90 من حديث: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة..)

بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] وَمَا يُنْهَى عَنِ الكَذِبِ

6094 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا.

6095 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.

الشيخ: وهذا الحديث والذي قبله مع الآية الكريمة كلها تدل على وجوب الصدق وعظم شأنه، وأن الواجب على أهل الإسلام أن يتحروا الصدق في أقوالهم وأعمالهم، وليس الصدق خاصًّا بالأقوال؛ بل يكون في الأعمال والأقوال جميعاً، في أعمال القلوب وفي أعمال الجوارح، ولهذا قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] وقال لما عدّد صفات المسلمين وتنوع أعمالهم قال في أثناء ذلك: والصادقين والصادقات فالصدق يكون من العبد في قوله وفي عمله الداخلي وفي عمله الظاهري وفي جميع تصرفاته، قال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35] هذه صفات وأخلاق لأهل الإسلام نَوَّعها سبحانه لينتبه لها المؤمن والمؤمنة، فالإيمان والقنوت وحفظ الفروج والصدق والصبر والصوم والذكر كله داخل في الإسلام والإيمان؛ لكن نوّعها لينتبه لها المؤمن وليخصها بعناية، فإن الإسلام انقياده لأمر الله وطاعته لله، ولا بدّ مع هذا الانقياد من إيمان صادق في القلوب وتصحيح للأعمال؛ ولهذا قال: وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثم ذكر الْقَانِتِينَ وهم أهل الطاعة الذين يجيئون بالطاعة ويستمرون فيها، ثم ذكر: وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ ذكر الصدق ثم الصبر ليبين أنه لا بدّ مع هذا كله من صدق لا يكفي مجرد الأعمال الظاهرة لا بدّ من صدق ولا بدّ من صبر على هذه الأعمال..... ثم التصدق فيه أن من أعمال الإسلام وأعمال المؤمنين التصدق على المحاويج ومواساة الفقير والمسكين والإعانة على كل مشروع خيري ينفع العباد، ثم ذكر الصوم، ومن عظم شأن الصوم ما يترتب عليه من الخير العظيم، ثم ذكر حفظ الفروج؛ لأن هذا من كمال الإيمان وتمامه، وعلامة الصدق حفظ الفروج، ثم الذكر الذي هو صفة عامة، فإن الذكر يكون في كل شيء، وهو وصف عام يحصل في الصلاة وفي الصوم وفي الصدق وفي الصدقة وفي الصبر وفي كل شيء فذكر الله عبادة عامة.. مستوفية لكل ما يتعاطاه العبد، فالذكر يكون بالقلب، الذكر يكون باللسان، الذكر يكون بالعمل، فهو في جميع أحواله وفي جميع تصرفاته مشروع له الذكر، وبيَّن الرسول ﷺ أن الصدق يهدي إلى البر، ومعنى البر يعني بر الأعمال والأقوال الصادق، يقوده صدقه ويهديه صدقه إلى أن يكون بارًّا في عمله وقوله وتصرفاته بعيدًا عن الفجور، ثم هذا البر يهديه إلى الجنة، يعني يقوده إلى الجنة ويكون من أسباب دخوله الجنة، والكذب بعكس ذلك يقوده إلى الفجور، والفجور يقوده إلى النار.

ثم ذكر الرسول ﷺ آية المنافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان لماذا؟ لعدم صدق قلبه، ما عنده صدق في القلب، إنما كلام في الظاهر يدفع به عن نفسه القتل أو غير ذلك من الأمور، وهو في الباطن مع الكذبة ومع الفجرة ومع الكفار؛ فلهذا صارت علامته: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، فليس عنده حواجز إيمانية تدفعه إلى الهدى والصدق، وليس عنده حواجز تمنعه من الباطل بل هو فارغ القلب خبيث القلب.

ومما يدل على عِظَم شأن الصدق قوله سبحانه في آخر سورة المائدة: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة:119].

هذا يبيّن أن الصدق يدفع إلى هذه الأمور، الصادق في قلبه وفي لسانه وعمله يستحق هذه الكرامة هَذَا يَوْمُ يعني يوم القيامة يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ، لو كان مجرد قول ما يكفي هذا، ما صارت لهم الجنات، لكن لصدقهم في القول والعمل، فعليك أن تحاسب نفسك أيها المؤمن في هذه الأمور، وأن تتحرى الصدق في كل أعمالك وتصرفاتك، إن صليت صليت صلاة الصادقين خاشعًا مطمئنًا مقبلًا عليها بقلبك وقالبك حافظًا بها في قلبك تعتني بها حتى تؤديها كاملة، هكذا إذا زكيت تعتني بالصدق، إذا صمت تعتني بالصدق، إذا جاهدت تعتني بالصدق، إذا حججت كذلك، وهكذا في الأمور كلها، أنت محتاج إلى الصدق المنبعث عن القلب حتى تكون الجوارح منقادة لما ينبعث من القلب: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة:119] هذا الخير العظيم والنتيجة العظيمة لهذا الصدق فما أوْلى المؤمن والمؤمنة وما أولى كل طالب للنجاة وما أولى كل عاقل أن يتحرى هذا الصدق وأن يأخذ به.

6096 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، قَالاَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يَكْذِبُ بِالكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.

الشيخ: يعني..... فرأى هذا الرجل الذي قام عليه بالكلوب يشق شدقه من هنا ومن هنا، نعوذ بالله، كلما فرغ منه عاد كما كان، نسأل الله العافية، هذا هو الكذاب الذي يكذب الكذبة تنتشر في الآفاق وهي لا صحة لها، نسأل الله العافية، مات فلان، تولى فلان، قتل فلان، صار كذا صار كذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

س: الشدق؟

الشيخ: هذا الشدق، طرفي الفم. أيش قال عليه الشارح على حديث سمرة؟

الطالب: قَالَا: الَّذِي رَأَيْتُهُ يُشَقُّ شِدْقَهُ فَكَذَّابٌ هَكَذَا وَقَعَ بِالْفَاءِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَوْصُولَ الَّذِي يَدْخُلُ خَبَرَهُ الْفَاءُ يشْتَرط أَن يكون مُبْهما عَامًّا، وَأجَاب ابن مَالِكٍ بِأَنَّهُ نَزَّلَ الْمُعَيَّنَ الْمُبْهَمَ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ إِشَارَةً إِلَى اشْتَرَاكِ مَنْ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ فِي الْعقَاب الْمَذْكُور، وَالله أعلم.

الشيخ: العيني قال شيئًا؟

الطالب:.....

الشيخ: نعم، الحديث الثالث، نعم.

الطالب: قبله قال: وَأَخْبَرَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بِعُقُوبَةِ الْكَاذِبِ بِأَنَّهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ فَمُهُ الَّذِي كَذَبَ بِهِ، قُلْتُ: وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ عُقُوبَةَ الْكَاذِبِ أُطْلِقَتْ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِالنَّارِ، فَكَانَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بَيَانُهَا، قَوْلُهُ: فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ.

الشيخ: نعم.

بَاب فِي الهَدْيِ الصَّالِحِ

6097 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمُ الأَعْمَشُ: سَمِعْتُ شَقِيقًا، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ، يَقُولُ: «إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لاَ نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلاَ».

الشيخ: هو ابن مسعود .. تكلم عليه؟

الطالب: قَوْلُهُ: لِابْنِ أُمِّ عَبْدٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ تَأْكِيدٌ بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِأَنَّ الْمَكْسُورَة الَّتِي فِي أول الحَدِيث، وابن أُمِّ عَبْدٍ هُوَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ جَلِيلَةٌ لِشَهَادَةِ حُذَيْفَةَ لَهُ بِأَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ شَبَهًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ، وَفِيهِ تَوَقَّى حُذَيْفَةُ حَيْثُ قَالَ: مِنْ حِينِ يَخْرُجُ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ، فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ فِي الشَّهَادَةِ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ مُشَاهَدَتُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا أَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ إِذَا خَلَا يَكُونُ فِي انْبِسَاطِهِ لِأَهْلِهِ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ عَنْ هَيْئَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَهْلِهِ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ نَقْصٍ فِي حَقِّ عَبْدِاللَّهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى سَمْتِهِ وَهَدْيِهِ وَدَلِّهِ فَيَتَشَبَّهُونَ بِهِ، فَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ سَمِعْتُ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ حُسْنَ الْهَدْيِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ الْعَمَلِ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.

الشيخ: وصدق ؛ لأن حسن الهدي يتأسى به، وقد يكون عنده أعمال جليلة في داخل لكن لا يدرون عنها، لكن حسن الهدي بما يراه الناس وحسن السمت والدل واتباع الشرع في ذلك والتحري ينفع الناس؛ لأنهم يشاهدونه ويرونه، أما في داخل بيته ما قد يزيد من العمل من تهجد أو قراءة، هذا بينه وبين ربه لا يعلمه إلا أهل بيته، لكن حسن الدل والهدي والسمت في صلواته وفي مشيه وفي كلامه وفي غير ذلك هو الذي ينتفع به الناس الآخرون.

6098 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُخَارِقٍ، سَمِعْتُ طَارِقًا، قَالَ: قَالَ عَبْدُاللَّهِ: "إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ".

بَاب الصَّبْرِ عَلَى الأَذَى

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]

6099 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ، أَوْ: لَيْسَ شَيْءٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ.

الشيخ: والمعنى أنه سبحانه أصبر شيء على أذى العباد؛ فهو سبحانه ليس هناك من هو أصبر منه على الأذى، ولهذا جل وعلا لم يعاجل بالعقوبة، بل يعيش الكافر المدة الطويلة والكفرة المدة الطويلة ولا يعجل عليهم بالعقاب سبحانه وتعالى مع كفرهم وضلالهم وادعائهم الولد كالنصارى، وقول اليهود: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ومع هذا حلم عليهم وأنظرهم، وأنزل في هذا وأشباهه قوله سبحانه: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42] كثير من هؤلاء الكفرة بل غالبهم لا تُعجل له العقوبة بل يُنظر ويُمهل لحكمة بالغة، فتكون العقوبة يوم القيامة أشد وأكبر قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] فهو متى شاء عجل العقوبة وأخذهم أخذًا شديدًا، ومتى شاء أمهل وهو الغالب عليه ؛ لأن رحمته سبقت غضبه، قال تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [النحل:61] وفي الآية الأخرى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر:45] فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بالإمهال فيمهل من هو شر منك وهم الكفرة من اليهود والنصارى والملاحدة والشيوعيين وغيرهم من أنواع الكفر قد أمهلوا؛ فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بالإمهال، وقد تعجل العقوبة وقد يملى لك فتكون العقوبة أكبر وأشد يوم القيامة، فالواجب الحذر مما حرم الله مطلقًا، ولا تقل لو أن هذا محرم أو أن هذا كذا أو أن هذا يبغضه الله لنزلت العقوبة على صاحبه، لا، قد يمهل من هو شر من هذا، قد يمهل من هو شر من الزاني وشر من السارق وشر من الكذاب ومن أنواع الكفرة، فربك هو الحكيم العليم في إمهال الناس، ولو أنه عاقب كل واحد بما يستحق بما بقي أحد، من يسلم؟ ولهذا قال سبحانه: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ [النحل:61].

س: قوله تبارك وتعالى: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم [الأنعام:165]؟

الشيخ: يعني إذا شاء سبحانه وتعالى، إذا شاء عجل... في الدنيا، وانظر إذا أردت أن تعرف مثالاً واحدًا: قوم نوح عصوه كم مكث فيهم؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهم يعادونه ويكذبونه ألف سنة إلا خمسين عامًا، تسعمائة وخمسين عامًا، هم أمهلوا ثم جاءتهم العقوبة بالغرق، مدة طويلة تسعمائة وخمسين عامًا، فرعون قيل إنه أمهل أربعمائة عام، عمر أربعمائة عام، ولم يعاقب إلا بعد مدة طويلة..، هذا يدل على سعة حلم الله ، وأنه لا يعاجل وهنا يقول: ليس أحد أصبر على أذى من الله يدعون له الولد وهو يعافيهم ويرزقهم ، هؤلاء النصارى ملؤوا الأرض، يعافيهم ويرزقهم، وهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، هكذا اليهود تجمعوا هنا وهنا وهنا وهم يقولون: عزير ابن الله، وقد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وقد كذبوا الرسل، وقتلوا الأنبياء، ومع هذا أمهل هؤلاء.

س: معنى هذا أن قوم نوح عمّروا حتى أخذهم العذاب؟

الشيخ: محتمل أن الكثير منهم عمّر، ومحتمل أن الكثير منهم مات قبل ذلك، المقصود أن العقوبة ما حلت عليهم إلا بعد مدة طويلة.

6100 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقًا، يَقُولُ: قَالَ عَبْدُاللَّهِ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قِسْمَةً كَبَعْضِ مَا كَانَ يَقْسِمُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، قُلْتُ: أَمَّا أَنَا لَأَقُولَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَسَارَرْتُهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَغَضِبَ، حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ.

الشيخ: الله قال له: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35] فله فيهم أسوة، ولهذا قال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر! عليهم الصلاة والسلام.

بَاب مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالعِتَابِ

6101 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً.

الشيخ: وهذا من كمال أخلاقه، ومن عظم سيرته العظيمة، وحسن سجاياه وشمائله، لم يجابهم، ما قال: فلان وفلان بل قال: ما بال أقوام، ولم يقل: فلان وفلان، بل ستر عليهم، ما بال أقوام، هذا من أحسن الكلام، ومن أحسن السير، ومن أحسن التأليف، فإذا بلغ ولي الأمر أشياء من الناس قصروا فيها أو كذا قال: ما بال أقوام قالوا كذا، ما بال أقوام فعلوا كذا، الواجب كذا، كفى هذا، من غير حاجة إلى أن يقول فلان وفلان وفلان، ولهذا فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية يعني لو كان هذا ممنوعًا ما فعلته، وفي اللفظ الآخر: أما والله إني أتقاكم لله وأخشاكم له فهو أتقى الناس إلى ربه، وأعملهم بربه، وأعلمهم بحدوده، وأخشاهم له ، فإذا فعل شيئًا دل على جوازه فلا..... بعد ذلك، وهذا من جنس ما وقع في قصة قيامه في الليل، وأكله اللحم، وتزوجه النساء، حيث قال جماعة من الصحابة: الرسول قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما نحن فنحن على خطر، فقال بعضهم: أما أنا فلا أنام بل أصلي أبداً، والآخر قال: وأما أنا فأصوم أبداً، والآخر قال: وأما أنا فلا أتزوج النساء، والآخر قال: لا آكل اللحم، إلى غير هذا، خطبهم ﷺ وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال قوم قالوا كذا وكذا، أما إني والله لأخشاكم الله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني، حذرهم من التشدد والتعنت والحرج الذي يضرهم ويضر غيرهم.

6102 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ هُوَ ابْنُ أَبِي عُتْبَةَ مَوْلَى أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ».

الشيخ: وهذا الحياء الذي هو خلقه ﷺ لا يمنعه من إظهار الحق والصدع بالحق وقمع الظالم وإرشاد الناس، وهو حيي كريم عليه الصلاة والسلام، لا يواجه الناس بالأشياء التي قد تنفرهم من الإسلام، ولا يتكلم بالأشياء التي تكون فحشًا، فليس فاحشًا ولا متفحشًا عليه الصلاة والسلام، بل حيي كريم، والحياء من الإيمان، وهو خلق كريم يحمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، لكنه لا يمنع من الصدع بالحق وإقامة الحق وردع الباطل، كما فعله عليه الصلاة والسلام، وهو أكمل الناس حياء، وأعظمهم لله غيرة، وأقومهم لأمر الله، وتنفيذ حدوده، عليه الصلاة والسلام.

بَاب مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ

6103 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ يَزِيدَ: سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ: سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

الشيخ: وهذا في التحذير من التساهل بالتكفير، والحذر من إطلاق الكلمات المنكرة على غير بصيرة، فإذا قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان ذاك يستحق ذلك فهي له وإلا رجعت إلى قائلها، وصار أوْلى بهذا الوصف؛ لظلمه وعدوانه، هذا فيه الحذر من هذه الكلمات: يا ظالم، يا فاسق، يا كافر، يا عدو الله، يجب التثبت حتى يكون المقول له يستحق ذلك.

س:......

الشيخ: من باب الوعيد، من باب التحذير، ما هو معناه أنه ارتد عن الإسلام، معناه أنه باء بهذه الكلمة؛ استحق أن يوصف بها، فليحذر أن يقول ذلك، وليس معناه أن كفر وارتد عن الإسلام، لا، معناه أنه تعرض لأمر عظيم فيه شر عليه.

6104 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا.

6105 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ.

الشيخ: وهذا حديث عظيم وأيضًا خطير: من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال يقول هو يهودي ما فعل كذا، هو نصراني ما فعل كذا، هو مجوسي ما فعل كذا، فإذا كان كاذبًا رجع عليه هذا الكلام، وهو كما قال أي: فهو كافر، فهذا وعيد عظيم يجب الحذر منه، نسأل الله العافية.

الثانية: لعن المؤمن كقتله هذا يدل على عظم جريمة اللعن والشتم، وأن لعنه لأخيه كقتله؛ لأنه رماه بالطرد والإبعاد عن رحمة الله ، وهكذا إذا قال....... من الكفر فهو كقتله؛ من باب الوعيد الشديد.

والمسألة الرابعة: إذا قتل نفسه بشيء عُذّب به يوم القيامة؛ فليحذر ولو كان عنده أمراض ولو كان عنده جراحات ولو كان عنده آلام، ليحذر أن يقتل نفسه، لا يقتل نفسه، بل يصبر حتى يأتي الله بالفرج، نسأل الله السلامة!

س:......

الشيخ: نعم وهذا يدل على الوعيد الشديد والحذر، نسأل الله العافية.

بَاب مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا أَوْ جَاهِلًا

وَقَالَ عُمَرُ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَمَا يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ.

6106 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا سَلِيمٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الصَّلاَةَ، فَقَرَأَ بِهِمُ البَقَرَةَ، قَالَ: فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلاَةً خَفِيفَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا، فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا البَارِحَةَ، فَقَرَأَ البَقَرَةَ، فَتَجَوَّزْتُ، فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ - ثَلاَثًا - اقْرَأْ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَنَحْوَهَا.

6107 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو المُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ.

الشيخ: وهذا معناه كله الدلالة على أن الواجب على المؤمن أن ينظر في أمر إخوانه، وألا يعجل في تلقيبهم بألقاب قد لا يكون أهلاً لها كمنافق أو كافر أو فاجر أو ما أشبه ذلك، الواجب التثبت في الأمور وألا يلقي هذه الصفات إلا عن بصيرة وعن علم وعن تثبت، فإن الإنسان قد يكون له عذر في بعض المسائل، ولا يفهم من رماه بالصفات الذميمة عذره، ولهذا قالوا يا رسول الله إنا أهل نواضح وأهل عمل نعمل بأيدينا، فيأتون الصلاة وعندهم تعب كثير إذا طوَّل بهم وقرأ بهم مثل البقرة أو ما أشبهها أو بآل عمران أو بالنساء أو ما أشبه ذلك فإن هذا يطول عليهم ويشق عليهم وقوفهم وصلاتهم بهذا الطول، ولهذا تجوَّز وصلى، فقال له النبي ﷺ: أفتّان أنت يا معاذ؟! وفي الرواية الأخرى فكررها عليه قال: يا أيُّها النَّاسُ إنَّ منكم منفِّرينَ فأيُّكم ما صلَّى بالنَّاسِ فليُجَوِّزْ فإنَّ فيهمُ الضَّعيفَ والكبيرَ وذا الحاجةِ هذا هو الواجب على الأئمة أن يراعوا أحوال الناس وألا يشقوا عليهم؛ بل يصلون بهم كما صلى النبي عليه الصلاة والسلام، تمام مع التخفيف، ولهذا قال: ألا قرأت بالشمس وضحاها، وبسبح اسم ربك، وبالليل إذا يغشى، وأشباه ذلك، وكان هذا في صلاة العشاء.

س: انفرد عن معاذ؟

الشيخ: نعم، صلى وحده.

س:......

الشيخ: يجوز إذا طول الإمام يكون يشق على بعض المأمومين يكون له حاجة أو عنده ضعف؛ لأن الرسول ما أنكر عليه، بل أنكر على معاذ.

6108 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلاَ إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ.

س: إدخال الحديثين الأخيرين هنا؟

الشيخ: لأن الرسول ما كفّرهم؛ بل أمرهم ألا يحلفوا إلا بالله وحده، كان هذا جاريًا على ألسنتهم فلما كانوا متأوِّلين على الطريقة القديمة والعادة القديمة نهاهم عليه الصلاة والسلام.

س:......

الشيخ: هذا هو الأصل، لكنهم فعلوه متأوِّلين على العادة القديمة، فعلّمهم وأنكر عليهم عليه الصلاة والسلام.

س:......

الشيخ: يعني أفديك بأبي وأمي، كلمة تقولها العرب في تعظيم المخاطب.

س: إذا كان الحالف يعظّم المحلوف؟

الشيخ: إذا كان يعتقد فيه يكون شركًا أكبر، إذا كان يحلف به يعتقد فيه أنه يصلح لأن يعبد أو يُدعى أو فيه سر، أنه وليٌّ يُدعى من دون الله فهذا الاعتقاد يجعله كفرًا أكبر، أما إذا كان يجري على لسانه من غير قصد لمحبته له أو تعظيمه في نفسه ولكن لا يعتقد فيه أنه يصلح للعبادة فهذا، أو جرى على لسانه هكذا على عادته القديمة يكون من الشرك الأصغر.

س: بعض الناس لو طُلب منه اليمين بالله يحلف، ولو طُلب منه اليمين على الولي فلان أو السيد فلان يخاف؟

الشيخ: يختلف؛ لا شك أن قلوبهم مرضى بالشرك، نسأل الله العافية، ولهذا يعظّمون أولياءهم أكثر مما يعظّمون الله، هذا إنما يقع من الكفرة الفجار، نسأل الله العافية.

بَاب مَا يَجُوزُ مِنَ الغَضَبِ وَالشِّدَّةِ لِأَمْرِ اللَّهِ

وَقَالَ اللَّهُ: جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]

6109 - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَفِي البَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ، وَقَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ.

6110 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الغَدَاةِ، مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ.

الشيخ: والحكمة من ذلك؛ من شدة الغضب عند الإنكار: أنه أشد تأثيرًا في القلوب فإن المسؤول إذا غضب عند إنكاره المنكر يكون أشد وقعًا في القلوب في الإنكار عليهم، وأشد تأثيرًا عليهم في قلوبهم حتى يحذروا، ولهذا كان ﷺ، يغضب في الموعظة، ويغضب في الخطبة، إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم. ومن هذا أنه غضب على عائشة لما جعلت الستر الذي فيه التصاوير فهتكه وقال: إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يصنعون هذه الصور، ولما قال له أحدهم: يا رسول الله أتأخر عن الصلاة صلاة الغداة الفجر من أجل فلان من أجل تطويله، فغضب عليه الصلاة والسلام غضبًا وقال: يا أيها الناس إن منكم منفّرين فالمقصود من هذا أنه ينبغي لولي الأمر ولأهل الحسبة وللمسؤولين أن يغضبوا عند إنكار المنكرات تعظيمًا للأمر وتعظيمًا لوقوع هذا الشيء، وليحذر الناس من ذلك، مع الحكمة في الكلام والأسلوب.

6111 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، رَأَى فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخَامَةً، فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، فَتَغَيَّظَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ حِيَالَ وَجْهِهِ، فَلاَ يَتَنَخَّمَنَّ حِيَالَ وَجْهِهِ فِي الصَّلاَةِ.

الشيخ: هذا كسائر الصفات، وجه يليق بالله، وهو فوق عرشه ، فإنه سبحانه ليس كمثل المخلوقين، فالله جل وعلا فوق العرش، وعلمه معنا في كل مكان، وهو قبالة وجه المصلي إذا قام، وهو يناجي ربه فلا يبصقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه.

6112 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ - أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ - ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا.

الشيخ: وهذا واضح في أن الإبل لا تلتقط، بل الواجب تركها حتى يجدها ربها، بخلاف الغنم، فإنها ضعيفة ويطمع فيها كل أحد، وهي محل افتراس الذئب، ولهذا قال: خذها فإنها لك أو لأخيك أو للذئب، وليس معنى هذا أنه لا يعرّفها، بل يأخذها ويعرّفها كالنقود، والمتاع الآخر، ولهذا في حديث زيد بن خالد عند مسلم: من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرّفها فلا بدّ من تعريفها، من له الشاة؟ من له العنز؟ من له كذا؟ سنة كاملة؛ فإن عرفت، وإلا فهي له، وإذا كان يشق عليه اقتناؤها باعها، عرف صفاتها وباعها، وحفظ ثمنها، وإن كان لا يشق إن كان في البرية وعنده العشب ولا يضره بقاؤها جعلها مع غنمه حتى يأتيها ربها، فالحاصل أنه يعرّفها، لا بدّ من تعريف، ليس معنى: هي لك أو لأخيك أو للذئب أنه يأكلها وبس، لا، الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، ولهذا في الحديث الآخر: من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها رواه مسلم. فلا بدّ من التعريف، فإن عرفت، فالحمد لله سلمها لصاحبها، فإن لم تعرف فسبيلها سبيل ماله كما تقدم بعد السَّنة.

س: يعني سَنَة يعرفها؟

الشيخ: في مجامع الناس، من له الضالة؟ من له الشاة؟ من له العنز؟ من له الخروف؟ على حسب الحال.

س: خارج المساجد؟

الشيخ: في خارج المساجد، نعم.

س: هذا يعم في مكة والمدينة؟

الشيخ: في كل مكان؛ لكن في مكة والمدينة لا تملك، يعرف دائمًا أو يضعها عند المسلمين، لا تملك، أما غير مكة والمدينة تُملك بعد السنة.

س:......

الشيخ: عند أبواب المساجد وفي مجامع الناس..

س: إذا تصدق بقيمتها؟

الشيخ: لا، لا يتصدق بقيمتها إلا بعد التعريف، لا بدّ يعرّف سنة فإذا عرّفها سنة وتصدّق بعد ذلك فلا بأس، يتصدق، فإذا جاء ربها يغرمها له.

س: ولو كانت شيئًا يسيرًا؟

الشيخ: الشيء اليسير يُعفى عنه.

س:......

الشيخ: إذا كان يخشى عليها من صغار السباع كالذئب فهي مثل الشاة يأخذها، يأخذها ويعرفها، قياسًا على الشاة؛ لأنها ضعيفة لا تتحمل البقاء.

س: بعض الناس تسوّل له نفسه، يقول: بدل ما يأخذها غيري أنا آخذها؟

الشيخ: المقصود إن أخذها بنية الأمانة جاز له، أما إن أخذها بنية الطمع فيها ما يجوز، إما يأخذها بنية الأمانة ويقوم بالواجب وإلا يتركها.

6113 - وَقَالَ المَكِّيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُجَيْرَةً مُخَصَّفَةً، أَوْ حَصِيرًا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ، ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا، وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا البَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُغْضَبًا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلاَةَ المَكْتُوبَةَ.

الشيخ: وهذا خاف عليهم أن يفرض عليهم صلاة الليل، وكان في حديث عائشة؛ صلى بهم عدة ليال، فلم يخرج في الرابعة، فلما صلى بهم الصبح قال لهم هذا الكلام عليه الصلاة والسلام، ولعلها سنة كذا وسنة كذا، فلما توفي عليه الصلاة والسلام واستخلف عمر جمعهم على إمام واحد؛ لأن الفريضة قد أمنت، وانقطع الوحي، فلهذا جمعهم على إمام واحد.

س:......

الشيخ: أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، صلاة الضحى والتهجد والرواتب كلها في البيت أفضل، وإذا صلاها في المسجد؛ فلا بأس.

س: الرواتب القبلية هل الأوْلى أن يصليها في المسجد أم في البيت؟

الشيخ: كله عام، الحديث عام، إذا صلاها في البيت ثم جاء يصلي تحية المسجد، وإذا أراد التبكير قصده التبكير هذا له وجه يصليها في المسجد؛ لأجل إدراك الصف الأول أو في قرب الإمام، الأمر فيه سعة، فإن هذا مقصد صالح في قرب الإمام أو في الصف الأول؛ لأن بعض المساجد قد تمتلئ في وقت مبكر لكثرة روادها، فإذا تقدم مع الأذان أو قبل الأذان ليدرك الصف الأول فلعله أفضل من هذه الحيثية لأجل المسابقة للصف الأول، أما البعدية فالأفضل في البيت.

بَاب الحَذَرِ مِنَ الغَضَبِ

[انقطاع صوت قارئ المتن، وتم تفريغ كلام الشيخ أسفل المتن]

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى:37] وَقَوْلِهِ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ، وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ [آل عمران:134].

6114 - حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ.

6115 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ، مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ.

6116 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَوْصِنِي، قَالَ: لاَ تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: لاَ تَغْضَبْ.

............

الشيخ:... فيحمله غضبه على الانتقام، ولكن أهل التقوى والإيمان وأهل البصائر وأهل النظر في العواقب يتحملون في ذلك كظم الغيظ وكف الغضب ويغفرون لمن قد يسيئ إليهم، يرجون ما عند الله من المثوبة، وفي هذه الأحاديث الثلاثة الدلالة على شرعية الحذر من الغضب، والعناية بملك النفس وضبطها، حتى لا يقع ما لا ينبغي، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ليس الشديد بالصرعة الصرعة كهمزة، الذي يصرع الناس، القوي الذي إذا صارعهم صرعهم، أي: طرحهم بقوته، فهذا وإن كان يسمى شديدًا، ويسمى صرعة، ويسمى قويًّا، لكن أشد منه الذي يملك نفسه عند الغضب، ولهذا قال: ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب يعني: أقوى منه من يملك نفسه إذا غضب حتى لا يقدم على ما لا ينبغي، وهكذا قوله ﷺ لما رأى الشخصين اللذين استبا واشتد غضب أحدهما حتى احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، وقال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد فبلغوه، فقال: لست بمجنون، يعني قد ملكه الغضب حتى قال هذه الكلمة: لست بمجنون، يعني حتى أستعيذ بالله من الشيطان، وإنما قال هذا لأن الغضب قد استولى عليه، وغيَّر شعوره، حتى قال هذه الكلمة، هذا من جرّاء الغضب، من جرّاء شدة الغضب صدرت منه هذه الكلمة، وكان الواجب عليه أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يكررها حتى يهدأ غضبه.

ويحتمل أنه كان ليس بمؤمن، أنه كان منافقًا، ولهذا قال ما قال، ويحتمل أنه قال هذا من أجل تملُّك الغضب له، فلم يستطع أن يقول ما ينبغي.

والثالث استوصى النبي ﷺ قال: أوصني قال: لا تغضب، فردد مرارًا قال: لا تغضب فهذا والله أعلم قد علم منه النبي ﷺ شدة الغضب وكثرته فلهذا أوصاه قال: لا تغضب لا تغضب فإن المقام يختلف، فالوصايا تختلف بحسب مقام الموصى، قد يكون الموصى مشركًا فيوصى بالتوحيد والدخول في الإسلام، وقد يكون مؤمنًا لكنه كسول في الصلاة فيوصى بالصلاة والمحافظة عليها، وقد يكون بخيلاً فيوصى بأداء الزكاة والإنفاق في وجوه الخير، وقد يكون كثير الغضب فيقال له: لا تغضب لا تغضب، وهكذا تختلف أحوال الناس عند الوصية.

ومن دواء الغضب أيضًا: الوضوء كما في الحديث الذي رواه أبو دواد وغيره أن النبي ﷺ أمر من غضب أن يتوضأ، وقال: إن الغضب جمرة من النار وإنه من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فأمره بالوضوء، ومن ذلك: التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن ذلك إنهاء الكلام والسكوت والكف عن الكلام لئلا يزداد غضبه، ومن ذلك الخروج من المكان الذي فيه اللغط والكلام والمرادّة والمخاصمة، إلى غير هذا من الأسباب التي ينبغي للمؤمن أن يتحرّاها حتى تقطع غضبه وحتى تنهي ما به من غضب.

س:......

الشيخ: يعني الغضب فيما يقع بين الناس، أما الغضب لله فهذا محمود، الغضب لله في إنكار المنكر في الوعظ والتذكير ليس مرادًا هنا، هذا غيرة لله، هذا غضب مقصود.

س:......

الشيخ: محتمل أنه مستقيم، ولكن ملكه الغضب، ولهذا قال ما قال من أجل غضبه من غير شعور، ومحتمل أنه كان منافقًا، فلهذا لم يتأثر من كلام النبي ﷺ لعدم إيمانه.

س:......

الشيخ: هذا يجب أن يلاحظه الداعي إلى الله والآمر والناهي؛ إذا رأى أن الغضب قد يجرّه إلى شيء لا تحمد عقباه؛ أمسك.

بَاب الحَيَاءِ

6117 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ العَدَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: "مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ: إِنَّ مِنَ الحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنَ الحَيَاءِ سَكِينَةً" فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ».

6118 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُالعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ.

الشيخ: وهذا فيه الحث على الحياء، وأنه من أخلاق المؤمنين، وهو خلق كريم عظيم.. يحمل صاحبه على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وعلى الانتهاء عن سيئ الأخلاق، وسيئ الأعمال، هذا هو الحياء الشرعي والخلق الكريم... الذي يحمل صاحبه على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال: من الكلام الطيب، والدعوة إلى الخير، والإحسان إلى الناس، والكف عن الأذى، أما الحياء الذي يمنع من طلب العلم ومن السؤال عن العلم ومن إنكار المنكر ومن الصدع بالحق فليس بحياء؛ هذا هو جبن وخور وضعف، ولهذا قال مجاهد رحمة الله عليه: لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر، فالمستحي لا يتعلم، والمستكبر لا يتعلم، أما حديث عمران: فهو يدل على أن الحياء كله خير: الحياء خير كله، وفي اللفظ الآخر: الحياء لا يأتي إلا بخير، وفي حديث ابن عمر هذا: الحياء من الإيمان فدل ذلك على فضله والترغيب فيه، وهو كما سمعت هو أنه خلق كريم يحمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والانكفاف عما لا ينبغي من سيئ الخلق، ومن سيئ العمل، وسيئ القول. وأما قول بشير بن كعب أنه مكتوب في الحكمة: أن من الحياء وقارًا، وأن من الحياء سكينة، يعني معناه: وأن من الحياء ما ليس كذلك، هذا مقصود بشير، يستشهد، ولهذا أنكر عليه عمران وقال: أقول لك قال رسول الله وتحدثني عن صحيفتك؟ يعني: أنه لا ينبغي للمؤمن أن يعارض ما قاله الرسول ﷺ لقول أحد من الناس؛ بل يجب أن يتقبله بالتسليم والقبول والرضا والامتثال والعمل، فالرسول ﷺ قال: الحياء خير كله، الحياء لا يأتي إلا بخير والقول الآخر: إن من الحياء وقارًا ومن الحياء سكينة، يعني: ومن الحياء شيء آخر وهو الضعف والجبن، وهذا ليس بحياء ولا يسمى حياء؛ ولكنه ضعف في الشخص، وجبن فيه، وعدم شجاعة على قول الحق وطلب الحق، فينبغي أن يفرّق بين هذا وهذا، فما منعك من الشر ومنعك من قول السوء وفعل السوء وحملك على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال فهذا هو الحياء، وما كان بضد ذلك فليس بحياء.

س: الحياء المذموم هو الخجل؟

الشيخ: الضعف الذي يمنع من تعاطي الإنسان ما ينبغي من قول الخير وفعل الخير والصدع بالحق.

س:......

الشيخ: مثل ما كان يقول النبي ﷺ: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج إذا كانت أشياء لا تصادم الحق يحدث بها لا بأس، أما ما يصادم الحق فلا؛ لأن أخبار بني إسرائيل وما ينقل عن الأوائل ثلاثة أقسام: قسم يطابق الحق فينقل، وقسم يخالف الحق فلا ينقل بل يرفض، وقسم ليس فيه لا هذا ولا هذا لم يتضح فيه ما يوافق الحق ولا ما يخالفه فهذا ينقل على سبيل التحدث؛ لقوله ﷺ: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وقوله: لا تصدقوهم ولا تكذبوهم؛ فقد يكون حقًّا فتكذبوه، وقد يكون باطلًا فتصدقوه. ومراده ﷺ يعني الشيء الذي لم يتضح أنه حق ولم يتضح أنه باطل، فأما ما اتضح مما ينقل عنهم أنه باطل؛ يُكذّب، وما اتضح أنه حق؛ يُصدّق، وإنما يتوقف في الشيء المشتبه، هذا هو الذي قال فيه: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج الشيء المشتبه الذي لم يتضح وجهه، فينقل عنهم؛ لما فيه من العبر والعظات.

س: قوله: من الحكمة، المقصود بالحكمة هنا؟

الشيخ: يعني كتب الحكمة التي تنقل عن الأوائل.

6119 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مَوْلَى أَنَسٍ - قَالَ أَبُو عَبْدِاللَّهِ: اسْمُهُ عَبْدُاللَّهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ - سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ، يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا».

الشيخ: تقدم الكلام على هذا الحديث، سبق، وأن حياءه هذا لا يمنعه من قول الحق والصدع بالحق عليه الصلاة والسلام، ودعوة الناس إلى الخير، وإنما كان يحمله ذلك على عدم مجابهة الناس بما يكرهون، حيث لا يوجد ما يوجب ذلك أو يدعو إلى ذلك.

بَاب إِذَا لَمْ تَسْتَحْي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ

6120 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ.

الشيخ: وهذا من كلام الأنبياء الماضين، وهي كلمة حكمة، كلمة عظيمة، ومعناها أن الذي ليس عنده حياء ليس عنده ما يردعه، يصنع ما يشاء ولا يبالي لقلة حيائه، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، الذي عنده حياء يقف عن بعض الأمور، ولا يصنع ما يشاء؛ بل يقف فيصنع ما يكون طيبًا، وما يكون نافعًا ويمسك عما يكون ضارًّا رديئًا ومنتقدًا؛ لكن من فقد الحياء يصنع ما يشاء من طيب وخبيث ولا يبالي، ليس عنده ما يحجزه.

س: الحياء خلق جِبِلِّي وإلا مكتسب؟

الشيخ: أصله خِلقة، ولكن يكتسب بالمزيد.

س:......

الشيخ: الظاهر أنها يائين: استحيا يستحيي، تُحذف الياء التي يحذفها الجازم وتبقى الياء الأصلية الأخرى.

بَاب مَا لاَ يُسْتَحْيَا مِنَ الحَقِّ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ

6121 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ.

الشيخ: وهذا مشترك بين الرجال والنساء، وإن كانت السائلة امرأة فالحكم واحد، ولهذا في الحديث الآخر: الماء من الماء فمن احتلم رجلاً كان أو امرأة فعليه الغسل، إذا رأى الماء أي المني، فإن لم ير ماء فلا غسل عليه.

6122 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَلاَ يَتَحَاتُّ فَقَالَ القَوْمُ: هِيَ شَجَرَةُ كَذَا، هِيَ شَجَرَةُ كَذَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، وَأَنَا غُلاَمٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ وَعَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: مِثْلَهُ، وَزَادَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.

الشيخ: والمعنى في هذا أنه من خطر له شيء من العلم أن يتكلم، ولا يحقر نفسه، وإن كان مع الكبار؛ لأنه منافسة في العلم والحرص على إبداء العلم، ولهذا ألقى بينهم النبي هذه المسألة عليه الصلاة والسلام ليختبرهم وليشحذ أفهامهم للنظر والتأمل في هذه المخلوقات، ثم الاستفادة فيما يتعلق بكونها مثل المؤمن، فالمؤمن كله خير، وهذه الشجرة التي مثّل بها النبي ﷺ كلها خير؛ وهي النخلة، فشبّه المؤمن بهذه النخلة التي كلها نفع ثمرها وجذعها وسائر مشتقاتها، كلها منتفع بها، فابن عمر خطر في قلبه أنها النخلة، وآخرون قالوا كذا وقالوا كذا وقالوا كذا ذكروا أشجارًا من أشجار البادية، فاستحى ابن عمر؛ لأنه صغير والذين معه كبار، قال أبوه عمر: لئن كنت قلتها أحب إليّ من كذا وكذا، أي المعنى: لا تستحي، قل ما عندك من العلم إذا جاء البحث ولا تستحي.

6123 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ، سَمِعْتُ ثَابِتًا: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِيَّ؟ فَقَالَتِ ابْنَتُهُ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا، فَقَالَ: «هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، عَرَضَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهَا».

الشيخ: والمقصود من هذا أنه ليس في هذا حياء، كون المرأة تعرض نفسها على رجل صالح، وتقول: إن كنت ترغب فيّ فلا مانع عندي، لا حرج في هذا، وليس هذا من الحياء بل هذا من باب الخطبة، كما يخطب الرجل تخطب المرأة أيضًا، ولهذا عرض عمر ابنته حفصة لما تأيمت من زوجها خنيس بن حذافة، خرجت من العدة، عرضها على الصدِّيق، وعرضها على عثمان، ثم تزوجها النبي ﷺ، المقصود أن كون المرأة تخطب إنسانًا صالحًا وتقول له بالكلام أو بالمكاتبة مثلاً: إني أرغب فيك إن كنت ترغب بالزواج، أو يقول وليها أبوها أو أخوها أو عمها أو نحو ذلك، هذا كله من الحرص على الخير، ومن الرغبة في الخير، فكما يخطب الرجل كذلك المرأة ووليها.

س:......

الشيخ: هذا هو نعم، هذا ما فيه حياء، التفقه في الدين والتعلم، ومعلوم أنها إذا تزوجت تستفيد من هذا.

س: المرأة التي عرضت نفسها هل تزوجها الرسول؟

الشيخ: لا ما تزوجها، تزوجها بعض الصحابة، بعض الأنصار، على أن يعلمها من القرآن.

س: قول ابنة أنس: ما أقل حياءها، لا يعد غيبة لهذه المرأة؟

الشيخ: ابنة أنس رد عليها قال: هي خير منك.

بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ والتيسير عَلَى النَّاسِ

6124 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قَالَ لَهُمَا: يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا قَالَ أَبُو مُوسَى: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ يُصْنَعُ فِيهَا شَرَابٌ مِنَ العَسَلِ، يُقَالُ لَهُ البِتْعُ، وَشَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ، يُقَالُ لَهُ المِزْرُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.

الشيخ: وهذا من جوامع الكلم، الله جل وعلا أعطاه جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارًا، والمعنى أن الله يعطيه أحكامًا كثيرة، ومعاني عظيمة، في كلمات موجزة مثل قوله: كل مسكر حرام، سواء كان من العسل أو من الشعير أو من الحنطة أو من الذرة أو من أي شيء كان؛ فهو كلام جامع يجمع كل شيء فالبتع والمزر شرابان في اليمن، أحدهما من العسل، والثاني من الشعير، وهكذا ما أشبههما مما يصنع من الذرة أو من الحنطة أو من الدبس أو من غير هذا.

6125 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا.

6126 - حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ».

الشيخ: وهذا مما أعطاه الله من الخلق العظيم وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] فمن الخلق العظيم: العفو والصفح وعدم الانتقام لنفسه؛ لأنه مؤلف وداع إلى الله ، فلهذا كان من سجاياه العفو والصفح وعدم الانتقام لنفسه، أما إذا انتهكت محارم الله فإنه يغضب لله وينتقم لله.

وتقدم لكم حديث الأعرابي الذي جره بردائه حتى أثّرت الحاشية في صفحة عنقه عليه الصلاة والسلام، وقال له بكلام غليظ: أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه وتبسّم وأمر به بعطاء، ولم يقل له شيئًا عليه الصلاة والسلام.

6127 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ بِالأَهْوَازِ، قَدْ نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسٍ، فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَتِ الفَرَسُ، فَتَرَكَ صَلاَتَهُ وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلاَتَهُ، وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، تَرَكَ صَلاَتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ، لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ «قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ فَرَأَى مِنْ تَيْسِيرِهِ».

الشيخ: والمعنى: مكان بعيد، فلو ترك الفرس فربما ذهبت، فشق عليه الرجوع إلى منزله لبعده، وهو جاء بالفرس لاجتماعه مع إخوانه، في هذا المكان، الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ومن معه.

ثم أمر آخر وهو أن الصلاة يمكن أن تُعاد والفرس ربما تهلك، تذهب، فلهذا قطع صلاته، ولحقها وردّها، ثم أعاد ، هذا من التيسير، ولهذا رأى من النبي ﷺ التيسير؛ فكونه يحفظ ماله ولا يضيع عليه ماله، هذا واجب متعين عليه أو على الأقل مستحب، والصلاة ممكن أن تعاد، الوقت فيها واسع، فليس هناك شيء يفوت، وفيه دلالة على أن الإنسان له أن يقطع صلاته إذا حدث به حادث: حريق في بيته أو سارق أو دابة ذهبت أو ما أشبه ذلك مما قد يضره، ويمكن أن يعيد الصلاة، ويسترجع هذا المال، ولا يضيع عليه، أو يستدرك هذا الخطر من حريق أو غيره.

6128 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، (ح) وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ.

الشيخ: وهكذا أيضًا هذا من المثال العظيم لحلمه وصبره وأخلاقه العظيمة وتيسيره وعدم تنفيره؛ فإنه أعرابي جاهل، ما بعد عرف أحكام المساجد فلهذا دعاه النبي ﷺ وعلمه وقال: إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا القذر والبول، وإنما بنيت لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن.

بَاب الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «خَالِطِ النَّاسَ وَدِينَكَ لاَ تَكْلِمَنَّهُ، وَالدُّعَابَةِ مَعَ الأَهْلِ».

الشيخ: يعني عليك بهذا، خالط الناس بالكلام الطيب والتوجيه والإرشاد، أما الدين فلا تكلمه بشيء، يعني احذر أن تكلم الدين بشيء، لكن الدعابة مع الإخوان والانبساط مع الإخوان والتحدث إليهم، لا تكن فظًّا غليظًا، ولا جافًّا ولا متكبرًا، ثم هكذا الدعابة مع الأهل فهم يحتاجون إلى شيء من الدعابة والمباسطة والألفة، فلا تكن معهم كحالك مع الناس.

6129 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا، حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ.

الشيخ: والنغير طائر صغير، يداعب أبا عمير، ويقول له: ما فعل النغير وهو غلام صغير، وهذا من خلقه العظيم عليه الصلاة والسلام، وفيه أن الرجل الكبير لا مانع أن يخاطب الصغير من باب المداعبة، من باب الإيناس لأهله.

وفيه حجة على جواز إدخال الصيد المدينة إذا كان صيد في خارجها؛ فإن النغير طائر والمدينة ممنوع فيها أن يصاد صيدها أو ينفر صيدها أو يختلى خلاها، فلا بدّ أن هذا الطائر صيد من خارج فجيء به إلى الغلام، احتج به العلماء على أنه لا بأس إذا صاد صيدًا خارج الحرم أن يدخله الحرم؛ لأنه ملكه قبل أن يصل إلى الحرم، فإذا دخل الحرم وقتله في الحرم أو ذبحه كالأرنب أو الحمام؛ صاده في الخارج ثم دخل به فأكله داخل الحرم، هذا هو الصواب، فيه خلاف بين أهل العلم، لكن هذا هو الصواب.

س: لا فرق بين الحرمين؟

الشيخ: الصواب لا فرق بين الحرمين؛ لأن الرسول سنّ في المدينة سُنة حرم مكة.

6130 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي».

الشيخ: الترجمة الأخيرة؟

الطالب: (قَوْلُهُ: بَابُ الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ) فِي رِوَايَةِ الْكشميهني: مَعَ النَّاس، قَوْله: وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: خَالِطِ النَّاسَ وَدِينَكَ لَا تَكْلِمَنَّهُ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مِنَ الْكَلْمِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الْجَرْحُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَرُوِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ الْكَافِ وَالنُّونُ مُشَدَّدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَقَوْلُهُ: وَدِينَكَ: يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ وَالرَّفْعُ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بَابَاهُ بموحدتين عَن ابن مَسْعُودٍ قَالَ: خَالِطُوا النَّاسَ وَصَافُوهُمْ بِمَا يَشْتَهُونَ وَدِينُكُمْ لَا تَكْلِمُنَّهُ، وَهَذِهِ بِضَمِّ الْمِيمِ لِلْجَمِيعِ، وَأخرجه ابن الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ مِنْ وَجْهٍ آخر عَن ابن مَسْعُود بِلَفْظ: خالقوا النَّاسَ وَزَايِلُوهُمْ فِي الْأَعْمَالِ، وَعَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ: وَانْظُرُوا أَلَّا تَكْلِمُوا دِينَكُمْ، قَوْلُهُ: وَالدُّعَابَةُ مَعَ الْأَهْلِ، هُوَ بَقِيَّةُ التَّرْجَمَةِ مَعْطُوفٌ على الانبساط، فَهُوَ بِالْجَرِّ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى بَابٍ فَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ وَالدُّعَابَةُ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبعد الْألف مُوَحَّدَةٌ هِيَ الْمُلَاطَفَةُ فِي الْقَوْلِ بِالْمِزَاحِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، قَالَ: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا.

الشيخ: الدعابة بالضم، ويحتمل أن تكون بالكسر؛ لأنها مصدر داعب يداعب دعابة ومداعبة مثل قاتل قتالاً وجادل جدالاً، ونحو ذلك على القاعدة هنا ذكر الضم وحده! العيني حاضر؟ ما ضبط الدعابة؟

الطالب: ما تكلم!

الشيخ: ما تكلم بالكلية؟

الطالب: أحسن الله إليك، قال: الدعابة بالجر عطف على..... وهي بضم الدال وتخفيف العين المهملة.. وهي الملاطفة في القول بالمزاح من دعب يدعب فهو دعاب، قال الجوهري: أي لعاب والمداعبة كالممازحة.

الشيخ: نعم.

الطالب: وَأخرج من حَدِيث ابن عَبَّاس رَفعه: لَا تمار أَخَاك وَلَا تمازحه الْحَدِيثَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا فِيهِ إِفْرَاطٌ أَوْ مُدَاوَمَةٌ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّفَكُّرِ فِي مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَيَؤولُ كَثِيرًا إِلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَالْإِيذَاءِ وَالْحِقْدِ وَسُقُوطِ الْمَهَابَةِ وَالْوَقَارِ وَالَّذِي يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْمُبَاحُ.

الشيخ: يعني المداعبة القليلة التي لا يترتب عليها شر ولا ضياع الأوقات ولا قلة أدب ولا تفضي إلى محرم مثل المداعبة القليلة التي يفعلها الرسول ﷺ بعض الأحيان مع أصحابه، أما المداعبة التي قد تطول وتضيع الوقت وقد تفضي إلى محرم أو تفضي إلى مشاجرة أو مخاصمة أو ما أشبه ذلك مما قد يضر، فينبغي اجتنابها، فهذا مقام عظيم ومقام خطير يُلاحظ فيه الشيء الذي لا يفضي إلى باطل.

الطالب: فَإِنْ صَادف مصلحَة مثل تطييب نَفْسِ الْمُخَاطَبِ وَمُؤَانَسَتِهِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: مِنَ الْغَلَطِ أَنْ يُتَّخَذَ الْمِزَاحُ حِرْفَةً وَيُتَمَسَّكُ بِأَنَّهُ ﷺ مَزَحَ؛ فَهُوَ كَمَنْ يَدُورُ مَعَ الرِّيحِ حَيْثُ دَارَ وَيَنْظُرُ رَقْصَهُمْ وَيُتَمَسَّكُ بِأَنَّهُ ﷺ أذن لعَائِشَة أَن تنظر إِلَيْهِم، وَذكر فِيهِ حَدِيث أنس فِي قصَّة النغير؛ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الشّعْر قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَحَدِيث عَائِشَةَ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ، وَمُحَمَّدٌ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابن سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِيَ أَيْ مِنْ أَقْرَانِهَا، قَوْلُهُ: يَتَقَمَّعَنَ بِمُثَنَّاةٍ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بِنُونٍ سَاكِنَةٍ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُنَّ يَتَغَيَّبْنَ مِنْهُ وَيَدْخُلْنَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ، وَأَصْلُهُ مِنْ قمْعِ التَّمْرَةِ أَيْ يَدْخُلْنَ فِي السِّتْرِ كَمَا يُدْخِلْنَ التَّمْرَةَ فِي قمعها، قَوْله: فيسر بِهن إِلَيَّ، بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، أَيْ يُرْسِلُهُنَّ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ صُوَرِ الْبَنَاتِ وَاللَّعِبِ مِنْ أَجْلِ لَعِبِ الْبَنَاتِ بِهِنَّ، وَخُصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ، وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ عَنِ الْجُمْهُورِ وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيْعَ اللَّعِبِ لِلْبَنَاتِ لِتَدْرِيبِهِنَّ مِنْ صِغَرِهِنَّ عَلَى أَمْرِ بُيُوتِهِنَّ وَأَوْلَادِهِنّ،َ قَالَ: وَذَهَبَ بَعضهم إِلَى أَنه مَنْسُوخ، وإليه مَال ابن بطال، وَحكى عَن ابن أَبِي زَيْدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ لِابْنَتِهِ الصُّوَرَ، وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَ الدَّاودِيّ أَنه مَنْسُوخ، وَقد ترْجم ابن حِبَّانَ: الْإِبَاحَةَ لِصِغَارِ النِّسَاءِ اللَّعِبَ بِاللِّعَبِ، وَتَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ: إِبَاحَةَ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ اللَّعِبَ بِالْبَنَاتِ، فَلَمْ يُقَيَّدْ بِالصِّغَرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ لِعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ كَانَ قبل التَّحْرِيم، وَبِه جزم ابن الْجَوْزِيِّ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: إِنْ كَانَتِ اللُّعَبُ كَالصُّورَةِ فَهُوَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُسَمَّى مَا لَيْسَ بِصُورَةٍ لُعْبَةً، وَبِهَذَا جَزَمَ الْحَلِيمِيُّ فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ صُورَةٌ كَالْوَثَنِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ، وَقِيلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ: اللَّعِبُ مَعَ الْبَنَاتِ أَيِ الْجَوَارِي، وَالْبَاءُ هُنَا بِمَعْنَى مَعَ، حَكَاهُ ابن التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ وَرَدَّهُ، قُلْتُ: وَيَرُدُّهُ مَا أخرجه ابن عُيَيْنَةَ فِي الْجَامِعِ مِنْ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَكُنَّ جِوَارِي يَأْتِينَ فَيَلْعَبْنَ بِهَا مَعِيَ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَنْ هِشَامٍ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ وَهُنَّ اللُّعَبُ، أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَغَيْرُهُ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي هَتْكِهِ السِّتْرَ الَّذِي نَصَبَتْهُ عَلَى بَابِهَا قَالَتْ: فَكَشَفَ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَلَى بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ: (مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟) قَالَتْ: بَنَاتِي، قَالَتْ: وَرَأَى فِيهَا فَرَسًا مَرْبُوطًا لَهُ جَنَاحَانِ، فَقَالَ: (مَا هَذَا؟) قُلْتُ: فَرَسٌ، قَالَ: (فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!)، قُلْتُ: أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَانَ خَيْلٌ لَهَا أَجْنِحَةٌ، فَضَحِكَ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِاللُّعَبِ غَيْرُ الْآدَمِيَّاتِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّعِبَ بِالْبَنَاتِ لَيْسَ كَالتَّلَهِّي بِسَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا الْوَعِيدُ، وَإِنَّمَا أَرْخَصَ لِعَائِشَةَ فِيهَا لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغٍ، قُلْتُ: وَفِي الْجَزْمِ بِهِ نَظَرٌ؛ لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِنْتَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً إِمَّا أَكْمَلَتْهَا أَوْ جَاوَزَتْهَا أَوْ قَارَبَتْهَا، وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ قَطْعًا، فَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فِي خَيْبَرَ، وَيُجْمَعُ بِمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنَ التَّعَارُض.

س:..........

الشيخ: هذا مثل ما سمعت فيه خلاف ...... استثناء لعب البنات ليتدربن على أمور حمل الأولاد وضم الأولاد وتربية الأولاد والتعامل مع الأولاد، وآخرون حملوا هذا على أنه كان قبل النهي، وأن هذه اللعب أشياء عادية مثل لعب العرب السابقة والناس ..... وأشياء يخيطونها، ما هي من الصور الموجودة هذه، فالصور الموجودة هذه التي فيها مضاهاة لخلق الله وربما جعلوها تضحك وتبكي وتتكلم؛ هذه لا شك أن تركها أوْلى وأحوْط وأن تكون اللعب من غير هذا الجنس، من غير هذا النوع اللعب العادية التي كانت العرب يفعلونها ليس فيها تصوير، وإنما هي أشياء يشبهونها بالأولاد .. يلبسوها ثياب .. على كل حال المسألة مسألة خلاف؛ لكن المصيبة الآن صارت أعظم وأطم.

س:......

الشيخ: ما يحصل به المقصود إذا أحرق الوجه إلا إذا راح الرأس ما في خلاف، أو وجد بنات بدون رأس ما في شيء، جائز الكلام مع رؤوسهن.

س:......

الشيخ: أما قوله أنه يحمل على أنها إذا كانت غير بالغة فما هو بجيد؛ لأنه تزوجها وهي بنت تسع في السنة الأولى من الهجرة ....... في أول السنة السابعة الغالب أن البنت أربعة عشر سنة تحيض وتبلغ، وفي تبوك كانت بنت سبعة عشر سنة، في تبوك كانت سنة تسع، تسع مع تسع يعني: ثمانية عشر سنة، أو سبعة عشر سنة؛ فهي بالغة؛ فالتعليل بهذا ليس بجيد، ثم أيضاً لا يُقر البنات ولا الأولاد على ما حرم الله ولو كانوا غير بالغين، ليس هذا بعلة، الظاهر لو كان محرمًا منعها ولو كانت غير بالغة؛ مثل ما تُمنع من شرب الخمر وتمنع مما حرم الله، ولو كانت صغيرة، نعم هذا شيء واجب على الأولياء، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر فالطفل والطفلة يدربان على الخير، ويمنعان من الشر، فلا يقر الذي دون البلوغ، ما يقر على شرب الخمر، ولا على لبس الحرير، إذا كان رجلاً، ولا على لبس الذهب إذا كان رجلاً، ولو كان صغيرًا يمنعه وليه؛ حتى يدربه على الخير، ويمرنه على الخير والطاعة.

س:.....

الشيخ:....