169 من حديث: (مر علينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خُصًّا لنَا..)

 
24/480- وعن عبدِاللَّه بنِ عمرو بنِ العاصِ رضي اللَّه عنهما قال: مَرَّ عَلَيْنَا رسولُ اللَّه ﷺ وَنحنُ نُعالِجُ خُصًّا لَنَا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْنَا: قَدْ وَهَى، فَنَحْنُ نُصْلِحُه، فَقَالَ: مَا أَرَى الأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذلكَ رواه أَبو داود والترمذيُّ بإِسناد البخاريِّ ومسلم، وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
25/481- وعن كَعْبِ بنِ عِيَاضٍ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقُولُ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فتنةً، وفِتنَةُ أُمَّتي المَالُ رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
26/482- وعن أَبي عمرو -ويقالُ: أَبو عبدِاللَّه، ويقالُ: أَبو لَيْلى- عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ : أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ لابْن آدَمَ حَقٌّ في سِوى هَذِهِ الخِصَال: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الخُبْز وَالمَاء رواه الترمذي وقال: حديثٌ صحيحٌ.

الشيخ:
الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها في الحثِّ على التَّقلل من الدنيا، وعدم الاشتغال بها، والإعداد للآخرة، وأن المؤمن جديرٌ بأن يُسارع إلى الآخرة، ولا يُشغل بالدنيا وشهواتها وحظِّها العاجل، ولهذا لما رآهم يُصلحون خصًّا لهم قال: ما أرى الأمرَ إلَّا أعجل من ذلك يعني: الموت قريب، والساعة قريبة.
فالمقصود أنَّ المؤمن لا يمدّ الأجلَ: إذا أصبح لا ينتظر المساء، وإذا أمسى لا ينتظر الصباح، ويعدّ العدة، ويحذر نزول الموت وهجوم الأجل، وليس معناه: أن النبي ﷺ منعهم من إصلاح الخصِّ، فلا بأس أن يُصلح ما وَهَى من جداره، أو من سقفه، أو ما أشبه ذلك، لكن مع الإعداد للآخرة، فلا يكون همه مشاغل الدنيا.
وهكذا يقول ﷺ: لكل أُمَّةٍ فتنةٌ، وفتنة أُمَّتي المال، مصداق هذا في قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]، فالحياة الدنيا فتنة: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]، فالواجب على العاقل ألا يُفتن بها، وألا يُشغل بها عن الآخرة، وأن يستعين بها على طاعة الله ، ولا تكون أكبر همه، بل ينبغي أن تكون مطيةً للآخرة، وذريعةً للآخرة، ويستعين بها على طاعة ربِّه، ولا يُشغل بها عن الآخرة.
ولهذا جاء في حديث عثمان أنه ليس لابن آدم في هذه الدنيا إلا ما ذكر من الثلاث: بيتٌ يؤويه، وثوبٌ يستر عورته، وجلف الخبز والماء، يعني: ما يسدّ حاجته من الطعام واللّباس والسكن، فهذا لا بأس به، لكن لا يُشغل بما يصدّه عن الآخرة، فإذا كانت التِّجارة تشغله عن الآخرة فلا يعمل ما يشغله عن الآخرة، بل يعمل في تجارةٍ لا تشغله، كما فعل الصحابةُ والأخيار، فهو يعمل ويكدح ولكن بشرط ألا يُشغل بعمله عن الآخرة.
وبهذا يُعلم أنَّ المقصود ليس ترك الدنيا بالكلية، ولكن ترك ما يُشغل منها وما يصدّ عن الآخرة، ولهذا اتَّجر الصحابةُ، واتَّجر الأخيار، وعملوا فيما لا يشغلهم عن الآخرة، ولهذا قال ﷺ لما سُئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيعٍ مبرور، وقال ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإنَّ "لو" تفتح عمل الشيطان أخرجه مسلم في "الصحيح".
فأنت يا عبدالله تجمع بين الأمرين: تعمل لآخرتك، وتجتهد في طاعة ربِّك، ولا تُهمل دنياك، فتعمل لدنياك ما يُعينك على طاعة الله، وما يُغنيك عمَّا في أيدي الناس، لكن بشرط ألَّا تُشغل بها عن الآخرة، فلا تكون أكبر همِّك.
وفَّق الله الجميع.