71 من حديث: (ما أصاب بحده فكله وما أصاب بعرضه فهو وقيذ)

 

72- كِتَابُ الذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ

بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الصَّيْدِ

وَقَوْله تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:94].

وَقَوْله جَلَّ ذِكْرُهُ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ [المائدة:1- 3].

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: العُقُودُ: العُهُودُ، مَا أُحِلَّ وَحُرِّمَ، إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ: الخِنْزِيرُ، يَجْرِمَنَّكُمْ: يَحْمِلَنَّكُمْ، شَنَآنُ: عَدَاوَةُ، المُنْخَنِقَةُ: تُخْنَقُ فَتَمُوتُ، المَوْقُوذَةُ: تُضْرَبُ بِالخَشَبِ، يُوقِذُهَا فَتَمُوتُ، وَالمُتَرَدِّيَةُ: تَتَرَدَّى مِنَ الجَبَلِ، وَالنَّطِيحَةُ: تُنْطَحُ الشَّاةُ، فَمَا أَدْرَكْتَهُ يَتَحَرَّكُ بِذَنَبِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ فَاذْبَحْ وَكُلْ.

5475- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ، قَالَ: مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ، فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ؛ فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ ذَكَاةٌ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ أَوْ كِلابِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ، فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ.

بَابُ صَيْدِ المِعْرَاضِ

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي المَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقَةِ: "تِلْكَ المَوْقُوذَةُ"، وَكَرِهَهُ سَالِمٌ، وَالقَاسِمُ، وَمُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَعَطَاءٌ، وَالحَسَنُ، وَكَرِهَ الحَسَنُ: رَمْيَ البُنْدُقَةِ فِي القُرَى وَالأَمْصَارِ، وَلا يَرَى بَأْسًا فِيمَا سِوَاهُ.

الشيخ: تكلم على البُندقة؟

الطالب: قَوْله: (وَقَالَ ابنُ عُمَرَ فِي الْمَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقَةِ: "تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ"، وَكَرِهَهُ سَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ، وَمُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ) أَمَّا أثر ابن عُمَرَ فَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْعَقدي، عَن زُهَيْر -هُوَ ابن مُحَمَّد- عَن زيد بن أسلم، عَن ابن عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "الْمَقْتُولَةُ بِالْبُنْدُقَةِ تِلْكَ الموقوذة".

وَأخرج ابن أبي شيبَة من طَرِيق نَافِع، عَن ابن عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ مَا أَصَابَتِ الْبُنْدُقَةُ.

وَلِمَالِكٍ فِي "الْمُوَطَّأ" عَنْ نَافِعٍ: "رَمَيْتُ طَائِرَيْنِ بِحَجَرٍ فَأَصَبْتُهُمَا، فَإِمَّا أَحَدُهُمَا فَمَاتَ فطرحه ابن عمر".

وَأما سَالم -وَهُوَ ابن عبدالله بن عمر- وَالقَاسِم -وَهُوَ ابن مُحَمَّد ابن أبي بكر الصّديق- فَأخْرج ابنُ أَبِي شَيْبَةَ: عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْهُمَا: أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ الْبُنْدُقَةَ إِلَّا مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ.

وَلِمَالِكٍ فِي "الْمُوَطَّأ" أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَكْرَهُ مَا قُتِلَ بِالْمِعْرَاضِ وَالْبُنْدُقَةِ.

وَأَمَّا مُجَاهِدٌ: فَأخْرج ابن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَنَّهُ كَرِهَهُ، زَادَ فِي أَحَدِهِمَا: "لَا تَأْكُلْ إِلَّا أَنْ يُذَكَّى".

وَأما إبراهيم -وَهُوَ النَّخعِيّ- فَأخْرج ابن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ: "لَا تَأْكُلْ مَا أَصَبْتَ بِالْبُنْدُقَةِ إِلَّا أَنْ يُذَكَّى".

الشيخ: ما تكلم على البندقة؟ ما ضبطها؟ العيني موجود؟ ما ضبطها؟

البندقة: تُشبه الشيء الذي مثل البعرة وأشباهه، شيء مدرمح ..... تُقتل بالثقل يعني، فالموقوذة لأن الحجر مدرمح ..... يعني: رماه بقوةٍ ربما أصابت الطائر فقتلته، يعني: لا يقتل بالحدِّ، رماه بقوة الرمي، ليس له حد.

الطالب: أشار إليه يا شيخ.

الشيخ: نعم.

الطالب: وَأَمَّا الْحسن -وَهُوَ الْبَصْرِيّ- فَقَالَ ابن أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ: "إِذَا رَمَى الرَّجُلُ الصَّيْدَ بِالْجُلَّاهِقَةِ فَلَا تَأْكُلْ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ ذَكَاتَهُ".

وَالْجُلَّاهِقَةُ -بِضَمِّ الْجِيمِ، وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَكَسْرِ الْهَاءِ، بَعْدَهَا قَافٌ- هِيَ الْبُنْدُقَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَالْجَمْعُ: جُلَّاهِقُ.

قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ الْحَسَنُ رَمْيَ الْبُنْدُقَةِ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، وَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا فِيمَا سِوَاهُ) وَصَلَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْداللَّهِ ابْن أَبِي السَّفَرِ، عَن الشَّعْبِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي قبله.

الشيخ: صاحب "القاموس" موجود؟ ما حضر!

س: يُسمِّي عند الرَّمي؟

ج: لا بدّ عند الرمي [أن] يُسمِّي.

س: ..............؟

ج: حجر مدرمح يُرمى به، ما هو بالحدِّ.

س: ...............؟

ج: الظاهر أنه لا فرقَ، سواء كان باليد أو بوسيلةٍ أخرى، مثلما ذكر عن القاسم أنه رمى بحجرٍ.

س: إذا جرحت البندقةُ وسال دمُ الطائر؟

ج: محتمل، إذا كان لها حدٌّ زال المحظور، مثلما في حديث رافع بن خديج: ما أنهر الدم وذُكر الله فكُلْ، ليس السن والظفر.

س: لو رماه بالحجر والخشب وسمَّى؟

ج: هذه موقوذة، تُرمى بالحجر والخشب تُسمَّى: وقيذة، ولو سمَّى.

الطالب: ..............؟

ج: نعم.

الطالب: وَأَمَّا الْبُنْدُقَةُ: مَعْرُوفَةٌ، تُتَّخَذُ مِنْ طِينٍ، وَتَيْبَسُ فَيُرْمَى بِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِهَا فِي بَابِ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ.

الشيخ: يعني هذا المعروف: تيبس من الطين ويُرمى بها.

5476- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ المِعْرَاضِ، فَقَالَ: إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، فَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ، فَقُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي؟ قَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ، قُلْتُ: فَإِنْ أَكَلَ؟ قَالَ: فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ، إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ قَالَ: لا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى آخَرَ.

س: ولو كان الكلبُ الآخر مُعلَّمًا؟

ج: الظاهر ولو؛ لأنه ما أرسله، لا بدّ من إرساله.

س: .............؟

ج: ولو، ما دام ما أرسله لا.

بَابُ مَا أَصَابَ المِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ

5477- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُرْسِلُ الكِلابَ المُعَلَّمَةَ؟ قَالَ: كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: وَإِنْ قَتَلْنَ، قُلْتُ: وَإِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ؟ قَالَ: كُلْ مَا خَرقَ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْ.

الشيخ: خرق بالراء.

الطالب: نعم.

الشيخ: رُويت "خزق" بمعنى الطعن.

الطالب: عندنا "خزق".

الشيخ: نعم، ما ضبطه؟

الطالب: عندنا بفتح الخاء المُعجمة والزاي بعدها قاف، أي: نفذ، يُقال: سهم خازق؛ أي: نافذ، ويقال: خسق -بالسين المهملة- أيضًا؛ إذا أصاب الرمية ونفذ منها، وخزق يخزق خزوقًا، وسهم خازق وخاسق، وقال ابنُ التين: خزق أصاب بحدِّه، وأصل الخزق في اللغة الطَّعن.

الشيخ: ........

الطالب: ...... يقول: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَدِيٍّ -الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ- قُلْتُ: إِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ؟ قَالَ: كُلْ مَا خَزَقَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا قَافٌ، أَيْ: نَفَذَ، يُقَالُ: سَهْمٌ خَازِقٌ، أَيْ: نَافِذٌ، وَيُقَالُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الزَّايِ، وَقِيلَ: الْخَزْقُ بِالزَّايِ -وَقِيلَ: تُبْدَلُ سِينًا- الْخَدْشُ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ بِالرَّاءِ فَهُوَ أَنْ يَثْقُبَهُ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّهْمَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِذَا أَصَابَ الصَّيْدَ بِحَدِّهِ حَلَّ، وَكَانَتْ تِلْكَ ذَكَاتَهُ، وَإِذَا أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخَشَبَةِ الثَّقِيلَةِ وَالْحَجَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمُثَقَّلِ.

الشيخ: ........

بَابُ صَيْدِ القَوْسِ

وَقَالَ الحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ: "إِذَا ضَرَبَ صَيْدًا، فَبَانَ مِنْهُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ، لا تَأْكُل الَّذِي بَانَ، وَكُلْ سَائِرَهُ".

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "إِذَا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ أَوْ وَسَطَهُ فَكُلْهُ".

وَقَالَ الأَعْمَشُ: عَنْ زَيْدٍ: "اسْتَعْصَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِاللَّهِ حِمَارٌ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوهُ حَيْثُ تَيَسَّرَ، دَعُوا مَا سَقَطَ مِنْهُ وَكُلُوهُ".

5478- حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ؛ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ.

س: الكلب إذا ما سمّيت عليه؟

ج: إن كان نسيانًا أو جهلًا يُغتفر.

سؤال عن حديث أبي ثعلبة الخشني؟

ج: لا بأس بسنده، لكن أحسن ما يُقال فيه: إنه شاذٌّ مخالفٌ للأحاديث الصحيحة؛ لأنَّ القاعدة إذا خُولف الصحيح فهو دونه، ويكون المخالف شاذًّا؛ لأن حديث عدي في "الصحيحين" وثابت .....، وهو ظاهر القرآن أيضًا: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4]، وحديث أبي ثعلبة عند أبي داود وبعض السنن، وإن كان سنده ماشيًا؛ لأنه من حديث ..... عن جدِّه، لكن مخالف للأحاديث الصحيحة، مثل: حديث عدي، وابن عباس، وأيضًا مخالف لظاهر القرآن، فإن ..... ما أمسك عليه إنما أمسك على نفسه.

س: يكون هذا من باب الترجيح ......؟

ج: نعم، أحسن ما قيل فيه الترجيح، مثلما قيل في أحاديث كثيرة مثل: الوضوء من مسِّ الذكر، أحاديث كثيرة فيها الترجيح، والقاعدة أنه إذا لم يتيسر الجمع ولا النسخ ولا توفرت شروطه ما بقي إلا الترجيح.

س: ...............؟

ج: الشاذ يرجح عليه الصحيح ويُسمَّى المرجوح: شاذًّا، شرط الصحيح ألا يكون شاذًّا، فإذا شذَّ صار ضعيفًا، ولو استقام سنده.

بَابُ الخَذْفِ وَالبُنْدُقَةِ

5479- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ -وَاللَّفْظُ لِيَزِيدَ- عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الحَسَنِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: لا تَخْذِفْ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الخَذْفِ، أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الخَذْفَ وَقَالَ: إِنَّهُ لا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ، وَلا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ العَيْنَ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الخَذْفِ، أَوْ كَرِهَ الخَذْفَ، وَأَنْتَ تَخْذِفُ! لا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا.

الشيخ: وهذا فيه الدلالة على غيرة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وعلى حرصهم على تنفيذ الأوامر، وأنهم إذا سمعوا من الرسول شيئًا نفَّذوه ، هكذا يكون المؤمن: عنده الغيرة، عنده الاستعداد الكامل للامتثال والطاعة، والله يقول جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]، ويقول: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92]، ويقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

هذا حال المؤمن عند الأوامر والنواهي: يُبادر بالامتثال في ترك النواهي، وأداء الأوامر، ولهذا صاروا خير القرون، خير الناس رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لاستقامتهم، ومُسارعتهم للخير، وامتثالهم للأوامر، وبُعدهم عن النَّواهي، ولزومهم للحدود.

هذا عبدالله بن مغفل المزني نهى بعض أقاربه عن الخذف، قال: إن الرسول نهى عن الخذف، ثم رآه يخذف فقال: أُخبرك عن رسول الله أنه نهى عنه ثم أراك تخذف! لا أُكلمك كذا وكذا. وفي روايةٍ: لا أُكلِّمك أبدًا.

وهذا يدل على شدة الغيرة، وشدة الإنكار على مَن خالف الأوامر، وأنت تجد الآن كثيرًا من الناس لا يُبالي بالأوامر، ولا يعدّ مُخالفتها شيئًا؛ لمرض القلوب، وشدة الغربة، فالرسول يأمر بإعفاء اللحى وتوفيرها وإرخائها، وقص الشوارب، ونجد كثيرًا من الناس الآن لا يُبالي بذلك، ولا يستحي، ولا يهتم بهذا الأمر، وكأنه لا يسمع شيئًا، ولا يُقال له شيء.

وهكذا تجد الأوامر العظيمة من القرآن والسنة في إقام الصلاة والمحافظة عليها، ثم تجد كثيرًا من الناس يتخلف، وهو يقول: إنه مسلم! ويتخلف عن الصلاة: إما بالكلية، وإما في الوقت، وإما في الجماعة، وكله شرٌّ، وأعظم ذلك تركها بالكلية؛ لأنه كفر محض، نسأل الله العافية.

وهكذا الزكاة: تجد الكثيرين أنعم الله عليهم، وأوسع عليهم، ثم يتباطأ ويتأخَّر عن الزكاة، أو يتركها بالكلية بُخلًا وشُحًّا، مع ما أعطاه الله من المال والخير الكثير.

هكذا الصيام، وهكذا الحج، وهكذا بقية الأوامر، وهكذا إرخاء الثياب وإسبال الملابس، يسمع الأحاديث والنَّهي عن ذلك والتحذير وتجده يسحب ثيابه وسراويله وبُشته وغير ذلك، وكأنه لا يسمع شيئًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهكذا ما في النصوص من التَّحذير من الكبر والخيلاء، وتجد الكثير من الناس يتكبَّر مع إخوانه الفقراء، وإخوانه الذين لا يعرفهم لا يبدأهم بالسلام، ولا يردّ عليهم السلام، ولا يلين لهم في المقام تكبُّرًا وتعاظُمًا؛ لأن الله أعطاه مالًا، أو أعطاه جاهًا، أو أعطاه وظيفةً كبيرةً، وذاك لم يُعط هذه الأشياء، وقد يكون خيرًا منه وأفضل منه عند الله وعند المؤمنين.

والمقصود أنَّ هذه أمور تحتاج إلى عنايةٍ من المؤمن وانتباهٍ، وأن يتأسَّى بالسلف الصالح بالغيرة والحذر من ترك الأوامر، أو ركوب المعاصي، ولا سيما في وقت الغربة، فإن وقت الغربة الناس فيه على خطر عظيم أكثر؛ لقلة مَن يُعين على الحقِّ، وقلة مَن يدعو إليه، وقلة مَن يُنكر الباطل، فوجب على المؤمن أن يحذر غاية الحذر؛ لئلا يهلك مع مَن هلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

سؤال عن هجر تارك الصلاة بعد النَّصيحة؟

ج: يُشرع لك أن تهجره، يُشرع بل يجب عند قومٍ، أقل الأحوال أنه يُشرع، اللهم إلا أن يكون الهجرُ يُسبب شرًّا أكثر؛ فهذا محل نظرٍ، فالهجر دواء وعلاج، فإذا كان يترتب عليه خيرٌ فعل، أو لا يترتب عليه شرٌّ فعل، فإن كان يترتب عليه ما هو أنكر ترك إلى وقتٍ آخر.

س: حكم الصيد بالخذف؟

ج: ما يحل، الخذف آلة منهيٌّ عنها، تقتل بثقلها، بقوتها. أيش قال عن الخذف؟

الطالب: قَوْلُهُ: (إِنَّهُ رَأَى رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ كَهْمَسٍ: رَأَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّهُ قَرِيبٌ لِعَبْدِاللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ.

قَوْلُهُ: (يَخْذِفُ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَآخِرُهُ فَاءٌ، أَيْ: يَرْمِي بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ، أَوْ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ، أَوْ على ظَاهر الْوُسْطَى وباطن الْإِبْهَام.

وَقَالَ ابن فَارِسٍ: خَذَفْتَ الْحَصَاةَ: رَمَيْتَهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ، وَقِيلَ فِي حَصَى الْخَذْفِ: أَنْ يَجْعَلَ الْحَصَاةَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ مِنَ الْيُمْنَى، وَالْإِبْهَامِ مِنَ الْيُسْرَى، ثُمَّ يقذفها بالسبابة من الْيَمين.

وَقَالَ ابن سِيدَهْ: "خَذَفَ بِالشَّيْءِ يَخْذِفُ" فَارِسِيٌّ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْحَصَى، قَالَ: وَالْمِخْذَفَةُ الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا الْحَجْرُ، وَيُرْمَى بِهَا الطَّيْرُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمِقْلَاعِ أَيْضًا. قَالَهُ فِي "الصِّحَاحِ".

قَوْلُهُ: (نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ وَكِيعٍ: نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَلَمْ يَشُكَّ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ كَهْمَسٍ بِالشَّكِّ، وَبَيَّنَ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ كَهْمَسٍ.

قَوْلُهُ: إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ قَالَ الْمُهَلَّبُ: أَبَاحَ اللَّهُ الصَّيْدَ عَلَى صِفَةٍ فَقَالَ: تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ [المائدة:94]، وَلَيْسَ الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذٌ، وَأَطْلَقَ الشَّارِعُ أَنَّ الْخَذْفَ لَا يُصَادُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِن الْمُجْهِزَاتِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ -إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ- عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ مَا قَتَلَتْهُ الْبُنْدُقَةُ وَالْحَجَرُ. انْتَهَى. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ الصَّيْدَ بِقُوَّةِ رَامِيهِ، لَا بِحَدِّهِ.

قَوْلُهُ: وَلَا يُنْكَأُ بِهِ عَدُوٌّ قَالَ عِيَاضٌ: الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَبِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ، وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْأَشْهَرُ بِكَسْرِ الْكَافِ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وَقَالَ فِي "شَرْحِ مُسْلِمٍ": لَا ينْكَأُ بِفَتْحِ الْكَافِ مَهْمُوزٌ، وَرَوَى: لَا يَنْكِي بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهُوَ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْمَهْمُوزَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ نَكَأْتُ الْقُرْحَةَ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، فَإِنَّهُ مِنَ النِّكَايَةِ، لَكِنْ قَالَ فِي "الْعَيْنِ": نَكَأْتُ لُغَةٌ فِي نَكَيْتُ، فَعَلَى هَذَا تَتَوَجَّهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ. قَالَ: وَمَعْنَاهُ الْمُبَالغَة فِي الْأَذَى.

وَقَالَ ابنُ سِيدَهْ: نَكَأَ الْعَدُوُّ نِكَايَةً: أَصَابَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: نَكَأْتُ الْعَدُوَّ أَنْكَؤُهُمْ: لُغَة فِي نَكَيْتُهُمْ، فَظَهَرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ صَحِيحَةُ الْمَعْنَى، وَلَا مَعْنَى لتخطئتها.

وَأغْرب ابن التِّينِ فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْهَمْزِ أَصْلًا، بَلْ شَرَحَهُ عَلَى الَّتِي بِكَسْرِ الْكَافِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، ثُمَّ قَالَ: وَنَكَأْتُ الْقُرْحَةَ بِالْهَمْزِ.

قَوْلُهُ: وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ أَيِ: الرَّمْيَةُ، وَأَطْلَقَ السِّنَّ فَيَشْمَلُ سِنَّ الْمُرْمَى وَغَيْرَهُ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا) فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: "لَا أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً كَذَا وَكَذَا"، "وَكَلِمَةً" بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ، "كَذَا وَكَذَا" أَبْهَمَ الزَّمَانَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: "لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا".

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ هِجْرَانِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَتَرْكِ كَلَامِهِ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ هَجَرَ لِحَظِّ نَفْسِهِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ وَمَنْعُ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَفَى الشَّارِعُ أَنَّهُ لَا يَصِيدُ فَلَا مَعْنَى لِلرَّمْيِ بِهِ، بَلْ فِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْحَيَوَانِ بِالتَّلَفِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ.

س: هناك بعض الناس -يا شيخ أحسن الله عملك- إذا نهيتَه عن شرب الدخان وحلق اللحية أو شيء من المعاصي قال: هذه قشور، هذه فروع مش وقتها الآن؟

ج: على كل حال، هذا جاهل مُرَكَّب، يغلظ عليه، ويُبين له، هذا ما يقال في أمور الدين: قشور! كلها لبّ، وكلها خير، وكلها هدى، فهذا من جهله وقلَّة بصيرته.

س: هو ينتسب إلى الدُّعاة؟

ج: ولو، ولو، يُوضّح له أنَّ هذا خطأ كبير، وهذا غلط عظيم، فليتُبْ إلى الله وليستغفر.

بَابُ مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ

5480- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ، أَوْ ضَارِيَةٍ، نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ.

الشيخ: أيش قال على ضارية؟

الطالب: قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ) يُقَالُ: اقْتَنَى الشَّيْءَ إِذَا اتَّخذهُ للادِّخار، ذكر فِيهِ حَدِيث ابن عُمَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ عَنْهُ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ: إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، وَفِي الثَّالِثَةِ: إِلَّا كلب مَاشِيَة أَو ضاريًا، الرِّوَايَة الثَّانِيَةُ تُفَسِّرُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ، فَالْأُولَى إِمَّا لِلِاسْتِعَارَةِ عَلَى أَنَّ "ضَارِيًا" صِفَةٌ لِلْجَمَاعَةِ الضَّارِينَ أَصْحَابِ الْكِلَابِ الْمُعْتَادَةِ الضَّارِيَةِ عَلَى الصَّيْدِ، يُقَالُ: "ضَرَا عَلَى الصَّيْدِ ضَرَاوَةً" أَيْ: تَعَوَّدَ ذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وَضَرَا الْكَلْبُ، وَأَضْرَاهُ صَاحِبُهُ أَيْ: عَوَّدَهُ وأغراه بالصيد، وَالْجمع: ضوار.

وَأما التَّناسب لِلَفْظِ "مَاشِيَةٍ" مِثْلُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَا تَلَيْتَ وَالْأَصْلُ: تَلَوْتَ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ فِيهَا حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "أَوْ كَلْبًا ضَارِيًا"، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: "إِلَّا كَلْبَ ضَارِي" بِالْإِضَافَةِ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ، أَوْ لَفْظُ "ضَارِي" صِفَةٌ لِلرَّجُلِ الصَّائِدِ، أَيْ: إِلَّا كَلْبَ رَجُلٍ مُعْتَادٍ لِلصَّيْدِ، وَثُبُوتُ الْيَاءِ فِي الِاسْمِ الْمَنْقُوصِ مَعَ حَذْفِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنْهُ لُغَة.

س: .............؟

ج: الحرث والماشية والصيد، ثلاثة أشياء.

5481- حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ.

5482- حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ ضَارِيًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ.

الشيخ: ولعلَّ السر في ذلك -والله أعلم- أنه يُؤذي بنباحه وبإزعاجه للناس، وبتنجيسه للأواني، فهو شرٌّ، لكن عند الحاجة للصيد، وعند الحاجة للحرث، وعند الحاجة للماشية اغتُفر هذا؛ لأنهم بحاجةٍ إليه، وعند عدم الثلاثة فلا حاجةَ، فلهذا جاء التَّحذير منه، وأنه ينقص من أجر الإنسان كل يوم قيراطان، معناه: سهمان من أربعة وعشرين سهمًا، ويحتمل غير ذلك، لكن المشهور عند العلماء أن القيراط سهمٌ من أربعة وعشرين سهمًا، يعني: مجموع أجره ومجموع عمله في اليوم والليلة ينقص منه سهمان من أربعة وعشرين سهمًا، وقيل: من عشرين سهمًا.

فالحاصل أنَّ هذا تنفيرٌ منه وتحذيرٌ من استعماله واقتنائه، ويدخل في هذا حماية الدور، وحراسة الدور، فإنها ليست من الثلاثة، وهكذا اقتناؤه لغير هذا من أي سببٍ، وقال قوم: بل يُقاس عليها ما هو أولى منها، ولما هو أشد حاجةٍ منها. وهو محل نظرٍ، تقدم البحثُ في هذا.

س: .............؟

ج: الظاهر -والله أعلم- أنَّ هذا كان أولًا، ثم زيد في التَّحذير.

س: ومَن لم يكن له أجر؟

ج: على كل حال، هذا شيء قبيح، وينبغي تركه، والذي ما له أجر من باب أولى يزيده شرًّا.

بَابُ إِذَا أَكَلَ الكَلْبُ

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ [المائدة:4] الصَّوَائِدُ وَالكَوَاسِبُ، اجْتَرَحُوا [الجاثية:21]: اكْتَسَبُوا، تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: سَرِيعُ الحِسَابِ [المائدة:4].

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "إِنْ أَكَلَ الكَلْبُ فَقَدْ أَفْسَدَهُ، إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، فَتُضْرَبُ وَتُعَلَّمُ حَتَّى يَتْرُكَ"، وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: "إِنْ شَرِبَ الدَّمَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ".

الشيخ: شرب الدم ليس بأكلٍ.

5483- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيَانٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الكِلابِ؟ فَقَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كِلابَكَ المُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلا تَأْكُلْ.

س: موضع الكلب الذي يُمسكه بأسنانه يُلْقَى؟

ج: لا، ما يُلقى، هذا مما أباحه الله، ولهذا ما أمر الرسول بإلقائه ولا بغسله أيضًا، هذا مما عُفي عنه.

بَابُ الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً

5484- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا خَالَطَ كِلابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَيّهَا قَتَلَ، وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي المَاءِ فَلا تَأْكُلْ.

5485- وَقَالَ عَبْدُالأَعْلَى: عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيٍّ: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَقْتَفِرُ أَثَرَهُ اليَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ، ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ، قَالَ: يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ.

الشيخ: "يفتقر" ضبطه؟

الطالب: قال: قَوْلُهُ: "فَيَفْتَقِرُ" بِفَاءٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ قَافٍ، أَيْ: يَتْبَعُ فَقَارَهُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْهُ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ اقْتَصَرَ ابنُ بَطَّالٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: "فَيَقْتَفِي" أَيْ: يَتْبَع، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَالْأَصِيلِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ: "فَيَقْفُو" وَهِيَ أَوْجَهُ.

الشيخ: يعني: ما وجد فيه أثرًا آخر، [ما] وجد فيه إلا سهمه، فالظاهر أنه مات بسهمه، ولهذا يأكل، أما إذا وجد فيه سهمًا آخر فلا.

بَابُ إِذَا وَجَدَ مَعَ الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ

5486- حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ، فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَأَكَلَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، قُلْتُ: إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي، أَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، لا أَدْرِي أَيّهُمَا أَخَذَهُ؟ فَقَالَ: لا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ.

وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ، فَقَالَ: إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلا تَأْكُلْ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّصَيُّدِ

5487- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنِي ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهَذِهِ الكِلابِ، فَقَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كِلابَكَ المُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلا تَأْكُلْ.

5488- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الكِتَابِ، نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي المُعَلَّمِ وَالَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا، فَأَخْبِرْنِي: مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الكِتَابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ: فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ: فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ.

5489- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَوْا عَلَيْهَا حَتَّى لَغِبُوا، فَسَعَيْتُ عَلَيْهَا حَتَّى أَخَذْتُهَا، فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِوَرِكَيْهَا أَوْ فَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ.

5490- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، ثُمَّ سَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطًا فَأَبَوْا، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ.

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟.

الشيخ: وهذا في الدلالة على أنَّ الصيد يُباح للمُحرم إذا كان ما صاده، ولا ساعد عليه، فإنه يأكل، ولهذا أكلوا من صيد أبي قتادة، وسمَّاه النبيُّ طعمةً، وأخذ مما بقي من الصيد معهم، فهذا يدل على حلِّه للمُحرم، وإنما يحرم عليه إذا كان ساعد فيه، أو صاده بنفسه، أو صيد لأجله.

فالأحوال أربع، يحل في واحدةٍ، ويحرم في ثلاثٍ: إذا صاده الحلالُ حلَّ للمُحرم، إذا كان لم يُشر، ولم يعن، ولم يُصد لأجله، ويحرم عليه في ثلاثٍ: إذا صاده، أو أعان عليه، أو صيد لأجله.

س: .............؟

ج: لا، صيد المحرم ميتة، مثل صيد الكلب الذي ما هو مُعلَّمًا، ميتة، أما إذا صاده حيًّا ما يُخالف.

س: ............؟

ج: لا، لكنها رواية شاذة مخالفة للأحاديث الصَّحيحة فلا تُعتمد، الأحاديث الصَّحيحة دالة على أنه إذا أكل ما أمسك على صاحبه، إنما أمسك على نفسه.

س: .............؟

ج: إذا كان يضرّ الناس ما يجوز اقتناؤه، يكون كلبًا عقورًا.

س: ولكنه خائف؟

ج: ولو خائف، يعني: يسعى لنفسه فيما يضرّ الناس.

س: لكنه يحرسه في الليل؟

ج: ولو، ما دام يضرّ الناس ما يقتنيه، أما إن كان لا، إنما نبح، وإلا مربوط ما يضرّ الناس، يُنبه بالنبح لا بأس، أما كونه يضرّ؛ من مرَّ عقره، هذا ما يجوز.

س: ............؟

ج: في المتن، الإسناد لا بأس به، لكنه ضعيف من جهة الشُّذوذ.

س: ولو ربط الكلب؟

ج: الظاهر لو ربط الكلب ما يضرّ ..... إذا دعت الحاجةُ إليه، لكن ظاهر السنة المنع إلا من هذه الثلاثة.

بَابُ التَّصَيُّدِ عَلَى الجِبَالِ

5492- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الجُعْفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو: أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ.

الشيخ: أبو صالح ضعيف، لكن ذكره مقرونًا مع نافع، وليس من رجاله، تكلَّم عليه الشارح؟

الطالب: قَوْلُهُ: (وَأَبِي صَالِحٍ) هُوَ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وَاسْمُهُ نَبْهَانُ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَقَرَنَهُ بِنَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، وَغَفَلَ الدَّاوُدِيُّ فَظَنَّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ هَذَا هُوَ وَلَدُهُ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ فَقَالَ: إِنَّهُ تَغَيَّرَ بِآخِرَةٍ، فَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ قَدِيمًا مِثْلُ: ابن أَبِي ذِئْبٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ؛ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: أَنَّ أَبَا أَحْمَدَ كَتَبَ عَلَى حَاشِيَةِ نُسْخَتِهِ مُقَابِلَ "وَأَبِي صَالِحٍ": هَذَا خَطَأٌ، يَعْنِي: أَنَّ الصَّوَابَ عَنْ نَافِعٍ وَصَالِحٍ، قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ كَمَا ظَنَّ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ لِنَبْهَانَ، لَا لِابْنِهِ صَالِحٍ.

وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُالْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، فَقَالَ: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ نَافِعٍ وَأَبِي صَالِحٍ، وَهُوَ وَالِدُ صَالِحٍ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلِذَلِكَ غَلِطَ فِيهِ.

وَالتَّوْأَمَةُ ضُبِطَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ، حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ، قَالَ: وَالصَّوَابُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْقُلُ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ فَيَفْتَحُ بِهَا الْوَاو، وَحكى ابن التِّينِ: التُّوَمَةُ بِوَزْنِ الْحُطَمَةِ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الضَّمَّةَ أَصْلُ مَا حُكِيَ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ.

سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَأَنَا رَجُلٌ حِلٌّ عَلَى فَرَسٍ، وَكُنْتُ رَقَّاءً عَلَى الجِبَالِ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ مُتَشَوِّفِينَ لِشَيْءٍ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ، فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: لا نَدْرِي، قُلْتُ: هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ، فَقَالُوا: هُوَ مَا رَأَيْتَ، وَكُنْتُ نَسِيتُ سَوْطِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي سَوْطِي، فَقَالُوا: لا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ ضَرَبْتُ فِي أَثَرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا ذَاكَ حَتَّى عَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ إِلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: قُومُوا فَاحْتَمِلُوا، قَالُوا: لا نَمَسُّهُ، فَحَمَلْتُهُ حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ، فَأَبَى بَعْضُهُمْ، وَأَكَلَ بَعْضُهُمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَنَا أَسْتَوْقِفُ لَكُمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَدْرَكْتُهُ فَحَدَّثْتُهُ الحَدِيثَ، فَقَالَ لِي: أَبَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: كُلُوا، فَهُوَ طُعْمٌ أَطْعَمَكُمُوهُ اللَّهُ.

 

س: قولهم: "هو ما رأيتَ" ما فيه إشارة؟

ج: يسأل هو وإلا ما هو، ما في شيء، الظاهر ما هي إشارة.

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ [المائدة:96]

وَقَالَ عُمَرُ: "صَيْدُهُ: مَا اصْطِيدَ، وَ طَعَامُهُ: مَا رَمَى بِهِ".

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "الطَّافِي حَلالٌ".

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "طَعَامُهُ: مَيْتَتُهُ، إِلَّا مَا قَذِرْتَ مِنْهَا، وَالجِرِّيُّ لا تَأْكُلُهُ اليَهُودُ، وَنَحْنُ نَأْكُلُهُ.

الشيخ: أيش قال على الجري؟

الطالب: قَوْلُهُ: "وَالْجَرِّيُّ لَا تَأْكُلُهُ الْيَهُودُ، وَنَحْنُ نَأْكُلُهُ" وَصَلَهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِالْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَن ابن عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجَرِّيِّ فَقَالَ: "لَا بَأْس بِهِ، إِنَّمَا هُوَ شَيْء كرهته الْيَهُود".

وَأخرجه ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ بِهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَته: سَأَلتُ ابن عَبَّاسٍ عَنِ الْجَرِّيِّ فَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا تُحَرِّمُهُ الْيَهُودُ، وَنَحْنُ نَأْكُلُهُ"، وَهَذَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ وَطَائِفَةٍ نَحْوَهُ.

والجري: بِفَتْح الْجِيم، قَالَ ابنُ التِّينِ: وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ -وَهُوَ ضَبْطُ الصِّحَاحِ- وَكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ. قَالَ: وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الجريت، وَهُوَ مَا لَا قِشْرَ لَهُ. قَالَ: وَقَالَ ابنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَا أَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ أَنه من الممسوخ.

وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الجريت نَوْعٌ مِنَ السَّمَكِ يُشْبِهُ الْحَيَّاتِ، وَقِيلَ: سَمَكٌ لَا قِشْرَ لَهُ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْمَرْمَاهِي، وَالسِّلَّوْرُ مِثْلُهُ.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ ضَرْبٌ مِنَ السَّمَكِ يُشْبِهُ الْحَيَّاتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: نَوْعٌ عَرِيضُ الْوَسَطِ، دَقِيقُ الطَّرَفَيْنِ.

الشيخ: والأصل مثلما قال جلَّ وعلا: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا [المائدة:96]، فهو عام، وفي الحديث الآخر: الطهور ماؤه، الحلُّ ميتته.

الطالب:

وَقَالَ شُرَيْحٌ -صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ: "كُلُّ شَيْءٍ فِي البَحْرِ مَذْبُوحٌ".

الشيخ: يعني: حلّ في حكم المذبوح، ما في ميتة يعني. أيش قال على شريح؟

الطالب: قَوْلُهُ: وَقَالَ شُرَيْحٌ -صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ: "كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ مَذْبُوحٌ"، وَقَالَ عَطَاءٌ: "أَمَّا الطَّيْرُ فَأَرَى أَنْ تَذْبَحَهُ" وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي "التَّارِيخ" وابن مَنْدَه فِي "الْمعرفَة" من رِوَايَة ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا شُرَيْحًا صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ مَذْبُوحٌ"، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَطَاءٍ فَقَالَ: أَمَّا الطَّيْرُ فَأَرَى أَنْ تَذْبَحَهُ.

وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي "الصَّحَابَةِ" مَرْفُوعًا، مِنْ حَدِيثِ شُرَيْحٍ، وَالْمَوْقُوف أصح.

وَأخرجه ابنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي "الْأَطْعِمَةِ" مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: سَمِعْتُ شَيْخًا كَبِيرًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا فِي الْبَحْرِ دَابَّةٌ إِلَّا قَدْ ذَبَحَهَا اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ.

وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ –رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَبَحَ كُلَّ مَا فِي الْبَحْرِ لِبَنِي آدَمَ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابن عُمَرَ –رَفَعَهُ- نَحْوَهُ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا.

وَأَخْرَجَ عَبْدُالرَّزَّاقِ بِسَنَدَيْنِ جَيِّدَيْنِ عَنْ عُمَرَ، ثُمَّ عَنْ عَلِيٍّ: "الْحُوتُ ذَكِيٌّ كُلُّهُ".

تَنْبِيهٌ: سَقَطَ هَذَا التَّعْلِيق من رِوَايَة أبي زيد وابن السَّكَنِ وَالْجُرْجَانِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: "وَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ"، وَهُوَ وَهْمٌ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عَليٍّ الجياني، وَتَبعهُ عِيَاضٌ وَزَادَ: وَهُوَ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ أَبُو هَانِئٍ، كَذَا قَالَ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَشُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَأَمَّا هُوَ فَلَهُ إِدْرَاكٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ سَمَاعٌ وَلَا لِقَاءٌ، وَأَمَّا شُرَيْحٌ الْمَذْكُورُ فَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "التَّارِيخِ" وَقَالَ: لَهُ صُحْبَةٌ. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَغَيره.

الشيخ: فقط؟ ما سمَّى أباه؟

الطالب: لا.

س: قوله: "أما الطير فأرى أن تذبحه" ...؟

ج: هذا قول عطاء، يعني: من صيد البحر، إذا كان مما يعيش في البحر، فإذا خرج ميتًا فما عاد يحتاج ذبحًا، أما إذا خرج حيًّا -صاده حيًّا- يمكن [أن] يقال بذبحه، لكن الغالب أن السمك متى خرج قليلًا يموت، متى فارق الماء يموت.

الطالب: العيني ..؟

الشيخ: نعم.

الطالب: هَذَا التَّعْلِيق لم يثبت فِي رِوَايَة أبي زيد وَابْن السكن والجرجاني، وَإِنَّمَا ثَبت فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَقَالَ: "أَبُو شُرَيْح"، وَهُوَ وهم، نبَّه على ذَلِك أَبُو عَليٍّ الغساني، وَقَالَ مثله عِيَاض وَزَاد: وَهُوَ شُرَيْح بن هانئٍ، وَالصَّوَاب أَنه غَيره، وَهُوَ شُرَيْح بن هانئ بن يزِيد بن كَعْب الْحَارِثِيِّ، جاهلي، إسلامي، يكنى: أَبَا الْمِقْدَام، وَأَبوهُ هانئ بن يزِيد لَهُ صُحْبَة، وَأما ابْنه شُرَيْح فَلهُ إِدْرَاك، وَلم يثبت لَهُ سَماع وَلَا لقي، وَشُرَيْح الْمَذْكُور هُنَا هُوَ الَّذِي ذكره أَبُو عمر فَافْهَم.

وَقَالَ الجياني: الحَدِيث مَحْفُوظ لشريح، لَا لأبي شُرَيْح.

وَكَذَا ذكره البُخَارِيُّ فِي "تَارِيخه" عَن مُسَدّد: حَدثنَا يحيى بن سعيد، عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي عَمْرو وَأَبُو الزبير: سمعا شريحًا.

وَقَالَ أَبُو عمر: شُرَيْح رجلٌ من الصَّحَابَة حجازي، روى عَنهُ أَبُو الزبير، وَعَمْرو بن دِينَار، سمعاه يُحدِّث عَن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: "كل شَيْءٍ فِي الْبَحْر مَذْبُوح، ذبح الله لكم كل دَابَّةٍ خلقهَا فِي الْبَحْر"، قَالَ أَبُو الزبير وَعَمْرو بن دِينَار: وَكَانَ شُرَيْح هَذَا قد أدْرَك النَّبِيَّ ﷺ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَهُ صُحْبَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ ذكرٌ إلَّا فِي هَذَا الْموضع.

الشيخ: في "التقريب" قال شيئًا؟

الطالب: شريح الحجازي له صُحبة وحديث (خت).

الشيخ: فقط؟

الطالب: نعم.

وَقَالَ عَطَاءٌ: "أَمَّا الطَّيْرُ فَأَرَى أَنْ يَذْبَحَهُ"، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: صَيْدُ الأَنْهَارِ وَقِلاتِ السَّيْلِ، أَصَيْدُ بَحْرٍ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، ثُمَّ تَلا: هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا [فاطر:12]. وَرَكِبَ الحَسَنُ عَلَى سَرْجٍ مِنْ جُلُودِ كِلابِ المَاءِ.

الشيخ: "قلات" هذا اسم قديم، جمع: قلاة، وهي جمع المياه -جمع مياه السيل- تكلم عليها الشارح؟

الطالب: قَوْله: (وَقَالَ ابن جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: صَيْدُ الْأَنْهَارِ وَقِلَات السَّيْلِ، أَصَيْدُ بَحْرٍ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، ثُمَّ تَلَا: هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) وَصله عبدُالرَّزَّاق فِي "التَّفْسِير" عَن ابن جُرَيْجٍ بِهَذَا سَوَاءً.

وَأَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ "مَكَّةَ" مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِالْمَجِيدِ بْنِ أَبِي دَاوُد، عَن ابن جُرَيْجٍ أَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَفِيهِ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ حِيتَانِ بِرْكَةِ الْقُشَيْرِيِّ -وَهِيَ بِئْرٌ عَظِيمَةٌ فِي الْحرم- أتصاد؟ قَالَ: "نعم"، وَسَأَلته عَن ابن الْمَاءِ وَأَشْبَاهِهِ: أَصَيْدُ بَحْرٍ أَمْ صَيْدُ بَرٍّ؟ فَقَالَ: "حَيْثُ يَكُونُ أَكْثَرَ فَهُوَ صَيْدٌ".

وَقِلَاتٌ: بِكَسْرِ الْقَافِ، وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ مُثَلَّثَة، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، جَمْعُ: قَلْتٍ -بِفَتْحِ أَوَّلِهِ- مِثْلُ: بَحْرٍ وَبِحَارٍ، هُوَ النُّقْرَةُ فِي الصَّخْرَةِ يَسْتَنْقِعُ فِيهَا الْمَاءُ.

الشيخ: يكفي، أقول: لعموم الأدلة ما عاش في الماء فهو صيدٌ.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: "لَوْ أَنَّ أَهْلِي أَكَلُوا الضَّفَادِعَ لَأَطْعَمْتُهُمْ"، وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بِالسُّلَحْفَاةِ بَأْسًا.

 

الشيخ: الضَّفادع جاء فيها نهي خاصٌّ في النهي عن قتلها، مُستثناة وإن عاشت في الماء، لكنها منهي عن قتلها.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "كُلْ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ نَصْرَانِيٍّ أَوْ يَهُودِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ".

الشيخ: يعني: أحلّ صيد البحر من جهة اليهود أو النصارى أو غيرهم.

وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي المُرِي: "ذَبَحَ الخَمْرَ النِّينَانُ وَالشَّمْسُ".

الشيخ: وأيش قال عليه؟

الطالب: قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي الْمُرْيِ: "ذَبَحَ الْخَمْرَ النِّينَانُ وَالشَّمْسُ") قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: ذَبَحَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَنَصْبُ رَاءِ الْخَمْرِ عَلَى أَنَّهُ الْمَفْعُولُ. قَالَ: وَيُرْوَى بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَالْخَمْرُ بِالْكَسْرِ أَيْ: تَطْهِيرهَا.

قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَهَذَا الْأَثَرُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ" لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَذَكَرَهُ سَوَاءً، قَالَ الْحَرْبِيُّ: هَذَا مُرْيٌ يُعْمَلُ بِالشَّامِ، يُؤْخَذُ الْخَمْرُ فَيُجْعَلُ فِيهِ الْمِلْحُ وَالسَّمَكُ، وَيُوضَعُ فِي الشَّمْسِ فَيَتَغَيَّرُ عَنْ طَعْمِ الْخَمْرِ.

وَأَخْرَجَ أَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ فِي "الْكُنَى" مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ فِي مُرْيِ النِّينَانِ: غَيَّرَتْهُ الشَّمْسُ.

وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: "لَا بَأْسَ بِالْمُرْيِ ذَبَحَتْهُ النَّارُ وَالْمِلْحُ"، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ مُغَلْطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَاعْتَرَضُوا عَلَى جَزْمِ الْبُخَارِيِّ بِهِ، وَمَا عَثَرُوا عَلَى كَلَامِ الْحَرْبِيِّ، وَهُوَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ جَزْمًا.

وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء كَانَ يَأْكُلُ الْمُريَ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الْخَمْرُ، وَيَقُولُ: ذَبَحَتْهُ الشَّمْسُ وَالْمِلْحُ.

وَأَخْرَجَهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِآخَرَ، فَذَكَرَ قِصَّةً فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمُرْيِ، فَأَتَيَا أَبَا الدَّرْدَاء فَسَأَلَاهُ، فَقَالَ: ذَبَحَتْ خَمْرَهَا الشَّمْسُ وَالْمِلْحُ وَالْحِيتَانُ.

وَرُوِّينَاهُ فِي جُزْءِ إِسْحَاقَ بْنِ الْفَيْض من طَرِيق عَطاء الخرساني قَالَ: سُئِلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنْ أَكْلِ الْمُرْيِ فَقَالَ: "ذَبَحَتِ الشَّمْسُ سَكَرَ الْخَمْرِ، فَنَحْنُ نَأْكُلُ لَا نَرَى بِهِ بَأْسًا".

قَالَ أَبُو مُوسَى فِي ذَيْلِ "الْغَرِيبِ": عَبَّرَ عَنْ قُوَّةِ الْمِلْحِ وَالشَّمْسِ وَغَلَبَتِهِمَا عَلَى الْخَمْرِ وَإِزَالَتِهِمَا طَعْمَهَا وَرَائِحَتَهَا بِالذَّبْحِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النِّينَانَ دُونَ الْمِلْحِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِدُونِهِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ النِّينَانَ وَحْدَهَا هيَ الَّتِي خَلَّلَتْهُ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِمَّنْ يُفْتِي بِجَوَازِ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: إِنَّ السَّمَكَ بِالْآلَةِ الَّتِي أُضِيفَتْ إِلَيْهِ يَغْلِبُ عَلَى ضَرَاوَةِ الْخَمْرِ، وَيُزِيلُ شِدَّتَهَا، وَالشَّمْسُ تُؤَثِّرُ فِي تَخْلِيلِهَا فَتَصِيرُ حَلَالًا. قَالَ: وَكَانَ أَهْلُ الرِّيفِ مِنَ الشَّامِ يَعْجِنُونَ الْمُرْيَ بِالْخَمْرِ، وَرُبَّمَا يَجْعَلُونَ فِيهِ أَيْضًا السَّمَكَ الَّذِي يُرَبَّى بِالْمِلْحِ وَالْأَبْزَارِ مِمَّا يُسَمُّونَهُ الصَّحْنَاءَ، وَالْقَصْدُ مِنَ الْمُرْيِ هَضْمُ الطَّعَامِ، فَيُضِيفُونَ إِلَيْهِ كُلَّ ثَقِيفٍ أَوْ حِرِّيفٍ؛ لِيَزِيدَ فِي جَلَاءِ الْمَعِدَةِ وَاسْتِدْعَاءِ الطَّعَامِ بِحَرَافَتِهِ.

وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَأْكُلُونَ هَذَا الْمُرْيَ الْمَعْمُولَ بِالْخَمْرِ، وَأَدْخَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي طَهَارَةِ صَيْدِ الْبَحْرِ، يُرِيدُ أَنَّ السَّمَكَ طَاهِرٌ حَلَالٌ، وَأَنَّ طَهَارَتَهُ وَحِلَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ كَالْمِلْحِ، حَتَّى يَصِيرَ الْحَرَامُ النَّجِسُ بِإِضَافَتِهَا إِلَيْهِ طَاهِرًا حَلَالًا، وَهَذَا رَأْيُ مَنْ يُجَوِّزُ تَحْلِيلَ الْخَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاء وَجَمَاعَة.

وَقَالَ ابن الْأَثِيرِ فِي "النِّهَايَةِ": اسْتَعَارَ الذَّبْحَ لِلْإِحْلَالِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: كَمَا أَنَّ الذَّبْحَ يُحِلُّ أَكْلَ الْمَذْبُوحَةِ دُونَ الْمَيْتَةِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إِذَا وُضِعَتْ فِي الْخَمْرِ قَامَتْ مَقَامَ الذَّبْحِ فَأَحَلَّتْهَا.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يُرِيدُ أَنَّهَا حَلَّتْ بِالْحُوتِ الْمَطْرُوحِ فِيهَا وَطَبْخِهَا بِالشَّمْسِ، فَكَانَ ذَلِكَ كَالذَّكَاةِ لِلْحَيَوَانِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى "ذَبَحَتْهَا" أَبْطَلَتْ فِعْلَهَا.

وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي النَّوْعِ الْعِشْرِينَ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيث ابن وهبٍ، عَن يُونُس، عَن ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ ابْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: "اجْتَنِبُوا الْخمر فَإِنَّهَا أم الْخَبَائِث". قَالَ ابن شِهَابٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا خَيْرَ فِي الْخَمْرِ، وَأَنَّهَا إِذَا أُفْسِدَتْ لَا خَيْرَ فِيهَا، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُفْسِدُهَا، فيطيب حِينَئِذٍ الْخلّ.

الشيخ: هذا المذكور عن أبي الدرداء محل نظر، ويحتمل والله أعلم أنه ما أراد أنه يتعمَّد، لكن لو وقع، أما التعمد: فالحديث نصَّ في المنع فيما رواه مسلم في "الصحيح" عن أنسٍ : أنه سُئل عن الخمر تُتَّخذ خلًّا، قال: "لا"، لا يجوز تخليلها، لكن لو وقع فيها سمك، وقع فيها شيء وتخلَّلت حلَّت من غير قصدٍ.

أما إن كان أبو الدرداء رأى حلَّها بذلك: فلعله خفي عليه الحديث، يكون أبو الدرداء لم يسمع حديث أنسٍ، خفي عليه فاعتقد أنها إذا تخلَّلت ولو بالعمد بالشمس أو بالملح حلَّت، هذا غريبٌ له، فاته فيه الحديث.

والصواب أنها تحرم إذا خلّلت: سواء بالملح، أو بالسمك، أو بغير هذا، أو بالشمس، المقصود أنها لا تخلل، يجب إتلافها وإراقتها متى اشتدَّت، وليس للمسلم أن يُخللها حتى يشربها، لا بالملح، ولا بالسمك، ولا بالشمس، ولا بغير ذلك، بل يجب إتلافها.

س: أيش هو حديث أنس؟

ج: ...... سُئل عن الخمر تُتَّخذ خلًّا، قال: لا، رواه مسلم والترمذي.

س: تخليلها إفسادٌ لها؟

ج: يعني: إبطال لها، إبطال لشدَّتها، يعني: من هذه الحيثية إبطال مفعولها من جهة السكر.

س: النينان ما هو؟

ج: ما أدري.

الطالب: ذكره هنا.

الشيخ: وأيش قال؟

الطالب: قَالَ ابنُ وهب: وَسمعتُ مَالِكًا يَقُول: سَمِعت ابن شهَاب يُسأل عَنْ خَمْرٍ جُعِلَتْ فِي قُلَّةٍ، وَجُعِلَ مَعَهَا مِلْحٌ وَأَخْلَاطٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ تُجْعَلُ فِي الشَّمْسِ حَتَّى تعود مريًا.

الشيخ: يعني: حتى تعود مهضمًا، تعود خلًّا، مري يعني: شراب مهضم؛ لأن الحامض من الخلول يهضم.

الطالب: فَقَالَ ابنُ شِهَابٍ: شَهِدْتُ قَبِيصَةَ يَنْهَى أَنْ يُجْعَلَ الْخَمْرُ مُرْيًا إِذَا أُخِذَ وَهُوَ خَمْرٌ.

قُلْتُ: وَقَبِيصَةُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ، وَوُلِدَ هُوَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ لِذَلِكَ، وَهَذَا يُعَارِضُ أَثَرَ أَبِي الدَّرْدَاءِ الْمَذْكُورَ، وَيُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِهِ.

وَالنِّينَانُ بِنُونَيْنِ: الْأُولَى مَكْسُورَةٌ، بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، جَمْعُ نُونٍ، وَهُوَ الْحُوتُ.

وَالْمُرْيُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ، وَضُبِطَ فِي "النِّهَايَةِ" تَبَعًا لِلصِّحَاحِ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، نِسْبَةً إِلَى الْمُرِّ، وَهُوَ الطَّعْمُ الْمَشْهُورُ، وَجَزَمَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بِالْأَوَّلِ، وَنَقَلَ الْجَوَالِيقِيُّ فِي لَحْنِ الْعَامَّةِ أَنَّهُمْ يُحَرِّكُونَ الرَّاءَ، وَالْأَصْلُ بِسُكُونِهَا.

5493- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: "غَزَوْنَا جَيْشَ الخَبَطِ، وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى البَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، يُقَالُ لَهُ: العَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ".

5494- حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: "بَعَثَنَا النَّبِيُّ ﷺ ثَلاثَمِئَةِ رَاكِبٍ، وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الخَبَطَ".

الشيخ: يعني: أخذ الساحل من جهة ينبع وما حولها.

"فَسُمِّيَ: جَيْشَ الخَبَطِ، وَأَلْقَى البَحْرُ حُوتًا يُقَالُ لَهُ: العَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا بِوَدَكِهِ، حَتَّى صَلَحَتْ أَجْسَامُنَا".

الشيخ: ثلاثمئة شخص العنبر كفاهم هذه المدة الطويلة، وفي الرواية الأخرى: شهر، أو قرب شهر وهم يأكلون منه، ومع هذا بقي معهم بقية كالجبل، كأنه جبل.

س: من بركته أو من عظمته؟

ج: بركة وعظمة، هو حيوان عظيم، حتى دخل في ..... اثنا عشر رجلًا في ..... العين.

قَالَ: "فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلاعِهِ فَنَصَبَهُ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ، وَكَانَ فِينَا رَجُلٌ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الجُوعُ نَحَرَ ثَلاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ ثَلاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ".

الشيخ: المعنى: نحرها لقومه ليأكلوا، من شدة الجوع، سماه بعضهم: قيس بن سعد بن عبادة ، كان من الأجواد كأبيه. تكلم على الرجل؟

الطالب: قال: وهذا الرجل هو قيس بن سعد بن عبادة كما تقدم إيضاحه في "المغازي".

بَابُ أَكْلِ الجَرَادِ

5495- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ سِتًّا، كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الجَرَادَ". قَالَ سُفْيَانُ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَإِسْرَائِيلُ: عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَن ابْنِ أَبِي أَوْفَى: "سَبْعَ غَزَوَاتٍ".

بَابُ آنِيَةِ المَجُوسِ وَالمَيْتَةِ

5496- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الخَوْلانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ الكِتَابِ، فَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي المُعَلَّمِ، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ أَهْلِ كِتَابٍ: فَلا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إِلَّا أَنْ لا تَجِدُوا بُدًّا، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ صَيْدٍ: فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْهُ.

5497- حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلامَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ؟ قَالُوا: لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، قَالَ: أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا، وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوْ ذَاكَ.

الشيخ: المذبوحة على غير الشرع تكون ميتةً، فتُغسل الأواني بعدها، وقوله: واكسروها فيه الغضب في إنكار المنكر، ثم نسخ الأمر في الحال فقال: أو ذاك يعني: اغسلوها ويكفي، وهذا فيه دلالة على وجوب غسل الأواني من آثار النَّجاسات، ووجوب الاحتياط في ذلك؛ لأنه قال في أهل الكتاب: فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها؛ لأنها مظنَّة غالبة لوجود النَّجاسات من الخمور والميتات، وفي حكم الميتة.

فالحاصل أن أواني الكفار تُستعمل عند الحاجة إليها بعد غسلها، وما يكون أصابته نجاسة من لحم ميتة، أو مذكّى على طريق [غير] شرعي، أو بول، أو غائط، أو غير هذا؛ يكفيه الغسل والحمد لله.

س: قوله: لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا بدًّا؟

ج: مثلما في اللفظ الآخر: إلا أن لا تجدوا غيرها يعني معناها: البُعد عنها؛ لأنه قد يتساهل بعضُ الناس فيأخذها ويأكل فيها ولا يغسلها، فيدل الحديث على أنَّ البُعد عنها هو الذي ينبغي، لكن إذا دعت الحاجةُ تغسل، هذا كله إذا كانت لهم على حسابهم، أما إذا كانت لنا واشتريناها نغسلها.

س: مفهومه أنه لا تُستعمل إلا عند الحاجة؟

ج: عند الحاجة نعم، عند عدم غيرها.

س: لو وجد غيرها وأراد أن يغسلها؟

ج: ظاهر الحديث أنه لا يستعملها؛ لأنها مظنة التَّساهل، الناس يتساهلون في هذه الأمور.

س: إذا كان هذا في أوانيهم فكيف مطاعمهم ..؟

ج: مثلما أباح الله طعامهم، النبي أجاب دعوةَ أهل الكتاب، إذا علمتَ أنه محرَّم فلا تأكل، وأما إذا لم تعلم فالأصل الإباحة.

س: .............؟

ج: الله أباح طعام أهل الكتاب، فإذا وجدت فيه شيئًا فدع، وإلا فالأصل حلُّه.

بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَمَنْ تَرَكَ مُتَعَمِّدًا

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مَنْ نَسِيَ فَلا بَأْسَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121]، وَالنَّاسِي لا يُسَمَّى: فَاسِقًا، وَقَوْلُهُ: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ.

5498- حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا القُدُورَ، فَدُفِعَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَمَرَ بِالقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ.

الشيخ: دُفع إليهم وإلا دَفع إليهم.

الطالب: دُفع.

الشيخ: ضبطها الشارح.

الطالب: قَوْلُهُ: (فَدُفِعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ) دُفِعَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ: "فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.

ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، وَكَانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا، قَالَ: وَقَالَ جَدِّي: إِنَّا لَنَرْجُو -أَوْ نَخَافُ- أَنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ فَقَالَ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ.

الشيخ: فيه دلالة على أنَّ الأوابد تُقتل بما تيسر، مثل: الشوارد التي يعجزون عن إمساكها ويخشون فواتها تُرمى كالصيد، وتحلّ إذا قُتلت، إذا كانت حيةً ذبحها، وإن كانت ميتةً حلَّت كالصيد؛ لأنها بشرودها صارت كالصيد، وهكذا ما يسقط في بئرٍ ولا يتمكَّنون من ذبحه يُرمى أو يُطعن بالرمح حتى يُذكَّى قبل أن يموت...

س: ما تردَّى في بئرٍ يُضرب بالسكين؟

ج: يُضرب بالسكين، أو بالرمح، أو يُرمى رميًا.

س: أو بالبُندقية؟

ج: أو بالبندقية.

...