07 من قوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ..)

وقوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ قال ابن عباس: وعدهم الله النصر.
وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ۝ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:124، 125] أن ذلك كان يوم أحد، لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة، ولهذا قال: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ أي أول النهار إِذْ تَحُسُّونَهُمْ أي تقتلونهم بِإِذْنِهِ أي بتسليطه إياكم عليهم حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ كما وقع للرماة مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ وهو الظفر منهم مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم.
وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ أي غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك والله أعلم، لكثرة عدد العدو وعددهم وقلة عدد المسلمين وعددهم، قال ابن جريج: قوله وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ قال: لم يستأصلكم، وكذا قال محمد بن إسحاق. رواهما ابن جرير.
الشيخ: ولله الحكمة البالغة، وكان الكفار أربعة أضعاف المسلمين كان المسلمين سبعمائة لما انعزل عبدالله بن أبي ومن معه كان الباقون سبعمائة مع النبي ﷺ، وكان الكفار ثلاثة آلاف بعدتهم وعددهم وحنقهم وكبريائهم وغير ذلك، ونصر الله المسلمين عليهم وأيدهم، وانهزم الكفار في أول الأمر وسقطت رايتهم حتى لم يحملها إلا امرأة، ثم لما حصل الفشل والنزاع وانخذال الرماة في الموقف حتى دخل الكفار من خلف المسلمين صار ما صار من الهزيمة والجراح والقتل ابتلاء وامتحانًا ليعلم الله الصادقين والصابرين من غيرهم وليظهر ما جعله الله علامة .... الأنبياء من أنهم ينصروا تارة ويدال عليهم عدوهم تارة ابتلاء وامتحانًا ثم تكون لهم العاقبة.
الطالب: ..... مولاهم الدمشقي .. صدوق من الثالثة... روى له الترمذي.
الشيخ: ولهذا يكون جاء خبر بإلقاء الرعب في قلوب الكفار ونصر الله المؤمنين بالرعب من حديث جابر في الصحيحين، ومن حديث أبي أمامة عند أحمد بسند جيد، وعند أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة بسند جيد، وعند أيضاً أحمد من طريق أبي موسى الأشعري من طريق هؤلاء الصحابة الأربعة أخبر النبي ﷺ أن الله ينصرهم بالرعب، ينصر المسلمين بالرعب الذي يلقى في قلوب العدو من طريق هؤلاء، جابر في الصحيحين، وأبي هريرة عند مسلم، وأحمد وأبي أمامة في المسند كما تقدم بسند جيد، ومن طريق أبي موسى الأشعري.
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عبيدالله عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله النبي ﷺ في موطن كما نصره يوم أحد، قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران:152] يقول ابن عباس: والحس القتل حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ  [آل عمران:152] الآية،
الشيخ: الجواب محذوف يعني ... يسلط عليكم حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ حذف الجواب فالتقدير: هزمتم أو سلطوا عليكم أو نحو هذا، هذا جواب إلى دل عليه السياق، حذفه الرب سبحانه وتعالى لأن السياق يدل عليه وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ [آل عمران:152] يعني نفذ ما وعدكم به من تأييدكم ونصركم على عدوكم لما استقلتم في قتالكم وأقررتم على عدوكم وامتثلتم أمر الرسول ﷺ ولزم الرماة مواقفهم، سلط عليهم المسلمون حتى قتلوهم قتلاً ذريعًا، قتلوا منهم فوق العشرين وسقطت رايتهم وانهزموا جميعًا وتبعهم المسلمون، فلما رأى الرماة هذا الأمر وأن المشركين انهزموا تركوا الموقف ولم يزل بهم أميرهم يقول لهم: اثبتوا كما أمركم الرسول ﷺ لا تدعوا الموقف قال لهم الرسول: لو رأيتم تخطفنا الطير سواء كان لنا الدائرة أو علينا، وظنوا أن هذا الأمر ليس بلازم لما رأوا انهزام الكفار، وكان فيهم من هو حريص على الغنيمة، ولهذا دخل جيش الكفار خلف المسلمين وجاء أولهم على آخرهم، واضطربوا فصارت الهزيمة وصارت الجراح وصار القتال بأسباب ما جرى من المعصية والاختلاف حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ تنازع الرماة مع أميرهم واختلفوا ... بعض الناس على القتال لما رأى الاضطراب ودخول الخيل من الخلف وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران:152] يعني بعد ما أراكم ما تحبون من النصر، وجرت المعصية بعدم طاعة الأمير وعدم لزوم الموقف فجرى ما جرى من  الهزيمة.
وهذا يدل على أن المسلمين ولو كانوا خير الناس، ولو كانوا أفضل الناس، ولو كانوا فيهم الرسل، إذا عصوا واختلفوا يسلط عليهم العدو، هذا ولو كانوا خير الناس فإن الصحابة خير الناس بعد الأنبياء، وهم أفضل الناس بعد الأنبياء، وفيهم الخلفاء الراشدون، وفيهم نبيهم وهو أفضل الأنبياء عليه الصلاة والسلام، ومع هذا لما أخلوا بسنة الله وأخلوا بطاعة الله في هذا المقام، سلط عليهم كفار قريش ومن معهم، حتى جرى ما جرى من القتل والجراحات الكثيرة والهزيمة، ويوم بدر وهم قليل لما صدقوا ولم يختلفوا ولم يتنازعوا نصروا على عدوهم وانهزم عدوهم وولوا الأدبار وقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، ولم يقتل منهم إلا بضعة عشر. هذا يدل على أن الثبات في الجهاد، والصدق في الجهاد، وطاعة الأمير، وعدم الاختلاف، وعدم النزاع من أسباب النصر، والاختلاف مع الأمير، وركوب المحارم والمعاصي من أسباب تسليط الأعداء، مهما كان الجيش، ولو كان الجيش أفضل الناس، متى وقعت فيه المعصية ووقع في الاختلاف والنزاع والاضطراب يسلط العدو ولا حول ولا قوة إلا بالله.
 وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع ثم قال: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا فلما غنم النبي ﷺ، وأباحوا عسكر المشركين، أكب الرماة جميعا دخلوا في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ فيهم هكذا -وشبك بين يديه- وانتشبوا.الشيخ: يعني دخل بعضهم في بعض.
 فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخل الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله ﷺ، يضرب بعضهم بعضا، والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان النصر لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا - حيث يقول الناس- الغار، إنما كانوا تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد، فلم يشكوا به أنه حق، فلا زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه بكتفيه إذا مشى، قال: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقي نحونا وهو يقول: اشتد غضب الله على قوم أدموا وجه رسول الله ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل اعل هبل- مرتين يعني إلهه- أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ألا أجيبه؟ قال بلى. فلما قال: اعل هبل. قال عمر: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: قد أنعمت عينها فعاد عنها أو فعال. فقال أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر، هذا رسول الله ﷺ، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. قال: فقال أبو سفيان، يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال: عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. قال: إنكم تزعمون ذلك، لقد خبنا وخسرنا إذن، ثم قال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه. هذا حديث غريب وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم يشهد أحدا ولا أبوه، وقد أخرجها الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن سلمان بن داود بن علي بن عبدالله بن عباس به، وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به. ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها.
فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود، قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس منا أحد يريد الدنيا، حتى أنزل الله مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ  [آل عمران:152] فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ، وعصوا ما أمروا به، أفرد النبي ﷺ في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم ﷺ، فلما رهقوه قال: رحم الله رجلا ردهم عنا قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما أرهقوه أيضا قال: رحم الله رجلا ردهم عنا فلم يزل يقول ذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل: فقال رسول الله ﷺ: قولوا: الله أعلى وأجل، فقالوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان، لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ: قولوا: الله مولانا والكافرون لا مولى لهم فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر. فيوم علينا ويوم لنا، يوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة وفلان بفلان وفلان بفلان. فقال رسول الله ﷺ: لا سواء: أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون فقال أبو سفيان، لقد كان في القوم مثلة، وإن كان لعن غير ملأ منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال رسول الله ﷺ: أكلت شيئا؟ قالوا: لا. قال: ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار قال: فوضع رسول الله ﷺ حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة، تفرد به أحمد أيضا.

الشيخ: وهذا الحديث فيه نظر لأنه من رواية عطاء بن السائب وقد اختلط، واختلف في همام هل رواه عنه قبل الاختلاط أم بعد الاختلاط، ويظهر من هذا والله أعلم أنه بعد الاختلاط، وهند أسلمت ولم تكن من أهل النار لأنها أسلمت وحسن إسلامها رضي الله عنها بعد ذلك لما كان الفتح وهي أم معاوية هند بنت عتبة، والنبي ﷺ لم يصل على قتلى أحد، هذا هو المحفوظ أنه دفنهم ولم يصل عليهم ودفنهم في ثيابهم ودمائهم عليه الصلاة والسلام لأنهم شهداء أحياء عند ربهم يرزقون، واستقر بهذا عند أهل السنة أن قتلى المعركة لا يغسلون ولا يصلى عليهم، وأما هذا الحديث الذي فيه أنه صلى الأنصار وقتلى أحد سبعين صلاة فهو منكر مخالف للأحاديث الصحيحة وسنده ضعيف بسبب العطاء بن السائب واختلاطه، ومن أجله مخالفة الأحاديث الصحيحة الدالة على أنه لم يصل عليه كما رواه البخاري في الصحيح وغيره.
وقال البخاري: حدثنا عبيدالله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي ﷺ جيشا من الرماة وأمر عليهم عبدالله بن جبير، وقال لا تبرحوا؛ إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون الغنيمة الغنيمة. فقال عبدالله بن جبير: عهد إلي النبي ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلا، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال له: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله عليك ما يحزنك، قال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبي ﷺ: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، تفرد به البخاري من هذا الوجه.
الشيخ: وقوله: "اعل هبل"، هذا صنم لهم في مكة قرب البيت كان أهل مكة يعظمونه، وقوله: "اعل هبل" يعني اعل يا هبل يعني اليوم نصرت، وقوله: "لنا العزى"، شجرة كانوا يعبدونها، شجرة تمر كانت مرفوعة هناك في وادي نخلة كانت تعظمها قريش وتعبدها من دون الله، ولما كان أبو سفيان ذاك الوقت على شركه ظن أن لها أثرًا في هذا النصر، ظن أن المعبودات من دون الله لها آثار، وكان هذا من شأن الجاهلية يعتقدون في آلهتهم أنها تنفعهم وتنصرهم وتغيثهم، وهذا من الجهل العظيم الذي يعتقده المشركون، والنبي ﷺ أمر أن يرد عليه: الله مولانا ولا مولى لكم، الله أعلى وأجل.
وأما قوله: "يوم بيوم بدر والحرب سجال"، هذا صحيح الحرب سجال بين الأنبياء وبين أعدائهم، وبين المؤمنين وبين أعدائهم تارة يدال هؤلاء وتارة يدال هؤلاء، يبتلي الله هؤلاء بهؤلاء وهؤلاء بهؤلاء، ثم تكون العزة والنصرة والعاقبة الحميدة لأهل الإيمان والتقوى وللرسل وأتباعهم ...، يوم بدر وما فيه من النصر العظيم للمؤمنين والهزيمة على أعداء الله المؤمنين، ويوم أحد جرى ما جرى فيه من الجراح والقتل لجماعة المسلمين والهزيمة بأسباب ما حصل من المسلمين، ومن الفشل والنزاع والمعصية والإخلال بالموقف الذي أمرهم أن يوقفوا به في محل الرماة، فلما أخلوا بهذا الأمر دخل الجيش من ورائهم وماج بعضهم في بعض وجرى ما جرى من القتل والجراح والهزيمة التي جعلها الله تمحيصًا للمؤمنين وتكفيرًا لسيئاتهم ورفعة لدرجاتهم وابتلاء وامتحانًا لصبرهم وسببًا لظهور النفاق وبيان المنافق من غيره، وليتخذ في هذا سبحانه وتعالى من عباده المؤمنين وليعلم الله الصابرين والصادقين، وليكون ذلك آية ظاهرة ودلالة ظاهرة على صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء بالحق والهدى، وأنه يبتلى كما تبتلى الرسل وتصيبه اللأواء والشدة كما تصيب الرسل، ولكن الله جعل العاقبة للرسل وأتباعهم، وجعل لهم النصر المؤزر بعد ذلك، فلم ينصر كفار قريش بعد ذلك، بل لم يزالوا في هزائم وذل وهوان حتى هدى الله من بقي منهم وأسلموا يوم الفتح.
ثم رواه عن عمرو بن خالد عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه، وسيأتي بأبسط من هذا.
وقال البخاري  أيضا: حدثنا عبيدالله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون، فصرخ إبليس: أي عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي أبي. قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فو الله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله عز وجل.
الشيخ: وأبو حذيفة كان مسلمًا، وغلطوا فيه بسبب اختلاطهم بالكفار واختلاط هؤلاء بهؤلاء لم .... فاشتبه عليهم وظنوه أنه من الكفرة فقتلوه، فقال لهم: عفا الله عنكم وسامحهم رضي الله عنه وأرضاهم.
المقصود أنها .... عظيمة بين المسلمين والكفار، لما دخل خيل المشركين في جيش المسلمين وصار أولاهم مع أخراهم واختلط الجيش وعظمت المصيبة بسبب الاختلاط ....
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن جده أن الزبير بن العوام قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل.

الشيخ: يعني ..... قد انهزم الكفار وانهزم نساؤهم معهم ثم أراد الله ما أراد.
ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتتنا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم.
قال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فدفعته لقريش فلاثوا به.
وقال السدي، عن عبد خير قال: قال عبدالله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152].
وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، وكذا روي عن عبدالرحمن بن عوف وأبي طلحة، رواهن ابن مردويه في تفسيره.
وقوله تعالى: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبدالرحمن بن رافع أحد بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيدالله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يخليكم؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه.
وقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حميد عن أنس بن مالك أن عمه يعني أنس بن النضر، غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي ﷺ لئن أشهدني الله مع رسول الله مع رسول الله ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين وأبرأ إليك مما جاء به المشركون فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم، هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه.
وقال البخاري  أيضا: حدثنا عبدان، حدثنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب، قال: جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني، قال: سل، قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبر، فقال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: وهذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك ثم رواه البخاري من وجه آخر على أبي عوانة، عن عثمان بن عبدالله بن موهب.

الشيخ: والمعنى أنه لا حرج عليه في ذلك، وهذا السائل من الفئة الذين نقموا على عثمان وخرجوا عليه ظلمًا ولهذا سأل سؤاله وهو ناقم، ولهذا قال له ابن عمر الحقيقة وأنه لم يتخلف عن بدر ولا عن بيعة الرضوان لجبن أو سوء ولكن   تخلف لعذر، تمريض زوجته يوم بدر، ولذهابه إلى قريش للصلح بينهم وبين الرسول ﷺ في الحديبية، وأما يوم أحد فقد صار الأمر له ولغيره وليس له فقط، وحصل منهم ما حصل من الجراح والهزيمة أمر قضاه الله عز وجل وعفا عنهم سبحانه وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران:152].
وقوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ أي صرفكم عنهم إذ تصعدون أي في الجبل هاربين من أعدائكم. وقرأ الحسن وقتادة إِذْ تُصْعِدُونَ أي في الجبل وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ أي وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ أي وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة.
قال السدي: لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول ﷺ يدعو الناس: إلي عباد الله، إلي عباد الله فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم، فقال: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد.
وقال عبدالله بن الزبعرى: يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها:
يا  غراب البين أسمعت فقل إنما تنطق شيئا قد فعل
إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل
إلى أن قال:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها واستحر القتل في عبدالأشل
ثم خفوا عند ذاكم رقصا رقص الحفان يعلو في الجبل
فقتلنا الضعف من أشرافهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل
الحفان: صغار النعم. وقد كان النبي ﷺ قد أفرد في اثني عشر رجلا من أصحابه كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد- وكانوا خمسين رجلا- عبدالله بن جبير قال: ووضعهم موضعا، وقال إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبدالله: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبدالله بن جبير: أنسيتم ما قاله لكم رسول الله ﷺ؟ فقالوا: إنا والله لنأتين الناس، فلنصيبن من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله إلا اثنا عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين، كان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ - ثلاثا- قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. وإنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز يقول: اعل هبل اعل هبل، فقال رسول الله ﷺ: ألا تجيبوه؟ قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل قال: لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله ﷺ: ألا تجيبوه؟ قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم. وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرا، ورواه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق بأبسط من هذا كما تقدم، والله أعلم.
الشيخ: وهذه الواقعة من أثر الفشل والنزاع والعصيان وقعت الهزيمة بهذه الأسباب وبين الله لعباده الحكيم العليم أن الناس إذا أخلوا بما أوجب الله ولم يلجؤوا ......في القتال فإنه يسلط عليهم العدو، ولو كان أفضل الناس، ولو كان خيار الناس، فالواجب العناية بهذا والأخذ بالأسباب والتحرز من مكائد الأعداء، وإلا فسوف يقع من الخلل والتفريط ما يقع، ولو كان القوم خير الناس، فأصحاب أحد من المسلمين خير الناس، وفيهم خير الناس محمد ﷺ، ومع ذلك لما وقع ما وقع من المعصية والفشل والنزاع سلط عليهم العدو، ففيه عظة وذكرى لمن بعدهم من المسلمين في أي قرن أنهم متى تفرقوا ومتى تنازعوا سلط عليهم الأعداء، وهذا مما كسبت أيديهم، وهذا من معنى قوله جل وعلا: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وقد قال الله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ في أول اللقاء انهزم المشركون وسلط عليهم المسلمون، وحصل ما حصل من الهزيمة على المشركين، حتى سقط لوائهم، حتى فر نساؤهم مع رجالهم، فلما رأى أصحاب عبدالله بن جبير الذين أمروا بالحراسة خلف المسلمين حتى لا يأتي العدو من الخلف فقال لهم النبي: لا تبرحوا مكانكم ولو رأيتم الطير تخطفنا، ولو رأيتمونا قد غنمنا الزموا مكانكم حتى أرسل إليكم فلما رأوا المشركين انكشفوا وانهزموا، فر كثير منهم إلى الغنيمة، أي توجهوا إلى الغنيمة وظنوا أنها الفيصلة، وأن الأمر قد انتهى والمشركون قد انهزموا، ولم يلتزموا الأمر الذي أمر به النبي ﷺ، ثم دخلت الخيول خلف المسلمين من محل الرماة، ثم اختلط الناس فماج بعضهم في بعض وانهزم من انهزم، وصارت الهزيمة والجراح والقتل بأسباب ما حصل حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ المعنى سلطوا عليكم الجواب محذوف جواب إذا دل عليه السياق.
وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد الجبل، فلقيهم المشركون، فقال ألا أحد لهؤلاء فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال كما أنت يا طلحة فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه، فقال ألا رجل لهؤلاء فقال طلحة، مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه وأصحابه يصعدون، ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، فيقول طلحة: فأنا يا رسول الله، فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما، فقال رسول الله ﷺ من لهؤلاء فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله، فقال حس، فقال رسول الله ﷺ: لو قلت باسم الله وذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء ثم صعد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون.
وقد روى البخاري عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ -يعني يوم أحد–
وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ، في بعض الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ، إلا طلحة بن عبيدالله وسعد عن حديثهما.
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن هشام بن هشام الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد وقال ارم فداك أبي وأمي، وأخرجه البخاري عن عبدالله بن محمد، عن مروان بن معاوية.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه رمى يوم أحد دون رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النبل ويقول ارم فداك أبي وأمي حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به.
وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ، وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام.
وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، واثنين من قريش.
الشيخ: واثنين من قريش هما طلحة بين عبيدالله وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم كما تقدم، وفي هذا أن جبرائيل وميكائيل تمثلا بصورة رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان كأشد القتال عليهما الصلاة والسلام، وهذا من دفاع الله عن نبيه إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38].
 فلما أرهقوه قال: من يردهم عنا وله الجنة -أو وهو رفيقي في الجنة- فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم أرهقوه أيضا، فقال: من يردهم عنا وله الجنة فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا. رواه مسلم عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به نحوه.
وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير، قال: كان أبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ، فلما بلغت رسول الله حلفته، قال: بل أنا أقتله إن شاء الله فلما كان يوم أحد، أقبل أبي في الحديد مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير، أخو بني عبدالدار، يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أبي بن خلف، من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله ﷺ بل أنا أقتل أبيا ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي، بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين، فمات إلى النار فسحقا لأصحاب السعير، وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه.
وذكر محمد بن إسحاق، قال: لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب، أدركه أبي بن خلف وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله ﷺ: دعوه فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم فيما ذكر لي، فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا.

الشيخ: وهذا معضل لأن ابن إسحاق ما عزاه لأحد.
وذكر الواقدي عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالله بن كعب بن مالك، عن أبيه، نحو ذلك. وقال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل، إذا أنا بنار تأجج فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ. هذا أبي بن خلف.
وثبت في الصحيحين من رواية عبدالرزاق عن معمر، عن همام بن منبه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله ﷺ -وهو حينئذ يشير إلى رباعيته- واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيلل الله. وأخرجه البخاري أيضا من حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اشتد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ بيده في سبيل الله، واشتد غضب الله على قوم أدموا وجه رسول الله ﷺ.
قال ابن إسحاق: أصيبت رباعية رسول الله ﷺ، وشج في وجنته، وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، فحدثني صالح بن كيسان، عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص إن كان ما علمت لسيء الخلق مبغضا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله ﷺ.
الشيخ: وهذا أخوه يعني أخو سعد.
وقال عبدالرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن عثمان الجزري، عن مقسم أن رسول الله ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته وأدمى وجهه، فقال اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا -فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار-
وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير، قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبدالله بن شهاب الزهري يقول يومئذ، دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه أحد، ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته أحلف بالله إنه منا ممنوع! خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك، قال الواقدي: والذي ثبت عندنا، أن الذي أدمى وجنتي رسول الله ﷺ ابن قميئة، والذي أدمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، أخبرني عيسى بن طلحة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد، قال: ذاك يوم كله لطلحة ثم أنشأ يحدث، قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه وأراه قال حمية، فقال: فقلت: كان طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلا من قومي أحب إلي وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفا لا أحفظه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ، وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله ﷺ عليكما صاحبكما يريد طلحة وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأن أنزع ذلك من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي رسول الله ﷺ، فأزم عليه بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتما، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه.
ورواه الهيثم بن كليب والطبراني من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم فقال أبو عبيدة: أنشدك الله يا أبا بكر إلا تركتني؟ فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه، فجعل ينضنضه كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ ثم استل السهم بفيه فبدرت ثنية أبي عبيدة، وذكر تمامه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه، وقد ضعف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا، فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان وأحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وغيرهم.
الشيخ: وهذا الخبر على ضعفه فيه قوله: أقسمت عليك بحقي وكان هذا حين كان الحلف بغير الله جائزًا كانوا يحلفون بآبائهم وأمهاتهم وأشرافهم كان هذا جائزًا في الإسلام، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام نهاهم عن هذا، وشرع الله فيه ما شرع، فأتاهم ﷺ ذات يوم في بعض الغزوات فقال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت! واستقرت الشريعة على المنع من الحلف بغير الله والنهي عنه ولهذا في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت، وفي الحديث الآخر: لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون، وقال في الحديث الآخر: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك، وفي الحديث الآخر: من حلف بالأمانة فليس منا المقصود أنه استقر حفظ الشرع على تحريم الحلف بغير الله كائنًا من كان، لا يحلف بغير الله لا بالكعبة ولا بالأنبياء ولا بالأمانة ولا بحياة فلان ولا بشرف فلان ولا بأبيه ولا بأمه. قال ابن عبدالبر الإمام المشهور رحمه الله: أجمع العلماء على أنه لا يجوز الحلف بغير الله ... وما يروى من حديث عبيدة أنه قال: أقسمت عليك بحقي على أبي بكر، هذا إن صح لكان هذا قبل النهي، كانت أحد في السنة الثالثة من الهجرة والنهي كان بعد ذلك.  
وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن مالكا أبا أبي سعيد الخدري لما جرح النبي ﷺ يوم أحد مص الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل له: مجه، فقال: لا والله لا أمجه أبدا، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي ﷺ من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فاستشهد.الشيخ: هذا ضعيف بهذا السند لأن المبلغ وهو عمر بن السائب موهم. ولو صح لكان هذا من خصائص النبي ﷺ.
ومالك بن سنان أبو أبي سعيد، لأن أبا سعيد اسمه سعد وأبوه مالك وهما صحابيان من الأنصار.
وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبدالعزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، أنه سئل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: جرح وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه ﷺ، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم وكان علي يسكب عليه الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم.