82 من حديث: (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة..)

بَابُ الثِّيَابِ البِيضِ

5826 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ بِشِمَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَمِينِهِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يَوْمَ أُحُدٍ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ».

الشيخ: يعني ملكين يقاتلان ويدافعان عنه عليه الصلاة والسلام. تكلم عليه الشارح؟

الطالب: قَوْلُهُ: (بَابُ الثِّيَابِ الْبِيضِ) كَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ عَلَى شَرْطِهِ فِيهَا شَيْءٌ صَرِيحٌ فَاكْتَفَى بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ: عَلَيْكُمْ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ فَالْبَسُوهَا فَإِنَّهَا أَطْيَبُ وَأَطْهَرُ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وابن حبَان من حَدِيث ابن عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ، وَفِيهِ: فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ حَدِيثَيِ الْبَابِ حَدِيثُ سَعْدٍ وَهُوَ ابن أَبِي وَقَّاصٍ، تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الرَّجُلَيْنِ وَأَنَّهُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا إِسْرَافِيلُ.

الشيخ: المعنى أنها حضرا القتال في صورة رجلين كسائر الناس، وهما جبرائيل وميكائيل، وهذا وقع غير مرة، تشكل الملائكة وأنهم يأتون في صفات متنوعة، وهذا يدل على عظيم قدرة الله ، وأنه على كل شيء قدير، هذا الملك العظيم الذي له ستمائة جناح يسد الأفق إذا شاء الله قال له كن فكان رجلاً عليه ثياب بيض يحضر مع النبي القتال، وفي وقت آخر يأتي يسأل عن الإسلام والإيمان في صورة رجل غريب شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، وفي وقت آخر يأتيه في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وفي وقت آخر يأتي بصور أخرى، هذه من آيات الله العظيمة، وهو جل وعلا المالك لكل شيء، والقادر على كل شيء.

وفي هذا أيضاً كرامة له ﷺ، وعناية من ربه به، حين جعل هذين الملكين الذين من أشرف الملائكة، فجبرائيل أشرف الملائكة، ومعه ميكائيل، ميكائيل موكل بالقطر، وجبرائيل بالوحي، هذان من أعظم الملائكة يكونان معه يوم أحد، والمشركون أشد حنقًا عليه، وأحرص شيء على قتله يوم أحد فلم يقدروا، وكفاه الله شرهم وحماهم شرهم، وأصابه ما أصابه من الجراح عليه الصلاة والسلام ليرفع شأنه ويعظم أجره، وليكن لأمته فيه أسوة في الصبر، وأنه يصيبه من الأذى كما يصيب الناس، وفي غزوة أحد من الآيات والعجائب والعبر ما لا يحصى، وأعظم ذلك وأكبر ذلك أن أهل أحد أشرف الناس، وأفضل الناس، وفيهم أفضل الخلق رسول الله ﷺ، وأشرف الرسل، ومعه أشرف الأولياء، ومع هذا يسلط عليهم العدو فيقتل منهم جماعة، ويجرح منهم جماعة، وينهزمون بأسباب ما قد يرى من فشل ونزاع ومعصية من الرماة، فلو كان أحد ينصر ويحمى من أجل فضله ودينه فقط من غير أسباب لكان الرسول أولى بهذا عليه الصلاة والسلام، ولكان أصحابه أولى الناس بهذا فلما جرى عليهم ما جرى من النكبة بسبب المعصية والنزاع والفشل علم كل من له أدنى بصيرة أن الواجب على أهل الإيمان أن يأخذوا بالأسباب، وألا يتكلوا على مجرد الإيمان، وأنهم متى عصوا وخالفوا الأسباب فهم حريون بأن يصاب ويسلط عليهم عدوهم، ولو كانوا أفضل أهل الأرض، والله يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71] ويقول: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102] المقصود أنه جل وعلا أخبرهم بما يجب من الحيطة وأخذ بالأسباب، ولو كانوا خير خلق الله، ولو كانوا أفضل خلق الله، ولو كانوا أكثر الناس، فكيف إذا كان عدوهم أكثر منهم، وبهذا يعلم المؤمن غلط من يغلط من الناس ويقول: كيف أصاب وأنا مسلم كيف أصاب وأنا مؤمن كيف يسلط عليّ العدو كيف يهزم فلان وفلان، ما عنده بصيرة بالأسباب التي يترتب عليها النصر والهزيمة، كانوا يوم بدر أقل من عدوهم، كان عدوهم أضعافهم، ومع هذا نصروا يوم بدر لما توافرت فيهم أسباب النصر، وأذل الله عدوهم، وأسروا منهم ما أسروا، سبعين، وقتلوا سبعين، وحصل من العز والنصر ما علمه كل أحد، وفي يوم أحد جرى خلاف ذلك، بسبب ما جرى في الجيش من الخلل، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران:152] يعني سلطوا عليكم، هذا جواب محذوف سلطوا عليكم مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران:152] ابتلاهم وسلط عليهم العدو، ثم عفا عنهم، هذا من فضله ، ومن حكمته العظيمة، ومن ابتلائه لعباده، ومن تعليمه لهم، وتوجيهه لهم؛ ليعلموا أنه لا بدّ من تعاطي الأسباب التي شرعها الله، ولا بدّ من الأخذ بها، ولا بدّ من جمع الكلمة والتعاون والصدق وعدم الكذب، وعدم النزاع، وعدم الفشل، والله المستعان.

5827 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ.

الشيخ: وهذا تقدم في قصة خروج أبي ذر معه إلى الحرة واجتماعه بجبرائيل، وفيه في اللفظ الآخر: من شهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهذه قاعدة كلما جاءت لا إله إلا الله فلا بدّ معها من الشهادة بأن محمدًا رسول، هذه قاعدة معلومة من الشريعة، التوحيد وحده لا يكفي بعد بعث محمد ﷺ إلا مع تصديق محمد عليه الصلاة والسلام، وفي الأنبياء الماضين إلا مع تصديق النبي المرسل، ففي عهد نوح لا بدّ من التوحيد مع تصديق نوح، وفي عهد هود لا بدّ من التوحيد مع تصديق هود، وفي عهد صالح كذلك، وفي عهد إبراهيم كذلك، وفي عهد شعيب كذلك، وفي عهد موسى وهارون كذلك، وفي عهد عيسى كذلك، ثم جاء عهد محمد عليه الصلاة والسلام فلا بدّ فيه من التوحيد مع تصديق الرسول المبعوث الذي جاء بالتوحيد، وهذا فيه الرد على الخوارج ومن ذهب مذهبهم من أن العصاة مخلدون في النار، وأن الزاني مخلد في النار كافر، وأن السارق وشارب الخمر وأشباه ذلك مخلد في النار وكافر عند الخوارج، فهذا يرد عليهم، ويبين بطلان هذا المذهب الخبيث، وأن من أتى بالتوحيد والإيمان صادقًا دخل الجنة، وإن جرى عليه ما جرى، وإن جرى عقاب في معاصيه التي يموت عليها غير تائب، المقصود أن مآله الجنة، فقد يغفر له ويدخلها من أول وهلة، وقد يعاقب بقدر جرائمه، كما جاءت به النصوص المتواترة أن العصاة يدخلون النار ويعذبون فيها ما شاء الله، لكن هذا لا يمنع أن يكون من أهل الجنة في النهاية، وفي هذا تأكيد للمقام، لقوله: على رغم أنف أبي ذر؛ لأن أبا ذر كرر السؤال، فظهر منه أنه قد استنكر هذا، وأنه كيف يدخل الجنة وقد زنا وقد سرق، لعظم هذين الذنبين، فبين ﷺ أن هذا هو الواقع، وهو الحكم، وإن لم يرض هذا السائل، يعني وإن اشتبه عليه، ومعلوم أنه يرضا بشرع الله، لكن أراد الثبت في الأمر فبين له ﷺ أن المعاصي ما تمنع دخول الجنة لمن تاب منها أو عفا الله عنه، فإن لم يتب ولم يعف عنه فلا بدّ من تطهيره بالكير الذي جعله الله مطهرًا لخبث أهل المعاصي، وهو النار، فالمعاصي بين أمور ثلاثة: المعصية دون الشرك يعني، أما إن يتوب فهذا لا كلام ويدخل الجنة؛ لأن التوبة تمحو ما قبلها، الحال الثاني: ألا يتوب بل يموت على معصيته من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر فهذا على حالين: إما أن يعفا عنه، يعفو الله عنه، لأسباب اقتضتها حكمته سبحانه وتعالى: إما لأعمال صالحة فعلها كثيرة، أو لأسباب أخرى اقتضت عفو الله عنه، أو مواقف جليلة في جهاد أعداء الله عفي عنه بأسبابها، فالعفو له أسباب قد يكون عنده معصية لكن عنده جبال من الحسنات وعنده شيء كثير من الحسنات من جهاد وصدقات وأعمال صالحات عفا الله عنه بأسبابها.

الحالة الثالث: ألا يعفا عنه لا يتوب ولا يعفا عنه بل لقي الله ولم يعف عنه فبقيت الحال الثالثة حينئذ، وهي أن يعذب، إذا لم يتب في حياته ولم يعف عنه بعد الموت ما عفا الله عنه فإنه يدخل النار ويعذب فيها على حسب الجرائم التي مات عليها، وعلى حسب ما تقتضيه حكمة الله في المدة التي يقيمها، فهذا يقيم مقدار سنة، وهذا يقيم مقدار ألف سنة، وهذا يقيم مقدار مائة سنة على حسب ما تقتضيه أعمالهم الخبيثة، ويشفع فيهم الشفعاء من الملائكة والأنبياء والمؤمنين والأفراط كما جاء في أحاديث الشفاعة وغيرها ونبينا ﷺ يرفع أربع شفاعات في العصاة كما جاء في حديث أنس وغيره يتردد إلى ربه ويحمد ربه بمحامد عظيمة حتى يؤذن له بالشفاعة ثم يشفع فيحد له حد من العصاة ويخرجهم من النار ثم يعود فيشفع ثم يعود فيشفع ثم يعود فيشفع إلى حدود كلما ........ إلى حد يحد له منهم ثم بعد ذلك وبعد شفاعة الملائكة والأنبياء فيمن مات على المعصية من أممهم بعد هذا كله يبقى بقية من العصاة في النار فيقول الله جل وعلا: شفع الأنبياء وشفعت الملائكة وشفع المؤمنون ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين فيخرج الله من النار أقوامًا ما فعلوا خيرًا قط إلا أنهم كانوا يقولون لا إله إلا الله يعني إلا أنهم موحدون فيخرجهم الله من النار فلا يبق في النار أحد إلا من حكم عليه القرآن بالخلود يعني ما يبقى في النار إلا أهل الخلود وهم الكفار الذين حكم عليهم القرآن بأنهم مخلدون في النار أبد الآباد هؤلاء هم الذين يبقون في النار كما قال : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167] هؤلاء الوثنيون وكذلك قال فيهم سبحانه: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37] هؤلاء هم الكفرة من يهود ونصارى ووثنيين وسائر طبقات الكفار هم مخلدون في النار وقد جاء في بعض النصوص استعمال الخلود في العصاة وأنهم يخلدون كقاتل نفسه والزاني ومن جاء في معناهم فهؤلاء خلودهم غير خلود الكفار هذه المسألة قد تشتبه على بعض الناس كيف يقال خالدين كما في قاتل نفسه (خالدًا مخلدًا فيها أبداً) وفي آية الفرقان في المشرك والقاتل والزاني قال: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ذكر فيه الخلود والقاتل: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:93] هذا عند أهل العلم من أهل السنة قالوا: خلود مؤقت خلود غير خلود الكفار، خلود له نهاية، والعرب الذين جاء القرآن بلغتهم يسمون طول الإقامة خلود، إذا أقام عندهم الإنسان وطول قالوا أخلد، كما يقول الشاعر:

قاموا فأخلدوا، يعني: طولوا الإقامة، فالعاصي قد يخلد خلودًا طويلاً لكن له نهاية ثم بعد النهاية التي كتبها الله يخرجه الله من النار إلى الجنة.

فالحاصل أن هذا الحديث حديث أبي ذر لا ينافي ما علم من الدين بالضرورة من خطر الزنا وخطر السرقة وأنهما ذنبان عظيمان، وجريمتان عظيمتان، لكنهما لا يكفران العبد إذا لم يستحلهما تحت مشيئة الله، داخلان في قوله تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فالشرك لا يغفر بنص الكتاب العزيز: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ثم قال سبحانه: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فهذه الكلمة مَا دُونَ ذَلِكَ تشمل الزنا والسرقة والخمر والقتل وغير هذا من المعاصي التي لم يكفر صاحبها، ولا يقتضي هذا التهاون بهذه المعاصي والتساهل بها، إلا لمن لا يعقل النصوص ولا يعرفها، فإن زنا وإن سرق ليس معناها التهاون بهذين الذنبين، ولكن معناه أنه لا يمنعان من دخول الجنة وإن جرى على أصحابهما ما قد يجري من عذاب إذا لم يتوبا ولم يعفا عنهما؛ لأن النصوص تفسر بعضها بعضًا، وكلام الله يصدق بعضه بعضًا، ويفسر بعضه بعضًا، وهكذا كلام الرسول ﷺ يفسر بعضه بعضًا، وهو القائل جل وعلا: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23] يعني يشبه بعضه بعضًا، وهو القائل جل وعلا: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1] وهو القائل في الزنا: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32] وهو القائل: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] وهو القائل: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان:68] يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:69] هذه الآية لا تخالف الحديث المذكور: وإن زنا وإن سرق إلى آخره، فهو متوعد، وهو على خطر من دخول النار، وقد أتى جريمة عظيمة؛ لكن هذا كله لا يمنع من أن يعفو الله عنه، ولا يمنع من دخوله الجنة، إما بعد التوبة إن تاب أو بعد العفو أو بعد التطهير، فهو بين هذه الأمور الثلاث العاصي الزاني أو غيره: إما أن يتوب فينتهي أمره ويلحق بأهل الإيمان ويدخل الجنة من أول وهلة، وإما ألا يتوب ولكن يعفا عنه يعفو الله بعد ذلك ويرحمه بأسباب اقتضتها رحمة الله، فإنه قد يكون عنده: جهاد، وأعمال صالحة عظيمة، وصلوات، وصيام، وصدقات، وأعمال لا تحصى من الخير، ثم اقترف شرب مسكر أو سرقة فيما مضى من الزمان أو زنا ولم تقدر له التوبة، فالله عز وجل برحمته ومن عظيم إحسانه يغفر هذه الزلة في جنب تلك الأعمال العظيمة الصالحة، ويدخله الجنة، ويعفو عنه سبحانه وتعالى، وقد تكون الحال الثالثة: وهو أنه لا يغفر له، ولا يعفا عنه، بل يؤاخذ ويعذب مدة في النار يشاءها الله سبحانه وتعالى على حسب حكمته وعلمه جل وعلا، ثم بعدما يطهر في النار ويمحص ويزول خبثه ينقل منها إلى الجنة، هذه أمور عظيمة يجب الانتباه لها؛ لأن دعاة النار من الخوارج والمعتزلة والإباضية وأشباههم يشبهون على الناس في هذا ويقولون: أن الزاني مخلد في النار، وأن العاصي شارب الخمر مخلد في النار، وأن حديث أبي ذر هذا مشكل ويردونه، ويقولون: هذا كذب، وهذا ما يصلح، المقصود أنهم يأتون بأشياء قبيحة منكرة لأجل مخالفة مذهبهم، نسأل الله العافية.

س: ذكر في ثنايا الحديث أن الذين تنالهم رحمة الراحمين ما عملوا خيرًا قط إلا أنهم قالوا: لا إله إلا الله ؟

الشيخ: هذا آخر من يبقى في النار، يعني: من ماتوا على التوحيد.

س: لكننا نجد كثيرًا من الناس يتركون الصلاة، ومع ذلك يقولون: لا إله إلا الله، ورجح جماعة من العلماء بأن من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا ؟

الشيخ: يعني يقولون: لا إله إلا الله وليس عندهم ما يكفر فلا مانع، يقولون: لا إله إلا الله وليس معهم ما يكفرهم، هذا المعنى يعني معهم معاصي، لكن ما معهم ما يكفرهم، أما من قال: لا إله إلا الله وهو يسب محمدًا ينفعه؟ لو قال: لا إله إلا الله كل يوم مائة مرة لكن يقول محمد كذاب وأيش يصير؟ مخلد في النار وإلا ما هو مخلد؟ مخلد هذا المعنى أو يقول: أن الصلاة ما هي بواجبة على الناس، يبين له الأدلة ويقول: لا ما هي واجبة، والصيام ما هو واجب، والحج ما هو واجب، والزكاة ما هي واجبة، يخلد وإلا ما يخلد ولو قال: لا إله إلا الله، أو يسب الدين أو يستهزئ بالإسلام، فالحاصل: أن من يقول: لا إله إلا الله ويخرج من النار هذا ممن يقولها وليس معه ناقض من نواقض الإسلام، أما من كان عنده ناقض فهو مرتد، والمرتد شر من الكافر الأصلي مخلد في النار.

س: لكن البحث في الذي يتركها وهو لا يقول ليست واجبة هذا هو محل البحث؟

الشيخ: هذا شيء آخر، الصواب أنه كافر؛ لكن هو مثل غيره، إذا قلنا إنه كافر صار مثل من استهزأ بالدين أو كذب محمد، المعنى صار معه ناقض من نواقض الإسلام، أرأيت لو كان إنسانًا يصوم النهار ويقوم الليل ولا يزني ولا يسرق ولكنه أخذ المصحف وبال عليه احتقارًا له أو جلس عليه وأيش يصير؟ ما في خلاف بين أهل العلم أنه كافر مرتد، نسأل الله العافية، ولو أنه يصوم النهار، ويقوم الليل، ويشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فلا بدّ في الإسلام من عدم النواقض، يكون معه الإسلام ولكن ليس معه ناقض من نواقض الإسلام، ليس معه شيء من أسباب الردة، بنو حنيفة يصلون ويصومون ويشهدون أن محمدًا رسول الله وغيرها من أعمال الدين ومع هذا من أكفر الناس، قاتلهم الصحابة لماذا؟ لأنهم شهدوا بنبوة مسيلمة، وصار معهم ناقض من نواقض الإسلام؛ لأنه لا نبي بعد محمد، محمد خاتم الأنبياء، وهكذا أصحاب طليحة الأسدي، وهكذا أصحاب الأسود العنسي في اليمن، الدرب واحد، القاعدة أنه ما لم يكن معه ناقض.

س: الذي يصلي ويصوم في رمضان فقط ثم في سائر السنة يصلي الجمعة؟

الشيخ: هذا كافر، الصحيح من أقوال العلماء أنه كافر من لا يصلي إلا في رمضان فقط أو في الجمعة فقط كافر بلا شك: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر رواه أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح، وفي حديث جابر عند مسلم: بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة وفي الصحيحين لما قيل: يا رسول الله في الأمراء الذين يخالفون الأوامر ألا نقاتلهم؟ قال: لا، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان! ثم قال في اللفظ الآخر: ما أقاموا فيكم الصلاة! فدل على أن إقامة الصلاة تعصم، وترك الصلاة يسمى كفرًا بواحًا لا يعصم، نسأل الله العافية.

س:...............

الشيخ: إن كان عن توبة نفعه ذلك، وإن كان مجرد عادة ما هو عن توبة ما ينفعه.

س: صغير الشرك يعمه المغفرة كسائر الذنوب؟

الشيخ: نعم تعمه المغفرة، إذا تاب غفر الله له، إذا تاب من الشرك، أما إذا لم يتب فالمحقق عند أهل العلم أنه لا يغفر، الصغير لا يغفر؛ لكن يوازن بين أعماله الصالحة وسيئاته فإذا رجحت حسناته سقطت المؤاخذة مثل بقية المعاصي.

س: سمعت أحد المشايخ كان يشرح لنا في التوحيد ويقول بأن الشرك الأصغر وكأنه ينسب على غالب ظني إلى شيخ الإسلام بأن يعذب صاحب الشرك الأصغر كيفما كانت الحالة؟

الشيخ: لا، غلط، قد يُعفا عنه بسبب حسناته، نسأل الله العافية، يعني لعموم الأدلة أنه لا يغفر إلا بالتوبة، لكن قد يسقط جرمه وإثمه لرجحان ميزان حسناته.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا عِنْدَ المَوْتِ، أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ، وَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، غُفِرَ لَهُ.

الشيخ: هذا من باب الإيضاح من المؤلف، وأن هذا محمول على من تاب عند الموت، أو قبل الموت، ولم يأت بهذه السيئات، هذا قول، والصواب أنه ليس بشرط، وقد يعفا عنه، ولو كان ما تاب لأجل أعمال صالحات عند أهل السنة والجماعة. أيش قال الشارح عليه؟ وهذه مضلة أفهام ومزلة أقدام والله المستعان، ضل فيها الخوارج وأشباههم.

الطالب: وَقَوْلُهُ: "قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ" هُوَ الْبُخَارِيُّ، قَوْلُهُ: "هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ" أَيْ مِنَ الْكُفْرِ "وَنَدِمَ" يُرِيدُ شَرْحَ قَوْلِهِ: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة"َ وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ وَحَّدَ رَبَّهُ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ تَائِبًا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أُشِيرَ إِلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مَوْعُودٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ابْتِدَاءً وَهَذَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَيُشْتَرَطُ رَدُّهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ كَالْأَوَّلِ، وَيُثِيبُ اللَّهُ صَاحِبَ الْحَقِّ بِمَا شَاءَ، وَأَمَّا مَنْ تَلَبَّسَ بِالذُّنُوبِ الْمَذْكُورَةِ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ؛ لَكِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

الشيخ: وهذا هو الحق أنه تحت مشيئة الله، وليس من شرطه التوبة.

الطالب: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمَاضِي فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ فِيهِ: "وَمَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُعَاقَبْ بِهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ"، وَهَذَا الْمُفَسِّرُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُبْهَمِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرُدُّ عَلَى الْمُبْتَدَعَةِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَمِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ وُجُوبَ خُلُودِ مَنْ مَاتَ مِنْ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فِي النَّارِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، وَنَقَلَ ابن التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتِ التَّوْبَةُ مُشْتَرِطَةً لَمْ يَقُلْ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِمَّا ابْتِدَاءً وَإِمَّا بعد ذَلِك، وَالله أعلم.

الشيخ: وهذا هو الصواب، وكلام البخاري هنا ليس بجيد، لكن هذا ........ ولكن الصواب الذي عليه أهل السنة أنه وإن لم يتب فهو تحت مشيئة الله.

س: ما يحمل كلام البخاري على أن هذا أحد الحالين؟

الشيخ: لا شك أنه أحد الحالين لكن ما هو بشرط.

س: في قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

الشيخ: أجمع أهل العلم على أنها في التائبين؛ لأنه قال: يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وهذا يشمل الشرك وغيره، ما قال إلا الشرك، فهذا يعم الشرك وغيره، ولهذا أجمع العلماء على أنها في التائبين، أما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] هذه في غير التائبين، هذه في الذين ماتوا على غير توبة، وأما قوله: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53] هذه في التائبين؛ لأن الله عمم فيها وأطلق ولم يستثن شيئًا، بدليل أنه أطلق ولم يستثن الشرك، الشرك ما يغفر لمن مات عليه. ثم أمرهم بالإنابة يعني بالتوبة إلى الله ، والإنابة إليه جل وعلا؛ لأن هذا معنى لَا تَقْنَطُوا لا تقنطوا، وأنيبوا نعم.

بَابُ لُبْسِ الحَرِيرِ وَافْتِرَاشِهِ لِلرِّجَالِ، وَقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ

5828 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ، وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ بِأَذْرَبِيجَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنِ الحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الإِبْهَامَ، قَالَ: فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الأَعْلاَمَ».

الشيخ: تكلم عنه شيء؟

الطالب: قَوْلُهُ: "سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ" كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ وَشَذَّ عُمَرُ بن عَامِرٍ فَقَالَ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ فَذَكَرَ الْمَرْفُوعَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَأَشَارَ إِلَى تَفَرُّدِهِ بِهِ فَلَوْ كَانَ ضَابِطًا لَقُلْنَا سَمِعَهُ أَبُو عُثْمَانَ مِنْ كِتَابِ عُمَرَ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَكِنْ طُرُقُ الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُمَرَ لَا عَنْ عُثْمَانَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عُمَرَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ هُوَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ وَأَبُو عُثْمَانَ سَمِعَ الْكِتَابَ يُقْرَأُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ رِوَايَتُهُ لَهُ عَنْ عُمَرَ بِطَرِيقِ الْوِجَادَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةِ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَهُوَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عُتْبَةَ، وَقَدْ نَبَّهَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَصْلٌ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَدْرَكَهُ عَلَيْهِمَا، وَفِي ذَلِكَ رُجُوعٌ مِنْهُ عَنِ الِاسْتِدْرَاكِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: "وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ" صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ سُمِّيَ أَبُوهُ بِاسْمِ النَّجْمِ، وَاسْمُ جَدِّهِ يَرْبُوعُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ مَالِكٍ السُّلَمِيُّ، وَيُقَالُ: إِنَّ يَرْبُوعَ هُوَ فَرْقَدٌ وَأَنَّهُ لَقَبٌ لَهُ وَكَانَ عُتْبَةُ أَمِيرًا لِعُمَرَ فِي فُتُوحِ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ.

الشيخ: يكفي نعم.

5829 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ، وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَصَفَّ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ إِصْبَعَيْهِ، وَرَفَعَ زُهَيْرٌ الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ».

الشيخ: وفي رواية مسلم: الأربع الأصابع.

س: تكون في كل الثوب هذه؟

الشيخ: تجمع في كل الثوب، نعم كالعلم والأزرار وأشباه ذلك، يعني موضع أربعة أصابع فقط، سواء كان في طرف أو مجمعة من هنا ومن هنا، المراد أربع أصابع فقط لا زيادة طولها وعرضها من هذا إلى أطرافها.

س:...........

الشيخ: غلط إذا زاد على الأربع فهو محرم.

5830 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لاَ يُلْبَسُ الحَرِيرُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لَمْ يُلْبَسْ فِي الآخِرَةِ مِنْهُ حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ وَأَشَارَ أَبُو عُثْمَانَ، بِإِصْبَعَيْهِ: المُسَبِّحَةِ وَالوُسْطَى.

5831 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ، بِالْمَدَايِنِ، فَاسْتَسْقَى، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَرَمَاهُ بِهِ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ، وَالحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ، هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ.

5832 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ: أَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ شَدِيدًا: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا فَلَنْ يَلْبَسَهُ فِي الآخِرَةِ.

5833 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، يَخْطُبُ يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ.

الشيخ: وهذا وعيد عظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا كله في حق الرجال.

5834 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي ذِبْيَانَ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ، قَالَتْ مُعَاذَةُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ: سَمِعَ عُمَرَ: سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ.

5835 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الحَرِيرِ فَقَالَتْ: ائْتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: سَلْ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ فَقُلْتُ: صَدَقَ، وَمَا كَذَبَ أَبُو حَفْصٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي عِمْرَانُ، وَقَصَّ الحَدِيثَ.

بَابُ مَسِّ الحَرِيرِ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ

وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

5836 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثَوْبُ حَرِيرٍ، فَجَعَلْنَا نَلْمُسُهُ وَنَتَعَجَّبُ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: مَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا.

الشيخ: وهذا فضل عظيم لسعد، ويدل على أن اللمس لا يضر، والممنوع لبسه، أما كونه يمسها ويقلبها وينظر إليها فلا يضر، لكن نهي عن لبسه للرجال، وفي هذا فضل سعد، وأن المناديل التي يستعملها بيده خير من هذا أفضل والله أكبر، والمنديل يستعمل لمسح العرق أو لغير هذا.

س:............

الشيخ: من باب الوعيد، من باب التحذير، من باب الوعيد عند أهل السنة؛ لأن أهل الجنة لباسهم الحرير، فظاهره يعني يمنع من دخول الجنة من باب الوعيد مثل: لا يدخل الجنة نمام من باب الوعيد، للحذر من هذه المعاصي، فإذا تاب الله عليه وعفا عنه دخل.

بَابُ افْتِرَاشِ الحَرِيرِ

وَقَالَ عَبِيدَةُ: هُوَ كَلُبْسِهِ.

5837 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ».

بَابُ لُبْسِ القَسِّيِّ

وَقَالَ عَاصِمٌ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: "قُلْتُ: لِعَلِيٍّ: مَا القَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنَ الشَّأْمِ، أَوْ مِنْ مِصْرَ، مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ وَفِيهَا أَمْثَالُ الأُتْرُنْجِ، وَالمِيثَرَةُ: كَانَتِ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ، مِثْلَ القَطَائِفِ يُصَفِّرْنَهَا" وَقَالَ جَرِيرٌ: عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ: القَسِّيَّةُ: ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُجَاءُ بِهَا مِنْ مِصْرَ فِيهَا الحَرِيرُ، وَالمِيثَرَةُ: جُلُودُ السِّبَاعِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "عَاصِمٌ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ فِي المِيثَرَةِ".

5838 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَيَاثِرِ الحُمْرِ وَالقَسِّيِّ».

الشيخ: شف كلامه على ......

الطالب: وَالْمِيثَرَةُ هِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدهَا رَاءٌ ثُمَّ هَاءٌ وَلَا هَمْزَ فِيهَا، وَأَصْلُهَا مِنَ الْوَثَارَةِ أَوِ الْوَثِرَةِ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْوَثِيرُ هُوَ الْفِرَاشُ الْوَطِيءُ وَامْرَأَةٌ وَثِيرَةٌ كَثِيرَةُ اللَّحْمِ، قَوْلُهُ: "كَانَتِ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ مِثْلَ الْقَطَائِفِ يَصِفُونَهَا" أَيْ يَجْعَلُونَهَا كَالصِّفَةِ، وَحَكَى عِيَاضٌ فِي رِوَايَةِ: يُصَفِّرْنَهَا بِكَسْرِ الْفَاءِ ثُمَّ رَاءٍ وَأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا، وَإِنَّمَا قَالَ: يَصِفُونَهَا بِلَفْظِ الْمُذَكَّرِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ النِّسَاءَ يَصْنَعْنَ ذَلِكَ، وَالرِّجَالُ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ اللُّغَوِيُّ: وَالْمِيثَرَةُ مُرْفَقَةٌ كَصِفَةِ السَّرْجِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: هُوَ وِطَاءٌ يُوضَعُ عَلَى سَرْجِ الْفَرَسِ أَوْ رَحْلِ الْبَعِيرِ كَانَتِ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِأَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْأُرْجُوَانِ الْأَحْمَرِ وَمِنَ الدِّيبَاجِ وَكَانَتْ مَرَاكِبَ الْعَجَمِ، وَقِيلَ: هِيَ أَغْشِيَةٌ لِلسُّرُوجِ مِنَ الْحَرِيرِ، وَقِيلَ: هِيَ سُرُوجٌ مِنَ الدِّيبَاجِ، فَحَصَلْنَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ فِي تَفْسِيرِ الْمِيثَرَةِ: هَلْ هِيَ وِطَاءٌ لِلدَّابَّةِ أَوْ لِرَاكِبِهَا أَوْ هِيَ السَّرْجُ نَفْسُهُ أَوْ غِشَاوَةٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمَيَاثِرُ الْحُمُرُ كَانَتْ مِنْ مَرَاكِبِ الْعَجَمِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ دِيبَاجٍ.

الشيخ: تسميتها ميثرة تدل على أنها توضع على السرج ليرتاح عليها الراكب، وهي من الحرير والديباج فنهوا عنها، وقال بعضهم مطلقًا لأنها من مراكب العجم؛ لأنها كان اعتادها العجم ولم تكن من زي المسلمين، فيكون فيها التشبه، ومعلوم أنه ما كان من الحرير ينهى عنه الرجل أن يتخذه على سرج فرسه أو بعيره، وإذا كان من زي الأعاجم وليس من زي المسلمين كذلك ينهى عنه لأجل عدم التشبه، فاليوم هذا هو آخر الدرس في شعبان؛ لأن عندنا سفر إلى الطائف إن شاء الله، فيكون اليوم هو آخر الدروس من شهر شعبان، ونسأل الله أن يعيدها وأن يسهل أمرنا على خير وعافية وعلى أحسن من ذلك؛ لكن يكون اليوم هو آخر الدروس. نعم

بَابُ مَا يُرَخَّصُ لِلرِّجَالِ مِنَ الحَرِيرِ لِلْحِكَّةِ

5839 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لُبْسِ الحَرِيرِ، لِحِكَّةٍ بِهِمَا».

الشيخ: وهذا يدل على جواز العلاج بمثل هذا؛ لأن تحريم الحرير ليس لذاته كالخنزير ونحوه؛ بل لما فيه من مشابهة أعداء الله، ومشابهة النساء، فلما كان تحريمه عارضًا لأسباب خاصة جاز للحاجة، لعلاج، ولهذا أبيح لهما لبسه من أجل الحكة التي أصابتهما بسبب كثرة القمل والشعث والغبرة وكثرة الجهاد والبعد عن .......

بَابُ الحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ

5840 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: «كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي».

5841 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ تُبَاعُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ ابْتَعْتَهَا تَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ إِذَا أَتَوْكَ وَالجُمُعَةِ؟ قَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ حُلَّةً سِيَرَاءَ حَرِيرٍ كَسَاهَا إِيَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَقُولُ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَبِيعَهَا، أَوْ تَكْسُوَهَا.

الشيخ: والمعنى أنه ما يفهم من العطية جواز الاستعمال، فإذا أعطاه ملابس من الحرير فليس معناه الإذن، ولهذا قال: لم أعطكها لتلبسها وإنما لتبيعها أو تكسوها، فالحلة تباح للنساء، وأيضًا بيعها في بلاد الكفار فينتفع بها المؤمن فيجوز من العطايا والهبات ما لا يجوز استعماله يبيعاها المعطى ويستفيد منه.

س: قوله أو تكسوها؟

الشيخ: يكسوها النساء يعني.

5842 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بُرْدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ».

بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَجَوَّزُ مِنَ اللِّبَاسِ وَالبُسْطِ

5843 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَبِثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ، عَنِ المَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلْتُ أَهَابُهُ، فَنَزَلَ يَوْمًا مَنْزِلًا فَدَخَلَ الأَرَاكَ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُهُ فَقَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ثُمَّ قَالَ: كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ لاَ نَعُدُّ النِّسَاءَ شَيْئًا، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ وَذَكَرَهُنَّ اللَّهُ، رَأَيْنَا لَهُنَّ بِذَلِكَ عَلَيْنَا حَقًّا، مِنْ غَيْرِ أَنْ نُدْخِلَهُنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِنَا، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي كَلاَمٌ، فَأَغْلَظَتْ لِي، فَقُلْتُ لَهَا: وَإِنَّكِ لَهُنَاكِ؟ قَالَتْ: تَقُولُ هَذَا لِي وَابْنَتُكَ تُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ، فَأَتَيْتُ حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا: إِنِّي أُحَذِّرُكِ أَنْ تَعْصِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهَا فِي أَذَاهُ، فَأَتَيْتُ أُمَّ سَلَمَةَ فَقُلْتُ لَهَا، فَقَالَتْ: أَعْجَبُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، قَدْ دَخَلْتَ فِي أُمُورِنَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ؟ فَرَدَّدَتْ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِذَا غَابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدْتُهُ أَتَيْتُهُ بِمَا يَكُونُ، وَإِذَا غِبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدَ أَتَانِي بِمَا يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مَنْ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِ اسْتَقَامَ لَهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَلِكُ غَسَّانَ بِالشَّأْمِ، كُنَّا نَخَافُ أَنْ يَأْتِيَنَا، فَمَا شَعَرْتُ إِلَّا بِالأَنْصَارِيِّ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، قُلْتُ لَهُ: وَمَا هُوَ، أَجَاءَ الغَسَّانِيُّ؟ قَالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَاكَ، طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، فَجِئْتُ فَإِذَا البُكَاءُ مِنْ حُجَرِهِنَّ كُلِّهَا، وَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ قَدْ صَعِدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، وَعَلَى بَابِ المَشْرُبَةِ وَصِيفٌ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِي، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ، «فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ مِرْفَقَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِذَا أُهُبٌ مُعَلَّقَةٌ وَقَرَظٌ» فَذَكَرْتُ الَّذِي قُلْتُ لِحَفْصَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَالَّذِي رَدَّتْ عَلَيَّ أُمُّ سَلَمَةَ، «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَبِثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ».

الشيخ: والشاهد منه قوله: إنه وجدته على حصير قد أثر في جنبه، وكانت له وسادة من أدم من جلد حشوها ليف، هذا يدل على تواضعه ﷺ، وتقلله من الدنيا، وعدم عنايته بالرفاهية عليه الصلاة والسلام.

وفي هذا أيضًا الحث على الحرص على العلم، والتناوب فيه إذا كان الإنسان يمنعه مانع من حضور العلم ينبغي أن يكون له من ينوب عنه حتى يبلغه ما يجد من فوائد وما يحصل من فائدة قد تخفى عليه، فهذا الأنصاري مع عمر كانا يتناوبان، فإذا شهد عمر وغاب الأنصاري بلغه عمر ما شهد من أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومتى غاب عمر بلغه الأنصاري، فينزل هذا يوم، وينزل هذا يوم؛ لينظرا ما وقع من الوحي، وما ينزل من الوحي، وما يجد من الأحكام؛ فيستفيد كل واحد من نزول الآخر، وفي هذا أيضًا من الفوائد النصح للمسلمين ولخواصهم، وأنه لا حرج أنه يدخل الإنسان للإصلاح بين الرجل وأهله إذا بلغه شيء، إذا كانت له قدرة في ذلك، فإن النبي ﷺ ما أنكر على عمر دخوله في هذا الموضوع، وقد نصح حفصة ونصح أم سلمة؛ فدل ذلك على أن دخول الرجل الذي له كلمة ويرجا نفعه دخوله في الإصلاح بين الناس وبين الكبار لعله يزول ما قد يقع من سوء تفاهم فهذا أمر مطلوب، وفيه ما كانت عليه الجاهلية من احتقار النساء، وأنهم كانوا يحتقرون النساء، وربما وأدوهن حيات كما بينه الله عز وجل، وربما قتلوا الأولاد من الإملاق، فجاء الله بالإسلام وأكرم المرأة ورفع شأنها وجعل لها حقًا عظيمًا، فعرف المسلمون لها شأنها وحقها، وكانوا لا يدخلون النساء في شؤونهم فتكلمت ذات يوم زوجة عمر معه في شيء من شأنه فاستغرب هذا منها فقالت: كيف تستغرب هذا وابنتك عند رسول الله تفعل كذا وكذا وأزواجه يهجرونه إلى الليل، فلهذا اشتد عمر في هذا وخاف على أزواج النبي من الخطر من غضب الله لغضب رسوله عليه الصلاة والسلام؛ فالحاصل من هذا أن الواجب احترام النساء وإعطاؤهن حقوقهن وعدم احتقارهن، والله جعل لهن حقوقًا، وجعل لهن نصيبًا من الإرث، وأوجب لهن العشرة الطيبة بالمعروف؛ فالواجب أن يحترمن، وأن يعطين حقوقهن، وألا يحتقرن، وقد أشارت أم سلمة رضي الله عنه يوم الحديبية مشورة عظيمة لم ينتبه لها سواها، فإنه ﷺ لما أمر الناس يوم الحديبية أن ينحروا ويحلوا لما تم الصلح بينه وبين قريش على أنه يرجع إلى المدينة ولا يعتمر ذاك العام حقنًا للدماء توقف بعض الصحابة في ذلك ولم يعجلوا رجاء أن يتيسر لهم العمرة؛ لأنهم على باب مكة على الحدود فكانوا حريصين أن يأخذوا عمرة، فلهذا لم يعجلوا رجاء أن يسهل الله لهم دخول مكة، لأخذ العمرة؛ فغضب النبي ﷺ من ذلك، وشق عليه تأخرهم، فدخل على أم سلمة فسألته عن ذلك عن أسباب غضبه قال: إني آمر بالأمر فلم يمتثل، قالت: يا رسول الله إنهم إنما ينتظرون أمرك فإذا كنت تريد أنهم يمتثلون وأن الأمر ما فيه حيلة يعني ما فيه رجاء دخول مكة فابدأ بنفسك: انحر هديك، وأحلق، فإذا رأوك بادروا وعرفوا أن الأمر ما فيه حيلة، فقبل مشورتها رضي الله عنها، وخرج إلى الناس، وأمر بنحر هديه، فلما رأوه أمر بالنحر بادروا رضي الله عنهم وأرضاهم وسارعوا إلى نحر هداياهم وإلى حلق رؤوسهم والتحلل، وعرفوا أن الأمر لا حيلة فيه، وأنه لا بدّ من الرجوع، فهذه المشورة حلت مشكلة كبيرة، وسارع الناس إلى التحلل لما رأوه ﷺ بادر بالتحلل عليه الصلاة والسلام.

5844 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ، كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ يَوْمَ القِيَامَةِ.

الشيخ: عارية بالجر والرفع بس، كاسية عارية بالجر على ........ وعاريةٌ على المعنى لأن كم من صيغ التكثير.

الطالب: والحال أنها عارية؟

الشيخ: لا، لأنها نكرة ليس بينهما مسوغ؛ اللهم إلا أن يقال في الدنيا لأنها نوع مخصص في الدنيا... والنكرة إذا خصصت جاز مجيء الحال منها، له وجه: جاء رجل ضعيف راكبًا، له وجه. تكلم عليه الشارح ذكر وجه النصب؟ ما تعرض؟

الطالب: العيني.

الشيخ: العيني أيش قال؟

الطالب: قوله: "عارية" بالجر أي كم كاسية عارية عرفتها، وبالرفع: أي اللابسات رقيق الثياب التي لا تمنع من إدراك لون البشرة معاقبات في الآخرة بفضيحة التعري، أو اللابسات للثياب النفيسة عاريات من الحسنات في الآخرة، فهو حض على ترك السرف بأن يأخذن أقل الكفاية، ويتصدقن بما سوى ذلك.

الشيخ: ما ذكر النصب، والجر والرفع أظهر، والنصب له وجه من جهة ما تقدم في الدنيا نوع من التخصيص.

قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَكَانَتْ هِنْدٌ لَهَا أَزْرَارٌ فِي كُمَّيْهَا بَيْنَ أَصَابِعِهَا».

الشيخ: وهذا مثل الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا فهذا يدل على التحذير من هاتين الصفتين ضرب الناس وإيذاء الناس بغير حق، والثانية وجود نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات كاسيات من نعم الله، عاريات من شكرها، هذا أحد القولين، والقول الآخر: أن المعنى كاسيات بثياب رقيقة أو قصيرة لا تستر عاريات في المعنى، وكلاهما مذموم هذا وهذا فترك ....... مذموم، وترك الملابس الضافية الساترة مذموم، ومن التبرج والفتنة، ولهذا توعد عليه بالنار، مائلات عن العفة والاستقامة، مميلات لغيرهن بإيقاعهن في الفواحش والمنكرات، نسأل الله السلامة والعافية.

س: من يوقظ صواحب الحجرات، ما المقصود؟

الشيخ: يعني ليجتهدن في طاعة الله والصلاة في آخر الليل؛ لأن هذا من أسباب العافية والسلامة، المراد به زوجاته عليه الصلاة والسلام، حث لهن على قيام الليل والتهجد في آخر الليل، والله المستعان.

وفي هذا قوله: ماذا أنزل من الخزائن وماذا أنزل من الفتن، فيه أن الدنيا جاءت بعده ﷺ جاءت الفتن، وجاءت الخزائن، جاء المال، وجاءت الفتن مع المال، بسط الله على أمته من المال والخير العظيم، وجاء معه الفتن الكثيرة، ولهذا قال بعض الصحابة: أو يأتي الخير بالشر؟ قال: أو خير هو إنما أخشى ما أخشى عليكم ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا ثم قال بعد ذلك: إني أخشى أن تبسط لكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

.......

ومن هذا حديث أبي سعيد رواه مسلم: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.

بَابُ مَا يُدْعَى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا

5845 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدٍ، قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، قَالَ: مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الخَمِيصَةَ فَأُسْكِتَ القَوْمُ، قَالَ: ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ فَأُتِيَ بِي النَّبِيُّ ﷺ فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ: أَبْلِي وَأَخْلِقِي مَرَّتَيْنِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ: يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا وَيَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا وَالسَّنَا بِلِسَانِ الحَبَشِيَّةِ الحَسَنُ قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِي: أَنَّهَا رَأَتْهُ عَلَى أُمِّ خَالِدٍ.

الشيخ: وهذا فيه تواضعه وحسن خلقه، يلبس هذه الطفلة الصغيرة هذا اللباس، وقال: أبلي وأخلقي، أبلي وأخلقي، يعني: دعاء لها بطول العمر، وأنها تبليها وتخلقها، وتلبس غيرها، ضبطه عندك؟

الطالب: تقدم بيان الاختلاف في قوله لها: (أبلي وأخلقي) هل بالقاف أو الفاء.

الشيخ: بس، والعيني ما ضبط؟ ما يخالف!. أخلفي بمعنى الخلف يعني تعطي خلفًا منها، وأخلقي يعني يطول العمر حتى تخلقها.

س:.............

الشيخ: يستحب أن يحمد الله على ما يسر يقول: اللهم أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له، كان يقول هذا عليه الصلاة والسلام.

س:...........

الشيخ: حديث أبي سعيد كان إذا لبس جديدًا قال: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له.

...............

بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ

5846 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ».

بَابُ الثَّوْبِ المُزَعْفَرِ

5847 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ المُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ بِزَعْفَرَانٍ».

بَابُ الثَّوْبِ الأَحْمَرِ

5848 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعَ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ».

بَابُ المِيثَرَةِ الحَمْرَاءِ

5849 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ: عِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالقَسِّيِّ، وَالإِسْتَبْرَقِ، وَالمَيَاثِرِ الحُمْرِ».

الشيخ: فسرت لأنها من الحرير، وفسرت لأنها من زي الأعاجم، المياثر التي يركب عليها توضع فوق القتب على الدابة، فإن كانت من زيهم فللتشبه، وإن كانت من حرير فلأن لبس الحرير يدخل فيه الجلوس عليه، وبعضهم كره الأحمر القاني الخالص، ولهذا جاء في رواية الأخرى أنه يستحب أن يكون الأحمر فيه شيء من خطوط أخرى كخطوط سود أو بيض أو خضر أو ما أشبه ذلك، ما يكون خالصًا بالكلية، والجمهور على عدم الكراهة، لأجل ما في النصوص الكثيرة على لبسه الأحمر عليه الصلاة والسلام. أيش قال الشارح على الميثرة؟

الطالب: قَوْلُهُ: "بَابُ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ" ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺمَرْبُوعًا وَرَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَمَّ سِيَاقًا من هَذَا.

قَوْلُهُ: "عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ" هُوَ السَّبِيعِيُّ، سَمِعَ الْبَراء هُوَ ابن عَازِبٍ، كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَخَالفهُم أَشْعَثُ فَقَالَ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَأَعَلَّهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ صَحِيحَانِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَرِيبًا، وَيَأْتِي وَفِيهِ: حُلَّةٌ حَمْرَاءُ أَيْضًا، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِمِنًى عَلَى بَعِيرٍ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ نَحْوُهُ، لَكِنْ قَالَ: بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّزَعْفُرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَصْفَرِ فَإِنَّ غَالِبَ مَا يُصْبَغُ بِالْعُصْفُرِ يَكُونُ أَحْمَرَ، وَقَدْ تَلَخَّصَ لَنَا مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْبَرَاءِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي قِلَابَةَ وَأَبِي وَائِلٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، الْقَوْلُ الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيّ وَأخرج ابن ماجة من حَدِيث ابن عُمَرَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُفَدَّمِ، وَهُوَ بِالْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَهُوَ الْمُشْبَعُ بِالْعُصْفُرِ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى عَلَى الرَّجُلِ ثَوْبًا مُعَصْفَرًا جَذَبَهُ وَقَالَ: دَعُوا هَذَا للنِّسَاء، أخرجه الطَّبَرِيّ، وَأخرج ابن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ: الْحُمْرَةُ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ، وَصَلَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَدِيٍّ وَمَنْ طَرِيقِ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ رَافِعِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ: أَنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ وَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ وَكُلَّ ثَوْبٍ ذِي شهرة، وَأخرجه ابن مَنْدَهْ، وَأَدْخَلَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَرَافِعٍ رَجُلًا فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَبَالَغَ الْجَوْزَقَانِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُ بَاطِلٌ، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِ الْجَوْزَقَانِيِّ الْمَذْكُور وترجمه بالأباطيل، وَهُوَ بِخَط ابن الْجَوْزِيِّ، وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي أَكْثَرِ كِتَابِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، فَأَصَابَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْبَزَّارُ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى عَلَى رَوَاحِلِنَا أَكْسِيَةً فِيهَا خُطُوطُ عِهْنٍ حُمْرٌ فَقَالَ: أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ غَلَبَتْكُمْ، قَالَ: فَقُمْنَا سِرَاعًا فَنَزَعْنَاهَا حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إِبِلنَا، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَدِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَعَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْنُ نَصْبُغُ ثِيَابًا لَهَا بِمَغْرَةٍ إِذْ طَلَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْمَغْرَةَ رَجَعَ فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ غَسَلَتْ ثِيَابَهَا وَوَارَتْ كُلَّ حُمْرَةٍ فَجَاءَ فَدَخَلَ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، الْقَوْلُ الثَّالِثُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمُشْبَعِ بِالْحُمْرَةِ دُونَ مَا كَانَ صَبْغُهُ خَفِيفًا، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجاهد وَكَأن الْحجَّة فِيهِ حَدِيث ابن عُمَرَ الْمَذْكُورُ قَرِيبًا فِي "الْمُفَدَّمِ"، الْقَوْلُ الرَّابِعُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا لِقَصْدِ الزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَيَجُوزُ فِي الْبُيُوتِ وَالْمِهْنَةِ، جَاءَ ذَلِكَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي بَابِ التَّزَعْفُرِ، الْقَوْلُ الْخَامِسُ: يَجُوزُ لُبْسُ مَا كَانَ صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ، وَيُمْنَعُ مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ، جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْحُلَّةَ الْوَارِدَةَ فِي الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي لُبْسِهِ ﷺ الْحُلَّةُ الْحَمْرَاءُ إِحْدَى حُلَلِ الْيَمَنِ، وَكَذَلِكَ الْبُرْدُ الْأَحْمَرُ، وَبُرُودُ الْيَمَنِ يُصْبَغُ غَزْلُهَا ثُمَّ يُنْسَجُ، الْقَوْلُ السَّادِسُ: اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِمَا يُصْبَغُ بِالْمُعَصْفَرِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَلَا يُمْنَعُ مَا صُبِغَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَصْبَاغِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ الْمُتَقَدِّمُ، الْقَوْلُ السَّابِعُ: تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِالثَّوْبِ الَّذِي يُصْبَغُ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَا فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَحْمَرِ مِنْ بَيَاضٍ وَسَوَادٍ وَغَيْرِهِمَا فَلَا، وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ فَإِنَّ الْحُلَلَ الْيَمَانِيَّةَ غَالِبًا تَكُونُ ذَاتَ خُطُوطٍ حُمْرٍ وَغَيرهَا، قَالَ ابن الْقَيِّمِ: كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَلْبَسُ ثَوْبًا مُشْبَعًا بِالْحُمْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَتْبَعُ السُّنَّةَ وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ، وَالْبُرْدُ لَا يُصْبَغُ أَحْمَرَ صِرْفًا، كَذَا قَالَ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ غَالِبَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: الَّذِي أَرَاهُ جَوَازُ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ بِكُلِّ لَوْنٍ إِلَّا أَنِّي لَا أُحِبُّ لُبْسَ مَا كَانَ مُشْبَعًا بِالْحُمْرَةِ، وَلَا لُبْسَ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا، ظَاهِرًا فَوْقَ الثِّيَابِ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ مُرَاعَاةَ زِيِّ الزَّمَانِ مِنَ الْمُرُوءَةِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، وَفِي مُخَالَفَةِ الزِّيِّ ضَرْبٌ مِنَ الشُّهْرَةِ، وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُلَخَّصَ مِنْهُ قَوْلٌ ثَامِنٌ، وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ إِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لُبْسُ الْكُفَّارِ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ زِيُّ النِّسَاءِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الزَّجْرِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ؛ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لَا لِذَاتِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ الشُّهْرَةِ أَوْ خَرْمِ الْمُرُوءَةِ فَيُمْنَعُ حَيْثُ يَقَعُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَقْوَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المحافل والبيوت.

الشيخ: تم كلامه؟

الطالب: نعم.

الشيخ: بركة. شف كلامه على أول ما قرأت؟

الطالب: قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُرَخَّصُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْحَرِيرِ لِلْحِكَّةِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ، نَوْعٌ مِنَ الْجَرَبِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَذَكَرَ الْحِكَّةَ مِثَالًا لَا قَيْدًا، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الْجِهَادِ الْحَرِيرُ لِلْجَرَبِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: "حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ" كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ، قَوْلُهُ: "عَنْ أَنَسٍ" وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَنَسًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِهَادِ قَوْلُهُ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةِ بِهِمَا، أَيْ لِأَجْلِ الْحِكَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُمَا شَكَيَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَمْلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتَا فِي الْجِهَادِ، وَكَأَنَّ الْحِكَّةَ نَشَأَتْ مِنْ أَثَرِ الْقَمْلِ، وَتَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ يُخَفِّفُهَا لُبْسُ الْحَرِيرِ. انْتَهَى. وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا يَقِي مِنَ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ خَصَّ الْجَوَازَ بِالسَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، وَاخْتَارَهُ ابن الصَّلَاحِ، وَخَصَّهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ مَعَ ذَلِكَ بِالْحِكَّةِ، وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْقَمْلِ أَيْضًا، تَنْبِيهٌ وَقَعَ فِي الْوَسِيطِ لِلْغَزَالِيِّ أَنَّ الَّذِي رُخِّصَ لَهُ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ وَغَلَّطُوهُ، وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الرُّخْصَةَ خَاصَّةٌ بِالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد عَن عمر مَا يُوَافقهُ.

س: التحقيق بالتزعفر، ولبس الثوب المعصفر؟

الشيخ: هو الأظهر، الأظهر مثل ما تقدم، الرجال لا ينبغي لهم التزعفر؛ لأنه من زي النساء، ولأنه قد يسبب الفتنة، وأما الأحمر فالأفضل أن يكون مخططًا، جمعًا بين الأقوال كالقول السابع، أو يحمل على أنه إذا كان من زي النساء فالنهي عنه لأنه من زي النساء ذاك الوقت، أو كان شهرة كما قال بعضهم، يعني يترك إذا كان فيه علة أخرى تسبب تركه، وإلا فالنبي لبسه عليه الصلاة والسلام. فإذا كان هناك ما يسبب تركه؛ لأنه في وقت ما زي للنساء أو زي للأعاجم أو فيه شهرة ترك، وهذا لا يختص بالأحمر يعم غيره أيضًا.

.................

بَابُ النِّعَالِ السِّبْتِيَّةِ وَغَيْرِهَا

5850 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ أَبِي مَسْلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ».

5851 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ: أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: مَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لاَ تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلَّا اليَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ، أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلاَلَ، وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الأَرْكَانُ: «فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَيْنِ،

الشيخ: يعني الركن الأسود، والركن اليماني، يقال لهما: اليمانيان، ويقال للآخران: الشاميان والعراقيان؛ لأن الرسول لم يستلم إلا هذين، استلم الأسود وقبله، واستلم اليماني ولم يقبله.

وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهْلاَلُ: فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ».

الشيخ: والسبتية هي التي أزيل شعرها، جلد ليس فيه شعر، من السبت وهو القطع، ولا مانع من لبس السبتية المقطوع شعرها، ولا مانع من لبس ما فيها شعر، كلها نعال لا بأس بلبسها، لكن السبتية أولى، التي قد زال شعرها، وأما الصفرة فكان يخضب بالصفرة عليه الصلاة والسلام، وينهى عن السواد، كما قال عليه الصلاة والسلام: غيروا هذا الشيب، وخالفوا اليهود والنصارى فإنهم لا يصبغون ولكن لا يغير بالسواد الخالص بل بالحمرة أو بالصفرة، وأما الإهلال فإنه يكون يوم التروية؛ لأن الرسول أمر الصحابة أن يهلوا يوم التروية لما انبعثوا إلى منى، وهو أفضل من الإهلال في أول الشهر، الأفضل أن يكون الإهلال عند الانبعاث إلى منى.

س: بالكسر أو بالفتح السبتية؟

الشيخ: أظن فيها الوجهين السبت مصدر بمعنى القطع، والسبتية بمعنى المسبوتة، من الحِمل بمعنى المحمول يعني المقطوع شعره، أيش قال، ما ضبطه عندكم؟

الطالب: إلا بالكسر.

الشيخ: أيش قال؟

الطالب: قَوْلُهُ: "السِّبْتِيَّةُ" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَنْسُوبَةٌ إِلَى السِّبْتِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ الْمَدْبُوغَةُ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَعَنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ زَادَ الشَّيْبَانِيُّ: بِالْقَرَظِ، قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا الَّتِي حُلِقَ عَنْهَا الشَّعْرُ، قُلْتُ: أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَالِكٍ، نَقله ابن وَهْبٍ عَنْهُ، وَوَافَقَهُ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ السِّبْتِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْقَطْعُ، فَالْحَلْقُ بِمَعْنَاهُ، وَأَيَّدَ ذَلِك جَوَاب ابن عُمَرَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ، وَقَدْ وَافَقَ الْأَصْمَعِيُّ الْخَلِيلَ، وَقَالُوا: قِيلَ لَهَا سِبْتِيَّةٌ لِأَنَّهَا تَسَبَّتَتْ بِالدِّبَاغِ، أَيْ: لَانَتْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَلْبَسُ النِّعَالَ الْمَدْبُوغَةَ إِلَّا أهل السعَة، وَاسْتشْهدَ لذَلِك بشعر.

الشيخ: مثل ما ذكر السبتية ....... بمعنى مسبوتة، والمادة مأخوذة من السبت بالفتح.. القطع.

...............

5852 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ المُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ. وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ.

5853 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِزَارٌ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَعْلاَنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ.

الشيخ: في هذا اللفظ الأخير أخذ منه بعض أهل العلم نسخ القطع؛ لأنه خطب بهذا في عرفات، فقالوا هذا يدل على نسخ القطع، وأن الأمر فيه للندب، فالأقوال ثلاثة: وجوب القطع، واستحبابه، ونسخه، فحديث ابن عباس يدل على هذا، وهذا على النسخ أو أنه ليس للوجوب.

بَابُ يَبْدَأُ بِالنَّعْلِ اليُمْنَى

5854 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَتَنَعُّلِهِ».

بَابُ لاَ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ

5855 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لاَ يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا.

الشيخ: أيش قال الشارح عليه؟

الطالب: قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ أَنَّ النَّعْلَ شُرِعَتْ لِوِقَايَةِ الرِّجْلِ عَمَّا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ شَوْكٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَإِذَا انْفَرَدَتْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ احْتَاجَ الْمَاشِي أَنْ يَتَوَقَّى لِإِحْدَى رِجْلَيْهِ مَا لَا يَتَوَقَّى لِلْأُخْرَى، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ سَجِيَّةِ مَشْيهِ، وَلَا يَأْمَنُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْعِثَارِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَ جَوَارِحِهِ، وَرُبَّمَا نُسِبَ فَاعِلُ ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَالِ الرَّأْيِ أَوْ ضعفه، وَقَالَ ابن الْعَرَبِيّ: قيل الْعلَّة فِيهَا أَنَّهَا مشْيَة للشَّيْطَان، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الِاعْتِدَالِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْكَرَاهَةُ فِيهِ لِلشُّهْرَةِ فَتَمْتَدُّ الْأَبْصَارُ لِمَنْ تَرَى ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الشُّهْرَةِ فِي اللِّبَاسِ فَكُلُّ شَيْءٍ صَيَّرَ صَاحِبَهُ شُهْرَةً فَحَقُّهُ أَنْ يُجْتَنَبَ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَهَا، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: حَتَّى يُصْلِحَ نَعْلَهُ، وَلَهُ وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ أَوْ شِرَاكُهُ فَلَا يَمْشِ فِي إِحْدَاهُمَا بِنَعْلٍ وَالْأُخْرَى حَافِيَةً، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، فَهَذَا لَا مَفْهُومَ لَهُ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى الْإِذْنِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنَّمَا هُوَ تَصْوِيرٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، وَهُوَ التَّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا مُنِعَ مَعَ الِاحْتِيَاجِ فَمَعَ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ أَوْلَى، وَفِي هَذَا التَّقْرِيرِ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ حِينَ الضَّرُورَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهَا أَخَفُّ لِكَوْنِهَا لِلضَّرُورَةِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنْ لِعِلَّةٍ مَوْجُودَةٍ فِيهَا أَيْضًا، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى يُصْلِحَهَا، وَقَدْ رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقْفَهُ عَلَى عَائِشَةَ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: لَأُخِيفَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ فَيَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَة، وَكَذَا أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا، وَكَأَنَّهَا لَمْ يَبْلُغْهَا النَّهْيُ، وَقَوْلُهَا: لَأُخِيفَنَّ مَعْنَاهُ لَأَفْعَلَنَّ فِعْلًا يُخَالِفُهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ، فَرُوِيَ لَأُخَالِفَنَّ وَهُوَ أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ، وَرُوِيَ لَأَحْنَثَنَّ مِنَ الْحِنْثِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالْمُثَلَّثَةِ، وَاسْتُبْعِدَ؛ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَلَغَهَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَلَفَ عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ، فَأَرَادَتِ الْمُبَالَغَةَ فِي مُخَالَفَتِهِ، وَرُوِيَ لَأُخِيفَنَّ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ فَاءٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَدْ وَجَّهْتُ بِأَنَّ مُرَادَهَا أَنَّهُ إِذَا بَلَغَهُ أَنَّهَا خَالَفَتْهُ أَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْهَا، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَعْلَمُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ هَذَا الْحُكْمَ.

الطالب: وبالكسر جلود البقر، وكل جلد مدبوغ أو بالقرض.

الشيخ: السِّبت؟

الطالب: نعم.

بَابُ يَنْزِعُ نَعْلَهُ اليُسْرَى

5856 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، لِيَكُنِ اليُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ.

الشيخ:لا خير إلا دل عليه، ولا شر إلا حذرنا منه، اللهم صل عليه وسلم، هذه الأمور كلها متعلقة بالآداب الشرعية في الملابس عمومًا، وفي ملبس النعل، وأن السنة فيها أن يكون بادئًا باليمنى في اللبس، وباليسرى في النزع، وأن تكون للرجلين جميعا، ولا ينعل واحدة ويترك واحدة؛ لأن هذا مشوه لأمره، وعمله لافت للأنظار، فلا ينبغي أن يفعله، وجاء في حديث لا أذكر من خرجه الآن أنها مشية الشيطان، كما أشار إليه ابن العربي، لكن الحافظ لم يعتن به.

بَابُ قِبَالاَنِ فِي نَعْلٍ، وَمَنْ رَأَى قِبَالًا وَاحِدًا وَاسِعًا

الشيخ: قبالان ضبطه؟

الطالب: الْقِبَالُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ لَامٌ: هُوَ الزِّمَامُ، وَهُوَ السَّيْرُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ إِصْبَعَيِ الرجل.

5857 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ : «أَنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لَهَا قِبَالاَنِ».

5858 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ، قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، بِنَعْلَيْنِ لَهُمَا قِبَالاَنِ فَقَالَ ثَابِتٌ البُنَانِيُّ: «هَذِهِ نَعْلُ النَّبِيِّ ﷺ».

بَابُ القُبَّةِ الحَمْرَاءِ مِنْ أَدَمٍ

5859 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلاَلًا أَخَذَ وَضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ يَبْتَدِرُونَ الوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا، أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ».