لهم وتوجيهه لهم وتحذيره إياهم من حالهم الأولى حتى عادوا إلى رشدهم وإلى ما كانوا عليه والتعاون على الخير والمحبة لله وفي الله.
​​​​​وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ۝ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ۝ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
يقول تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة، يعني المجاهدين والعلماء.
وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله ﷺ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ثم قال الخير اتباع القرآن وسنتي ورواه ابن مردويه.
والمقصود من هذه الآية، أن تكون فرقة من هذه الأمة منتصبة لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
الشيخ: هذا الحديث ليس من رواية أبي هريرة وهذا سقط قلم من المؤلف رحمه الله مع حفظه وإنما هو من حديث أبي سعيد الخدري، ثم أيضاً قوله: وفي رواية: وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ليس من رواية أبي هريرة أيضاً وليس كذلك، بل الزيادة الأخرى: وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل من حديث عبدالله بن مسعود حيث قال رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل فهما حديثان منفصلان أحدهما عن أبي سعيد والثاني عن ابن مسعود.
وهو يدل على عظم شأن الأمر والنهي وأن الواجب على جميع المسلمين أن يكونوا أمارين بالمعروف نهائين عن المنكر، ولهذا قال بعض أهل العلم إن قوله:  وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أن من هنا للجنس والمعنى كونوا جميعًا أي كونوا كلكم تدعون إلى الخير وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، ويحتمل ما قال المؤلف فيما تقدم أن المراد لتكن منكم أمة منتصبة متفرقة لهذا الشيء مع كون الجميع يساعدونها في ذلك أيضاً ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويبين جل وعلا أن هؤلاء القائمين بهذا الأمر هم أهل الفلاح، كأن الفلاح لهم دون غيرهم مبالغة لبيان عظم ما هم عليه من الخير وأنهم أهل الفلاح الكامل وإن كان كل مؤمن مفلحًا، لكن هؤلاء منتصبون للدعوة إلى الخير والقائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هؤلاء لهم شأن عظيم، قائمين مقام الرسل في إصلاح الناس وفي إصلاح أوضاعهم وفي الدعوة إلى الخير وفي النهي عن المنكر وفي الأمر بالمعروف، فلهم شأن عظيم، ولهم فضل كبير لكونهم اجتهدوا في صلاح أنفسهم واجتهدوا في إصلاح غيرهم بالدعوة إلى الخير وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل مبتلى يخلو من هذا الواجب هو على خطر عظيم من حلول العقوبات والنقمات، وأي مجتمع يسود فيه هؤلاء ويقوى أمرهم في الدعوة إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر يكون مجتمعًا صالحًا جديرًا بكل تقدير، وجديرًا بالعزة والسلامة والعافية من كل سوء، فينبغي للمؤمن أن يحرص أن يكون من هؤلاء الأخيار وألا يحقر نفسه بل يكون داعيًا إلى الخير بحسب ما عنده من العلم، بحسب طاقته آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر؛ لعله يكتب في صف هؤلاء ويحشر مع هؤلاء فيكون من المفلحين الفلاح الكامل التام بسبب أعمالهم الطيبة، واجتهادهم في الخير، وبذلهم المستطاع في إصلاح الغير بدعوتهم إلى الخير وإرشادهم إلى أسباب النجاة وتحذيرهم من أسباب الهلاك.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبدالله بن عبدالرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم ورواه الترمذي وابن ماجه.
الشيخ: وهذا يدل على أن التساهل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب عدم إجابة الدعاء وأنه خطر عظيم وأن التساهل في هذا الواجب العظيم وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب أمرين:
الأمر الأول: حلول العقوبات والنقمات العامة نسأل الله العافية من جدب وقحط وأمراض عامة وتسليط عدو ونحو ذلك.
والأمر الثاني: أنه من أسباب عدم إجابة الدعاء وعدم النصر على الأعداء كما في الحديث الآخر حديث عائشة في ... يقول الله عز وجل: أيها الناس، مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وقبل أن تسألوني فلا أعطيكم وقبل أن تستنصروني فلا أنصركم نسأل الله العافية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن أبي عمرو به، وقال الترمذي: حسن، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، مع الآيات الكريمة، كما سيأتي تفسيرها في أماكنها.
 ثم قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ الآية، ينهى تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني أزهر بن عبدالله الهوزني، عن أبي عامر عبدالله بن لحي، قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة، قام حين صلى صلاة الظهر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة  يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة - وهي الجماعة- وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه.
الشيخ: الكلب هذا يسمونه عضة ... هو الداء الذي ينتشر بالإنسان إذا عضه الكلب المصاب بهذا الداء سرى في جسمه حتى يموت ويهلك في الغالب، وفي هذا أن الشر يتجارى بالناس والبدع والأهواء تجاريًا كثيرًا حتى يعم الكثير أو يعم الجميع إلا ما شاء الله بسبب كثيرة الداعين للبدع، ... كما يتجارى الكلب بصاحبه تتجارى بهم الأهواء والبدع والاستحسان الذي ما شرعه الله حتى تعم البدع وتكثر البدع نسأل الله السلامة.وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله والله يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به، وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى، كلاهما عن أبي المغيرة واسمه عبدالقدوس بن الحجاج الشامي به.الشيخ: وهو حديث جيد الإسناد صحيح، وهو يدل على وجوب الحذر من البدع، وأن التفرق أسبابه البدع والأهواء هذا يرى بدعة وهذا يرى بدعة وهذا يرى كذا حتى تفرقوا كما جرى للأمة من المعتزلة والجهمية والشيعة والمرجئة وغيرهم ثم تفرقت هذه الفرق إلى فرق أخرى حتى بلغت هذا العدد إلى ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار والثالثة والسبعون أهل السنة والجماعة الذين تمسكوا بالحق واستقاموا على الحق وحافظوا عليه.
س: ....؟
الشيخ: لها أصول ترجع إلى أصولها، قد تكون ثلاثمائة أو أربعمائة لكن ترجع إلى الثنتين والسبعين مثل الشيعة فرق كثيرة والمعتزلة فرق كثيرة والمرجئة كذلك والخوارج كذلك.
وقد ورد هذا الحديث من طرق.
وقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه وجوه يعني يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة قاله ابن عباس رضي الله عنهما.الشيخ: والمعنى أنها تبيض وجوه أهل الحق وأهل الاستقامة وهم أهل السنة والجماعة الذين استقاموا على دين الله وعظموا شريعة الله وابتعدوا عما يخالفها، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة وأهل الشرك بسبب بعدهم عن الحق واستكبارهم عن الاتباع كما قال جل وعلا: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:60] فالمقصود أن اتباع الحق والاستقامة على الدين من أسباب بياض الوجه يوم القيامة، ومخالفة الحق واتباع الهوى من أسباب الظلمة في القلوب والسواد في الوجوه نسأل الله العافية والسلامة.فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ قال الحسن البصري: وهم المنافقون فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وهذا الوصف يعم كل كافر.
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يعني الجنة ماكثون فيها أبدا لا يبغون عنها حولا.

الشيخ: لأن الجنة تسمى الرحمة كما في الحديث الصحيح يقول الله يوم القيامة إذا اشكت الجنة والنار إلى ربهما يقول سبحانه للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ويقول للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها نسأل الله السلامة.
وقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن الربيع بن صبيح وحماد بن سلمة، عن أبي غالب، قال: رأى أبو أمامة رؤوسا  منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه إلى آخر الآية، قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟: قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا - حتى عد سبعا- ما حدثتكموه، ثم قال: هذا حديث حسن، وقد رواه ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن أبي غالب وأخرج أحمد في مسنده عن عبدالرزاق، عن معمر، عن أبي غالب بنحوه.الشيخ: وهؤلاء هم الخوارج الذين قتلوا ذاك الوقت والخوارج من أخبث خلق الله قد حرض النبي ﷺ على قتالهم وقتلهم لكونهم خرجوا عن السنة وكفروا المسلمين وقاتلوا المسلمين وتركوا الكفار فاشتغلوا بقتال أهل الإسلام وتركوا قتال أهل الأوثان، ولهذا جاءت فيهم الأحاديث الصحيحة الدالة على مروقهم من الإسلام وعلى وجوب قتالهم، وعلى أن في قتلهم أجر لمن قتلهم لهذا قال هنا في الحديث: شر قتلى تحت أديم السماء، نسأل الله السلامة.
وقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الآية عن أبي ذر حدث حديثا مطولا غريبا عجيبا جدا.
ثم قال تعالى: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْك أي هذه آيات الله وحججه وبيناته نتلوها عليك يا محمد بِالْحَق أي نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِين أي ليس بظالم لهم بل هو الحكم، العدل الذي لا يجور، لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه، ولهذا قال تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أي الجميع ملك له وعبيد له وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة.
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ۝ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ۝ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ
يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان بن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يعني خير الناس للناس، والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس.
الشيخ: ومن نفعهم أنهم يجاهدون في سبيل الله ويدعون إلى الله حتى يأتوا بالأسرى يقادون إلى الجنة بالسلاسل يأتون بالأسرى فيدخلون في الإسلام ويخرجهم الله من ظلمة الكفر والضلالة بأسباب هؤلاء المجاهدين من هذه الأمة، هم جاؤوا بالقيود ثم هداهم الله إلى الإسلام وصاروا إلى الجنة والكرامة بعدما كانوا في ظلمة الكفرة الضالين المستحقين للنار، وصار أسرهم ومجيئهم بالقيود من أسباب دخولهم في الإسلام، ومن أسباب فوزهم بالجنة والكرامة، فهذا كله من نفع هذه الأمة المستقيمة. بهذا الأمة المستجيبة الذين استجابوا لله والرسول، وقاموا على دين الله، وجاهدوا في سبيل الله، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر؛ عن إيمان صادق وعن إخلاص لله، وهم أنفع الناس للناس، وهم خير الناس للناس، يصبرون على أذاهم، ويعلمونهم ويرشدونهم ويوجهونهم ويدعونهم إلى الخير، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، ويعملون ما يستطيعون من أسباب نجاتهم وسعادتهم فصاروا خير الناس للناس.
ولهذا قال تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.
قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبدالملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبدالله بن عميرة، عن درة بنت أبي لهب، عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم.
ورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة.
والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: 143] أي خيارا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس [البقرة:143].
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرم على الله عز وجل وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه.
وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرحمن، حدثنا ابن زهير، عن عبدالله يعني ابن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي وهو ابن الحنفية أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ: أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء فقلنا يا رسول الله ما هو؟ قال نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسُميت أحمد وجعل التراب لي طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن.
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار، حدثنا ليث عن معاوية عن أبي حلبس يزيد بن ميسرة، قال: سمعت أم الدرداء رضي الله عنها تقول: سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول: إن الله تعالىى يقول: يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم قال:: يا رب كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي.
وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها هاهنا.
قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا المسعودي حدثنا بكير بن الأخنس، عن رجل، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي عز وجل فزادني مع كل واحد سبعين ألفا قال أبو بكر رضي الله عنه: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ومصيب من حافات البوادي.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالله بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان، عن القاسم بن مهران، عن موسى بن عبيد، عن ميمون بن مهران، عن عبدالرحمن بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ قال: إن ربي أعطاني سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب قال عمر، يا رسول الله، فهلا استزدته فقال: استزدته فأعطاني مع كل ألف سبعين ألفا. قال عمر: فهلا استزدته؟ قال: قد استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفًا، فقال عمر: فهلا استزدته قال: قد استزدته فأعطاني هكذا، وفرج عبدالله بن بكر بين يديه، وقال عبدالله: وبسط باعيه، وحثا عبدالله، وقال هاشم: وهذا من الله لا يدرى ما عدده.
الشيخ: وفي رواية وثلاث حثيات من حثيات ربي والمعنى أن الله جل وعلا زاد لعبده ورسوله محمد عليه الصلاة والسلام فيمن يدخل الجنة من أمته ممن ليس عليهم حساب ولا عذاب جاء في حديث ابن عباس سبعين ألفًا كلهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وفي هذه الروايات على ما فيها أنه استزاد ربه وأن الله جل وعلا زاده في رواية مع كل ألف سبعين ألفًا، وفي رواية: مع كل رجل يعني مع كل واحد سبعين ألفًا وهذا أعظم وأكثر وزيادة أخرى: وثلاث حثيات من حثيات ربي لا يعلم عددها إلا هو سبحانه وتعالى وهذا يبشر بخير عظيم لمن استقام على أمر الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر واستقام على الإيمان صار من هذه الأمة التي وعدها الله الخير الكثير ووعد هؤلاء منها بإدخالهم الجنة بغير حساب ولا عذاب وما ذاك إلا لاستقامتهم لا لأنسابهم ولا لأموالهم ولا لوظائفهم ولا لألوانهم ولا لعروبتهم ولا لعجمتهم لا، ولكن لتقواهم لله ولإيمانهم بالله واستقامتهم على دين الله، والاستقامة على دين الله وحافظوا على حقه وابتعدوا عن محارمه فأدخلهم الله الجنة بغير حساب ولا عذاب وكانوا من هؤلاء الأخيار.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح بن عبيد: مرض ثوبان بحمص، وعليها عبدالله بن قرط الأزدي، فلم يعده، فدخل على ثوبان رجل من الكلاعين عائدا له، فقال له ثوبان: أتكتب؟ قال: نعم، قال: اكتب، فكتب للأمير عبدالله بن قرط «من ثوبان مولى رسول الله ﷺ، أما بعد فإنه لو كان لموسى وعيسى عليهما السلام بحضرتك خادم لعدته»، ثم طوى الكتاب وقال له: تبلغه إياه؟ قال: نعم، فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط، فلما رآه، قام فزعا، فقال الناس: ما شأنه أحدث أمر؟ فأتى ثوبان حتى دخل عليه فعاده وجلس عنده ساعة، ثم قام فأخذ ثوبان بردائه، وقال: اجلس حتى أحدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، يقول ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفا تفرد به أحمد من هذا الوجه وإسناد رجاله كلهم ثقات شاميون حمصيون، فهو حديث صحيح، ولله الحمد والمنة.الشيخ: وفيه إسماعيل بن عياش ولكنه إذا روى عن الشاميين فحديثه جيد وهنا روى عن الشاميين عن ضمضم بن زرعة الشامي الحمصي ولهذا قال المؤلف إنه جيد.
طريق آخرى: قال الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن زبريق الحمصي، حدثنا محمد بن إسماعيل يعني ابن عياش، حدثني أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن ربي عز وجل وعدني من أمتي سبعين ألفا لا يحاسبون، مع كل ألف سبعون ألفا هذا لعله هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرحبي بين شريح وبين ثوبان، والله أعلم.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق، حدثنا معمر عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: أكثرنا الحديث عند رسول الله ﷺ ذات ليلة ثم غدونا إليه، فقال عرضت علي الأنبياء الليلة بأممها، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر، والنبي وليس معه أحد، حتى مر علي موسى عليه السلام ومعه كبكبة من بني إسرائيل، فأعجبوني فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هذا أخوك موسى ومعه بنو إسرائيل. قال: فقلت: فأين أمتي؟ فقيل: انظر عن يمينك، فنظرت فإذا الظراب قد سد بوجوه الرجال ثم قيل لي: انظر عن يسارك. فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل لي: أرضيت؟ فقلت، رضيت يا رب، قال فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب فقال النبي ﷺ: فداكم أبي وأمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفا فافعلوا، فإن قصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، أي من السبعين، فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم، فقال قد سبقك بها عكاشة قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف؟، قوم ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا حتى ماتوا فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون وهكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق، ورواه أيضا عن عبدالصمد عن هشام عن قتادة بإسناده مثله، وزاد بعد قوله رضيت يا رب، رضيت يا رب، قال: رضيت، قلت: نعم. قال انظر عن يسارك -قال- فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقال: رضيت؟ قلت: رضيت وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه تفرد به أحمد، ولم يخرجوه.
الشيخ: صححه لأنهم ثقات لكن فيه قتادة عن الحسن وهو مدلس، والحسن عن سمرة وعن عمران في سماعهما خلاف فكأن المؤلف بهذا يرجح سماع الحسن بن عمران ولهذا صوب الإسناد.
وقد أخرجه البخاري ومسلم بمعناه من حديث ابن عباس في عرض الأمم عليه قال: النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل ... إلى آخره.
ومعنى: لا يسترقون ولا يكتوون يعني أنهم استكملوا ما أوجب الله عليهم وابتدعوا عما حرم الله عليهم حتى إنهم تركوا ما ينبغي تركه بالكي فإن الكي هو آخر الطب وتركه أولى إذا وجد ما يغني عنه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: الشفاء في ثلاثة: كية نار، أو شرطة محجم أو شربة عسل وما أحب أن أكتوي وقال: وأنهى أمتي عن الكي خرجه البخاري رحمه الله، فالكي فيه شيء من العذاب، شيء من النار، ولهذا ينبغي أن يكون هو آخر الطب عند الحاجة الشديدة.
وفيه أيضا ترك التطير والتطير هو التشاؤم من المرئيات أو المسموعات وليس من صفة أهل الإيمان؛ لأنه نوع من الشرك ونوع من سوء الظن.
وفيه أيضاً لا يسترقون يعني لا يسألون الناس أن يرقوهم فسؤال الناس فيه مذلة فالأولى ألا يسأل، وإن رقاه أخوه من دون سؤال كان هذا أولى، وإن دعت الحاجة للسؤال فلا بأس كما يجوز سؤال المال عند الضرورة، وقد أمر النبي ﷺ أم أولاد جعفر أن تسترقي لأولادها لما أصابتهم العين، فترك الاسترقاء أولى، لكن إذا دعت الحاجة إليه فلا بأس، وهكذا الكي تركه أولى لكن إذا دعت الحاجة إليه فلا بأس؛ لأن هذا من الكمالات أعمالهم رضي الله عنهم هؤلاء السبعون استكملوا الطاعات الواجبة وتركوا المحارم وزادوا على هذا أنواعًا من الخير من التطوعات ومن النوافل وترك المشتبهات وترك بعض المباحات، وما ذاك إلا لكمال عنايتهم وكمال اجتهادهم في الخير وبعدهم عن الشر وعن المكروهات وعن بعض المباحات التي قد يكون فعلها مرجوحًا.
س:...؟
الشيخ: المشروع عند العلماء أنه سنة فقط، هذا أحسن ما قيل فالجمهور على أنه مستحب، وقال مالك رحمه الله وجماعة استوى طرفاه، يعني مباح وقال أبو حنيفة: أنه يتأكد حتى دان به الوجوب كما نقله العلماء عنه، ولكن الأفضل قول الجمهور أنه مستحب لقول النبي ﷺ: عباد الله تداووا لا تداووا بحرام والنبي ﷺ فعله، وفعله أصحابه وأمر أن يفعل.
قال المعلق: بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:
فالحلقة التي تلي هذا كانت بتاريخ الحادي والعشرين من شهر جمادى الأولى عام 1404 لهجرة المصطفى ﷺ الموافق الأربعاء وقد وقع سقط يسير نقرأه إكمالاً للفائدة وهو من السطر الثالث من صفحة 393 وهو قوله رحمه الله تعالى:
حديث آخر: قال الإمام أحمد حدثنا أحمد بن منيع: حدثنا عبدالملك بن عبدالعزيز، حدثنا حماد عن عاصم عن زر، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ: عرضت علي الأمم بالموسم فرأيت علي أمتي، ثم رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم، قد ملأوا السهل والجبل، فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم. فقام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة رواه الحافظ الضياء المقدسي، وقال: هذا عندي على شرط مسلم.
حديث آخر: قال الطبراني: حدثنا محمد بن محمد الجندعي القاضي، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا محمد بن أبي عدي عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب قيل: من هم؟ قال هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون ورواه مسلم من طريق هشام بن حسان، وعنده ذكر عكاشة.
الشيخ: وهذا يبين لنا فضل هذه الأمة التي فضلها الله على الأمم كما قال سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[آل عمران:110] فهذه الأمة التي استقامت على طاعة الله ورسوله وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر هم خير الأمم هم أمة محمد عليه الصلاة والسلام الذين قاموا بهذا الوصف على خير وجه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشرائع كلها بما جاءت به الرسل لكن هذه الأمة كان لها من ذلك النصيب الأوفر، ولهذا كانت خير الأمم بأعمالها العظيمة وجهادها وصدقها، وفي هذا أن معهم سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وتقدم أنه استزاد ربه فزاده مع كل واحد سبعين ألفًا، وزاده حثيات من حثيات الله عز وجل، وذكر من أعمالهم أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، يعني أنهم استقاموا على طاعة الله ورسوله واستكملوا ما أمر الله به ورسوله وجاهدوا أنفسهم لله وتركوا محارمه؛ حتى أنهم من كمال إيمانهم ومن كمال ورعهم تركوا الاسترقاء والكي، والكي جائز لكنه مكروه إلا عند الحاجة، لأن الكي نوع من العذاب بالنار لا ينبغي أن يصار إلا عند الحاجة، إذا تيسر داؤه من غير كي فهو أفضل، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: الشفاء في ثلاثة: كية نار أو شرطة محجم أو شربة عسل، وما أحب أن أكتوي، وفي اللفظ الآخر: وأنهى أمتي عن الكي، ولهذا قال العلماء: يستحب أن يكون الكي آخر الطب عند تعذر غيره لهذا الحديث الشريف ولحديث السبعين، فإذا احتيج لشيء فلا كراهة ولا بأس، وقد كوى النبي بعض أصحابه من الشوكة، وكان بعض الصحابة قد كوى كخباب بن الأرت، والمقصود أن الكي عند الحاجة لا بأس به وعند وجود دواء غيره فتركه أولى؛ لأن هذا من أعمال السبعين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
وأما الاسترقاء: فهو طلب الرقية كونه يقول: اقرأ عليّ يا فلان، مريض يطلب الرقية تركها أولى، لأنها حاجة إلى الناس وسؤال، فإذا تيسر دواء بغير الاسترقاء فهو أولى، وإن دعت الحاجة إلى الاسترقاء فلا بأس مثل الكي. وقد ثبت عنه ﷺ أنه أمر أم أسماء بنت عميس أم أولاد جعفر بن أبي طالب أمرها أن تسترقي لأولادها من العين، وقال: لا رقية إلا من عين أو حمة، فهذا يدل على أن الاسترقاء عند الحاجة لا بأس به، هو طلب من يرقي من المرض، والرقية القراءة على المريض بالنفث تسمى رقية، وقال النبي ﷺ: لا بأس بالرقى مالم تكن شركًا ورقى ورقي عليه الصلاة والسلام.
وأما الطيرة: فهي التشاؤم، وهي محرمة، النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الطيرة وقال: لا عدوى ولا طيرة والطيرة هي التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، التشاؤم بالمرئي أو بالمسموع كانوا في الجاهلية يتشاءمون إذا سمعوا صوت الغراب أو البومة تشاؤموا وظنوا السوء، وهذا من جهلهم وقلة البصيرة، وكانوا يتشاءمون أيضاً من المرئيات إذا رأوا مثلاً حمارًا في الطريق أسود، أو فيه علة أو قابله عند الخروج أعور أو أعرج تشاءم، وهذا من جهلهم أيضاً، فالطيرة من أعمال الجاهلية وهي التي تمضيك أو تردك هذه الطيرة ما أمضاك أو ردك والنبي ﷺ نهى عن الطيرة وقال عليه الصلاة والسلام: إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأت بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك ويروى عنه ﷺ أنه قال: من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: فما كفارته يا رسول الله؟ قال: أن يقول اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك.
والمؤمن لا يتشاءم بل يمضي في حاجته إذا خرج من بيته صباحًا أو مساء أو في أي وقت، وصادفه شيء يكرهه، إنسان يكرهه أو حيوان يكرهه أو صورة يكرهها، فلا يتشاءم بل يعتمد على الله ويمضي في حاجته وليقل ما قاله النبي ﷺ: اللهم لا يأت بالحسنات إلا أنت يعني النعم، ولا يدفع السيئات إلا أنت يعني المصائب، ولا حول ولا قوة إلا بك ويمضي في حاجته.
حديث آخر: ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر فقال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ اللهم اجعله منهم ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله، فقال سبقك بها عكاشة.
الشيخ: وعكاشة هنا دعا له النبي ﷺ بأنه منهم وفي رواية قال: أنت منهم، قتل شهيدًا رضي الله عنه، قاتل في الردة يوم قتال الأسدي مدعي النبوة بعد النبي ﷺ فقتل في تلك الغزوة في سبيل الله رضي الله عنه، ولهذا شهد له ﷺ أنه من السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
س:....؟
الشيخ: من الأنصار، قال: سبقك بها عكاشة لئلا يفتح الباب، فاستعمل النبي ﷺ كلمة يسد بها الباب ... وسد الذرائع التي قد تفضي إلى ما لا ينبغي.
س:.....؟
الشيخ: لا غلط، قال: سبقك بها عكاشة .... لكن لو تقدم لكان أهل لها لكن سبقه عكاشة فهي شهادة له بالخير .... فهذا يدل على أنه لو تقدم لكان صاحب الدعوة.
حديث آخر: قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا- أو سبعمائة ألف- آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر أخرجه البخاري ومسلم جميعا عن قتيبة عن عبدالعزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل به.الشيخ: وهذا في رواية أخرى: ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في الأفق إضاءة يعني الصنف الأول منهم سبعون ألفًا وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، يعني أنهم دونهم في النور ولكنهم لهم نور عظيم يعني الزمرة الأخرى.
وأهل الجنة يأكلون فيها ويشربون وينكحون ويتحدثون ويتزاورون، لكن ليس فيها غائط ولا بول ولا مخاط ولا حيض ولا نفاس، ليس فيها إلا الطهارة الكاملة، فيأكلون ويشربون ويتزاورون ويتحدثون ولهم فيها ما يشاءون من أنواع النعيم من المآكل والمشارب، لكن هذه المآكل والمشارب ليس لها تفل، ليس لها غائط ولا بول تذهب جشاء وعرقًا لا يتأثرون بها، طعام عظيم يذهب هكذا لا يكون له تفل، لا يكون له بول، لا يكون له غائط ولا بصاق ولا مخاط ولا دم ولا حيض ولا نفاس، بل نعيم دائم من دون أكدار، فليس في الجنة حيض ولا نفاس ولا مخاط ولا بصاق ولا بول ولا غائط ولا شيء من الأكدار، بل هم في نعيم دائم وخير دائم، وطعامهم يكون لهم جشاء وعرقًا ليس له بقية في الجوف يحتاج إلى غائط أو بول، وهذا من كمال النعيم ومن كمال قدرة الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الطعام من لحومهم وفواكههم وسائر ذلك، وغير ذلك كله يذهب ويتبخر تبخرًا من أجسامهم من دون غائط ولا بول.
حديث آخر: قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أنبأنا حصين بن عبدالرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال، أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال لا رقية إلا من عين أو حمة، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ، فقال ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه، فقال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال سبقك بها عكاشة. وأخرجه البخاري عن أسيد بن زيد عن هشيم، وليس عنده: لا يرقون.الشيخ: وهذا الحديث العظيم مثل الأحاديث السابقة فيه دلالة على أن الرسول ﷺ عرض عليه الأمم، وقيل إن هذا كان في ليلة الإسراء حين أسري به إلى السماء كما في الرواية الأخرى، فرأى النبي ومعه الرهيط، والرهيط العدد القليل ثلاثة وأربعة وخمسة يقال لهم رهيط، وإذا بلغوا تسعة إلى عشرة يقال لهم رهط فالرهط العشرة فأقل، والرهيط أقل من ذلك من خمسة وأربعة ومن ثلاثة إلى عشرة لكن الرهيط أقل من عشرة .
رأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، هذا يدل على أن بعض الأنبياء ما تبعه أحد، بل عصوه كلهم وخالفوه كلهم، ماتوا على الكفر والعياذ بالله، بعض الأنبياء ما تبعه أحد من أمته نسأل الله السلامة.
وبعضهم ما تبعه إلا الرجل والرجلان والبقية عصوه وخالفوه ولم يقبلوا دعوته، وبعض الأنبياء معه الرهيط خمسة أربعة ستة، وبعض الأنبياء قتله قومه كما قتل بنو إسرائيل بعض أنبيائهم وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران:181] نسأل الله العافية.
ثم عرض له سواد عظيم رأى سوادًا عظيمًا في الأفق فسأل عنهم فقيل له: هذا موسى وقومه، موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام كليم الرحمن، هذا يبين لنا أن أتباع بني إسرائيل كثيرون، ولهذا قد رآهم النبي ﷺ  قد سدوا الأفق من كثرتهم لما عرض عليه، ثم قيل له انظر بعد ذلك، فنظر إلى الأفق قد سد، ثم نظر إلى الأفق الآخر فرآه قد سد، فقيل له هذه أمتك! أكثر الناس أمة محمد أكثر الأمم دخولاً الجنة، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا: فكبرنا، قال: ألا ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فقال: فكبرنا، قال: ألا ترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة، قال: فكبرنا، وفي بعض الروايات أن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، وأمة محمد ثمانون صفًا منها يعني الثلثين، هذه الأمة يدخل الجنة منها ضعف غيرها؛ بسبب اتباعها لنبيها ﷺ وقيامها بحق الله ومسارعتها إلى الخيرات، وهذا في الماضين كثيرون في الماضين كثيرون وفي الباقين أقل ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ۝ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة:13، 14]، وفي آخر الزمان عند نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، ودعوته إلى الله، ورؤية العلامة العظيمة من علامات ...... أهل الإيمان، ويدخل الناس في دين الله ويهلك الله الأديان الكافرة كلها ولا يبقى إلا الإسلام، فتكثر أمة محمد بذلك، فهذا يبين لنا أن هذه الأمة أكثر الأمم إيمانًا دخولاً الجنة مع نبيها عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك أكثرهم أبى إلا الضلال، مع هذا أكثرهم تابع الهوى والشيطان، وهذه سنة الله في عبادة أن أكثر الخلق يتبعون الهوى والشيطان، ويعصي الأوامر ولا ينقاد للحق إلا الخواص من عباد الله الذين هداهم الله وألهمهم رشدهم وتفضل عليهم بالتوفيق، قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103] وقال سبحانه وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] وقال عز وجل: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ص:24] ولما ذكر صفات الأنبياء في سورة الشعراء قال في آخر كل قصة إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:8].
فينبغي للعاقل أن يخاف أن يصيبه ما أصاب الناس، وأن يهلك كما هلك أكثر الناس، وأن يسأل ربه التوفيق والهداية، ويضرع إليه دائمًا أن يثبته على الحق وأن لا يزيغه عن الهدى كما زاغ عنه الكثيرون ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أما زيادة: "ولا يرقون" فقد قال الحفاظ أنها غلط ووهم من بعض الرواة وإنما الصواب لا يسترقون بالسين أي لا يطلبون من يرقيهم، ولهذا تركها البخاري؛ لأن الرقية نفع وصدقة وإحسان، والسبعون ممن يحسن ويتصدق فكلمة ولا يرقون غير محفوظة لأن الرسول ﷺ رقى ورقي وقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه وكون الإنسان يرقي أخاه ويحسن إليه، هذه قربة وطاعة، فالنبي ﷺ قال: من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا.
حديث آخر: قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله قال: سمعت رسول الله ﷺ، فذكر حديثا، وفيه: فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء ثم كذلك، وذكر بقيته، رواه مسلم من حديث روح، غير أنه لم يذكر النبي ﷺ.
حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنن له
الشيخ: المشهور كتاب السنة وهو مطبوع ويجوز السنن جمع سنة.
 حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل وكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش به، وهذا إسناد جيد.الشيخ: وذلك لأن إسماعيل بن عياش هنا حمصي وروى عن حمصيين، يعني إذا روى عن الشاميين فهو جيد، وهنا روى عن الشاميين فهذا إسناد جيد كما قال المؤلف، وهو يدل على كثرة الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب من هذه الأمة، سبعون ألفًا مع كل ألف سبعون ألفًا، ومع ثلاث حثيات من حثيات الله عز وجل لا يحصي عددها إلا هو سبحانه وتعالى، وما ذلك إلا بأسباب إيمانهم وتقواهم..... استقام على أمر الله، وجاهد نفسه لله، ووقف عند حدود الله أدخله الله الجنة بغير حساب ولا عذاب.
طريق أخرى: عن أبي أمامة: قال ابن أبي عاصم، حدثنا دحيم، حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن أبي اليمان الهوزني واسمه عامر بن عبدالله بن لحي، عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ، قال: إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب، قال رسول الله ﷺ فإن الله وعدني سبعين ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا وزادني ثلاث حثيات، وهذا أيضا إسناد حسن.
الشيخ: إسناد حسن تابع لغيره، وإلا فيه الوليد بن مسلم وصفوان وهو مدلس وقد عنعن لكن ينجبر بما قبله.
 حديث آخر: قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ إن ربي عز وجل وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفا، ثم يحثي ربي عز وجل بكفيه ثلاث حثيات فكبر عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر، قال الحافظ الضياء أبو عبدالله المقدسي في كتابه صفة الجنة: لا أعلم لهذا الإسناد علة، والله أعلم.الشيخ: فيه شيخ الطبراني أحمد بن خليد وهو محل نظر وهذا عامر بن زيد البكالي.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثني يحيى بن سعيد، حدثنا هشام يعني الدستوائي، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة، حدثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالكديد أو قال: بقديد فذكر حديثا وفيه: ثم قال: وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة قال الضياء: وهذا عندي على شرط مسلم.س: هل يفهم من هذا الحديث أن السبعين غير الصحابة؟
الشيخ: هذه الزيادة يدخلونها، لكن هم رأس الطبقة هم رأس الأمة إن كانوا غيرهم فهم قبلهم.
المعلق: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: فلدى قراءة أخينا في الحلقة التالية وكانت بتاريخ الثامن والعشرين من شهر جمادى الآخرة الموافق للأربعاء ترك شيئًا لم يقرأه نقرأه هنا إتمامًا للفائدة.
قوله رحمه الله تعالى:
حديث آخر: قال عبدالرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف. قال أبو بكر رضي الله عنه: زدنا يا رسول الله. قال: والله هكذا. فقال عمر: حسبك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: دعني وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا، فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحد، فقال النبي ﷺ صدق عمر هذا الحديث بهذا الإسناد تفرد به عبدالرزاق. قاله الضياء.
وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن مخلد، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف فقال أبو بكر: يا رسول الله، زدنا. قال: وهكذا وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك، قلت: يا رسول الله، زدنا فقال عمر: إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة، فقال رسول الله ﷺ صدق عمر، هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأبو هلال واسمه محمد بن سليم الراسبي بصري.
طريق آخر عن أنس: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا عبدالقاهر بن السري السلمي، حدثنا حميد عن أنس، عن النبي ﷺ قال يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا قالوا: زدنا يا رسول الله. قال: لكل رجل سبعون ألفا. قالوا: زدنا، وكان على كثيب، فقال هكذا وحثا بيده، قالوا: يا رسول الله أبعد الله من دخل النار بعد هذا، وهذا إسناد جيد، ورجاله كلهم ثقات، ما عدا عبدالقاهر بن السري، وقد سئل عنه ابن معين فقال: صالح.
حديث آخر: روى الطبراني من حديث قتادة عن أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه أن النبي ﷺ، قال: إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلاثمائة ألف الجنة فقال عمير: يا رسول الله، زدنا، فقال: هكذا، بيده، فقال عمير: يا رسول الله، زدنا فقال عمر: حسبك إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة، فقال نبي الله ﷺ صدق عمر.
حديث آخر: قال الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبدالله بن عامر أن قيسا الكندي حدثه أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول الله ﷺ، قال: إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، ويشفع كل ألف لسبعين ألفا، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه. كذا قال قيس، فقلت لأبي سعيد: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم بأذني، ووعاه قلبي، قال أبو سعيد: فقال يعني رسول الله ﷺ: وذلك إن شاء الله عز وجل يستوعب مهاجري أمتي ويوفي الله بقيته من أعرابنا. وقد روى هذا الحديث محمد بن سهل بن عسكر عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده مثله، وزاد: قال أبو سعيد: فحسب ذلك عند رسول الله ﷺ، فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألف ألف.
حديث آخر: قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ: أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يخبطون الأرض، تقول الملائكة: لم جاء مع محمد أكثر مما جاء مع الأنبياء؟ وهذا إسناد حسن.
حديث آخر من الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمة وشرفها وكرامتها على الله عز وجل، وأنها خير الأمم في الدنيا والآخرة:
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن جابر أنه سمع النبي ﷺ يقول: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي يوم القيامة ربع أهل الجنة فكبرنا، ثم قال: أرجو أن يكونوا ثلث الناس قال: فكبرنا، ثم قال: أرجو أن تكونوا الشطر، وهكذا رواه عن روح عن ابن جريج به، وهو على شرط مسلم.

الشيخ: وهذا حديث صحيح جيد يدل على أن هذه الأمة يرجى أن تكون شطر أهل الجنة، نصف أهل الجنة، وجاء في اللفظ الآخر ما يدل على أنهم ثلثا أهل الجنة؛ لأن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، وهذه الأمة ثمانون صفًا فيكونون ثلثي أهل الجنة، وهذا فضل عظيم لهذه الأمة العظيمة المستجيبة للنبي ﷺ، وأن المستجيبين للنبي ﷺ من هذه الأمة أكثر ممن قبلهم.
وفي هذا دلالة على شرعية التكبير عند سماع الشيء العظيم وسماع الشيء الذي له شأن فإنه لما قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا: كبرنا، فلما قال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة قال: كبرنا، يعني قالوا: الله أكبر الله أكبر، وهذا فيه شرعية التكبير عند سماع الأمور المهمة والعظيمة كما كان يكبر ﷺ إذا سمع شيئًا يعجبه أو سمع شيئًا يستنكره قال: الله أكبر أو قال: سبحان الله، خلاف ما يعتاده كثير من الناس الآن من التصفيق هذا خلاف السنة، السنة التكبير والتسبيح عند سماع الأمور المهمة، أما التصفيق فمن سنة الجاهلية وليس من سنة النبي ﷺ وإنما هو مما شرع الله للنساء في الصلاة إذا سها الإمام يصفقن.
وثبت في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله ﷺ: أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ فكبرنا، ثم قال أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ فكبرنا، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة.
طريق أخرى: عن ابن مسعود: قال الطبراني: حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبدالواحد بن زياد، حدثني الحارث بن حصيرة، حدثني القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه، عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: كيف أنتم وثلثها؟ قالوا: ذاك أكثر، قال: كيف أنتم والشطر لكم؟ قالوا: ذاك أكثر، فقال رسول الله ﷺ: أهل الجنة عشرون ومائة صف، لكم منها ثمانون صفا قال الطبراني: تفرد به الحارث بن حصيرة.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالصمد، حدثنا عبدالعزيز بن مسلم، حدثنا ضرار بن مرة أبو سنان الشيباني عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأمة من ذلك ثمانون صفا وكذا رواه عن عفان عن عبدالعزيز به، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سنان به، وقال: هذا حديث حسن، ورواه ابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه به.
حديث آخر: روى الطبراني من حديث سليمان بن عبدالرحمن الدمشقي: حدثنا خالد بن يزيد البجلي، حدثنا سليمان بن علي بن عبدالله بن عباس عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ، قال: أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من أمتي تفرد به خالد بن يزيد البجلي، وقد تكلم فيه ابن عدي.
حديث آخر: قال الطبراني: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدثنا موسى بن غيلان، حدثنا هاشم بن مخلد، حدثنا عبدالله بن المبارك عن سفيان، عن أبي عمرو، عن أبيه عن أبي هريرة، قال: لما نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ۝ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة:39، 40] قال رسول الله ﷺ أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة.
وقال عبدالرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناس لنا فيه تبع، غدا لليهود وللنصارى بعد غد رواه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن طاوس عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، مرفوعا بنحوه،
الشيخ: وهذه الأحاديث كلها تدل على فضل هذه الأمة وأن الداخلين الجنة من هذه الأمة أكثر من غيرهم وما ذاك إلا لأمور:
منها: أنهم أكثر الأمم لأن كل نبي يبعث إلى قومه خاصة ومحمد ﷺ بعثه الله إلى الناس عامة عربهم وعجمهم جنهم وإنسهم ذكورهم وإناثهم.
ومنها: بركة هذا النبي الذي جعله الله مباركًا وجاء بشريعة مباركة عظيمة ميسرة سمحة، ولهذا دخل فيها من لم يكن في غيرها، وصار الداخلون فيها أكثر من غيرها لسماحتها وسهولتها وتيسيرها على الأمة في كل الشؤون؛ فالصوم ميسر والصلاة ميسرة.
ومنها: طول الأمد فإنها أمة طال أمدها فإن نبي الأمة إلى يوم القيامة فجميع أهل الإيمان من هذه الأمة كلهم من أتباعه عليه الصلاة والسلام، فدخل منها في الجنة أكثر من غيرها وتقدم أنه لما قال لهم: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة! كبروا فرحًا وتعظيمًا، ولما قال: إني لأرجو أن تكون ثلث أهل الجنة كبروا، ولما قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة كبروا، وهنا قال: أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، فهذه الأمة ثمانون صفًا منها يعني الثلثين وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا في الدلالة على أن هذه الأمة هي أكثر الأمم دخولاً الجنة.
فجدير بالمؤمن في هذه الأمة أن يفرح بهذا الخير وأن يسارع إليه، وأن يتباعد عن أسباب بعده من هذا الخير، وأن يكون من السابقين إلى خصال السعادة، وإلى إجابة هذا النبي العظيم عليه الصلاة والسلام فيما دعا إليه، فإنه دعا إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وحذر من سفاسف الأخلاق وسيئ الأعمال، وجعله الله مباركًا وشريعته مباركة، فمن تابعه فيما جاء به وأحب ما جاء فيه وسارع إليه واستقام عليه علمًا وعملاً صار من هذه الأمة الداخلين في الجنة، وصار من خيارهم ومقدميهم، وكلما تقدم الإنسان في العمل الصالح وصار من السابقين إليه ومن المستكثرين من أنواع الخير صار ذلك من أعظم أسباب رفعته في الآخرة وعلو منزلته في الجنة حسب ما يأتي به يوم القيامة من أعمال صالحة.
 ورواه مسلم أيضا من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة وذكر تمام الحديث.الشيخ: وهذا فضل آخر أن مع كونهم أكثر الجنة فهم أول من يدخلها بعد الأنبياء، محمد ﷺ هو أول من يدخلها من الأنبياء، وأمته أول من يدخلها من الأمم، يعني هم أسبق الناس إلى الجنة قبل بقية الأمم، وهم الآخرون في الدنيا وهم الأولون يوم القيامة، هم الآخرون وجودًا في الدنيا، وهم الأسبقون والأولون في دخول الجنة فضلاً من الله ورحمة سبحانه وتعالى.
حديث آخر: روى الدارقطني في الأفراد من حديث عبدالله بن محمد بن عقيل عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي، ثم قال: انفرد به ابن عقيل عن الزهري، ولم يرو عنه سواه، وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل، وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير.
وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ، فقال: حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق، حدثنا أبو بكر الأعين محمد بن أبي عتاب، حدثنا أبو حفص التنيسي حدثنا صدقة الدمشقي عن زهير بن محمد، عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن الزهري. ورواه الثعلبي: حدثنا أبو العباس المخلدي أنبانا أبو نعيم عبدالملك بن محمد، أنبانا أحمد بن عيسى التنيسي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا صدقة بن عبدالله عن زهير بن محمد عن ابن عقيل به.

الشيخ: عبدالله فيه ضعف، لكن معناه صحيح، وتقدمت الأحاديث أن أول من يدخل الجنة من الأمم أمة محمد ﷺ، وأول نبي هو محمد ﷺ.
فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها، رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها، رواه ابن جرير، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:79] الآية، ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَاب أي بما أنزل على محمد ﷺ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون أي قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان.