160 من حديث: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ)

 
4/449- وعن أبي هريرة قالَ: قالَ رسُولُ اللَّه ﷺ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إِمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّه تَعالى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌفي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّه: اجتَمَعا عَلَيهِ، وتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ، وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخافُ اللَّه، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأَخْفَاها، حتَّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ متفقٌ عَلَيْهِ.
5/450- وعَن عبداللَّه بنِ الشِّخِّير قَالَ: أَتَيْتُ رسُولَ اللَّه ﷺ وَهُو يُصلِّي، ولِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ حديث صحيح، رواه أَبو داود، والتِّرمذيُّ في "الشَّمائِل" بإِسنادٍ صحيحٍ.
6/451-وعن أَنسٍ قالَ: قالَ رسُولُ اللَّه ﷺ لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ : إِنَّ اللَّه أَمَرَني أَنْ أَقْرَأَ علَيْكَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة]، قَالَ: وَسَمَّاني؟ قَالَ: نَعَمْ، فَبَكى أُبَيٌّ. متفقٌ عَلَيْهِ، وفي روايةٍ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي.
7/452- وعنه قالَ: قالَ أَبو بَكْرٍ لعمرَ رضي اللَّه عنهما بعدَ وفاةِ رسولِ اللَّه ﷺ: "انْطَلِقْ بِنا إِلَى أُمِّ أَيمنَ رضي اللَّه عنها نَزُورُها كَمَا كَانَ رسُولُ اللَّه ﷺ يَزُورُها"، فَلَمَّا انْتَهَيا إِلَيْها بَكَتْ، فقَالا لَهَا: "مَا يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّه تَعَالَى خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ" قالَتْ: "إِني لا أَبْكِي أَنِّي لا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عنْدَ اللَّه خَيرٌ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ، ولكِنِّي أَبْكِي أَنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّماءِ"، فَهَيَّجَتْهُما عَلى البُكاءِ، فَجَعَلا يَبْكِيانِ مَعهَا. رواهُ مسلم.

الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله، وأصحابه، ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الأربعة كلها فيها الحثُّ على البكاء من خشية الله كالتي قبلها، وأنَّ المؤمن يتحرَّى أسباب ذلك: في تدبُّره للقرآن، وفي إكثاره من ذكر الله، وفي تذكره الجنة والنار، حتى يبكي من خشية الله.

في الحديث الأول يقول ﷺ: سبعةٌ يُظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمامٌ عادلٌ يعني: إمامٌ للناس قد عدل في حكمه، وشابٌّ نشأ في عبادة الله شابٌّ نشأ في العبادة، لم يعرف السَّفَه، ورجل قلبه مُعَلَّقٌ بالمساجد من حبِّه للصلاة، ورجلان تحابَّا في الله: اجتمعا عليه، وتفرَّقا عليه فيه الحثُّ على المحبة في الله، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ لها مركَزٌ في قومها، وجمالٍ، فقال: إني أخاف الله دعته للفاحشة فقال: إني أخاف الله. وهكذا المرأة التي يدعوها الرجلُ وتقول: إني أخاف الله؛ لها هذا الفضل العظيم، ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شمالُه ما تُنْفِق يمينُه من شدَّة إخلاصه لله، ورجلٌ ذكر الله خاليًا هذا الشاهد، ففاضت عيناه ذكر الله، وذكر عظمتَه، ما عنده أحد، فليس رياءً، ففاضت عيناه خوفًا من الله، وتعظيمًا لله، ففي هذا الحثّ على البكاء من خشية الله، وتعاطي أسباب ذلك.
ومن هذا حديث عبدالله بن الشّخير: قال: دخلتُ على النبي ﷺ فإذا هو يُصلي، ولصدره أزيز كأزيز المِرْجَل من البكاء، المرجل: القِدْر، مع كونه خير الناس، وغُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، ومع هذا يبكي من خشية الله، وإذا قيل له في مثل هذا يقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا.
وفي الحديث الثالث: أنَّه ﷺ قرأ على أُبَيّ سورة لَمْ يَكُنِ، وقال له: إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة]، قال: وسمَّاني لك؟ قال: وسمَّاك، فجعل يبكي من خشية الله، وتعظيم الله، وفي هذا فضلٌ لأُبي ، ومنقبةٌ عظيمةٌ له وأرضاه.
المقصود أنَّ كلًّا من هذا فيه الدلالة على البكاء من خشية الله جلَّ وعلا، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتحرَّى أسباب ذلك، حتى يبكي من خشية الله.
كذلك حديث أم أيمن رضي الله عنها، وهي حاضنة النبي ﷺ أم أسامة بن زيد قال الصديقُ لعمر رضي الله عنهما: "اذهب بنا إلى أمِّ أيمن نزورها كما كان النبيُّ يزورها"، فلما زاراها بكت، فسألاها: "لماذا تبكين؟ ألا تعلمين أنَّ ما عند الله خيرٌ لرسول الله؟!" قالت: "بلى، إِني لا أَبْكِي أَنِّي لا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عنْدَ اللَّه خَيرٌ لِرَسُولِ اللَّه، ولكني أبكي لانقطاع الوحي"، كان الوحي ينزل صباحًا ومساءً بأحكام الله، فانقطع الوحي، فهيَّجتهما على البكاء، وجعلا يبكيان معها، وفي هذا التَّزاور في المحبة لله ، والبكاء من خشية الله ، وزيارة أهل الخير محبةً في الله جلَّ وعلا.
وفي الحديث الأول فضل التَّحاب في الله، والتَّعلُّق بالمساجد، والحرص على المحافظة على الصلاة، والتزام الحقّ، وعدم السَّفه، وإخفاء الصَّدقة، فالسنة إخفاؤها، إلا إذا دعت الحاجةُ إلى إظهارها: كأن يطلب إمامُ المسجد أو وليُّ الأمر الصدقةَ من جماعةٍ، فكل واحدٍ يُقدِّم ما يسَّر الله له، هذا أفضل، حتى يُشَجِّع الناس كما في قصة العُرنيين الذين جاؤوا من عُرينة، جاؤوا وهم فقراء، فدخلوا على النبيِّ ﷺ المسجد، فحثَّ الناسَ على الصدقة عليهم، فجاء رجلٌ بِصُرَّةٍ من فضَّةٍ في يده كادت كفُّه تعجز عنها، ثم تتابع الناسُ في الصدقة عليهم، فقال النبيُّ ﷺ حينئذٍ لما رأى الناسَ تتابعوا في الصدقة: مَن دعا إلى سُنَّةٍ كان له أجرُها، وأجرُ مَن عمل بها من بعده، وفي اللفظ الآخر: مَن سنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً فله أجرُها، وأجرُ مَن عمل بها من بعده؛ لأنه جاهر بهذه الصدقة حتى تبعه الناسُ، وسارعوا لهؤلاء الجماعة الفقراء الذين حثَّ النبيُّ ﷺ على الإحسان إليهم، وإلا فالأصل إخفاء الصدقة كما قال تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271].
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: المرأة تشترك في خمسةٍ من هذه الفضائل باستثناء الإمامة، والرجل الذي قلبه مُعلَّقٌ بالمسجد؟
ج: نعم، في التَّحابِّ في الله، وفي الصَّدقة، وفي البكاء من خشية الله، كلها.
س: ورد في بعض الروايات أنَّ الظّل المراد به ظلّ العرش؟
ج: الله أعلم، جاء ظلّ العرش، وجاء ظلّه، على الكيفية التي يعلمها سبحانه، جاء هذا وهذا كله، ونحن نؤمن بالكيفية التي يعلمها سبحانه.
س: قول النبي : سبعةٌ يُظِلُّهم الله في ظِلِّه جاء في بعض الأقوال أنَّ المقصود هنا بالسبعة ليس العدد وإنما القوة؟
ج: لا، جنس السبعة.
س: إدخال الرجل للعصا في البرية سنة؟
ج: ما أعلم فيها شيئاً، في البرية والحضر، كلها، إن أخذها فلا بأس، وإن تركها فلا بأس، إلا إذا احتاج إليها، فالنبي كان يحملها تارةً، ويضعها تارةً - اللهم صلِّ عليه - ولم يكن يحملها دائمًا.
س: ما الضَّابط في تأخير دفن الميت؟
ج: ليس له ضابط، إلا تحري الشيء الذي ينفع، إمَّا لكي يحضر أناسٌ من أقاربه الجنازةَ، أو لأجل تأخّر الغاسل، أو بسبب الكفن، والسنة الإسراع به؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحةً فخيرٌ تُقدِّمونها إليه، فالسنة الإسراع بها إلا من علَّةٍ.
س: قد يُأخِّرها بعضُهم يومين أو ثلاثة أيام إلى أن يقدم ابنَه من الخارج أو ما أشبه؟
ج: لا، ليس هذا عدلًا، السنة الإسراعُ بها.