70 من حديث: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران نجني الكباث..)

بَابُ الكَبَاثِ، وَهُوَ ورق الأَرَاكِ
الشيخ: ورق وإلا ثمر؟
الطالب: وهو ثمر الأراك.
الشيخ: هذا الصواب ثمر، أيش قال عندك الشارح؟
الطالب: بِفَتْحِ الْكَاف وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة وَبَعْد الْأَلْف مُثَلَّثَة.
قَوْله: (وَهُوَ وَرَق الْأَرَاك) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ مَشَايِخه وَقَال: كَذَا فِي الرِّوَايَة، وَالصَّوَاب ثَمَر الْأَرَاك اِنْتَهَى. وَوَقَعَ لِلنَّسَفِيِّ ثَمَر الْأَرَاك وَلِلْبَاقِينَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَابْن بَطَّالٍ وَرَق الْأَرَاك، وَتَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ ثَمَر الْأَرَاك وَهُوَ الْبَرِير - يَعْنِي بِمُوَحَّدَةٍ وَزْن الْحَرِير - فَإِذَا اسْوَدَّ فَهُوَ الْكَبَاث. وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ: الْكَبَاث ثَمَر الْأَرَاك الْغَضّ مِنْهُ، وَالْبَرِير ثَمَر الرُّطَب وَالْيَابِس. وَقَالَ اِبْن التِّين: قَوْله وَرَق الْأَرَاك لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَاَلَّذِي فِي اللُّغَة أَنَّهُ ثَمَر الْأَرَاك، وَقِيلَ هُوَ نَضِيجُهُ، فَإِذَا كَانَ طَرِيًّا فَهُوَ مَوْز، وَقِيلَ عَكْس ذَلِكَ وَأَنَّ الْكَبَاث الطَّرِيّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْد: هُوَ ثَمَر الْأَرَاك إِذَا يَبِسَ وَلَيْسَ لَهُ عَجَم.
5453 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نَجْنِي الكَبَاثَ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَيْطَبُ فَقَيلَ: أَكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَاهَا.
الشيخ: والحكمة في ذلك والله أعلم أنه يتدرج برعاية البهائم إلى رعاية العقلاء، وأنه يستفيد من رعاية الغنم والسعي لها في مصالحها والعناية بمسالكها ومراعيها وقضاميها وغير ذلك مما تحتاج إليه الغنم؛ فيكون هذا مقدمة وتنفيذ لما أراد الله به من رعاية العقلاء، أيش قال الشارح عليه ؟ عليكم بالأسود!
الطالب: قَوْله: (نَجْنِي) أَيْ نَقْتَطِفُ. قَوْله: (فَإِنَّهُ أَيْطَبُ) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَهُوَ لُغَة بِمَعْنَى أَطْيَب وَهُوَ مَقْلُوبه، كَمَا قَالُوا جَذَبَ وَجَبَذَ.
الشيخ: أيطب وأطيب تقديم الياء على الطاء وتقديم الطاء على الياء، مثل جذب وجبذ، أيطب بمعنى أطيب.
قَوْله: (فَقِيلَ أَكُنْت تَرْعَى الْغَنَم)؟ فِي السُّؤَال اِخْتِصَار وَالتَّقْدِير: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَم حَتَّى عَرَفْت أَطْيَب الْكَبَاث؟ لِأَنَّ رَاعِي الْغَنَم يُكْثِر تَرَدُّده تَحْت الْأَشْجَار لِطَلَبِ الْمَرْعَى مِنْهَا وَالِاسْتِظْلَال تَحْتهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي قِصَّة مُوسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْحِكْمَة فِي رَعْي الْأَنْبِيَاء الْغَنَم فِي أَوَائِل الْإِجَارَة، وَأَفَادَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْحِكْمَة فِي اِخْتِصَاصهَا بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا لَا تُرْكَب فَلَا تَزْهُو نَفْس رَاكِبهَا، قَالَ: وَفِيهِ إِبَاحَة أَكْل ثَمَر الشَّجَر الَّذِي لَا يُمْلَك.
الشيخ: يعني البري نعم، وهذه حكمة أخرى لرعاية الغنم أول الرعاية لها شأن من جهة التدرب، ثانيًا: كون هالغنم ما هي من الإبل ولا البقر لأنها ضعيفة تحتاج إلى عناية، وهي لا تحمل صاحبها، ولا تركب، ولا تكسب الكبر والخيلاء، فإن السكينة والتواضع عند أهل الغنم، والكبر والخيلاء عند أصحاب الإبل كما جاء في الأحاديث، فهذه حكمة أخرى في كون الأنبياء يرعون الغنم لما في ذلك من التواضع، والعناية برحمتها؛ لضعفها وعدوان الذئب عليها، فكانت رعاية لها أكمل من الرعاية لغيرها من أنواع الحيوان في التمهيد حال الرسل لما يراد منهم من رعاية العقلاء والقيام على مصالح العقلاء والرفق بهم ورحمتهم، لله الحكمة .
الطالب: قَالَ اِبْن بَطَّالٍ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّل الْإِسْلَام عِنْد عَدَم الْأَقْوَات، فَإِذْ قَدْ أَغْنَى اللَّه عِبَاده بِالْحِنْطَةِ أَوْ الْحُبُوب الْكَثِيرَة وَسَعَة الرِّزْق فَلَا حَاجَة بِهِمْ إِلَى ثَمَر الْأَرَاك. قُلْت: إِنْ أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام الْإِشَارَة إِلَى كَرَاهَة تَنَاوُله فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، وَلَا يَلْزَم مِنْ وُجُود مَا ذُكِرَ مَنْع مَا أُبِيحَ بِغَيْرِ ثَمَن، بَلْ كَثِير مِنْ أَهْل الْوَرَع لَهُمْ رَغْبَة فِي مِثْل هَذِهِ الْمُبَاحَات أَكْثَر مِنْ تَنَاوُل مَا يُشْتَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَم.
الشيخ: صدق المؤلف، صدق، ثم أيضاً قد تدعو الحاجة -حاجة الرعاة وأهل البر- تدعوهم إلى هذه الأشياء، ليس كل وقت يكون عندهم مرادهم من الحبوب واللحوم والأشياء الأخرى، البراري يضطر إليها بعض الأحيان حتى قد تدعوه الحاجة إلى ذلك؛ لأنه انقطع على السبيل أو أضل الطريق.
الطالب: تَكْمِلَةٌ: أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الدَّلَائِل مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن شَرِيك عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر بِسَنَدِهِ الْمَاضِي فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء إِلَى جَابِر فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث، وَقَالَ فِي آخِره: "وَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم بَدْر يَوْم جُمْعَة لِثَلَاثِ عَشْرَة بَقِيَتْ مِنْ رَمَضَان".
 
بَابُ المَضْمَضَةِ بَعْدَ الطَّعَامِ
5454 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ دَعَا بِطَعَامٍ، فَمَا أُتِيَ إِلَّا بِسَوِيقٍ، فَأَكَلْنَا، فَقَامَ إِلَى الصَّلاَةِ فَتَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا" قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ بُشَيْرًا، يَقُولُ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ"، قَالَ يَحْيَى: وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ، "دَعَا بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ إِلَّا بِسَوِيقٍ، فَلُكْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا المَغْرِبَ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ".

الشيخ: وهذا يبين لنا أن الأمر بالوضوء مما مست النار كان قديمًا ونسخ قبل خيبر؛ لأن خيبر في أول سنة سبع من الهجرة فهذا يدل على أن الأمر بالوضوء مما مست النار كان قديمًا، ولهذا تمضمض واكتفى عليه الصلاة والسلام بالمضمضة ولم يتوضأ من السويق، والسويق مما مسته النار فإنه حب يحبس ثم يفرق.
س:..........
الشيخ: نعم ذهب الجمهور إلى هذا، وذهب بعضهم إلى أن ليس في المسألة نسخ، ولكنه من باب بيان عدم الوجوب.
 وَقَالَ سُفْيَانُ: كَأَنَّكَ تَسْمَعُهُ مِنْ يَحْيَى.
 
بَابُ لَعْقِ الأَصَابِعِ وَمَصِّهَا قَبْلَ أَنْ تُمْسَحَ بِالْمِنْدِيلِ
5456 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا.
 
بَابُ المِنْدِيلِ
 
5457 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ فَقَالَ: «لاَ، قَدْ كُنَّا زَمَانَ النَّبِيِّ ﷺ لاَ نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا قَلِيلًا، فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلَّا أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّي وَلاَ نَتَوَضَّأُ».

س: المضمضة سنة؟
الشيخ: أفضل مستحب كما فعل النبي ﷺ لأجل تجلي الأثر الذي في الفم لئلا يؤذي وهو في الصلاة.
س: الشجر الذي في الجبال ما تملك لأحد؟ لا مانع أن الإنسان يرعى فيها؟
الشيخ: هذا معروف بإجماع المسلمين: (الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار).
 
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ
75458 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، رَبَّنَا.

الشيخ: وهذا مما يستحب عند الفراغ من الطعام كما فعله النبي ﷺ: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا وفي زيادة: ولا مكفور في الرواية الأخرى، و ربنا يجوز فيها الوجوه الثلاثة: ربنا يعني هو ربُنا، وربنا أعني ربَنا، وربِنا بدلاً من الهاء في مستغنى عنه، فيها الأوجه الثلاثة.
ويستحب أيضاً أن يقول: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، كما روى جماعة وأبو داود وغيره في السنن ولا بأس بإسناده: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وأوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي كان يقولها عند الفراغ من الطعام وعند النوم ﷺ، اللهم بارك لهم في رزقتهم إذا كان عند قوم، اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، وكان يدعو لهم.
س: معنى مودع؟
الشيخ: متروك يعني.
س: معنى غير مكفي.
الشيخ: لا نستطيع مكافأته سبحانه فله الفضل دائماً والمنة.
5459 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ - وَقَالَ مَرَّةً: إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ - قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مَكْفُورٍ وَقَالَ مَرَّةً: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّنَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى، رَبَّنَا.
الشيخ: مستغنى عنه، ساقط عنه؛ لأنه لا يتم الكلام إلا بها. أيش قال الشارح في الترجمة؟
الطالب: قَوْله: (بَاب مَا يَقُول إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامه) قَالَ اِبْن بَطَّالٍ: اِتَّفَقُوا عَلَى اِسْتِحْبَاب الْحَمْد بَعْد الطَّعَام، وَوَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَنْوَاع، يَعْنِي لَا يَتَعَيَّن شَيْءٌ مِنْهَا.
قَوْله: (سُفْيَان) هُوَ الثَّوْرِيّ، وَثَوْر بْن يَزِيد هُوَ الشَّامِيّ، وَأَوَّل اِسْم أَبِيهِ يَاء تَحْتَانِيَّة. وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْإِسْنَاد عَنْ ثَوْر نَازِلًا ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَالِيًا عَنْهُ وَمَدَاره فِي أَكْثَر الطُّرُق عَلَيْهِ.
الشيخ: هو نبه على ثور بن يزيد لأن هناك ثور بن زيد الديلي وهو في رتبته أيضاً، ولهذا نبه عليه الحافظ.
الطالب: وَقَدْ تَابَعَهُ بَعْضه عَامِر بْن جَشِيب وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَكَسْر الشِّين الْمُعْجَمَة وَآخِره مُوَحَّدَة وَزْن عَظِيم، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْن أَبِي عَاصِم مِنْ طَرِيقه فَقَالَ فِي سِيَاقه: "عَنْ عَامِر عَنْ خَالِد قَالَ: شَهِدْنَا صَنِيعًا - أَيْ وَلِيمَة - فِي مَنْزِل عَبْد الْأَعْلَى وَمَعَنَا أَبُو أُمَامَةَ" وَذَكَره الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه مِنْ هَذَا الْوَجْه فَقَالَ: "عَبْد الْأَعْلَى بْن هِلَال السُّلَمِيّ".
قَوْله: (إِذَا رَفَعَ مَائِدَته) قَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَاب بِلَفْظِ: "إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامه" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ ثَوْر بِلَفْظِ: "إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامه وَرُفِعَتْ مَائِدَته" فَجَمَعَ اللَّفْظَيْنِ، وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ ثَوْر بِلَفْظِ: "إِذَا رَفَعَ طَعَامه مِنْ بَيْن يَدَيْهِ" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَامِر بْن جَشِيب بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: "عَلَّمَنِي رَسُول اللَّه ﷺ أَقُول عِنْد فَرَاغِي مِنْ الطَّعَام وَرَفْع الْمَائِدَة" الْحَدِيث، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْكُل عَلَى خِوَان قَطُّ، وَقَدْ فَسَّرُوا الْمَائِدَة بِأَنَّهَا خِوَان عَلَيْهِ طَعَام، وَأَنَّ بَعْضهمْ أَجَابَ أَنَّ أَنَسًا مَا رَأَى ذَلِكَ وَرَآهُ غَيْره، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، أَوْ الْمُرَاد بِالْخِوَانِ صِفَة مَخْصُوصَة، وَالْمَائِدَة تُطْلَق عَلَى كُلّ مَا يُوضَع عَلَيْهِ الطَّعَام لِأَنَّهَا إِمَّا مِنْ مَادَ يَمِيد إِذَا تَحَرَّكَ أَوْ أَطْعَمَ، وَلَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَة، وَقَدْ تُطْلَق الْمَائِدَة وَيُرَاد بِهَا نَفْس الطَّعَام أَوْ بَقِيَّتُهُ أَوْ إِنَاؤُهُ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَكَلَ الطَّعَام عَلَى شَيْء ثُمَّ رُفِعَ قِيلَ رُفِعَتْ الْمَائِدَة.
قَوْله: (الْحَمْد لِلَّهِ كَثِيرًا) فِي رِوَايَة الْوَلِيد عَنْ ثَوْر عِنْد اِبْن مَاجَهْ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا".
قَوْله: (غَيْر مَكْفِيٍّ) بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْكَاف وَكَسْر الْفَاء وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة، قَالَ اِبْن بَطَّالٍ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ كَفَأْت الْإِنَاء، فَالْمَعْنَى: غَيْر مَرْدُود عَلَيْهِ إِنْعَامه. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ الْكِفَايَة أَيْ إِنَّ اللَّه غَيْر مَكْفِيّ رِزْق عِبَاده؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِيهِمْ أَحَدٌ غَيْره. وَقَالَ اِبْن التِّين: أَيْ غَيْر مُحْتَاج إِلَى أَحَد، لَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْعِم عِبَاده وَيَكْفِيهِمْ، وَهَذَا قَوْل الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْقَزَّاز: مَعْنَاهُ أَنَا غَيْر مُكَتَّف بِنَفْسِي عَنْ كِفَايَته، وَقَالَ الدَّاوُدِيّ: مَعْنَاهُ لَمْ أَكْتَفِ مِنْ فَضْل اللَّه وَنِعْمَته. وَقَالَ اِبْن التِّين: وَقَوْل الْخَطَّابِيُّ أَوْلَى لِأَنَّ مَفْعُولًا بِمَعْنَى مُفْتَعَل فِيهِ بُعْدٌ وَخُرُوج عَنْ الظَّاهِر، وَهَذَا كُلّه عَلَى أَنَّ الضَّمِير لِلَّهِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الضَّمِير لِلْحَمْدِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: الضَّمِير لِلطَّعَامِ، وَمَكْفِيّ بِمَعْنَى مَقْلُوب مِنْ الْإِكْفَاء وَهُوَ الْقَلْب غَيْر أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْإِنَاء لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ. وَذَكَرَ اِبْن الْجَوْزِيّ عَنْ أَبِي مَنْصُور الْجَوَالِيقِيّ أَنَّ الصَّوَاب غَيْر مُكَافَأ بِالْهَمْزَةِ، أَيْ إِنَّ نِعْمَة اللَّه لَا تُكَافَأ. قُلْت: وَثَبَتَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة هَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة، لَكِنَّ الَّذِي فِي حَدِيث الْبَاب غَيْر مَكْفِيّ بِالْيَاءِ، وَلِكُلٍّ مَعْنًى.
قَوْله: (كَفَانَا وَأَرْوَانَا) هَذَا يُؤَيِّد الضَّمِير إِلَى اللَّه تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْكَافِي لَا الْمُكَفِّي، وَكَفَانَا هُوَ مِنْ الْكِفَايَة، وَهِيَ أَعَمّ مِنْ الشِّبَع وَالرِّيّ وَغَيْرهمَا، فَأَرْوَانَا عَلَى هَذَا مِنْ الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيّ: "وَأَوَانَا" بِالْمَدِّ مِنْ الْإِيوَاء. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ: "الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب: "الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا" وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَأَبِي أُمَامَةَ وَزِيَادَة فِي حَدِيث مُطَوَّل، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر الْمِصْرِيّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُل خَدَمَ النَّبِيّ ﷺ ثَمَان سِنِينَ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَع النَّبِيّ ﷺ إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامه يَقُول: بِسْمِ اللَّه فَإِذَا فَرَغَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعَمْت وَسَقَيْت وَأَغْنَيْت وَأَقْنَيْت وَهَدَيْت وَأَحْيَيْت، فَلَك الْحَمْد عَلَى مَا أَعْطَيْت وَسَنَدُهُ صَحِيح.
قَوْله: (وَلَا مَكْفُور) أَيْ مَجْحُود فَضْله وَنِعْمَته، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ الضَّمِير لِلَّهِ تَعَالَى.
قَوْله: (وَلَا مُوَدَّع) بِفَتْحِ الدَّال الثَّقِيلَة أَيْ غَيْر مَتْرُوك، وَيُحْتَمَل كَسْرهَا عَلَى أَنَّهُ حَال مِنْ الْقَائِل أَيْ غَيْر تَارِك.
قَوْله: (وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ) بِفَتْحِ النُّون وَبِالتَّنْوِينِ.
قَوْله: (رَبُّنَا) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف، أَيْ هُوَ رَبّنَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ خَبَره مُتَقَدِّم، وَيَجُوز النَّصْب عَلَى الْمَدْح أَوْ الِاخْتِصَاص أَوْ إِضْمَار أَعَنَى، قَالَ اِبْن التِّين وَيَجُوز الْجَرّ عَلَى أَنَّهُ يَدُلّ عَلَى الضَّمِير فِي عَنْهُ، وَقَالَ غَيْره عَلَى الْبَدَل مِنْ الِاسْم فِي قَوْله: "الْحَمْد لِلَّهِ" وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ: "رَبّنَا" بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاء مَعَ حَذْف أَدَاة النِّدَاء، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: بِحَسَبِ رَفْعِ "غَيْر" أَيْ وَنَصْبِهِ وَرَفْعِ "رَبّنَا" وَنَصْبه، وَالِاخْتِلَاف فِي مَرْجِع الضَّمِير يُكْثِر التَّوْجِيهَات فِي هَذَا الْحَدِيث.
الشيخ: والحاصل أنه يستحب بعد الطعام والشراب الثناء على الله جل وعلا وحمده سبحانه، ولهذا قال ابن بطال: أجمعوا على أنه يشرع للمؤمن بعد فراغه من طعامه وشرابه أن يحمد ربه جل وعلا بأي نوع من أنواع الحمد وإذا تيسر له حفظ ما تيسر مما ورد عنه ﷺ فأتى به أو بعضه كان هذا حسنًا؛ لأنه سبحانه هو المنعم وهو صاحب الفضل والحمد هو الثناء فناسب بعد الطعام أن يثني على ربه الذي يسر له الطعام والشراب ومما ثبت.... الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى ربنا، وكذلك مما ثبت: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، ومما ثبت: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وأوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي، ومنها: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين، الحمد لله الذي أطعم وأسقى وسوغ وجعل له مخرجًا قد سوغ الطعام في هذه الأمعاء ثم أخرجه ، هذه من نعمه العظيمة، الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجًا فالمقصود أن هذه الأنواع كلها مما ينبغي للمؤمن أن يقول شيئًا من ذلك، شكرًا لله وحمدًا له بعد الطعام.
س:...........
الشيخ: حسب التيسير المقصود أن يأتي ولو ببعضها.
س:...........
الشيخ:.. جاء هذا وهذا، جاء أكله على خوان، وجاء عدم أكله، ومن نفى فهو على حسب علمه.
س:...........
الشيخ: إذا طعم عند ناس يدعو لهم: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم، أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة هذا فيما يتعلق بالناس أما ما يتعلق به هو: الحمد لله يحمد ربه.
 
بَابُ الأَكْلِ مَعَ الخَادِمِ
5460 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلاَجَهُ.
الشيخ: وهذا يشعر بأن جلوسه معه أولى لأن نفسه لها تعلق به، فإذا أجلسه معه صار فيه فضلان: الفضل الأول: التواضع، والفضل الثاني: مواساة الخادم وإيناسه ودفع ما قد تتعلق به نفسه، إذا كان طعام الخادم غير طعام السيد، أما إذا كان الطعام واحدًا فالأمر واسع.
 
بَابٌ: الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ
فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
الشيخ: أيش قال عليه؟
الطالب: قَوْله: (بَاب الطَّاعِم الشَّاكِر مِثْل الصَّائِم الصَّابِر. فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ)
هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَحَادِيث الْمُعَلَّقَة الَّتِي لَمْ تَقَع فِي هَذَا الْكِتَاب مَوْصُولَة، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّارِيخ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي حُرَّة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الرَّاء عَنْ عَمّه حَكِيم بْن أَبِي حُرَّة عَنْ سُلَيْمَان الْأَغَرّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه: "إِنَّ لِلطَّاعِمِ الشَّاكِر مِنْ الْأَجْر مِثْل مَا لِلصَّائِمِ الصَّابِر، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُحَمَّد فَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْهُ عَنْ عَمّه حَكِيم عَنْ سِنَان بْن سَنَة الْأَسْلَمِيّ، وَقِيلَ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ مُحَمَّد عَنْ عَمّه عَنْ رَجُل مِنْ أَسْلَمَ، لَكِنْ صَرَّحَ الدَّرَاوَرْدِيُّ فِي رِوَايَة أَحْمَد بِأَنَّ مُحَمَّد بْن أَبِي حُرَّة أَخْبَرَهُ، فَلَعَلَّهُ كَانَ حَمَلَهُ عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ، وَقَدْ رَجَّحَ أَبُو زُرْعَة رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ هَذِهِ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ مِنْ رِوَايَة وُهَيْب عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ حَكِيم بْن أَبِي حُرَّة عَنْ بَعْض الصَّحَابَة، وَأَخْرَجَ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن مَعْن بْن مُحَمَّد الْغِفَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَنْظَلَة بْن عَلِيّ الْأَسْلَمِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن مَعْن عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَة عُمَر بْن عَلِيّ عَنْ مَعْن بْن مُحَمَّد عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: "كُنْت أَنَا وَحَنْظَلَة بْن عَلِيّ الْأَسْلَمِيّ بِالْبَقِيعِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَة، فَحَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة بِهِ" وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ مَعْن بْن مُحَمَّد حَمَلَهُ عَنْ سَعِيد ثُمَّ حَمَلَهُ عَنْ حَنْظَلَة، وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ مَعْمَر عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ بِهِ لَكِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة اِنْقِطَاع خَفِيَ عَلَى اِبْن حِبَّان فَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي مُسْنَد مُسَدَّد عَنْ مُعْتَمِر عَنْ مَعْمَر عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي غَفَّار عَنْ الْمَقْبُرِيِّ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي جَامِعه عَنْ مَعْمَر، وَهَذَا الرَّجُل هُوَ مَعْن بْن مُحَمَّد الْغِفَارِيُّ فِيمَا أَظُنّ لِاشْتِهَارِ الْحَدِيث مِنْ طَرِيقه، قَالَ اِبْن التِّين: الطَّاعِم هُوَ الْحَسَن الْحَال فِي الْمَطْعَم وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ: هَذَا مِنْ تَفَضُّل اللَّه عَلَى عِبَاده أَنْ جَعَلَ لِلطَّاعِمِ إِذَا شَكَرَ رَبّه عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ ثَوَاب الصَّائِم الصَّابِر. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: التَّشْبِيه هُنَا فِي أَصْل الثَّوَاب لَا فِي الْكَمِّيَّة وَلَا الْكَيْفِيَّة، وَالتَّشْبِيه لَا يَسْتَلْزِم الْمُمَاثَلَة مِنْ جَمِيع الْأَوْجُه. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: رُبَّمَا تَوَهَّمَ مُتَوَهِّم أَنَّ ثَوَاب الشُّكْر يَقْصُر عَنْ ثَوَاب الصَّبْر فَأُزِيل تَوَهُّمه، أَوْ وَجْه الشَّبَه اِشْتِرَاكهمَا فِي حَبْس النَّفْس، فَالصَّابِر يَحْبِس نَفْسه عَلَى طَاعَة الْمُنْعِم وَالشَّاكِر يَحْبِس نَفْسه عَلَى مَحَبَّته اهـ.
وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى شُكْر اللَّه عَلَى جَمِيع نِعَمه إِذْ لَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالْأَكْلِ. وَفِيهِ رُفِعَ الِاخْتِلَاف الْمَشْهُور فِي الْغَنِيّ الشَّاكِر وَالْفَقِير الصَّابِر وَأَنَّهُمَا سَوَاء، كَذَا قِيلَ، وَمَسَاق الْحَدِيث يَقْتَضِي تَفْضِيل الْفَقِير الصَّابِر؛ لِأَنَّ الْأَصْل أَنَّ الْمُشَبَّه بِهِ أَعْلَى دَرَجَة مِنْ الْمُشَبَّه، وَالتَّحْقِيق عِنْد أَهْل الْحِذْق أَنْ لَا يُجَاب فِي ذَلِكَ بِجَوَابٍ كُلِّيّ، بَلْ يَخْتَلِف الْحَال بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال. نَعَمْ عِنْد الِاسْتِوَاء مِنْ كُلّ جِهَة، وَفَرْض رَفْع الْعَوَارِض بِأَسْرِهَا، فَالْفَقِير أَسْلَم عَاقِبَة فِي الدَّار الْآخِرَة، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْدَل بِالسَّلَامَةِ شَيْءٌ، وَاللَّهُ أَعْلَم. وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَة إِلَى الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
الشيخ: وهذا الحديث يدل على فضل الشكر على الطعام، وفضل الصبر على الصيام، كما يدل على فضل الشكر عند النعم، وفضل الصبر عند الحاجة والفقر؛ ولكن من تأمل النصوص يظهر له أن الشاكر المستقيم مع الغنى أفضل من الصابر عند الفقر؛ لأن الشاكر مع الغنى توفرت له أسباب المعاصي وأسباب الشر ثم تركها لله، وجاهد نفسها فصار أفضل، بخلاف الفقير فإنه ليس عنده ما يجعله يقدم على ما قد هواه فصبر وجاهد نفسه فصارت له مزية.
ومما يدل على أن الغني الشاكر والطاعم الشاكر إن لم يكن مثل الصابر كما في هذا الحديث فهو أفضل، حديث فقراء المهاجرين لما أتوا النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، قال لهم أوليس قد جعل الله كم ما تصدقون به ثم بين لهم التسبيح، وقال لهم في حديث أبي هريرة في الصحيحين: ألا أدلكم على شيء تدركون به من سبقكم، وتسبقون من بعدكم؟ ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين ففعلوا، ثم رجعوا إلى النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال ففعلوا مثل ما فعلنا، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فجمعوا بين الغنى وطاعة الله، وجمعوا بين التسبيح والتحميد والتكبير الذي علمه الفقراء، فقال هنا: ذلك فضل الله يعني كونهم جمعوا بين هذا وهذا، هذا فضل الله فهذا يشعر بأنهم أدركوا شيئًا فات الفقراء؛ لكن بالنية الطيبة والاجتهاد والقصد الصالح يتساوى هؤلاء وهؤلاء، هذا بماله وشكره وهذا بصبره ونيته الصالحة، مثل ما في حديث الجهاد لما كان في تبوك قال: إن في المدينة أقوامًا ما سلكتم واديًا ولا قطعتم شعبًا إلا وهم معكم حبسهم العذر وفي اللفظ الآخر قال: إلا شركوكم في الأجر قالوا: وهم في المدينة؟ قال: وهم في المدينة حبسهم المرض. فهذا يدل على أن الإنسان إذا حبسه عذر ومنعه مانع شارك من فعل الخير الذي ليس عنده مانع، كذلك الحديث الذي رواه البخاري في الصحيح: إذا سافر العبد أو مرض كتب الله له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، صار له عمله كاملا بسبب العذر، فالفقير الصابر معذور ما عنده شيء لكن بصبره واجتهاده ونيته الطيبة ساوى الطاعم الشاكر.
وقول المؤلف الحافظ أن الجزم بأنهم سواء يعني فيه نظر عند أهل العلم له وجه؛ لأن الناس قد يتفاوتون من جهة أخرى قد يكون عند الطاعم الشاكر من الحسنات والفضائل ما يفوق به على الصائم الصابر، وقد يكون عند الصائم الصابر من الحسنات والأعمال الصالحة الكثيرة ما يفوق به على الطاعم الشاكر، لكن لو تمحض كل شيء صارا سواء لو صاروا كلهم مجتهدين في الخير كلهم متقاربون في الأعمال الأخرى، لكن هذا صائم صابر وهذا طاعم شاكر استويا، وعلى كل تقدير فهذا يدل على أنه ينبغي للمؤمن أن يكون أبداً في عمل صالح: إما شكر مع القدرة وعناية بما أنعم الله عليه، وإما صبر مع العجز وحذر من العجز وقلة الصبر، فليصبر عند الشدة، وليشكر الله عند النعمة.
س:.............
الشيخ: الحديث: (الطاعم الشاكر كالصائم الصابر) هذا لفظ المؤلف، هو جاء له طرق، طرق بعضها جيد بعضها صحيح.
س: لا يستويان في المشقة؟
الشيخ: قد لا يستويان لكن موانع المعاصي في حق الفقير أكثر وتوفرها في حق الطاعم أكثر فإن الذي ملك نفسه عند النعمة وشكر له مزية عظيمة من يملك نفسه عند القدرة إلا القليل.
الطالب: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهَا فِي أَوَاخِر صِفَة الصَّلَاة قُبَيْل كِتَاب الْجُمُعَة فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث: ذَهَبَ أَهْل الدُّثُور بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى.
 
بَابُ الرَّجُلِ يُدْعَى إِلَى طَعَامٍ فَيَقُولُ: وَهَذَا مَعِي
وَقَالَ أَنَسٌ: "إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مُسْلِمٍ لاَ يُتَّهَمُ، فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ".
5461 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلاَمٌ لَحَّامٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ، فَعَرَفَ الجُوعَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَهَبَ إِلَى غُلاَمِهِ اللَّحَّامِ، فَقَالَ: اصْنَعْ لِي طعيمًا يَكْفِي خَمْسَةً، لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَصَنَعَ لَهُ طُعَيِّمًا، ثُمَّ أَتَاهُ فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا أَبَا شُعَيْبٍ، إِنَّ رَجُلًا تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ قَالَ: لاَ، بَلْ أَذِنْتُ لَهُ.

الشيخ: وهذا يشبه ما ترجمه المؤلف إذا قال: وهذا وفيه رواية مسلم في الصحيح كما تقدم أن رجلاً دعا النبي ﷺ فقال: وهذه يعني عائشة فقال: لا، ثم دعاه فقال: وهذه قال: لا، ثم دعاه في الثالثة فقال: وهذه ؟ قال: نعم، فالمقصود أنه إذا دعي الإنسان وقال: وهذا معنا؟ وإلا ما نجيبه؟ فإن أجابك وإلا ترك لا بأس أن يقول هذا الكلام، مثل ما فعل النبي ﷺ مع عائشة، تكلم على حديث أنس؟
الطالب: قَوْله: (بَاب الرَّجُل يُدْعَى إِلَى طَعَام فَيَقُول: وَهَذَا مَعِي) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَبِي مَسْعُود فِي قِصَّة الْغُلَام اللَّحَّام، وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى قَبْل أَكْثَر مِنْ عِشْرِينَ بَابًا، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: تَرْجَمَ الْبَاب بِالطَّاعِمِ الشَّاكِر وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ شَيْئًا وَقَالَ "وَهَذَا مَعِي" ثُمَّ نَازَعَهُ فِي أَنَّ الْقِصَّة لَيْسَ فِيهَا مَا ذَكَرَ، وَأَنَّ الرَّجُل تَبِعَهُمْ مِنْ تِلْقَاء نَفْسه. قُلْت: أَمَّا الْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل فَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَته قَوْل الْبُخَارِيّ "فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة" وَأَمَّا الثَّانِي فَأَشَارَ بِهِ الْبُخَارِيّ إِلَى حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْخَيَّاط الَّذِي دَعَا النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: "وَهَذِهِ" يَعْنِي عَائِشَة، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ مُسْتَوْفًى، وَإِنَّمَا عَدَلَ الْبُخَارِيّ عَنْ إِيرَاد حَدِيث أَنَس هُنَا إِلَى حَدِيث أَبِي مَسْعُود إِشَارَة مِنْهَا إِلَى تَغَايُر الْقِصَّتَيْنِ وَاخْتِلَاف الْحَالَيْنِ.
س: طعيم؟
الشيخ: يمكن لأنه قليل هذا قصده ما هو كثير يعني.
قَوْله: (وَقَالَ أَنَس إِذَا دَخَلْت عَلَى مُسْلِم لَا يُتَّهَم فَكُلْ مِنْ طَعَامه وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابه) وَصَلَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عُمَيْر الْأَنْصَارِيّ: "سَمِعْت أَنَسًا يَقُول مِثْله" لَكِنْ قَالَ: "عَلَى رَجُل لَا تَتَّهِمهُ" وَجَاءَ نَحْو ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ: إِذَا دَخَلَ أَحَدكُمْ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِم فَأَطْعَمَهُ طَعَامًا فَلْيَأْكُلْ مِنْ طَعَامه وَلَا يَسْأَلهُ عَنْهُ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِم بْن خَالِد. قُلْت: وَفِيهِ مَقَال لَكِنْ أَخْرَجَ لَهُ الْحَاكِم شَاهِد مِنْ رِوَايَة اِبْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رِوَايَة بِنَحْوِهِ، وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ هَذَا الْوَجْه مَوْقُوفًا، وَمُطَابَقَة الْأَثَر لِلْحَدِيثِ مِنْ جِهَة كَوْن اللَّحَّام لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا، وَأَكَلَ النَّبِيّ ﷺ مِنْ طَعَامه وَلَمْ يَسْأَلهُ وَعَلَى هَذَا الْقَيْد يُحْمَل مُطْلَق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة، وَاللَّهُ أَعْلَم.
 
بَابُ إِذَا حَضَرَ العَشَاءُ فَلاَ يَعْجَلْ عَنْ عَشَائِهِ
5462 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ، أَخْبَرَهُ: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي كَانَ يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ».
5463 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ.
5464 - وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ،

الشيخ: وكأن الجمع بينهما أنه ﷺ وضع السكين وقام إلى الصلاة، كأن المراد إذا حضر العشاء وأكله منه حاجته فلا مانع أن يقوم ويضع ما في يده منه، إذا كان ليس هناك حاجة تشغله عن الصلاة أو تؤذيه وأنه ليس من شرط ذلك أن يستكمل كل ما يريد، فإذا ترك ما في يده وقام لمصلحة الصلاة ولمصلحة الحاضرين لئلا يشق عليهم أو لغير هذا من الأسباب فلا بأس، فابدؤوا بالعشاء يعني: ابدؤوا بالعشاء الذي يحصل به ما يكفي وما يسد الحاجة وما يمنع التشاغل بالنظر في العشاء، والتخيل لما ترك هناك، فالحاصل أنه من السنة أنه يبدأ بالعشاء ويفرغ منه، لكن لو ترك شيئًا مما قد يود أنه يأكل منه أو يتناوله مراعاة للصلاة فلا بأس، كما ترك النبي ﷺ لما نودي بالصلاة ترك ما في يده عليه الصلاة والسلام.
س:.............
الشيخ: إذا قدم، عام في العشاء، وغير العشاء، ولهذا في حديث عائشة: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان حتى الغداء لو قدم عند أذان العصر وأشباه ذلك أو عند أذان الظهر.
س: يا شيخ يقال أن هذا في زمن الجوع وليس في زماننا هذا؟
الشيخ: لا، غلط الذي قال هذا قاله من كيسه، لكن ما ينبغي اعتياد هذا وأن يجعل عذرًا للناس لا، هذا إذا صادف، أما كونه يعلمهم يقول إذا أذن قدموه هذا معناه ما يريد يصلي مع الجماعة، إنما هذا إذا صادف قدم العشاء للضيوف قدم له وما طلبه فليبدأ به حتى لا يتعلق به قلبه حتى يأتي الصلاة وهو خاشع حاضر القلب مطمئن، لا يكون عادة، يجعله عادة عند الصلاة.
سؤال عن التأخير في تقديم الطعام وفرش السفر؟
الشيخ: المقصود إذا قدم يأكلون، وأما إذا ما قدم يؤجل حتى يصلون.
وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُ تَعَشَّى مَرَّةً، وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ".
الشيخ: يعني قدم له.
5465 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَحَضَرَ العَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ قَالَ وُهَيْبٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ: «إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ».
الشيخ: كل هذه تلاحظ (حضر) (وضع) كلها تلاحظ ما هو يطلب إذا قدم ووضع أحضر لأنه تتعلق به نفسه ويتعلق به قلبه.
 
بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب:53]
5466 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسًا، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ القَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فرجع فَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا، وَأُنْزِلَ الحِجَابُ».
 
71 - كِتَابُ العَقِيقَةِ
بَابُ تَسْمِيَةِ المَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ، لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ، وَتَحْنِيكِهِ
5467 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدٌ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «وُلِدَ لِي غُلاَمٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَيَّ»، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِي مُوسَى.
الشيخ: كأن كنية أبو موسى كنية قديمة قبل أن يولد له، وهو شاب كني بهذه الكنية، كما كني أبو عمير بأبي عمير، كثيرًا ما يقع هذا، يكنى الإنسان وهو صغير، يكنيه أهله وتستمر هذه الكنية قبل أن يولد له، ولهذا كان هو أبو إبراهيم وهو أكبر ولده، ولكنه اشتهر بأبي موسى.
س: التحنيك أليس من باب التبرك بالنبي؟
الشيخ: هذا خاص بالنبي ﷺ، طلب التحنيك هذا قصدهم، يريدون ما جعل الله فيه من البركة؛ لكن إذا جاب الولد لأبيه يسميه أو جاب الأخ لأخيه الكبير من باب التقدير ما في شيء.
س: لا أنا أقصد التحنيك يا شيخ؟
الشيخ: التحنيك سنة مطلقًا دائماً.
س:..............
الشيخ: بالتمرة يمضغها الرجل ويجعلها في حنكه؛ أمه أو أبوه أو غيرهم.
الشيخ: كله سنة إن سماه يوم الولادة فهو سنة، وإن سماه يوم السابع فهو سنة، كلها ثابتة عن النبي ﷺ.
س: إذا حنك بغير التمر جائز؟
الشيخ: السنة بالتمر.
5468 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِيٍّ يُحَنِّكُهُ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَأَتْبَعَهُ المَاءَ».
5469 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ المَدِينَةَ فَنَزَلْتُ قُبَاءً، فَوَلَدْتُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ «أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،
الشيخ: يعني عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، كان مولده في السنة الأولى من الهجرة، ومات سنة ثلاث وسبعين، يعني قتل سنة ثلاث وسبعين.
 ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَّكَ عَلَيْهِ» وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلاَمِ،
الشيخ: في الإسلام يعني بعد الهجرة.
فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، لِأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ اليَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلاَ يُولَدُ لَكُمْ.
 
5470 - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ يَشْتَكِي، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ، قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي، قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ العَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا فَوَلَدَتْ غُلاَمًا، قَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْفَظْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَأَرْسَلَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَمَعَهُ شَيْءٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، تَمَرَاتٌ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ فِيهِ، فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ وَحَنَّكَهُ بِهِ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَسَاقَ الحَدِيثَ.
الشيخ: وهذا الولد عبد الله كان من أصلح الناس، وأخرج الله من صلبه ذرية جيدة كثيرة، ومنهم إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الإمام المشهور التابعي الجليل الذي روى عنه أنس الشيء الكثير، وكان هذا الرجل مبارك خرج من صلبه جماعة قرؤوا القرآن وأخذوا العلم. شوف كلامه على باب العتيق؟
الطالب: وَمَنْ أُرِيدَ أَنْ يُعَقَّ عَنْهُ تُؤَخَّرُ تَسْمِيَتُهُ إِلَى السَّابِعِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى، وَهُوَ جَمْعٌ لَطِيفٌ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِ الْبُخَارِيِّ.
الشيخ: وهو غريب جدا، يعني كون التسمية في أول يوم لمن ما نوى أن يعق هذا ليس بجيد، وليس عندنا دليل واضح على أن الرسول ما عق عن إبراهيم، وليس عندنا دليل على أن أبا موسى نوى أنه ما يعق، ولم يسأله النبي ويقول له: أنت تريد أن تعق أو ما تعق، حتى نسميه، الأمر ليس بجيد وإن فهمه البخاري رحمه الله، إن صحت الترجمة، فالذي عليه الجمهور والأكثرون أن العقيقة في اليوم السابع، والتسمية مخير فيها إن شاء سمى يوم الولادة، وإن شاء سمى يوم السابع، فالمقصود أن التسمية يوم الولادة ليست بشرط في حق من لم يريد العقيقة.
 
 الطالب: قَوْله (وَتَحْنِيكه) أَيْ غَدَاة يُولَد، وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ بِالْغَدَاةِ اِتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْخَبَر. وَالْغَدَاة تُطْلَق وَيُرَاد بِهَا مُطْلَق الْوَقْت وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا، وَإِنَّمَا اِتَّفَقَ تَأْخِير ذَلِكَ لِضَرُورَةِ الْوَاقِع، فَلَوْ اِتَّفَقَ أَنَّهَا تَلِد نِصْف النَّهَار مَثَلًا فَوَقْت التَّحْنِيك وَالتَّسْمِيَة بَعْد الْغَدَاة قَطْعًا. وَالتَّحْنِيك مَضْغ الشَّيْء وَوَضْعه فِي فَم الصَّبِيّ وَدَلْك حَنَكه بِهِ، يُصْنَع ذَلِكَ بِالصَّبِيِّ لِيَتَمَرَّنَّ عَلَى الْأَكْل وَيَقْوَى عَلَيْهِ. وَيَنْبَغِي عِنْد التَّحْنِيك أَنْ يُفْتَح فَاهُ حَتَّى يَنْزِل جَوْفه، وَأَوْلَاهُ التَّمْرُ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّر تَمْر فَرُطَب، وَإِلَّا فَشَيْء حُلْو، وَعَسَل النَّحْل أَوْلَى مِنْ غَيْره، ثُمَّ مَا لَمْ تَمَسّهُ نَار كَمَا فِي نَظِيره مِمَّا يُفْطِر الصَّائِم عَلَيْهِ. وَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْله: "وَإِنْ لَمْ يَعُقّ عَنْهُ" الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْعَقِيقَة لَا تَجِب، قَالَ الشَّافِعِيّ: أَفْرَطَ فِيهَا رَجُلَانِ، قَالَ أَحَدهمَا: هِيَ بِدْعَة، وَالْآخِر قَالَ: وَاجِبَة؛ وَأَشَارَ بِقَائِلِ الْوُجُوب إِلَى اللَّيْث بْن سَعْد، وَلَمْ يَعْرِف إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْوُجُوب إِلَّا عَنْ دَاوُدَ فَقَالَ: لَعَلَّ الشَّافِعِيّ أَرَادَ غَيْر دَاوُدَ إِنَّمَا كَانَ بَعْده، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلَعَلَّ هُنَا مَعْنَى بَلْ هُوَ أَمْر مُحَقَّق فَإِنَّ الشَّافِعِيّ مَاتَ وَلِدَاوُدَ أَرْبَع سِنِينَ، وَقَدْ جَاءَ الْوُجُوب أَيْضًا عَنْ أَبِي الزِّنَاد وَهِيَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَد. وَاَلَّذِي نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهَا بِدْعَة أَبُو حَنِيفَة، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: أَنْكَرَ أَصْحَاب الرَّأْي أَنْ تَكُون سُنَّة وَخَالَفُوا فِي ذَلِكَ الْآثَار الثَّابِتَة، وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِمَا رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي ضَمْرَة عَنْ أَبِيهِ: "سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ عَنْ الْعَقِيقَة فَقَالَ: لَا أُحِبّ الْعُقُوق كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْم وَقَالَ: مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَد فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسَك عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ. وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي ضَمْرَة عَنْ عَمّه: "سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يُسْأَل عَنْ الْعَقِيقَة وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر بِعَرَفَة فَذَكَرَهُ".
الشيخ: هذا فيه رجل مبهم ما يصح.
الطالب: وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَيَقْوَى أَحَد الْحَدِيثَيْنِ بِالْآخَرِ، قَالَ أَبُو عُمَر: لَا أَعْلَمهُ مَرْفُوعًا إِلَّا عَنْ هَذَيْنِ. قُلْت: وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَأَبُو الشَّيْخ فِي الْعَقِيقَة مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد، وَلَا حُجَّة فِيهِ لِنَفْي مَشْرُوعِيَّتهَا. بَلْ آخِرُ الْحَدِيث يُثْبِتهَا، وَإِنَّمَا غَايَته أَنْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ تُسَمَّى نَسِيكَة أَوْ ذَبِيحَة وَأَنْ لَا تُسَمَّى عَقِيقَة. وَقَدْ نَقَلَهُ اِبْن أَبِي الدَّم عَنْ بَعْض الْأَصْحَاب قَالَ كَمَا فِي تَسْمِيَة الْعِشَاء عَتَمَة، وَادَّعَى مُحَمَّد بْن الْحَسَن نَسْخهَا بِحَدِيثِ: "نَسَخَ الْأَضْحَى كُلّ ذَبْح" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ وَفِي سَنَده ضَعْف. وَأَمَّا نَفْي اِبْن عَبْد الْبَرّ وُرُوده فَمُتَعَقَّب، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَثْبُت أَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَة ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبهَا فَيَبْقَى الِاسْتِحْبَاب كَمَا جَاءَ فِي صَوْم عَاشُورَاء، فَلَا حُجَّة فِيهِ أَيْضًا لِمَنْ نَفَى مَشْرُوعِيَّتهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب أَرْبَعَة أَحَادِيث.
س: هل يأثم من لم يعق عن ولده؟
الشيخ: المعروف عند جمهور أهل العلم أنها سنة لقوله: من أحب أن يعق سنة مؤكدة.
س: الذهاب به إلى المشايخ؟
الشيخ: ما أعرف لهذا أصلا، إنما هذا شيء يختص بالنبي عليه الصلاة والسلام، إنما التحنيك والتسمية سنة، وإذا أراد الصغير أن يقدم الكبير في التسمية يقدمه لأبيه أو لأخيه الكبير حتى يتولى التسمية، ما في مانع من باب الأدب يعني.
س: هل يحنك بغير التمر؟
الشيخ: السنة التمر، لكن إذا ما تيسر التمر بالحلوى بالعسل ما في بأس.
 
بَابُ إِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الصَّبِيِّ فِي العَقِيقَةِ
5471 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: مَعَ الغُلاَمِ عَقِيقَةٌ وَقَالَ حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، وَقَتَادَةُ، وَهِشَامٌ، وَحَبِيبٌ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، وَهِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَانَ قَوْلَهُ، وَقَالَ أَصْبَغُ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، حَدَّثَنَا سَلْمَانُ بْنُ عَامِرٍ الضَّبِّيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَعَ الغُلاَمِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى.
 
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: أَمَرَنِي ابْنُ سِيرِينَ: أَنْ أَسْأَلَ الحَسَنَ: مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ العَقِيقَةِ؟ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: مِنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ.

الشيخ: هذا حديث: كل غلام مرتهن بعقيقته..... ويحلق ويسمى ورواه الحسن من طريق سمرة وهذا هو المحفوظ أنه سمعه من سمرة وبقيته أحاديثه عن سمرة فهي محتملة.
 
بَابُ الفَرَعِ
5473 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لاَ فَرَعَ وَلاَ عَتِيرَةَ وَالفَرَعُ: أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ، وَالعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ.
 
بَابُ العَتِيرَةِ
5474 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لاَ فَرَعَ وَلاَ عَتِيرَةَ قَالَ: وَالفَرَعُ: أَوَّلُ نِتَاجٍ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيَتِهِمْ، وَالعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ.

الشيخ: وهذا واضح في أنه كان ناسخ لما كان في الجاهلية من أمر الفرع والعتيرة، وأنه لا فرع ولا عتيرة في الإسلام، كما في الرواية الأخرى، ولكن من شاء يتقرب كما في الرواية الأخرى فليتقرب بما شاء من دون أن يكون على طريقة الجاهلية.
س:..........
الشيخ: يحتمل أنه أبو هريرة، ويحتمل أنه غيره، ويحتمل أنه مرفوع إلى النبي، أيش قال الشارح عليه؟
الطالب: قَوْله: (قَالَ وَالْفَرَع) لَمْ يَتَعَيَّن هَذَا الْقَائِل هُنَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر مَوْصُولًا التَّفْسِير بِالْحَدِيثِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ: "الْفَرَع أَوَّل النِّتَاج" الْحَدِيث جَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى سَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَحْسَب التَّفْسِير فِيهِ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ. قُلْت: قَدْ أَخْرَجَ أَبُو قُرَّة فِي السُّنَن الْحَدِيث عَنْ عَبْد الْمَجِيد بْن أَبِي دَاوُدَ عَنْ مَعْمَر، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَته أَنَّ تَفْسِير الْفَرَع وَالْعَتِيرَة مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَوْله: (أَوَّل النِّتَاج) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ "نِتَاج" بِغَيْرِ أَلْف وَلَام، وَهُوَ بِكَسْرِ النُّون بَعْدهَا مُثَنَّاة خَفِيفَة وَآخِره جِيم.
قَوْله: (كَانَ يُنْتَج لَهُمْ) بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح ثَالِثه: يُقَال نُتِجَتْ النَّاقَة بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الْمُثَنَّاة إِذَا وَلَدَتْ، وَلَا يُسْتَعْمَل هَذَا الْفِعْل إِلَّا هَكَذَا وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ.
الشيخ: يعني من كلمات معدودة تستعمل للفاعل وهي بصيغة مفعول مثل نتج.. نتجت يعني أنتحت.
الطالب: قَوْله (كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ بَعْضهمْ: "ثُمَّ يَأْكُلُونَهُ وَيُلْقَى جِلْده عَلَى الشَّجَر" فِيهِ إِشَارَة إِلَى عِلَّة النَّهْي، وَاسْتَنْبَطَ الشَّافِعِيّ مِنْهُ الْجَوَاز إِذَا كَانَ الذَّبْح لِلَّهِ جَمْعًا بَيْنه وَبَيْن حَدِيث "الْفَرَع حَقّ" وَهُوَ حَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة دَاوُدَ بْن قَيْس عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَبْد اللَّه بْن عَمْرو، كَذَا فِي رِوَايَة الْحَاكِم: "سُئِلَ رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ الْفَرَع قَالَ: الْفَرَع حَقّ، وَأَنْ تَتْرُكهُ حَتَّى يَكُون بِنْت مَخَاض أَوْ اِبْن لَبُون فَتَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ تُعْطِيه أَرْمَلَة خَيْر مِنْ أَنْ تَذْبَحهُ يُلْصَق لَحْمه بِوَبَرِهِ وَتُوَلِّهِ نَاقَتك" وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيق عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ قَوْله: "الْفَرَعَة حَقّ؛ وَلَا تَذْبَحهَا وَهِيَ تُلْصَق فِي يَدك، وَلَكِنْ أَمْكِنْهَا مِنْ اللَّبَن حَتَّى إِذَا كَانَتْ مِنْ خِيَار الْمَال فَاذْبَحْهَا"، قَالَ الشَّافِعِيّ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الْمُزَنِيِّ عَنْهُ: الْفَرَع شَيْء كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَذْبَحُونَهُ يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَة فِي أَمْوَالهمْ، فَكَانَ أَحَدهمْ يَذْبَح بِكْر نَاقَته أَوْ شَاته رَجَاء الْبَرَكَة فِيمَا يَأْتِي بَعْده، فَسَأَلُوا النَّبِيّ ﷺ عَنْ حُكْمهَا فَأَعْلَمهُمْ أَنَّهُ لَا كَرَاهَة عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَأَمَرَهُمْ اِسْتِحْبَابًا أَنْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى يَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه. وَقَوْله: "حَقّ" أَيْ لَيْسَ بِبَاطِلٍ، وَهُوَ كَلَام خَرَجَ عَلَى جَوَاب السَّائِل، وَلَا مُخَالَفَة بَيْنه وَبَيْن حَدِيث الْآخَر: "لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة" فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَا فَرَع وَاجِب وَلَا عَتِيرَة وَاجِبَة. وَقَالَ غَيْره مَعْنَى قَوْله: "لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة" أَيْ لَيْسَا فِي تَأَكُّد الِاسْتِحْبَاب كَالْأُضْحِيَّةِ، وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ: نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي حَرْمَلَة عَلَى أَنَّ الْفَرَع وَالْعَتِيرَة مُسْتَحَبَّانِ، وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَابْن الْمُنْذِر عَنْ نُبَيْشَة - بِنُونٍ وَمُوَحَّدَة وَمُعْجَمه مُصَغَّر – قَالَ: "نَادَى رَجُل رَسُول اللَّه ﷺ: إِنَّا كُنَّا نُعَتِّر عَتِيرَة فِي الْجَاهِلِيَّة فِي رَجَب، فَمَا تَأْمُرنَا؟ قَالَ: اِذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْر كَانَ. قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُفَرِّع فِي الْجَاهِلِيَّة. قَالَ: فِي كُلّ سَائِمَة فَرَع تُغَذُّوهُ مَاشِيَتك حَتَّى إِذَا اِسْتَحْمَلَ ذَبَحْته فَتَصَدَّقْت بِلَحْمِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْر" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: "السَّائِمَة مِائَة" فَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُبْطِل الْفَرَع وَالْعَتِيرَة مِنْ أَصْلهمَا، وَإِنَّمَا أَبْطَلَ صِفَة مِنْ كُلّ مِنْهُمَا، فَمِنْ الْفَرَع كَوْنه يُذْبَح أَوَّل مَا يُولَد، وَمِنْ الْعَتِيرَة خُصُوص الذَّبْح فِي شَهْر رَجَب. وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ طَرِيق أَبِي رَمَلَة عَنْ مُحَنِّف بْن مُحَمَّد بْن سَلِيم قَالَ: "كُنَّا وُقُوفًا مَعَ النَّبِيّ ﷺ بِعَرَفَة، فَسَمِعْته يَقُول: يَا أَيّهَا النَّاس عَلَى كُلّ أَهْل بَيْت فِي كُلّ عَام أُضْحِيَّة وَعَتِيرَة، هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَة ؟ هِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّة" فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْخَطَّابِيُّ، لَكِنْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ. وَجَاءَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مِخْنَف بْن سُلَيْمٍ. وَيُمْكِن رَدّه إِلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ حَدِيث نُبَيْشَة. وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث الْحَارِث بْن عَمْرو أَنَّهُ "لَقِيَ رَسُول اللَّه ﷺ فِي حَجَّة الْوَدَاع، فَقَالَ رَجُل: يَا رَسُول اللَّه الْعَتَائِر وَالْفَرَائِع؟ قَالَ: مَنْ شَاءَ عَتَّرَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُعَتِّر وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّع" وَهَذَا صَرِيح فِي عَدَم الْوُجُوب لَكِنْ لَا يَنْفِي الِاسْتِحْبَاب وَلَا يُثْبِتهُ، فَيُؤْخَذ الِاسْتِحْبَاب مِنْ حَدِيث آخَر. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي الْعُشَرَاء عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ النَّبِيّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْعَتِيرَة فَحَسَّنَهَا"، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق وَكِيع بْن عُدَيْس عَنْ عَمّه أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيّ قَالَ: "قُلْت يَا رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّا كُنَّا نَذْبَح ذَبَائِح فِي رَجَب فَنَأْكُل وَنُطْعِم مَنْ جَاءَنَا، فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ. قَالَ وَكِيع بْن عُدَيْس: فَلَا أَدْعُهُ" وَجَزَمَ أَبُو عُبَيْد بِأَنَّ الْعَتِيرَة تُسْتَحَبّ، وَفِي هَذَا تَعَقُّب عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ اِبْن سِيرِينَ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ اِبْن عَوْن أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلهُ، وَمَالَ اِبْن الْمُنْذِر إِلَى هَذَا وَقَالَ: كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَلهُمَا وَفَعَلَهُمَا بَعْض أَهْل الْإِسْلَام بِالْإِذْنِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُمَا، وَالنَّهْي لَا يَكُون إِلَّا عَنْ شَيْء كَانَ يُفْعَل، وَمَا قَالَ أَحَد إِنَّهُ نَهَى عَنْهُمَا ثُمَّ أَذِنَ فِي فِعْلهمَا ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْعُلَمَاء تَرْكهمَا إِلَّا اِبْن سِيرِينَ، وَكَذَا ذَكَرَ عِيَاض أَنَّ الْجُمْهُور عَلَى النَّسْخ، وَبِهِ جَزَمَ الْحَازِمِيّ، وَمَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْ الشَّافِعِيّ يَرُدّ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ - وَاللَّفْظ لَهُ - بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَائِشَة: "أَمَرَنَا رَسُول اللَّه ﷺ بِالْفَرَعَةِ فِي كُلّ خَمْسِينَ وَاحِدَة".
قَوْله: (وَالْعَتِيرَة فِي رَجَب) فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ: "وَالْعَتِيرَة الشَّاة تُذْبَح عَنْ أَهْل بَيْت فِي رَجَب" وَقَالَ أَبُو عُبَيْد: الْعَتِيرَة هِيَ الرَّجَبِيَّة ذَبِيحَة كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّة فِي رَجَب يَتَقَرَّبُونَ بِهَا لِأَصْنَامِهِمْ، وَقَالَ غَيْره: الْعَتِيرَة نَذْر كَانُوا يُنْذَرُونَهُ، مَنْ بَلَغَ مَاله كَذَا أَنْ يَذْبَح مِنْ كُلّ عَشَرَة مِنْهَا رَأْسًا فِي رَجَب. وَذَكَرَ اِبْن سِيدَهْ أَنَّ الْعَتِيرَة أَنَّ الرَّجُل كَانَ يَقُول الْجَاهِلِيَّة إِنْ بَلَغَ إِلَى مِائَة عَتَّرَتْ مِنْهَا عَتِيرَة، زَادَ فِي الصِّحَاح فِي رَجَب. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ تَقْيِيدهَا بِالْعَشْرِ الْأَوَّل مِنْ رَجَب، وَنَقَلَ النَّوَوِيّ الِاتِّفَاق عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
(خَاتِمَةٌ): اِشْتَمَلَ كِتَاب الْعَقِيقَة وَمَا مَعَهُ مِنْ الْفَرَع وَالْعَتِيرَة عَلَى اثْنَيْ عَشَر حَدِيثًا، الْمُعَلَّق مِنْهَا ثَلَاثَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة، الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَة وَالْخَالِص أَرْبَعَة، وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيج حَدِيث أَنَس وَأَبِي هُرَيْرَة وَاخْتَصَّ بِتَخْرِيجِ حَدِيث سَلْمَان وَسَمُرَة. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار قَوْل سَلْمَان فِي الْعَقِيقَة، وَتَفْسِير الْفَرَع وَالْعَتِيرَة. وَاللَّهُ أَعْلَم.
الشيخ: يتضح من هذا أن الجمهور على نسخ الفرع والعتيرة، وأنهما كانتا من أعمال الجاهلية والنبي أقرهما في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك، وقال: لا فرع ولا عتيرة، فلهذا ذهب الجمهور إلى أنهما نسختا ولم يبق إلا الضحايا والعقائق والصدقة المطلقة.
س:................
الشيخ: لا، نسخ للفعل كله.
س:...............
الشيخ: يشير بالأحاديث التي ذكر هذا كان في أول الأمر ثم نسخ ذلك.
س: كانت واجبة؟
الشيخ: ما كانت واجبة كانوا يفعلونها هكذا يتبركون بها لأموالهم ويذبحونهم لأصنامهم، ثم نسخ ذلك فصار لا فرع وهو الذبح أول النتاج، ولا عتيرة وهي الرجبية. وإنما بقي شرعية الضحايا والهدايا والعقائق، والتقرب إلى الله بما شاء من ماله من ذبح وغيره، من دون تقيد برجب أو تقيد بنتاج.
س: من يفعلون الحفلات في رجب يكونون متشبهين بأهل الجاهلية؟
الشيخ: لا، إذا كان لها أسباب ما هم داخلين في هذا، هم يتشبهون بهم إذا فعلوا كفعلهم.
س: يذهب بعضهم إلى بعض المقابر؟
الشيخ: هذا منكر في أي وقت ما هو في رجب بس.
س: نفس الاحتفال في خمسة عشر شعبان، وسبعة وعشرين رجب؟
الشيخ: هذا بدعة ما فيه ذبح.
س:...............
الشيخ: الأصل أن ينهون عن ذلك.
س: هو ما يعتقد أنها جاهلية بس يعتبر أنها عادية؟
الشيخ: ما يتقيد في رجب يذبح في أي وقت كان، إذا كان قصده التقرب والصدقة، لا يتقيد برجب.
س: يعني يوضح له أنه مكروه أو محرم؟
الشيخ: ظاهره أنه من عمل الجاهلية، وأقل أحواله الكراهة لكن...... لا فرع ولا عتيرة المنع فيبين أن هذا من عمل الجاهلية، ثم نسخه الله في الإسلام.