73 من حديث: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر..)

5545- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ الإِيَامِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، مَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ، فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ -وَقَدْ ذَبَحَ- فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً، فَقَالَ: اذْبَحْهَا، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: عَنْ عَامِرٍ، عَنِ البَرَاءِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ.
الشيخ: وهذا احتجَّ به العلماء على أن السُّنة في الأضاحي أن تكون بعد الصلاة، وأن ما يُقدم قبل الصلاة فهو لحمٌ قدَّمه الإنسانُ لأهله، واستدلَّ به العلماء على أن الأصل في الأمور العموم، وأن الأحكام عامَّة، فكونه ﷺ يُخاطب واحدًا، كما لو خاطب المئات والألوف، فالحكم يعمُّ الجميع، إلا إذا نصّ على أنَّ هذا الشيء خاصٌّ به –بفلان- مثل قوله في هذا الرجل: ولن تُجزئ عن أحدٍ بعدك، يعني الجذعة من المعز، الجذعة من المعز لا تُجزئ عن أحدٍ غير هذا الرجل، وهو أبو بردة ابن نيار، وأما الجذعة من الضَّأن فتُجزئ الجميع، فالأصل في الأحكام هو العموم، فقوله لواحدٍ هو كقوله للمئات والآلاف عليه الصلاة والسلام، سواء كان المخاطَب رجلًا أو امرأةً، إلا إذا علم أنَّ هذا الشيء يخصّ فلانًا، وإلا فالأصل العموم؛ لأنَّ الله بعثه للجميع عليه الصلاة والسلام.
س: ..........؟
ج: تقدم البحث في هذا، وأن العلماء اختلفوا: فمنهم مَن قال في حقِّهم من طلوع الفجر ..... أهل منى في الهدايا والأضاحي، وقال آخرون: بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، وهو مضي قدر الصلاة، يعني بتقدير الإنسان إذا ارتفعت الشمسُ ومضى قدرُ الصلاة ذبح البوادي والمسافرون وأهل منى، فالأحوط في هذا مثل ما قال بعضُ أهل العلم: يتأخَّر حتى تطلع الشمس، ترتفع، يمضي قدر الصلاة، ثم يذبح، وإن ذبح في أول النهار لأنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لما سُئل قالوا له: يا رسول الله، نحرتُ قبل أن أرمي؟ يعني يوم العيد، قال: لا حرج، ولم يقل له: هل نحرتَ قبل الشمس أو بعد الشمس؟ فيدل ذلك على أن الأمر يوم العيد عام لمن ليس عندهم صلاة يوم العيد، يوم الأضاحي، لو كان فيه تفصيل لسأله وقال: هل ذبحتَها قبل الشمس أو بعد الشمس؟ لكن مَن كان عنده صلاة فالحكم مربوط بالصلاة.
 

5546- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ.
 
بَاب قِسْمَةِ الإِمَامِ الأَضَاحِيَّ بَيْنَ النَّاسِ
5547- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ بَعْجَةَ الجُهَنِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ضَحَايَا، فَصَارَتْ لِعُقْبَةَ جَذَعَةٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَارَتْ لِي جَذَعَةٌ؟ قَالَ: ضَحِّ بِهَا.

الشيخ: يعني من الضَّأن.
 
بَاب الأُضْحِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ
5548- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَحَاضَتْ بِسَرِفَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ أَنَفِسْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ.

الشيخ: وهذا فيه جواز اجتماع الأضاحي مع الهدايا، وأنه لا بأس أن يُضحي ويهدي، يهدي عن التمتع ذبيحةً عن تمتعه أو أكثر، ويُضحي ضحيته المعتادة أيضًا، لا مانع من هذا وهذا، وقد ثبت في حديث أبي بكرة أن النبي ضحَّى بكبشين يوم النحر في حجَّة الوداع، وقد أهدى مئةً من الإبل عليه الصلاة والسلام.
 
بَاب مَا يُشْتَهَى مِنَ اللَّحْمِ يَوْمَ النَّحْرِ
5549- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ: مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلْيُعِدْ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ -وَذَكَرَ جِيرَانَهُ- وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ؟ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلا أَدْرِي بَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لا، ثُمَّ انْكَفَأَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَوَزَّعُوهَا، أَوْ قَالَ: فَتَجَزَّعُوهَا.

الشيخ: تقدَّم أنه قال: لن تُجزئ عن أحدٍ بعدك.
 
بَاب مَنْ قَالَ: الأَضْحَى يَوْمُ النَّحْرِ

الشيخ: والإضحى بالكسر المصدر، أضحى يُضحي إضحاء، يعني: دخل في الضُّحى.
س: لو استدلَّ الموجبون للأضاحي بهذا؛ بكون الرسول ﷺ أمر لمن ذبح قبل الصلاة أن يُضحي بأخرى مكانها بعد الصلاة، قالوا: هذا يدل على الوجوب؟
ج: الأدلة الأخرى دالة على أنه للسُّنية؛ لأنه ﷺ قال: مَن أراد أن يُضحي فلا يأخذ من شعره ...
 

5550- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ ذَا الحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلا فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ.

الشيخ: وهذه خطبة عظيمة بلَّغ فيها ﷺ هذا الأمر العظيم؛ البلدة معروفة مكة، شهر ذي الحجة معروف، ويوم النحر معروف، ولكن أراد بهذا السؤال وهذا الجواب وهذا التنويه بيان عظم تحريم الأموال والدماء والأعراض، فإن الشيء إذا أخرج بصيغة السؤال صار في ذلك تنبيه للمُستمعين، وجذب لقلوبهم، لينتبهوا؛ حتى يفهموا ما يُقال: أي بلد هذا؟ أي شهر هذا؟ أي يوم هذا؟ ثم يسكت، ثم يُجيبهم، كل ذلك لينتبهوا، ولينتبه الحاضرون، وليستمعوا، ليعلموا أن الأمر عظيم، ثم قال لهم بعد ذلك: ألا إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم، شكَّ ابنُ سيرين هنا، قال: وأحسبه، وجاء في الرواية الأخرى من غير شكٍّ بإضافة الأعراض إلى الدماء والأموال، في رواية أبي بكرة.
وجاء في رواية غيره أيضًا: إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحُرمة يومكم هذا -يوم النحر- في شهركم هذا -شهر ذي الحجة- في بلدكم هذا مكة الحرم؛ لأنَّ منى منها.
فهذا يُبين لنا عظم الأمر، وأن الواجب على المسلم أن يحذر ما حرَّم الله عليه، لا يتعدَّى على أخيه، لا نفسه: لا بضرب البشرة، ولا بسفك الدماء، ولا بغير هذا من الأذى، ولا في ماله: بالسرقة، أو الخيانة، أو بالغصب، أو بالغش، أو بغير هذا من الأمور التي تتعدى على الأموال، ولا في عرضه: بالغيبة، ولا بغير هذا من أنواع الشرور والفواحش، فالعرض محترم، والمال محترم، والنفس محترمة، فلا يجوز أن يتعدَّى على شيءٍ منها إلا بحقٍّ.
وهذا المجمع العظيم مجمع منى، وهكذا مجمع عرفات، كما خطب فيه أيضًا، هذه مجامع عظيمة جمعت الناس من سائر الأقطار، وأعظم مجمع وأكبر مجمع مجمع عرفات، ثم مجمع منى، في أيامه تجمع الأمم من الشرق والغرب والجنوب والشمال والطيب وغير ذلك، فعلى ولاة الأمور أن يُعظِّموا هذه الأيام، وأن يبلغوا فيها كما بلغ عليه الصلاة والسلام، إما بأنفسهم، وإما بواسطة أهل العلم والبصيرة؛ حتى يبلغ الناس ما أوجب الله عليهم، وما حرَّم عليهم، ولهذا قال: وإنكم ستلقون ربَّكم فيسألكم عن أعمالكم يعني: أعدوا العدَّة، أنتم مسؤولون، وقد قال الله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92- 93].
ثم قال: لا ترجعوا بعدي ضلالًا -وفي اللفظ الآخر: كفَّارًا- يضرب بعضُكم رقابَ بعضٍ يعني: لا ترجعوا بعدي تعملوا أعمال الكافرين: من سفك الدماء، والعدوان، والظلم، الزموا الحقَّ، وتمسكوا بالحقِّ، ولا يتعدى أحدٌ على أحدٍ، وهذا البلاغ العظيم قامت به الحجَّة على الأمة، وانقطعت به المعذرة في منع التعدي، وتحريم التَّعدي على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعربي والعجمي، والكافر والمؤمن، حتى الكافر لا يتعدى عليه إلا بحقٍّ: كأهل الذمة، أهل الأمان، إن كان حربيًّا عُومِل بما يقتضي، على الشرع.
 
أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ.
الشيخ: وهذا أيضًا مهم؛ تبليغ الشاهد الغائب، فله أهمية عظيمة، ومن المصائب ألا يبلغ الشاهد الغائب، وأن يكون الناسُ في غفلةٍ، يسمعون ولا يُبلِّغون، ليس كل واحدٍ يحضر حلقة العلم، ليس كل واحدٍ يحضر الخطبة، فليُبلغ الشاهدُ الغائبَ، ولا سيما غير خطب الجمعة، خطبة الجمعة قد يحضرها الحيُّ أو البلدة، لكن الخطب الأخرى التي تقع وحلقات العلم التي تقع في أطراف البلد، أو في السفر، أو في مناسبات تقتضي ذلك، ينبغي لمن حضرها أن يبلغ غائبَها، والسر في ذلك: نشر العلم، وإقامة الحجَّة، وقطع المعذرة، وتنبيه الغافل، وتذكير الناسي، فإذا حصل الاجتماع بُلغت فيه الأدلة والأحكام؛ انتهازًا لفرصة الاجتماع.
 
وَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ مَرَّتَيْنِ.

الشيخ: يعني ابن سيرين رحمه الله.
 
بَاب الأَضْحَى وَالمَنْحَرِ بِالْمُصَلَّى
5551- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُاللَّهِ يَنْحَرُ فِي المَنْحَرِ. قَالَ عُبَيْدُاللَّهِ: يَعْنِي مَنْحَرَ النَّبِيِّ ﷺ.
5552- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى".

الشيخ: وهذا لإظهار السُّنة، وبيان السُّنة -سنة الأضاحي- حتى يعلم الناسُ أنه يعلم هذا الشيء عليه الصلاة والسلام، فإن تيسر هذا في مكانٍ مناسبٍ عند المصلَّى يراه الناسُ إذا انصرفوا كان هذا فيه إبلاغ بالفعل.

 
بَاب فِي أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، وَيُذْكَرُ سَمِينَيْنِ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ ابْنَ سَهْلٍ قَالَ: كُنَّا نُسَمِّنُ الأُضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ.
الشيخ: يعني يُربُّونها حتى تكون سمينةً.
 
5553- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُالعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وَأَنَا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ".
5554- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ  بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ.
تَابَعَهُ وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَحَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ.

الشيخ: وهذا يدل على شرعية الذبح باليد، أن المضحِّي والمهدي يذبح بيده إذا تيسر، إذا كان يفهم يذبح بيده، هذا هو الأفضل؛ لأنها عبادة يُباشرها، فإن وكَّل فلا بأس، وقد وكَّل النبيُّ ﷺ عليًّا في بقية هديه حتى ذبحه، وذبح عن نسائه عليه الصلاة والسلام.
 
5555- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ضَحِّ أَنْتَ بِهِ.

س: ما المراد بالعتود؟
ج: الجذع، كما في الرواية الأخرى، يعني: قوي، قد اشتدَّ.
 
بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي بُرْدَةَ: ضَحِّ بِالْجَذَعِ مِنَ المَعزِ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ
5556- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ضَحَّى خَالٌ لِي يُقَالُ لَهُ: أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنَ المَعزِ، قَالَ: اذْبَحْهَا، وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ.
تَابَعَهُ عُبَيْدَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ، وَتَابَعَهُ وَكِيعٌ، عَنْ حُرَيْثٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَقَالَ عَاصِمٌ وَدَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: "عِنْدِي عَنَاقُ لَبَنٍ". وَقَالَ زُبَيْدٌ وَفِرَاسٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: "عِنْدِي جَذَعَةٌ".

الشيخ: هذا الحديث تقدَّم غير مرةٍ، وأنه دليلٌ على أن الجذعة من المعز لا تُجزئ إلا عن هذا الرجل، وأنها رخصة خاصَّة لأبي بُردة، ومَن سواه ليس له رخصة، أما جذع الضَّأن فيُجزئ عن الجميع.
 

وَقَالَ أَبُو الأَحْوَصِ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ: "عَنَاق جَذَعَةٌ". وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: "عَنَاقٌ جَذَعٌ، عَنَاقُ لَبَنٍ".
5557- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: ذَبَحَ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَبْدِلْهَا، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا جَذَعَةٌ -قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ- قَالَ: اجْعَلْهَا مَكَانَهَا، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ.
وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ: عَنَاقٌ جَذَعَةٌ.

س: ..............؟
ج: ستة أشهر، يعني ما تمَّت السنة.
س: ..............؟
ج: يعني عاشت باللبن، غذيت باللبن.
 
بَاب مَنْ ذَبَحَ الأَضَاحِيَّ بِيَدِهِ
5558- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ.

الشيخ: تكلم على قوله: "واضعًا قدمه على صفاحهما"؟
الطالب: قَوْلُهُ "فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا" أَيْ عَلَى صِفَاحِ كُلٍّ مِنْهُمَا عِنْدَ ذَبْحِهِ، وَالصِّفَاحُ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ: الْجَوَانِب، وَالْمُرَادُ الْجَانِبُ الْوَاحِدُ مِنْ وَجْهِ الْأُضْحِيَّةِ، وَإِنَّمَا ثنَّى إِشَارَةً إِلَى أَنه فعل ذَلِك فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْجَمْعِ إِلَى الْمُثَنَّى بِإِرَادَةِ التَّوْزِيعِ.
الشيخ: نعم.
 
بَاب مَنْ ذَبَحَ ضَحِيَّةَ غَيْرِهِ وَأَعَانَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ فِي بَدَنَتِهِ، وَأَمَرَ أَبُو مُوسَى بَنَاته أَنْ يُضَحِّينَ بِأَيْدِيهِنَّ
5559- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَرِفَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ أَنَفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا  أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، اقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ، وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ.
الشيخ: وكون المرأة تذبح ضحيتها مثلما قال أبو موسى لا بأس، وإنما أمرهن ليتعلمن ويُباشرن هذا العمل الصالح؛ حتى يكن كافيات لأنفسهن عند إرادة الضَّحية، ما يحتجن إلى غيرهن، وتقدم حديث التي ذبحت الشاةَ لما رأت فيها الموات، قد أخذت حجرًا وذبحتها، وأمر النبي بأكلها، فذبيحة المرأة لا بأس بها، كونه يُعلِّم بنته أو أخته أو زوجته حتى تذبح إذا دعت الحاجةُ، ولا تحتاج إلى قصَّابٍ –جزار- بعيد، كان هذا طيبًا؛ حتى يستغني البيتُ عن الخارج في الضحية وغير الضحية.
وتقدم قول النبي ﷺ فيما رواه مسلم ...... لعائشة ...... هذا فيه تعاون.
كذلك كما تقدم توكيل النبي لعلي في ذبح بقية البدن.
 
بَاب الذَّبْحِ بَعْدَ الصَّلاةِ
5560- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ المِنْهَالِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يُقَدِّمُهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ.

الشيخ: يعني: مَن نحر قبل الصلاة، مفهومٌ من السياق مثلما تقدَّم.
 
فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ؟ فَقَالَ: اجْعَلْهَا مَكَانَهَا، وَلَنْ تَجْزِيَ -أَوْ تُوفِيَ- عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ.

الشيخ: المؤلف اعتنى بهذا كثيرًا، رحمه الله.
 

بَاب مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ أَعَادَ
5561- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلْيُعِدْ، فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ -وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ- فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَذَرَهُ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ؟ فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلا أَدْرِي بَلَغَتِ الرُّخْصَةُ أَمْ لا؟ ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ، يَعْنِي: فَذَبَحَهُمَا، ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَذَبَحُوهَا.

الشيخ: تقدَّم أنها رخصة خاصَّة، ليست عامَّة.
 
5562- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ سُفْيَانَ البَجَلِيَّ، قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ.
5563- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَلا يَذْبَحْ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ ابْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلْتُ، فَقَالَ: هُوَ شَيْءٌ عَجَّلْتَهُ، قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ، آذْبَحُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ لا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ. قَالَ عَامِرٌ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْهِ.

 
بَاب وَضْعِ القَدَمِ عَلَى صَفْحِ الذَّبِيحَةِ
5564- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صَفْحَتِهِمَا، وَيَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ.
 
بَاب التَّكْبِيرِ عِنْدَ الذَّبْحِ
5565- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا.
 
بَاب إِذَا بَعَثَ بِهَدْيِهِ لِيُذْبَحَ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ
5566- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَجُلًا يَبْعَثُ بِالهَدْيِ إِلَى الكَعْبَةِ، وَيَجْلِسُ فِي المِصْرِ، فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ، فَلا يَزَالُ مِنْ ذَلِك اليَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ، قَالَ: فَسَمِعْتُ تَصْفِيقَهَا مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ كُنْتُ أَفْتِلُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إِلَى الكَعْبَةِ، فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِمَّا حَلَّ لِلرِّجَالِ مِنْ أَهْلِهِ حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ.

الشيخ: وهذا يُبين أنَّ الهدي ليس من الضَّحايا، الهدايا لا يمتنع من شعرٍ، ولا من ظفر، ولا من غير ذلك، أما إذا أراد الضَّحية بعد دخول شهر ذي الحجة فهذا يمتنع من شيئين: الظفر، والشعر، والبشرة أيضًا، ..... كما في حديث أم سلمة: لا من شعره، ولا من ظفره، وفي اللفظ الآخر: ولا من بشرته شيئًا فقط، أما الطِّيب والجماع فلا يحرم عليه، لكن إذا دخل الشهرُ وأراد أن يُضحي فهذا هو الذي يمتنع من الظفر والشعر والبشرة فقط، أما أهله فحِلٌّ له، الطيب حِلٌّ له، إلى غير ذلك، وأما الهدايا إذا بعث هديه إلى مكة -تُذبح في مكة- فإنه ..... الضحية، بل لا يحرم عليه شيء من ذلك كما في حديث عائشة هذا، نعم.
 
بَاب مَا يُؤْكَلُ مِنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ وَمَا يُتَزَوَّدُ مِنْهَا
5567- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ". وَقَالَ غَيْرَ مَرَّةٍ: "لُحُومَ الهَدْيِ".
5568- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ القَاسِمِ: أَنَّ ابْنَ خَبَّابٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا فَقَدِمَ، فَقُدِّمَ إِلَيْهِ لَحْمٌ، قَالُوا: هَذَا مِنْ لَحْمِ ضَحَايَانَا، فَقَالَ: أَخِّرُوهُ، لا أَذُوقُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ فَخَرَجْتُ حَتَّى آتِيَ أَخِي أَبَا قَتَادَةَ، وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ.
5569- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ المَاضِي؟ قَالَ: كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ العَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا.
5570- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهُ، فَنَقْدَمُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: لا تَأْكُلُوا إِلَّا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
5571- حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ: أَنَّهُ شَهِدَ العِيدَ يَوْمَ الأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ العِيدَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَأَمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ".
5572- قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ".
5573- قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلاثٍ".
وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، نَحْوَهُ.

الشيخ: وهذا خفي على عليٍّ رضي الله عنه، ولهذا خطب -يعني بالكوفة- لما تولى الخلافة وفعل مثلما فعل أصحابُه، كما فعل الصديق وعمر وعثمان، صلَّى ثم خطب، وذكر الناس، ونهاهم أن يأكلوا من لحوم أضاحيهم بعد ثلاثٍ، وكان هذا -مثلما تقدَّم في حديث سلمة بن الأكوع، ومثلما تقدم في أحاديث أخرى- كان ذلك للدافة، كان أصابهم جهدٌ وحاجةٌ ودف عليهم في المدينة الضّعفاء والفقراء، فأمرهم أن يُواسوهم من لحوم الأضاحي، وألا يدَّخروا بعد ثلاثٍ، ثم أخبرهم بعد ذلك أنَّ هذا من أجل ذلك العذر، وقال: كلوا وادَّخروا، وكانوا يحملون من هداياهم وضحاياهم في حجّة الوداع وبعدها، يحملون إلى المدينة، ويأكلون في الطريق.
فالمقصود أنَّ هذا هو المستقر الذي استقرَّ في الشريعة، وأنه لا بأس أن يأكل من لحم الهدي -هدي التمتع والقران- ويدَّخر منه في طريقه، وإلى بلاده، ولا بأس أن يأكل من لحوم الأضاحي ويدَّخر منها بعد ثلاثٍ، وأما النَّهي الذي رواه جماعةٌ -كعليٍّ وآخرين- فإنما هو من أجل العذر العارض، والفقر العارض، والحاجة العارضة في المدينة.
س: ...............؟
ج: نعم يُشرع، إذا كان هناك جهد وقع في بلدٍ من البلدان شُرع لهم ألا يدَّخروا، وأن يُواسوا عملًا بالعلَّة التي وقعت في عهد النبي ﷺ.
س: ...............؟
ج: لحم النذر يُعطى للفقراء، لكن إن كان نوى أنَّ هذا النذر يأكله هو وأهل بيته وجيرانه فهو على نيته: «الأعمال بالنيات».
س: ............؟
ج: إن كان ما نوى شيئًا فللفُقراء.
 
5574- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِالرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُوا مِنَ الأَضَاحِيِّ ثَلاثًا، وَكَانَ عَبْدُاللَّهِ يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ حِينَ يَنْفِرُ مِنْ مِنًى، مِنْ أَجْلِ لُحُومِ الهَدْيِ.
الشيخ: يعني خفي عليه أمر الرخصة، كان يأتي بالزيت ويترك بعد الثلاث، يترك لحوم الهدايا، مثلما خفي على عليٍّ.
س: ...............؟
ج: أيش قال الشارح عليه؟
الطالب: قَوْلُهُ "وَكَانَ عَبْدُاللَّهِ" أَيِ ابن عُمَرَ "يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ" سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ "حِينَ يَنْفِرُ مِنْ مِنًى" هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ: "حَتَّى بَدَلَ حِينَ"، وَهُوَ تَصْحِيفٌ يُفْسِدُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ابن عُمَرَ كَانَ لَا يَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَكَانَ إِذَا انْقَضَتْ ثَلَاثُ مِنًى ائْتَدَمَ بِالزَّيْتِ، وَلَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ؛ تَمَسُّكًا بِالْأَمْرِ الْمَذْكُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: "مِنْ أَجْلِ لُحُومِ الْهَدْيِ"، وَكَأَنَّهُ أَيْضًا لَمْ يَبْلُغْهُ الْإِذْنُ بَعْدَ الْمَنْعِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَنْعَكِسُ الْأَمْرُ، وَيَصِيرُ الْمَعْنَى: كَانَ يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ إِلَى أَنْ يَنْفِرَ، فَإِذَا نَفَرَ أَكَلَ بِغَيْرِ الزَّيْتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ لَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ.
الشيخ: على كل حال، تصحيف في رواية الكشميهني: "حتى"، الصواب: "حين"؛ لأنه حين نفيره ذهبت الثلاث.
الطالب: وَأَمَّا تَعْبِيرُهُ فِي الحَدِيث بِالْهدي فَيحْتَمل أَن يكون ابن عُمَرَ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ لَحْمِ الْهَدْيِ وَلَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ فِي الْحُكْمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ عَلَى لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ لَحْمَ الْهَدْي لِمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ كَانَ بِمِنًى، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ نَسْخُ الْأَثْقَلِ بِالْأَخَفِّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ ادِّخَارِ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ ثَلَاثٍ مِمَّا يَثْقُلُ عَلَى الْمُضَحِّينَ.
الشيخ: ويقع نسخ الأثقل بالأخفِّ، ويقع العكس بالعكس: الأخف بالأثقل، كل هذا واقعٌ، نعم.
الطالب: وَالْإِذْنُ فِي الِادِّخَارِ أَخَفُّ مِنْهُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْأَثْقَلِ لِلْأَخَفِّ، وَعَكسه ابن الْعَرَبِيِّ زَاعِمًا أَنَّ الْإِذْنَ فِي الِادِّخَارِ نُسِخَ بِالنَّهْيِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِادِّخَارَ كَانَ مُبَاحًا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ لَيْسَ نَسْخًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا فَفِيهِ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ فِي الْكِتَابِ الْإِذْنَ فِي أَكْلِهَا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا [الحج:28]، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَخْصِيصٌ لَا نَسْخٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
 
74- كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90].
5575- حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ.
5576- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، وَلَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، وَابْنُ الهَادِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

الشيخ: الحمد لله.
الطالب: عندنا: حدثنا، تابعه معمر، وابن الهاد، وعثمان بن عمر، والزبيدي، عن الزهري.
الشيخ: زيادة: الزبيدي، أيش قال في الشرح؟
الطالب: قوله: (تابعه معمر، وابن الهاد، وعثمان بن عمر، عن الزهري) يعني بسنده، ووقع في رواية أبي ذرٍّ رواية (الزبيدي) مع المذكورين بعد عثمان بن عمر.
الشيخ: ماشٍ، رواية نعم.
 
5577- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي، قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ.
الشيخ: وهذا وقع من أزمانٍ طويلةٍ: قلة العلم، وظهور الجهل، وفشو الزنا، وشرب المسكرات، هذا وقع من أزمان وكثر، ولا شكَّ أن هذا دليلٌ على أن الناس في آخر الزمان، وفي زمن الغُربة، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا إخبار النبي ﷺ بهذا يُفيد أمرين:
الأمر الأول: أن هذا علمٌ من أعلام النبوة، ودليلٌ على أنه رسول الله، فإنه أخبر بغيبٍ، فوقع كما أخبر.
والأمر الثاني: الحذر، أن المؤمن يحذر لئلا يُصيب ما أصاب الناس، فإذا ظهر الجهل، وقلَّ العلم، وفشا الزنا وشرب الخمر، احذر أن تكون من هؤلاء، يعني: احذر، هذا واقع لكن احذر أن تكون منهم، احذر أن تكون ممن يُعْرِض عن الدِّين ويُصاب بالجهل، أو يُبتلى بهذه المحارم الخبيثة، وهكذا المؤمن يستفيد صدق الرسول ﷺ، وأنَّ ما أخبر به واقعٌ، ويفيد الحذر، المقصود الحذر من أن تقع فيما حذَّر منه النبيُّ ﷺ.
 
5578- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ ابْنَ عَبْدِالرَّحْمَنِ وَابْنَ المُسَيِّبِ يَقُولانِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُالمَلِكِ ابْنُ أَبِي بَكْرِ ابْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ: وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا، حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ.

الشيخ: وهذا عند أهل السنة والجماعة يعني الإيمان الكامل، الإيمان الذي يزجره عن القبائح، وليس معناه أن الزاني يكفر، أو السارق يكفر، أو الشارب يكفر، أو الناهب يكفر، لا، خلافًا للخوارج، وهذا من صفات الخوارج، الخوارج تمسَّكوا بهذا وأمثاله في تكفير العُصاة، والمراد بهذا التَّحذير من الفاحشة، والتحذير من هذه الأمور الأخرى، وأن الإيمان الصحيح الكامل يمنع صاحبه من هذه القاذورات، قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرَ حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارقُ حين يسرق وهو مؤمن» الحديث، يعني لو كان إيمانه موجودًا -يعني الإيمان الصحيح الكامل- لزجره، ولكن ضعف إيمانه وضعف خوفه من الله أوجب له أن يقع في هذه القاذورات.
والدليل الأحاديث الأخرى الدالة على أنَّ الزاني يُجلد، ولا يكون مُرتدًّا، والسارق يُقطع ولا يكون مرتدًّا، وشارب الخمر يُجلد ولا يكون مرتدًّا، إذ لو كان معناه أنه كافر لكان الواجبُ أن يُقتل؛ لقول النبي ﷺ: مَن بدَّل دينَه فاقتلوه، فالمرتد يُقتل، فلما كانت لهم عقوبات أخرى مع أدلةٍ أخرى تدل على المعنى عُلم أنَّ الغالب بذلك نفي الإيمان الذي يزجر عن هذه القبائح، وهو كمال الإيمان الواجب.
س: .............؟
ج: يعني يقوم عليهن، على شؤونهن: بالنفقة والملاحظة ونحو ذلك، بسبب قلَّة الرجال، وهذا قد يكون لأسبابٍ: منها الحروب والفتن الكثيرة التي تأكل الرجالَ ويبقى النساء، ومنها أنه قد يقدر الله أن النساء يكثر حملهنّ بالنساء، ويقل حملهنَّ بالرجال، ويكون غالب الذرية من النساء، حتى يكثر النساء، ويقل الرجال، وربك على كل شيء قدير، وقد يكون بأسباب الوباء، قد يكون وباء في آخر الزمان فيكون موت الرجال أكثر.
الحاصل أنَّ ما أخبر به ﷺ واقعٌ لا محالةَ، سواء كان كثرة النساء من كثرة الحروب، أو الأوبئة، أو من أجل قلة حملهن بالرجال، وأن النساء يقدر الله عز وجل أن يكون الحمل أقلّ من جهة الرجال، وهذا الآن له وجود في كثيرٍ من الأسر، نعرف من هذا الشيء الكثير، تجد كثيرًا من الأسر عندهم بنات كثيرات، والأولاد قليل، إما معدومون، وإلا واحد، وإلا اثنان، والنساء كثير، تجد عنده رجل واحد، وعنده سبع بنات، عشر بنات، فالآن موجود في كثير من المملكة هذه، أما الدول الأخرى والممالك الأخرى فلا نعلمها، ولعله موجود فيها أكثر، فالرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحَى، وأما بعد هذا مما يكون في آخر الزمان بعدنا فالله أعلم.

 
بَاب الخَمْرُ مِنَ العِنَبِ
5579- حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ -هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ- عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ.
5580- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَبْدُرَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ -يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ- خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا البُسْرُ وَالتَّمْرُ.
5581- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَامَ عُمَرُ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ".
 
بَاب نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنَ البُسْرِ وَالتَّمْرِ
5582- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مِنْ فَضِيخِ زَهْوٍ وَتَمْرٍ، فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا، فَأَهْرَقْتُهَا.
5583- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عَلَى الحَيِّ أَسْقِيهِمْ -عُمُومَتِي وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ- الفَضِيخَ، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فَقَالُوا: أَكْفِئْهَا، فَكَفَأْتُهَا. قُلْتُ لِأَنَسٍ: مَا شَرَابُهُمْ؟ قَالَ: رُطَبٌ وَبُسْرٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَنَسٍ: وَكَانَتْ خَمْرَهُمْ، فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ، وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.

الشيخ: المقصود أنه ليس من شرط الخمر أن تكون من العنب كما يقول بعض الفقهاء؛ لأنَّ العنب نوعٌ مما يكون من الخمر، فالخمر تكون من العنب، وتكون من العسل، وتكون من التمر، وتكون من الرطب والبُسْر، ومن الحنطة والشعير، وتكون من الذرة، كما هو معروف، وتكون من أشياء أخرى، والقاعدة مثلما قال عمر: "والخمر ما خامر العقل"، ومثلما جاء في الحديث الصحيح: كل خمرٍ مسكر، وكل مسكر خمر، من أي نوعٍ كان ما أسكر فهو خمر، سواء كان من هذه الأشياء الخمسة التي قالها عمر أو من غيرها.
 
5584- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ أَبُو مَعْشَرٍ البَرَّاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدِاللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ، وَالخَمْرُ يَوْمَئِذٍ: البُسْرُ وَالتَّمْرُ.

 
بَاب الخَمْرُ مِنَ العَسَلِ، وَهُوَ البِتْعُ
وَقَالَ مَعْنٌ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنِ الفُقَّاعِ، فَقَالَ: إِذَا لَمْ يُسْكِرْ فَلا بَأْسَ.
وَقَالَ ابْنُ الدَّرَاوَرْدِيِّ: سَأَلْنَا عَنْهُ فَقَالُوا: لا يُسْكِرُ، لا بَأْسَ بِهِ.
الشيخ: أيش قال الشارح على الفقاع؟
الطالب: قَوْله: (وَقَالَ ابن الدَّرَاورْدِي) هُوَ عبدالْعَزِيز بن مُحَمَّد، وَهَذَا من رِوَايَة معن بن عِيسَى عَنهُ أَيْضًا.
قَوْله: (فَقَالُوا: لَا يُسكر، لَا بَأْس بِهِ) لم أعرف الَّذين سَأَلَهُمْ الدَّرَاورْدِي عَن ذَلِك، لَكِن الظَّاهِر أَنهم فُقَهَاء أهل الْمَدِينَة فِي زَمَانه، وَهُوَ قد شَارك مَالِكًا فِي لِقَاء أَكثر مشايخه الْمَدَنِيين، وَالْحكم فِي الفقاع مَا أجابوه بِهِ؛ لأنَّهُ لَا يُسمَّى: فقاعًا إِلَّا إِذا لم يشْتَد، وَهَذَا الأثر ذكره معن بن عِيسَى الْقَزاز فِي "الْمُوَطَّأ" رِوَايَة عَن مَالك، وَقد وَقع لنا بِالْإِجَازَةِ، وغفل بعضُ الشُّرَّاح فَقَالَ أَنَّ معن بن عِيسَى من شُيُوخ البُخَارِيّ، فَيكون لَهُ حكم الِاتِّصَال، كَذَا قَالَ، وَالْبُخَارِيُّ لم يلقَ معن بن عِيسَى؛ لأنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَالْبُخَارِيُّ حِينَئِذٍ ببخارى، وعمره حِينَئِذٍ أَربع سِنِين، وَكَأن البُخَارِيّ أَرَادَ بِذكر هَذَا الأثر فِي التَّرْجَمَة أَن المُرَاد بِتَحْرِيم قَلِيل مَا أسكر كَثِيره أَن يكون الْكثير فِي تِلْكَ الْحَالة مُسكرًا، فَلَو كَانَ الْكثير فِي تِلْكَ الْحَالة لَا يُسكر لم يحرم قَلِيله وَلَا كَثِيره، كَمَا لَو عصر الْعِنَب وشربه فِي الْحَال، وَسَيَأْتِي مزِيد فِي بَيَان ذَلِك فِي بَاب البازق إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الطالب: .........
الشيخ: أيش قال؟
الطالب: قَوْله (وَقَالَ معن بن عِيسَى: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنِ الْفُقَّاعِ بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ) مَعْرُوفٌ، قَدْ يُصْنَعُ مِنَ الْعَسَلِ، وَأَكْثَرُ مَا يُصْنَعُ مِنَ الزَّبِيبِ، وَحكمه سَائِر الأنْبِذَةِ مَا دَامَ طَرِيًّا يَجُوزُ شُرْبُهُ مَا لم يشْتَد.
الشيخ: القاموس حاضر؟ انظر الفقاع؟
الطالب: تكلم عليه العيني؟
الشيخ: أيش قال؟
الطالب: قوله: (عن الفقاع) بضم الفاء، وتشديد القاف، وبالعين المهملة، قال الكرماني: المشروب المشهور. قلت: الفقاع لا يُشرب، بل يُمصّ من كوزه، وقال بعضُهم: الفقاع معروف، قد يُصنع من العسل، وأكثر ما يُصنع من الزبيب. قلت: لم يقل أحدٌ أن الفقاع يُصنع من العسل، بل أهل الشام يصنعونه من الدبس، وفي عامَّة البلاد ما يُصنع إلا من الزبيب المدقوق، وحكم شربه ما قاله مالك: إن لم يُسكر لا بأس به، والفقاع لا يُسكر، نعم إذا بات في إنائه الذي يصنعونه فيه ليلة في الصيف أو ليلتين في الشتاء يشتد جدًّا، ومع هذا لا يُسكر.
وقد سُئل بعض مشايخنا: ما قول السادة العلماء في فقاع يتّخذ من زبيبٍ، بحيث إنه إذا قلع سداد كوزه لا يبقى فيه شيء من شدّته، يخرج وينتثر؟ فقال: لا بأس به، وأما إذا صار بحال بحيث إنه يُسكر من شدَّته فيحرم حينئذٍ، قليلًا كان أو كثيرًا.
الشيخ: طيب نعم، القاموس.
الطالب: ..........
الشيخ: ..... هذا ماشٍ على القاعدة: "ما يُسكر كثيرُه فقليله حرام"، ماشٍ على القاعدة، نعم.
س: ما أسكر كثيره فقليله حرام، قرأتُ بحثًا لأحدهم يقول: ...... هذا إذا كان مائعًا، أما إذا كان جامدًا فالقليل ليس حرامًا، ما مدى صحَّة هذا؟
الشيخ: هذا من كيسه، ما عليه عمل، هذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام، ولم يقل: إذا كان رطبًا وإلا جامدًا، ما أسكر كثيره فقليله حرام، سواء كان يُؤكل وإلا يُشرب.
 
5585- حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِتْعِ، فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ.
5586- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِتْعِ، وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ، وَكَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لا تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلا فِي المُزَفَّتِ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهَا: الحَنْتَمَ، وَالنَّقِيرَ.

 
بَاب مَا جَاءَ فِي أَنَّ الخَمْرَ مَا خَامَرَ العَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ
5588- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالعَسَلِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ، وَثَلاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا: الجَدُّ، وَالكَلالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا".
قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، فَشَيْءٌ يُصْنَعُ بِالسِّنْدِ مِنَ الأُرْزِ؟ قَالَ: ذَاكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ -أَوْ قَالَ: عَلَى عَهْدِ عُمَرَ.
وَقَالَ حَجَّاجٌ: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ: مَكَانَ العِنَبِ: الزَّبِيبَ.
5589- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: "الخَمْرُ يُصْنَعُ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالعَسَلِ".

الشيخ: يعني حسبما بلغ عمر ذاك الوقت، وغالبها في المدينة من التمر، قد تقع من العنب، تُصنع في غير ذلك من الشعير، ومن الحنطة، ومن العسل، وتُصنع من غير هذا، كما قال الراوي في مسألة السند: من الأرز أيضًا.
المقصود مثلما قال عمر: "والخمر ما خامر العقل" يعني خالطها، يعني خالط العقل حتى يُغيره، سواء كان من هذه الأشياء، أو من شيءٍ آخر.
س: .............؟
ج: كانت هي المشهورة ذاك الوقت.
 
بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ
5590- وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الكِلابِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ، أَوْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي الفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
الشيخ: يعني عقوبةً لهم، قد تعجلت عقوبتهم -نسأل الله العافية- والعلم الجبل، فيمسخهم الله قردةً وخنازير، ويُبيتهم الله بالعقوبة، ويضع الجبل حتى يكونوا كأمس الذاهب -نسأل الله العافية- لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنهم استحلُّوا ما حرَّم الله من الزنا والخمور، والحر يعني الزنا، والحرير والخمر والمعازف، وما أشبه الحال اليوم، فإن اليوم كادت أن تكون الحال هكذا من كثرة هذه الأشياء، يعني ما بين مُستحلٍّ لها، وما بين ..... بها وعمله بها كالمستحلّ، فالخطر عظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
س: المسخ على الحقيقة؟
ج: هذا هو الأصل، المسخ على الحقيقة، وقد تمسخ القلوب -نسأل الله العافية- لكن الأصل في إطلاق المسخ هو مسخ الصورة، كما فعل الله في بني إسرائيل لما غيَّروا وبدَّلوا.
س: ...........؟
ج: نعم، ما في شك، مَن استحلَّ الزنا كفر، والخمر كفر، وهكذا.
س: طعن ابن حزم في هذا الحديث؛ لأنه مُعلَّق؟
ج: ما وفق ابن حزم في هذا، معلقات البخاري ومسلم صحيحة، المجزوم بها، وقال العراقي: ..... أيش قال الشارح على هذا الحديث؟
الطالب: قَوْلُهُ (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ الشَّرَابِ، وَإِلَّا فَالْخَمْرُ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ، قُلْتُ: بَلْ فِيهِ لُغَةٌ بِالتَّذْكِيرِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَات تَسْمِيَتهَا بِغَيْر اسْمهَا.
وَذكر ابن التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: كَأَنَّهُ يُرِيدُ بِالْأُمَّةِ مَنْ يَتَسَمَّى بِهِمْ، وَيَسْتَحِلُّ مَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ إِنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ، وَمُنَافِقٌ إِنْ أَسَرَّهُ، أَوْ مَنْ يَرْتَكِبِ الْمَحَارِمَ مُجَاهَرَةً وَاسْتِخْفَافًا، فَهُوَ يُقَارِبُ الْكُفْرَ، وَإِنْ تَسَمَّى بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَخْسِفُ بِمَنْ تَعُودُ عَلَيْهِ رَحْمَتُهُ فِي الْمَعَادِ. كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ يَأْتِي تَوْجِيهه.
وَقَالَ ابنُ الْمُنِيرِ: التَّرْجَمَةُ مُطَابِقَةٌ لِلْحَدِيثِ، إِلَّا فِي قَوْلِهِ: وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَكَأَنَّهُ قَنَعَ بِالِاسْتِدْلَالِ لَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ أُمَّتِي»؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ يَبْعُدُ أَنْ يَسْتَحِلَّ الْخَمْرَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، إِذْ لَوْ كَانَ عِنَادًا وَمُكَابَرَةً لَكَانَ خَارِجًا عَنِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ قَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ.
قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ فِي غير هَذَا الطَّرِيق التَّصْرِيح بِمُقْتَضَى التَّرْجَمَةِ، لَكِنْ لَمْ يُوَافِقْ شَرْطَهُ، فَاقْتَنَعَ بِمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي سَاقَهَا مِنَ الْإِشَارَةِ.
قُلْتُ: الرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْر اسْمهَا، وَصَحَّحهُ ابن حِبَّانَ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ:
مِنْهَا لِابْنِ مَاجَهْ من حَدِيث ابن مُحَيْرِيزٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ السَّمْطِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَفَعَهُ: يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ: لَيَسْتَحِلَّنَّ طَائِفَةٌ مِنَ أُمَّتِي الْخَمْرَ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَلَكِن أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابن مُحَيْرِيزٍ، فَقَالَ: عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَلِابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ: لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ والليالي  حَتَّى تَشْرَبَ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْر اسْمهَا.
وللدارمي بِسَنَدٍ لَيِّنٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ الْإِسْلَامُ، كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ كَفْءُ الْخَمْرِ، قِيلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، فيستحلونها. وَأخرجه ابن أَبِي عَاصِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ.
وَلِابْنِ وَهْبٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ: أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ حَجَّ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَجَعَلَتْ تَسْأَلُهُ عَنِ الشَّامِ، وَعَنْ بَرْدِهَا، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُمْ يَشْرَبُونَ شَرَابًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: الطِّلَاءُ، فَقَالَتْ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَبَلَّغَ، حَتَّى سَمِعَتْهُ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا مِن أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: جَاءَتْ فِي الْخَمْرِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ بِأَسْمَاء مُخْتَلِفَةٍ، فَذَكَرَ مِنْهَا السَّكَرَ بِفَتْحَتَيْنِ، قَالَ: وَهُوَ نَقِيعُ التَّمْرِ إِذَا غُلِيَ بِغَيْرِ طَبْخٍ، وَالْجِعَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْعَيْنِ: نَبِيذُ الشَّعِيرِ، وَالسُّكْرُكَةُ: خَمْرُ الْحَبَشَةِ مِنَ الذُّرَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَهَذِهِ الْأَشْرِبَةُ الْمُسَمَّاةُ كُلُّهَا عِنْدِي كِنَايَةٌ عَنِ الْخَمْرِ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ ﷺ: يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ: "الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ".
[5590] قَوْلُهُ: (وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ مِنَ الصَّحِيحِ مِنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ مَعَ تَنَوُّعِهَا عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ، وَذَهَلَ الزَّرْكَشِيّ فِي تَوْضِيحِهِ، فَقَالَ: مُعْظَمُ الرُّوَاةِ يَذْكُرُونَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْبُخَارِيِّ مُعَلَّقًا، وَقَدْ أَسْنَدَهُ أَبُو ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ فَقَالَ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحَدِيثُ صَحِيحًا عَلَى شَرط البُخَارِيّ، وَبِذَلِك يرد على ابن حَزْمٍ دَعْوَاهُ الِانْقِطَاع. اهـ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ خَطَأٌ نَشَأَ عَنْ عَدَمِ تَأَمُّلٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، شَيْخُ أَبِي ذَرٍّ، لَا الْبُخَارِيّ، ثُمَّ هُوَ الْحُسَيْنُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَزِيَادَةِ التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ، وَهُوَ الْهَرَوِيُّ، لَقَبُهُ خُرَّمٌ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَهُوَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ، وَإِنَّمَا الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الْفَائِدَةِ أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ إِلَى هِشَامٍ، عَلَى عَادَةِ الْحُفَّاظِ إِذَا وَقَعَ لَهُمُ الْحَدِيثُ عَالِيًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي فِي الْكِتَابِ الْمَرْوِيِّ لَهُمْ يُورِدُونَهَا عَالِيَةً عَقِبَ الرِّوَايَةِ النَّازِلَةِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِ الْكِتَابِ الْمَرْوِيِّ خَلَلٌ مَا مِنَ انْقِطَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ سَالِمًا، أَوْرَدُوهُ، فَجَرَى أَبُو ذَرٍّ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ فَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ: عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ سِيَاقِهِ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ النَّضْرَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، بِهِ.
وَأَمَّا دَعْوَى ابن حَزْمٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا: فَقَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا ابن الصَّلَاحِ فِي "عُلُومِ الْحَدِيثِ" فَقَالَ: التَّعْلِيقُ فِي أَحَادِيثَ مِنْ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" قُطِعَ إِسْنَادُهَا، وَصُورَتُهُ صُورَةُ الِانْقِطَاعِ، وَلَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، وَلَا خَارِجًا مَا وُجِدَ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الصَّحِيحِ إِلَى قَبِيلِ الضَّعِيفِ، وَلَا الْتِفَاتٌ إِلَى أَبِي مُحَمَّدِ ابْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ الْحَافِظِ فِي رَدِّ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَيَكُونَنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ الْحَدِيثَ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَهُ قَائِلًا: قَالَ هِشَامُ بْنُ عمار، وَسَاقه بِإِسْنَادِهِ، فَزعم ابن حَزْمٍ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ فِيمَا بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَهِشَامٍ، وَجَعَلَهُ جَوَابًا عَن الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَعَازِفِ، وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَعْرُوفُ الِاتِّصَالِ بِشَرْطِ الصَّحِيحِ.
وَالْبُخَارِيُّ قَدْ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا، وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَصْحَبُهَا خَلَلُ الِانْقِطَاعِ. اهـ.
وَلَفظ ابن حَزْمٍ فِي "الْمُحَلَّى": وَلَمْ يَتَّصِلْ مَا بَيْنَ البُخَارِيِّ وَصدقَة بن خَالِد، وَحكى ابنُ الصَّلَاحِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الَّذِي يَقُولُ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: قَالَ فُلَانٌ، وَيُسَمِّي شَيْخًا مِنْ شُيُوخِهِ؛ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِيمَا يَتَحَمَّلُهُ عَنْ شَيْخِهِ مُذَاكَرَةً، وَعَنْ بَعْضِهِم أَنَّهُ فِيمَا يَرْوِيهِ مُنَاوَلَةً.
وَقَدْ تَعَقَّبَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْفضل كَلَام ابن الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ وَجَدَ فِي الصَّحِيحِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ يَرْوِيهَا الْبُخَارِيُّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ قَائِلًا: قَالَ فُلَانٌ، وَيُورِدُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِوَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْخِ.
قُلْتُ: الَّذِي يُورِدُهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْحَاءٍ: مِنْهَا مَا يُصَرِّحُ فِيهِ بِالسَّمَاعِ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ بِعَيْنِهِ، إِمَّا فِي نَفْسِ الصَّحِيحِ، وَإِمَّا خَارِجَهُ، وَالسَّبَبُ فِي الْأَوَّلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعَادَهُ فِي عِدَّةِ أَبْوَابٍ وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ، فَتَصَرَّفَ فِيهِ حَتَّى لَا يُعِيدَهُ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَكَانَيْنِ، وَفِي الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى شَرْطِهِ؛ إِمَّا لِقُصُورٍ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مَوْقُوفًا، وَمِنْهَا مَا يُورِدُهُ بِوَاسِطَةٍ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ كَالْأَوَّلِ، لَكِنَّهُ فِي غَالِبِ هَذَا لَا يَكُونُ مُكْثِرًا عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُورِدُهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الصَّحِيحِ، مِثْلُ حَدِيثِ الْبَابِ، فَهَذَا مِمَّا كَانَ أَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَيَّ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِيَ الْآنَ أَنَّهُ لِقُصُورٍ فِي سِيَاقِهِ، وَهُوَ هُنَا تَرَدُّدُ هِشَامٍ فِي اسْمِ الصَّحَابِيِّ، وَسَيَأْتِي مِنْ كَلَامِهِ مَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ، حَيْثُ يَقُولُ: إِنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّهُ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَسَاقَهُ فِي "التَّارِيخِ" مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ سَمِعَهُ مِنْ هِشَامٍ بِلَا وَاسِطَةٍ وَبِوَاسِطَةٍ فَلَا أَثَرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْزِمُ إِلَّا بِمَا يَصْلُحُ لِلْقَبُولِ، وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ يَسُوقُهُ مَسَاقَ الِاحْتِجَاج، وَأما قَول ابن الصَّلَاحِ أَنَّ الَّذِي يُورِدُهُ بِصِيغَةِ قَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ، وَالْعَنْعَنَةُ مِنْ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاتِّصَالِ، وَلَيْسَ الْبُخَارِيُّ مُدَلِّسًا، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، فَهُوَ بحثٌ وَافقه عَلَيْهِ ابن مَنْدَهْ وَالْتَزَمَهُ، فَقَالَ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: وَهُوَ تَدْلِيسٌ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا بِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَصِفِ الْبُخَارِيَّ بِالتَّدْلِيسِ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ ابن مَنْدَهْ أَنَّ صُورَتَهُ صُورَةُ التَّدْلِيسِ؛ لِأَنَّهُ يُورِدُهُ بِالصِّيغَةِ الْمُحْتَمَلَةِ، وَيُوجَدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ، وَهَذَا هُوَ التَّدْلِيسُ بِعَيْنِهِ، لَكِنِ الشَّأْنُ فِي تَسْلِيمِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مِنْ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ لَهَا حُكْمُ الْعَنْعَنَةِ، فَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ: وَهُوَ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ فِي الْفَنِّ، أَن قَالَ: لَا تُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ إِلَّا مِمَّنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي مَوْضِعِ السَّمَاعِ، مِثْلُ: حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ، فَعَلَى هَذَا فَفَارَقَتِ الْعَنْعَنَةُ، فَلَا تُعْطَى حُكْمَهَا، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهَا مِنَ التَّدْلِيسِ، وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يُورِدَهَا لِغَرَضٍ غَيْرِ التَّدْلِيسِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الْحُفَّاظِ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنَ التَّعَالِيقِ كُلِّهَا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ يَكُونُ صَحِيحًا إِلَى مَنْ عَلَّقَ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُيُوخِهِ، لَكِن إِذَا وُجِدَ الْحَدِيثُ الْمُعَلَّقُ مِنْ رِوَايَةِ بَعْضِ الْحُفَّاظِ مَوْصُولًا إِلَى مَنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَزَالَ الْإِشْكَالَ، وَلِهَذَا عَنَيْتُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ بِهَذَا النَّوْعِ.
الشيخ: والمقصود من هذا كله أن تعاليق البخاري مثلما تقدم غير مرة كلها على السماع والصحة إذا جزم بها، ولهذا اتّفق أهلُ العلم بالقبول، واعتمدوا عليها، بخلاف ما إذا قال: ويُذكر ويُروى، هذا هو محل النظر، قد يقول ذلك لأنها لم تثبت عنده، بل أتى بها لأنها ضعيفة، ولهذا قال: يروى، وقد يستعملها في محل "الصحيحين" أيضًا، لكنه قليل.

 
بَاب الِانْتِبَاذِ فِي الأَوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ
5591- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَت امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ، وَهِيَ العَرُوسُ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْقَعْتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ.
 
بَاب تَرْخِيصِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ بَعْدَ النَّهْيِ
5592- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الظُّرُوفِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: إِنَّهُ لا بُدَّ لَنَا مِنْهَا، قَالَ: فَلا إِذًا، وَقَالَ خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ بِهَذَا، حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا، وَقَالَ فِيهِ: لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأَوْعِيَةِ.
5593- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ.

الشيخ: علَّق على أبي عياض؟
الطالب: قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي عِيَاضٍ) الْعَنْسِيّ بِالنُّونِ، وَعِيَاضٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ، وَقِيلَ: قَيْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نَصْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ تَبِعَ مَا نَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي "الْكُنَى": أَبُو عِيَاضٍ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيُّ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ شُرَحْبِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ الْحِمْصِيِّ أَبِي عِيَاضٍ، ثُمَّ رَوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيُّ: يُكَنَّى أَبَا عِيَاضٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: قَالَ لِي عَلِيٌّ -يَعْنِي ابن الْمَدِينِيِّ- إِنْ لَمْ يَكُنِ اسْمُ أَبِي عِيَاضٍ قَيْسَ بْنَ ثَعْلَبَةَ فَلَا أَدْرِي، قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ: عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ.
قَالَ النَّسَائِيُّ: وَيُقَالُ: كُنْيَةُ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ، قُلْتُ: أَوْرَدَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي "الْكُنَى" مُحَصَّلَ مَا أَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ، إِلَّا قَوْلَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ وَمُعَاوِيَةَ، وَأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ مُجَاهِدٌ وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ وَأَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ فِي رِوَايَةِ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ فَسَلَّمَ، فَقَالُوا: لَو جَلَستَ إِلَيْنَا يَا أَبَا عِيَاضٍ.
الشيخ: يكفي، انظر "التقريب" أبو عياض العنسي. نعم.
 
عن أبي عياضٍ: عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأَسْقِيَةِ، قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سِقَاءً، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الجَرِّ غَيْرِ المُزَفَّتِ.
5594- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ : نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالمُزَفَّتِ.
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا.
5595- حَدَّثَنِي عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: قُلْتُ لِلْأَسْوَدِ: هَلْ سَأَلْتَ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَمَّا يُكْرَهُ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، عَمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ؟ قَالَتْ: "نَهَانَا فِي ذَلِكَ أَهْلَ البَيْتِ أَنْ نَنْتَبِذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالمُزَفَّتِ"، قُلْتُ: أَمَا ذَكَرَتِ الجَرَّ وَالحَنْتَمَ؟ قَالَ: إِنَّمَا أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ، أَفَأُحَدِّثُ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟
س: ...........؟
الشيخ: يعني نهى عن النَّبيذ في غيرها، الكلام يظهر من السياق؛ لأنه نهى أن ينتبذ في الدباء والحنتم وغيره، وقال: انتبذوا في الأسقية التي ..... على أفواهها، المقصود الأسقية التي لا يتّضح فيها الأمر، مثل: الدباء والحنتم ...
الطالب: عمرو بن الأسود العنسي بالنون، وقد يُصغّر، يُكنى: أبا عياض، حمصي، سكن داريا، مخضرم، ثقة، عابد، من كبار التابعين، مات في خلافة معاوية (خ م د س ق).
الشيخ: نعم، رحمه الله.
 
5596- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُالوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الجَرِّ الأَخْضَرِ"، قُلْتُ: أَنَشْرَبُ فِي الأَبْيَضِ؟ قَالَ: لا.

الشيخ: المقصود أنه ﷺ كان في أول الأمر نهى عن الأوعية يُنتبذ فيها، من عادة العرب أن ينتبذوا فيها من الدباء والقرع والحنتم والنقيع والمزفت، وكانت ينبذ فيها، وتشتد فيها الأنبذة، وتخفى عليها، وربما شربوا الخمر، فنهاهم عنها: الدباء والحنتم والنقير والمزفت، وأمرهم أن ينبذوا في الأسقية التي من الجلد التي ...... على أفواهها؛ لأنها يتّضح فيها الخمر إذا اشتدَّ وتنشق ويُعرف حالها، ثم رخَّص لهم بعد ذلك في كل وعاءٍ وقال: لا تشربوا مُسْكِرًا، وهذا جاء صريحًا في رواية عبدالله بن مغفل، وهذه الرواية التي ساقها المؤلفُ واضحة في ذلك أيضًا، وإن كان بعض ..... المتن، لكن مدارها على هذا، الرسولﷺ نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، والحنتم جرار خضر تتّخذ من الطين كالفخار، فكان النَّهي أولًا،  وبقي على ذلك جماعة ظنّوا أن النبي لم ينسخها، منهم علي رضي الله عنه، خطب في خلافته في النهي عنه، ولم يبلغه النسخ، وأما الآخرون فبلغهم النّسخ، وعرفوا أنَّ هذه الأوعية أُبيح النبيذ فيها، لكن بشرط ألا يشرب المسلم مُسْكِرًا، بل يتحرى ويحذر.
س:  كأن المُزفت مُستثنًى من الرُّخصة؟
ج: كلها أُبيحت .....
س: قال: ..... غير المزفت؟
ج: لا، هذه الرواية فيها نظر، رواية عبدالله بن مغفل صحيحة، رواها مسلم في "الصحيح"، صريحة في هذا.
س: .............؟
ج: ما يدرون عنها، قد يشربون فيها الخمر، ما يدرون عن اشتداده.