109 من حديث: (من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا..)

بَابٌ: العَمَلُ بِالخَوَاتِيمِ

6606- حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلامَ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحُ فَأَثْبَتَتْهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ الَّذِي تَحَدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَكَادَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا بِلالُ، قُمْ فَأَذِّنْ: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ.

الشيخ: وفي هذا تصديق قوله جلَّ وعلا: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ۝ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ۝ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1- 4]، حين يتكلم بشيءٍ إنما يُخبر عما بلغه من الوحي، عما جاءه عن الله ، فليس يقول شيئًا من كيسه، بل هو من جهة الله ، ويدل هذا على أنَّ قاتل نفسه متوعد بالنار -نعوذ بالله: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ۝ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء:29- 30]، نسأل الله العافية.

ويقول ﷺ: مَن قتل نفسَه بشيءٍ عُذِّب به يوم القيامة، وفي هذا الحثّ على الإخلاص، والحرص على أن تكون الخاتمةُ صالحةً، وذلك بالجدِّ في طاعة الله، ولزوم الاستقامة، وسؤال الله حسن الختام؛ لأنَّ من سنته سبحانه أنَّ مَن استقام على أمره أحسن له العاقبة.

فعلى المؤمن أن يجتهد في طاعة الله، وأن يحذر أسباب غضبه، وأن يسأله سبحانه حُسن الختام بأن يتوفَّاه على دينه الحقّ، فكم من إنسانٍ أظهر الخيرَ، وأظهر الهدى، وهو في حقيقة أمره في النار؛ لما في قلبه من الشرِّ والفساد والميل إلى الباطل، حتى ختم له بذلك، نسأل الله العافية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

س: ............؟

ج: كذلك فيه دلالة على أنَّ الحقَّ قد يُؤيَّد برجلٍ فاجرٍ لأسبابٍ: إما لريائه، أو لينصر قومه، أو لينصر وطنه، أو لغير هذا، لم يقصد الدين، وقد يقصد الدين، ويُؤيد الدين، لكن لغرضٍ آخر غير الإخلاص لله وطلب الثواب من الله ، بل لأسبابٍ أخرى، فكم من مُقاتلٍ، وكم من مجاهدٍ، وكم من ..... نفع الله به في الإسلام، وهو ليس من أهل الخير، وهذا الواقع شاهد بذلك.

س: الفاجر يُطلق على الكافر؟

ج: يُطلق على الكافر والعاصي، مثل هذا الذي قتل نفسه، قاتل قتالًا شديدًا، وأثر في أعداء الله، ثم قتل نفسه، نسأل الله العافية.

6607- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَعْظَمِ المُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنِ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الحَالِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى المُشْرِكِينَ، حَتَّى جُرِحَ، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَجَعَلَ ذُبَابَةَ سَيْفِهِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْرِعًا، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قُلْتَ لِفُلانٍ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِنَا غَنَاءً عَنِ المُسْلِمِينَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لا يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا جُرِحَ اسْتَعْجَلَ المَوْتَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ.

س: هل يُخلَّد؟

ج: الحكم في أهل المعاصي معروف؛ إن كان مات على الإسلام، ولكن حمله الجزعُ، وهو من أهل المعاصي، فلا يُخلَّد في النار، بل يُعذَّب ما شاء الله، ثم يُطهّر إلى أن يعفو الله عنه، وإن كان قاتل رياء ولم يُقاتل للدين، وإنما هو رياء على طريقة المنافقين؛ فهو من أهل النار المخلَّدين، نسأل الله العافية.

س: ............؟

ج: محتمل أنها قصتان واقعتان، وقعتا للنبيِّ ﷺ، وقع له في غزوتين عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أنه فعل هذا وهذا.

 

بَابُ إِلْقَاءِ النَّذْرِ العَبْدَ إِلَى القَدَرِ

6608- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ.

6609- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لا يَأْتِ ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ القَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ.

 

الشيخ: كذا، ولكن يُلقيه القدر؟ أيش قال المحشي عليه؟

الطالب: فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّرْجَمَةِ، لَكِنَّ لَفْظَهُ: وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ: يُلْقِيهِ النَّذْرُ بِنُونٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ الْمَرْوِيَّيْنِ عَنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ مُطَابَقَةٌ لِلْحَدِيثِ، وَالْمُطَابِقُ أَنْ يَقُولَ: "إِلْقَاءُ الْقَدَرِ الْعَبْدَ إِلَى النَّذْرِ" بِتَقْدِيمِ الْقَدَرِ بِالْقَافِ عَلَى النَّذْرِ بِالنُّونِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ بِالْقَافِ.

كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِرِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَعَ عَدَمِ مُطَابَقَتِهَا لِلْخَبَرِ لَيْسَ الْمَعْنَى فِيهَا صَحِيحًا. انْتَهَى.

وَمَا نَفَاهُ مَرْدُودٌ، بَلِ الْمَعْنَى بَيِّنٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ نِسْبَةَ الْإِلْقَاءِ إِلَى النَّذْرِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ النِّسْبَةَ مَجَازِيَّةٌ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ سَبَبًا إِلَى الْإِلْقَاءِ، فَنَسَبَ الْإِلْقَاءَ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ.

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَقْلُوبَةٌ، إِذِ الْقَدَرُ هُوَ الَّذِي يُلْقِي إِلَى النَّذْرِ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا صَادِقَانِ؛ إِذِ الَّذِي يُلْقِي فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْقَدَرُ، وَهُوَ الْمُوصِلُ، وَبِالظَّاهِرِ هُوَ النَّذْرُ، قَالَ: وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: "يُلْقِيهِ الْقَدَرُ إِلَى النَّذْرِ"؛ لِيُطَابِقَ الْحَدِيثَ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ.

الشيخ: المقصود رواية الكشميهني واضحة، ولكن "يُلقيه النذرُ إلى القدر" مثلما في الرواية الأخرى: إن النذر لا يرد من قدر الله شيئًا، وإنما يُستخرج به من البخيل، فالنذر الذي قد يظن أنه يحصل له فيه مطلوبه، فإن العامَّة أو كثيرًا من الناس قد ينذر يظن أنَّ النذر يُفيده شيئًا خلاف القدر، خلاف ما قدّر له، ويظن أنَّ هذا النذر سببٌ لحصول مطلوبه، فيقول: "إن شفا الله مريضي فلله عليَّ كذا، وإن ردَّ الله غائبي فلله عليَّ كذا"، يظن أنَّ هذا النذر يرد من قدر الله شيئًا، وأنه ينفعه في هذا الشيء الذي نذر من أجله، فقال لهم النبيُّ ﷺ: لا تنذروا؛ فإنَّ النذر لا يرد من قدر الله شيئًا، وإنما يُستخرج به من البخيل يعني: يُخرج الله به مالًا من البخيل للفقراء، أو للمشاريع الخيرية، أو نحو ذلك، وهذا البخيل نذر يظن أنَّ النذر ينفعه، وأنه سببٌ لحصول المطلوب، ودفع البلاء، وليس الأمر كذلك، وإنما السنة أن يُخرج الصدقة من دون نذرٍ، أن يُخرج الصدقة، فإنَّ الله يدفع بها البلاء، الصَّدقات والدَّعوات والاستغفار والأعمال الصَّالحات من أسباب دفع البلاء، ومن أسباب حصول الرحمة، ومن أسباب حصول الخير، وكلها بقدر، لكن جعل الله هذا القدر سببًا لهذا القدر، فالصَّدقات والأعمال الصَّالحات وتفريج الكروب وتيسير الأمور للناس من أسباب أن يُفرج الله لك، ويدفع عنك البلاء، كما دفعت عن زيدٍ وعمرو ونحو ذلك.

والحاصل من هذا كله أنه يُكره النَّذر، لا ينبغي النذر، ولهذا تقدَّم في قول ابن عمر: أن الرسول نهى عن النذر، وفي الحديث الآخر: لا تنذروا صريح لا تنذروا؛ فإنَّ النذر لا يرد من قدر الله شيئًا.

ثم النذر يُحرجه كثيرًا، ينذر يحسب أنه ينفعه النذر، فإذا حصل المطلوبُ تحرَّج من ذلك، واشتدَّ عليه الأمر، وصار يسأل ويطلب الحيل للتَّخلص مما نذر، فقد ينذر شيئًا يشقّ عليه، فيقول: "لله عليه إن شفا الله مريضه أن يصوم شهرين، أن يصوم ثلاثة أشهر، أن يصوم أربعة أشهر، أن يتصدَّق بكذا وكذا من المال الكثير"، يظن ويستشعر أنَّ هذا من أسباب سلامته وعافيته، وأن مطلوبه يحصل، وليس الأمر كذلك، فإذا حصل المطلوبُ جاءه الشيطانُ حينئذٍ، واجتمعت عليه الهمومُ والغمومُ: كيف يستطيع أن يصوم كذا؟ كيف يفعل كذا؟ فمن رحمة الله ومن إحسان الله للعبد أن نهاه عن هذا النذر الذي إذا حصل له مطلوبه شقَّ عليه النذر وتكلَّف، وهو صدر عن ظنٍّ لا أساسَ له، فالله جلَّ وعلا قدَّر الأقدار، وجعل لها أسبابًا، وعلَّق بعضها على ما يشاء، ولم يجعل النذر من الأسباب، ولم يجعله دافعًا، فلا ينبغي تعاطيه شيئًا لم يجعله الله سببًا، لا ينبغي تعاطيه، فالنذر ليس من الأسباب التي تنفعك في دفع القدر.

س: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]؟

ج: هذه نذور الطاعات التي نذورها لله من دون تعليقٍ، ومن دون شيءٍ، ومن دون قصدٍ، بل نذروها لله، يتقرَّبون بها إليه على الوجه الذي شرع، كما قال ﷺ: مَن نذر أن يُطيع الله فليُطِعْهُ، ولكنَّهم هم منهيُّون أن يبدؤوها، فإذا فعلوها وجب الوفاء إذا كان من طاعة الله جلَّ وعلا.وأن

س: ..............؟

ج: الحديث عام، فيه النَّهي عن النذر، ولكن المعلّق أشد، ولهذا خصَّ بعضُ العلماء النَّهي بالمعلّق، ولكن ظاهر الأحاديث العموم.

س: .............؟

ج: مثل أن يقول: لله عليَّ أن أصوم كذا، لله عليَّ أن أتصدَّق بكذا، ولا يُعلِّقه بشيءٍ.

س: ...............؟

ج: لا، ما هو من المراء، المراء: المجادلة، الجدال.

س: هذا الحديث يرويه الرسولُ ﷺ عن ربِّه؟

ج: نعم.

س: لكن ما ذكر في الحديث؟

ج: هذه الرواية الثانية: أن الله يقول هذا جلَّ وعلا.

الطالب: هنا يقول: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، ثم ذكر أنه قدسي .....

الشيخ: يعني: عن الله جلَّ وعلا، السياق معروف، نفس السياق معروف.

س: ................؟

ج: نعم، هذا مقصوده، النذر يرده إلى القدر، لا حيلة له، النذر يرده إلى القدر، ولا يُخرجه عن القدر، ولهذا في اللفظ الآخر الصريح: إنَّ النذر لا يرد من قدر الله شيئًا، وإنما يُستخرج به من البخيل، فليس له خروج من القدر، القدر مُحيط بالعبد، فلا يُخرجه منه نذره ولا غيره.

س: ...............؟

ج: تقول: "لله عليَّ أن أتصدَّق بمئة ريـال" هذا ما هو مُعلَّق: "لله عليَّ أن أصوم الاثنين والخميس" هذا ما هو مُعلَّق، التعليق: "لله عليَّ أن أصوم شهرًا إذا شفا الله ولدي" هذا مُعلَّق: "لله عليَّ أن أتصدَّق بكذا إذا ردَّ الله ولدي من سفره"، "لله عليَّ كذا وكذا إذا نجح ولدي من الجامعة" هذا المعلَّق.

س: وإذا ما نجح؟

ج: ما يصير عليه شيء.

س: هل يُستفاد من هذا أنَّ النذر مذمومٌ كله؟

ج: كله مذموم نعم، هذا ظاهر الحديث، ما ينبغي النذر، لكن إذا نذر ووقع في الأمر إن كان طاعةً أوفى، وإن كان ما هو بطاعةٍ فلا وفاء عليه، وعليه كفَّارة يمين؛ لأنَّ النذر تدخله الأحكام الخمسة: التحريم، والوجوب، والكراهة، والاستحباب، والإباحة.

فإذا قال: "لله عليه أن يصوم كذا أو يتصدق بكذا" هذه طاعة، يلزمه الوفاء، وإذا قال: "لله عليه أن يشرب الخمر" هذا مُحرَّم، لا يشرب الخمر، وعليه كفَّارة يمين، وإذا قال: "لله عليه أن يهجر فلانًا أو لا يزور فلانًا" هذا نذر مكروه، يُكفِّر كفَّارة يمين، ولا يهجر أخاه، وإذا قال: "لله عليه أنه ما يأكل طعام فلانٍ، أنه ما يأكل هذا الطعام" فهو مُخيَّر: إن شاء أوفى بالنذر، وإن شاء كفَّر عن يمينه وأكل من الطَّعام.

بَابُ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

6610- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لا نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلا نَعْلُو شَرَفًا، وَلا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَاللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

الشيخ: وهذا يدل على القدر أيضًا؛ فإن "لا حول ولا قوة إلا بالله" معناها: أنه ليس للعبد تحول من شيءٍ ولا قوة له على شيءٍ إلا بالله، فهو مُقدِّر الأمور، وهو قاضي الحاجات، وهو على كل شيءٍ قدير ، وفي هذا اعتراف من العبد بضعفه وعجزه، وأنه ليس بشيءٍ إلا بربِّه ، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله كلمة عظيمة، كنز من كنوز الجنة، ويُشرع له هذا عند قول المؤذن والمقيم: "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، المعنى: لا حول لي ولا قوةَ لي على إجابة المؤذن وعلى الحضور لأداء الصلاة وعلى إكمالها إلا بالله .

بَابٌ: المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ

عَاصِمٌ [يونس:27]: مَانِعٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا [يس:9]: عَنِ الحَقِّ.

الشيخ: سَدًّا! ما هو "سُدًّا"؟

الطالب: تكلَّم عليه.

الشيخ : أيش قال عليه؟

الطالب: قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا عَنِ الْحَقِّ، يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ: "سَدًّا" بتَشْديد الدَّال، بعْدهَا ألف، وَصله ابن أبي حَاتِم من طَرِيق وَرْقَاء، عَن ابن نَجِيحٍ، عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا [يس:9]، قَالَ: عَنِ الْحَقِّ، وَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: سَدًّا، قَالَ: عَنِ الْحَقِّ، وَقَدْ يَتَرَدَّدُونَ.

وَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ: "سُدًى" بِتَخْفِيفِ الدَّالِ مَقْصُورَةً، وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْكَرْمَانِيِّ، فَزَعَمَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36] أَيْ: مُهْمَلًا مُتَرَدِّدًا فِي الضَّلَالَةِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ إِلَّا اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدْتُهُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا .. إِلَخْ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ الَّتِي تُسَاقُ بِالْأَسَانِيدِ لِمُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى كَلَامًا، وَلَمْ أَرَ قَوْلَهُ فِي الضَّلَالَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّقُولِ بِالسَّنَدِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: "لِضَلَالَةٍ" بَدَلَ قَوْلِهِ: "فِي الضَّلَالَةِ".

الشيخ: هذا ...... هذا في آية يس: سَدًّا، أما قراءة رواية "سُدّا" ما لها وجه.

قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا: عَنِ الحَقِّ، يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلالَةِ. دَسَّاهَا [الشمس:10]: أَغْوَاهَا.

6611- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ.

الشيخ: أيش قال عليه؟

الطالب: ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: مَا اسْتُخْلِفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَالْبِطَانَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ: اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ، وَالْمُرَادُ مَنْ يَطَّلِعُ عَلَى بَاطِنِ حَالِ الْكَبِيرِ مِن أتبَاعه.

الشيخ: وفي الرواية الأخرى: ما بعث الله من نبيٍّ ولا استخلف من خليفةٍ إلا جعل له بطانتان الحديث.

وفي هذا الحثّ والتَّحريض على اتِّخاذ الأصحاب الطيبين، والزملاء الأخيار، والوزراء المعروفين بالخير والاستقامة، حتى يُعينوا على الخير، ويحضّوا عليه، فالأمير والسلطان والعالم والمدرس وطالب العلم ونحو ذلك وهكذا كل مسلم ينبغي له أن يحرص على الصاحب الطيب، والزميل الطيب، والبطانة الطيبة، والوكيل الصالح، والمستشار الصالح؛ حتى يُعينه على الخير، وحتى يُشجعه على الخير، وليحذر أن تكون له بطانة بضدِّ ذلك، سواء كانت زوجةً أو زميلًا أو مدرسًا أو جارًا أو غير ذلك، فإذا أحسَّ بشيءٍ من هذا فليحذر.

س: بطانة تأمره بالشرِّ؟

ج: هذا ظاهر الحديث، لكن الله يحفظهم، والمعصوم مَن عصمه الله.

س: تأمره صراحةً؟

ج: قد يكون صراحةً، وقد يكون إشارةً، على حسب ما يعنّ لهم، قد يكون بالصراحة إذا كان في الأمر خفاء، وقد يكون بالطرق الأخرى المعوجة.

س: هذا خاصٌّ بالأمراء؟

ج: عام، جاء في النص الآخر في الصحيح: ما بعث الله من نبيٍّ ولا استخلف من خليفةٍ.

س: يعني: خاص بالأمراء ومَن يتولى شيئًا؟

ج: نعم، لكن المعنى مطلوب كذلك، مثلما جاء في الجليس الصالح وجليس السوء، المعنى: إذا كان في الأمراء والملوك والزعماء فكذلك الآخرون ينبغي أن يحذروا أيضًا، فكل له ما يخصُّه.

بَابُ وَحرم عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [الأنبياء:95]

أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود:36]، وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:27]، وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: "(وَحِرْمٌ) بِالحَبَشِيَّةِ: وَجَبَ".

الشيخ: كذا ضبطها: حرم؟

الطالب: نعم، قَوْلُهُ: (بَابُ: وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: وَحَرَامٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَزِيَادَةِ الْأَلفِ، وَزَادُوا بَقِيَّةَ الْآيَةِ، وَالْقِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ؛ قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ بِفَتْحَتَيْنِ وَأَلِفٍ، وَهُمَا بِمَعْنًى، كَالْحَلَالِ وَالْحِلِّ، وَجَاءَ فِي الشَّواذ عَن ابن عَبَّاسٍ قِرَاءَاتٌ أُخْرَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَتَثْلِيثِ الرَّاءِ، وَبِالضَّمِّ أَشْهَرُ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ.

الشيخ: يكفي، المقصود القراءة المشهورة: وَحَرَامٌ.

6612- حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ.

وَقَالَ شَبَابَةُ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَن ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

الشيخ: أيش قال على هذا، على حديث ابن عباس، حديث ابن عباس الأخير: "ما رأيتُ أشبه .."؟

الطالب: قَوْله: (عَن ابن عَبَّاسٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: (وَقَالَ شَبابَة: حَدثنَا وَرْقَاء) هُوَ ابن عمر، (عَن ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ) فَكَانَ طَاوُسًا سمع الْقِصَّة من ابن عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَانَ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة بعد أن سَمعه من ابن عَبَّاسٍ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَبَيَّنْتُ الِاخْتِلَافَ فِي رَفْعِ الْحَدِيثِ وَوَقْفِهِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ شَبَابَةَ هَذِهِ مَوْصُولَةً.

وَكُنْتُ قَرَأتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابن الْمُلَقِّنِ: أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ وَصَلَهَا فِي "الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ" عَن عَمْرو بن عُثْمَان، عَن ابن المنادى، عَنهُ، وقلّدتهما فِي ذَلِك فِي "تَغلِيق التَّعْلِيقِ"، ثُمَّ رَاجَعْتُ "الْمُعْجَمَ الْأَوْسَطَ" فَلَمْ أَجِدْهَا.

قَوْلُهُ: (بِاللَّمَمِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمِيمِ، هُوَ مَا يُلِمُّ بِهِ الشَّخْصُ مِنْ شَهَوَاتِ النَّفْسِ، وَقِيلَ: هُوَ مُقَارَفَةُ الذُّنُوبِ الصِّغَارِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: اللَّمَمُ: مُقَارَفَةُ الْمَعْصِيَةِ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ، ومحصل كَلَام ابن عَبَّاسٍ تَخْصِيصُهُ بِبَعْضِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ اللَّمَمِ، أَوْ فِي حُكْمِ اللَّمَمِ.

قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابن آدَمَ أَيْ: قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أَوْ أَمَرَ الْمَلَكَ بِكِتَابَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيث ابن مَسْعُودٍ الْمَاضِي قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَمَلِ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ، وَبِهَذَا تظهر مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة.

قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: كُلُّ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْآدَمِيِّ فَهُوَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ إِلَّا أَنَّهُ يُلَامُ إِذَا وَاقَعَ مَا نُهِيَ عَنْهُ بِحَجْبِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَتَمْكِينِهِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالطَّاعَةِ، فَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ قَوْل الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُجْبِرَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَهِيَ بِخِلَافِ الْمُلْجَأ.

قَوْلُهُ: حَظّهُ مِنَ الزِّنَا إِطْلَاقُ الزِّنَا عَلَى اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَغَيْرِهِمَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ.

الشيخ: وهذا أحد الأقوال في الموضوع، والقول الثاني: أن اللمم كونه يلمّ بالذنب ثم يتوب، يلم ويتوب، فما دام كلما ألَمَّ به تاب فهو معفوٌّ عنه، ومغفورٌ له، وإنما المصيبة أن يُصرَّ ويبقى على الذنب، فأما مَن ألَمَّ به ثم مَنَّ الله عليه بالتوبة؛ فإنَّ الله يمحو عنه ما حصل، كما يقول سبحانه: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، والأدلة الأخرى والقول المتقدم أنَّ اللَّمم هو اقتراف الذنوب الصَّغائر التي يمحوها الله باجتناب الكبائر، كما في قوله سبحانه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، وقوله عليه الصلاة والسلام: الصَّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفَّارات لما بينهنَّ ما لم تُغْشَ الكبائر، هذا معنى قول ابن عباس: إنه اللمم الذي يلمّ به الإنسانُ من صغائر الذنوب يمحوها الله عنه باجتناب الكبائر، وقلَّ أن يسلم من هذا أحد، مُدركٌ ذلك لا محالةَ، فمَن يسلم من نظرةٍ يُصاب بها أو نحو ذلك مما قد يلمّ به مما تعمّ به البلوى، فزنا العين النظر، وزنا اليد البطش، وزنا اللسان النطق، إلى غير ذلك.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يُصدِّق ذلك أو يُكذِّبه، فقد يقع في الفاحشة، ويُبتلى بالكبيرة، وقد يسلم من ذلك ويعصمه الله ويحفظه، فالمؤمن يسعى في الخلاص، ويبتعد عن أسباب الهلاك، والعبد ما كتب الله عليه أنه يقع له لا بدّ أن يقع، لكنه ملومٌ في اقتراف المعاصي، ملوم بالتساهل في ترك الفرائض، مشكور على عنايته وحرصه على الخير، مأمور بذلك، فعليه أن يفعل ما يستطيع، وعليه أن يبذل وسعه في طاعة الله، والكفّ عن محارم الله، مثلما قال ﷺ: كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له.

س: "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا" راجعتُه في "المسند" ونقلتُ سنده.

ج: نعم.

س: ألمَّ من الرباعي؟

ج: ألم من الرباعي، ألم يلم، نعم.

س: ..............؟

ج: الظاهر: لم يلم، يعني: جمع شيئًا، يعني: لمه يلمه، جمعه.

الطالب: قال الإمامُ أحمد: حدثنا إسماعيل: حدثنا محمد بن إسحاق: حدثني عبدالواحد بن .....، عن عبدالله بن الزبير، عن عمه عباد بن عبدالله بن الزبير، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعتُ النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا، فلما انصرف قلتُ: يا رسول الله، ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنَّ مَن نُوقش الحساب يا عائشة يُومئذٍ هلك، قال الحافظ ابن كثير: صحيح على شرط مسلم ..........

الشيخ: على هذا فهو إسناد حسن، وهذا معنى قوله جلَّ وعلا: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ۝ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:7- 8]، فأهل الإيمان والتقوى الذين يُعطَون كتبهم بأيمانهم حسابهم يسير، وهو العرض كما قال النبي، عرض كُتبهم عليهم.

س: ................؟

ج: الحدود مُكفِّرات، التوبة مُكفِّرة، والحدود مُكفِّرات إذا لم يرجع إلى العمل، مُكفِّرة لما مضى، يعني: قبل الحدِّ.

بَابُ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:60]

6613- حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قَالَ: "هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ"، قَالَ: وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ [الإسراء:60]، قَالَ: "هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ".

الشيخ: معنى المَلْعُونَةَ أي: المذمومة؛ لأنَّ الله ذمَّها، اللعن: الذم، ليس من شرط اللعن أن يقول: لعن الله كذا، فالذم لعن الله، قال فيها: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ۝ طَعَامُ الْأَثِيمِ ۝ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ۝ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:43- 46]، فذمَّها وعابها في ذلك، فالمقصود أنَّ الملعونة يعني: المذمومة.

س: اللعن: الطرد من رحمة الله؟

ج: جنس اللعن، لكن ما هو ...... السبّ والشتم والذم والدعاء يُسمَّى: لعنًا إذا قال: أخزاك الله، قبَّحك الله، أو أن فلانًا قبيح، أو أن فلانًا يعصي الله، أو فلانًا كذا وكذا، فقد لعنه، يعني: ذمَّه.

س: ..............؟

ج: يعني: المشركين الذين كذَّبوه قالوا: كيف رأى كذا؟ وقال: إني رأيتُ الجنة، ورأيتُ النار، ورأيتُ جبرائيل على صفة كذا؟! في المعراج والإسراء رأى في بيت المقدس كذا، فأنكرها كثيرٌ من الناس، وفُتنوا بسبب ذلك، نسأل الله العافية: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:18].

بَابُ تَحَاجّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ

6614- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟! فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلاثًا.

قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.

الشيخ: وقال أهلُ العلم في هذا: إنما حجَّ آدمُ موسى يعني: خصمه وغلبه في الحجة لأمرين:

أحدهما: أن آدم تاب عليه الصلاة والسلام ما وقع منه، والتائب لا يُلام ولا يُعاب في ذنبه، فقد تاب إلى الله .

الأمر الثاني: أن خروجه من الجنة -يعني: خروج الذرية- ليس من عمله، ولا من ذنبه، إنما هو مصيبة تعلَّقت ذلك، وإنما ذنبه أكله من الشجرة، فلومه على كل الذرية صاروا في الأرض ولو بقي فيها لبقوا في الجنة؛ هذا لوم على شيءٍ لم يفعله هو، وإنما هي مصيبة تعلَّقت بهذا العمل؛ كونه قدَّر الله عليه أن ذريته، أنه ينزل الأرض، وأنه يُولَد له في الأرض، وتكون له ذرية في الأرض، هذا ليس من فعله، بل هذا أمر مقدر قُدِّر عليه؛ على الأكل الذي جرى، فصار أكله سببًا لنزوله في الأرض، وسببًا لخروج هذه الذرية في الأرض من الأنبياء والصَّالحين والأخيار وغيرهم، فهو لامه على أمرٍ ليس من فعله، فلهذا حجَّ آدمُ موسى، إنما فعله وذنبه الأكل من الشجرة.

فالذنب إذا تاب صاحبُه لا يُلام عليه؛ الزاني إذا تاب والسارق إذا تاب وأُقيم عليه الحدُّ بقي الإنكار على مَن تكلَّم في حقِّه، إنما يُلام قبل ذلك حتى يتوبَ، حتى يرجع، ثم أيضًا الشيء الذي ترتب على عمله ليس من فعله، فلا يُلام عليه، ولهذا قال: أتلوموني على أمرٍ كتبه الله عليَّ يعني: ليس من فعلي، فلهذا حجَّ آدمُ موسى، وكانت الحجَّةُ له عليهما الصلاة والسلام.

س: التقدير بأربعين سنة؟

ج: هذا تقدير خاصٌّ، غير التَّقدير العام.

س: تقدير خاص بآدم فقط؟

ج: نعم، يعني: نوع إيضاحٍ، مثل: التقدير العمري -العمري في بطن أمه- هذا تقدير خاص، غير التقدير العام: كالتفصيل من القدر العام، وهكذا التقدير السنوي في ليلة القدر تفصيل من القدر السابق، أنواع القدر، أقسام القدر السابق والتقدير العمري والتقدير الذي كتبه الله على آدم ..... قبل خلقه بأربعين سنة تفصيل من القدر السابق، التقدير السنوي الذي يكون في ليلة القدر، التقدير اليومي، كل هذه أنواع من القدر السابق، وتفصيل من القدر السابق، وكلها ترجع إلى القدر السابق.

س: ..............؟

ج: لا حجَّة له في ذلك إذا كان ليس من فعله، أما كونه يُلام على الزنا، يُلام على قطيعة الرحم، يُلام على العقوق، يُلام حتى يتوب، فإذا تاب وجب الكفُّ عنه.

س: إذا تاب الزاني أو الزانية من دون إقامة حدٍّ؟

ج: يكفي، ما يُلام، التوبة تكفي.

س: ...............؟

ج: نعم، هذا الظاهر، إطلاق الرواية هكذا، تُطلق الرواية هكذا.

س: ............؟

ج: رواية عمرو متابعة له رواها عن عمرو، وعن ..... يكون له فيه سندان، وهو صرَّح فيهما بالسماع جميعًا، المقصود أنَّ هذا السند متابعٌ للأول، يعني: مُقَوٍّ للأول.

س: .............؟

ج: هي جاءت تائبة نادمة تطلب إقامة الحدِّ عليها، مثلما جاء ماعز تائبًا نادمًا.

س: .............؟

ج: إذا تاب فيما بينه وبين الله كفى، أما في جهة الحدِّ: يُقام عليه الحد إذا ثبت عليه، ولو تاب وستر نفسه ولم يأتِ الحكام ولم يقل شيئًا كفى، ولا ينبغي أن يفضح نفسه، إذا عرف خطأه وزللـه فالواجب أن يتوب إلى الله فيما بينه وبينه، ولا حاجةَ إلى أن يأتي إلى أحدٍ، بل يستر نفسه، ويسأل ربَّه العفو والمسامحة ويكفي.

بَابُ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ

6615- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى المُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلاةِ، فَأَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلاةِ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ: أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بِهَذَا.

الشيخ: تقدَّم هذا غير مرةٍ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وفي الرواية الأخرى: يُحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، هذا تقدم غير مرةٍ من حديث المغيرة، وثبت أيضًا من حديث ابن الزبير عند مسلم: أن النبي كان إذا سلَّم من صلاته قال: لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجد هذه من رواية المغيرة.

وهذا بعد أن يقول: أستغفر الله ثلاثًا، اللهم أنت السلام، كان يقوله النبيُّ ﷺ قبل أن ينصرف: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف ويقول: لا إله إلا الله .. إلى آخره.

س: في جميع الصَّلوات؟

ج: في جميع الصَّلوات الخمس، نعم.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ: أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بِهَذَا، ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ القَوْلِ.

الشيخ: وهذه منقبةٌ لمعاوية؛ أنه يُعلِّم الناس سُنَّتهم بعد الصلاة، يأمر الناس بأن يقولوا ما قاله الرسولُ ﷺ بعد الصلاة .

بَابُ مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ القَضَاءِ

وَقَوْله تَعَالَى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ۝ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:1- 2].

6616- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ البَلاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ.

بَابُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24]

6617- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ قَالَ: كَثِيرًا مِمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: لا وَمُقَلِّب القُلُوبِ.

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ صَيَّادٍ: خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا، قَالَ: الدُّخُّ، قَالَ: اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ، قَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ: دَعْهُ، إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ.

الشيخ: يعني: الدجال، إن يكن هو فلن تقتله؛ لأنَّ له أجلًا ما بعد جاء، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله، كان ابن صياد عنده تقلبات، وعنده تصرفات غريبة، فاشتبه أمره على الناس، انظر كلامه على قوله ..... أول الترجمة؟

الطالب: قَوْلُهُ: (بَابُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَفْسِيرِ الْحَيْلُولَةِ الَّتِي فِي الْآيَةِ بِالتَّقَلُّبِ الَّذِي فِي الْخَبَرِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الرَّاغِبُ وَقَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يُلْقِي فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ مُرَادِهِ؛ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَوَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابنُ مَرْدَوَيْه بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَن ابن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: يَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ، وَيَحُولُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَبَيْنَ الْهُدَى.

الشيخ: يعني قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] يعني: قد يُبتلى الإنسان بما يحول بينه وبين الإيمان، فيبقى في الكفر والضلالة، وقد يحول الله قلبَه إلى الإيمان فيرجع عمَّا هو عليه من الباطل ويقبل الحقَّ ويرضا به ويُؤثره على ما سواه، فهو مُصرِّف القلوب ، ولهذا كان يقول ﷺ: لا ومقلب القلوب، ويقول: اللهم يا مُقلب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك، فالقلوب تتقلَّب ما بين أصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء: فتارة إلى الإيمان، وتارة إلى الكفر، وتارة إلى النفاق، وتارة إلى كذا، وتارة إلى كذا، فهي متقلبة بأمر الله ، وله الحكمة البالغة جلَّ وعلا.

س: ................؟

ج: قد يكون له شيء مما استأثره الله بعلمه، مما أخذه عن غيره، أو ألهمه إياه حتى علم ذلك، فإن الدجال له شأنٌ خطيرٌ في آخر الزمان، والله يُمكِّنه من أشياء غريبة؛ عبرةً وابتلاءً وامتحانًا، ولهذا قال ابنُ صيادٍ: "الدُّخّ" يعني: الدخان يكون في آخر الزمان، فقال له: اخسأ، فإنك لن تعدو قدرك، كثير من السلف يقول: إنه الدجال، وآخرون يقولون: لا، هو دجال من الدجاجلة، يعني: كذَّاب من الكذَّابين، وخبيث من الخُبثاء.

س: ................؟

ج: أظهر الإسلامَ هو، ولكن حتى ولو أظهر الإسلام لا زال الصحابةُ يشكُّون فيه.

س: ..............؟

ج: الله أعلم.

بَابُ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51]: قَضَى

قَالَ مُجَاهِدٌ: بِفَاتِنِينَ [الصافات:162]: بِمُضِلِّينَ، إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ، قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:3]: قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا.

6619- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ، فَقَالَ: كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ، وَيَمْكُثُ فِيهِ لا يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِ، صَابِرًا، مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيد.

الشيخ: وهذا ما يمنع تعاطي الأسباب، العبد مأمور بالأسباب مع الإيمان بالقدر، ولهذا أمر الله جلَّ وعلا العباد أن يعملوا ما ينفعهم من التجارة والزراعة والصناعة وغير ذلك، والسفر والإقامة والتصرف، فكلٌّ مُيسَّر لما خُلق له، كل لا يخرج عن قدر الله ، وهكذا الطاعون إذا نزل في البلد، فمَن أراد الله أنه يُصيبه أصابه، ومَن أراد الله وقايته سلم منه، ولهذا أمر ﷺ بأن لا يقدم عليه، إذا عُرف لا يقدم عليه، ومَن وجد وهو في بلدٍ لا يخرج فرارًا منه، لكن إذا خرج لأمرٍ آخر لا لقصد الفرار -والله يعلم ما في قلبه- إنما خرج لعلةٍ أخرى فلا بأس عليه، أما الفرار فلا يخرج فرارًا منه، فلن يُصيبه إلا ما كتب الله له.

س: ....... خاص بالطاعون؟

ج: هذا ظاهر النص.

س: المنع من الخروج يكون للتَّحريم؟

ج: ظاهره المنع، هذا الأصل في النَّهي.

س: ..............؟

ج: هذا جاء لما ذهب إلى الشام جمع الناس، منهم أبو عبيدة، وسألهم واستشارهم في ذلك، واختلفوا عليه، ثم أجمع مسلمة الفتح على أنه يرجع بالناس ولا يُخاطر بهم، ثم جاءه عبدالرحمن بن عوف وجماعة وأخبروه بأنهم سمعوا النبيَّ ﷺ يقول: إذا سمعتُم به في بلدٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا عنه، فحمد الله عمر أنَّ الله وفَّقه للسنة، وانصرف بالناس.

بَابُ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43]

لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ [الزمر:57]

6620- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ -هُوَ ابْنُ حَازِمٍ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ وَهُوَ يَقُولُ:

«وَاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلا صُمْنَا وَلا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا
وَالمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا».

الشيخ: وهذا يُبين لنا تواضعه ﷺ، وأنه يُشجع الصحابة على العمل الطيب، فهو يُشاركهم في بناء المسجد، ويُشاركهم في حفر الخندق عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أنه ينبغي للزعماء والرؤساء والكبار أن يُشاركوا في الأمور المهمة؛ حتى يتشجع الناسُ، وحتى يعمل الناسُ بنشاطٍ وقوةٍ، إذا رأوا أميرهم ورئيسهم وكبارهم شاركوا نشطوا في العمل، وقاموا بالعمل كما ينبغي، ولهذا كان ﷺ يُشارك في الجهاد، ويُشارك في حفر الخندق، ويُشارك في بناء المسجد عليه الصلاة والسلام، هكذا ينبغي للأئمة والرؤساء والكبار والعلماء والأخيار أن يُشاركوا في هذه الأمور العظيمة؛ حتى ينشط الناس، وحتى يقوم الناس بالعمل أكثر مما لو كانوا لم يُشارَكوا، والله المستعان.

83- كِتَابُ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:89].

6621- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ اليَمِينِ، وَقَالَ: "لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي".

6622- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ.

6623- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ بِثَلاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَحَمَلَنَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا -أَوْ قَالَ بَعْضُنَا: وَاللَّهِ لا يُبَارَكُ لَنَا؛ أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنُذَكِّرُهُ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ -أَوْ: أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي.

الشيخ: وهذه الأحاديث -هذان الحديثان والأثران: أثر الصديق- وما جاء في معناها كلها دالة على أن حفظ اليمين مأمورٌ به، لا يمنع من الحنث إذا ظهرت المصلحة، وقد فسّر قوله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] بأمرين:

أحدهما: التقليل منها، وعدم كثرة الحلف؛ لأنَّ كثرة الحلف يُفضي إلى الحنث، وعدم الحفظ.

والأمر الثاني: حفظها بالتكفير إذا حنث فيها لأي سببٍ، فمن الواجب أن يحفظها بالتكفير، وإخراج الكفَّارة.

وهذان الحديثان مع الأثر الصحيح ومع ما جاء في معناهما من الأحاديث على أن المؤمن ينظر، لا يلج في يمينه، ما ينبغي له أن يلج في يمينه ويقول: أنا حلفتُ وفقط، ينظر؛ فإذا ظهرت المصلحةُ في أن الحنث أولى حنث، وإن ظهرت المصلحة في أنه يستمر في يمينه ولا يحلف فعل، فالمؤمن رجَّاع للحق، رجَّاع للصواب، فإذا قال: "والله لا أصل رحمي فلانًا" أو "والله لا أُسلم على فلانٍ" أو "والله لا أزور فلانًا"، ثم نظر وتأمَّل فإذا هو غلطان، وليس هناك موجب لهجره وعدم زيارته وعدم صلته؛ فإنه يرجع ويُكفِّر كما فعل الصديقُ لما آل ألا يصل مسطح، هكذا ما أشبه ذلك من الأيمان.

ومن هذا قوله ﷺ للأشعريين: والله لا أحملكم، ولا عندي ما أحملكم عليه، ثم جاءته إبلٌ فدعاهم وحملهم، فخافوا أن يكون نسي يمينه ..... فجاءوا وأخبروه أنك حلفتَ، قال: إني ما حملتُكم، ولكن الله حملكم، يعني: الله الذي يسَّر لكم هذه الإبل، وأنا أعالج يميني، ولهذا قال: وأنا والله إن شاء الله لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفَّرت عن يميني، وأتيتُ الذي هو خير.

فإذا كان سيد ولد آدم يفعل هذا، فغيره من باب أولى لهم الأسوة فيه عليه الصلاة والسلام، فلا يلج يقول: أنا حلفتُ وفقط! لا، بل ينظر، وهكذا مع زوجته قال: والله لا تفعلي كذا، والله لا تخرجين إلى كذا، والله لا تفعلي كذا، ينظر ولا يُحرجها في شيءٍ يضرُّها، ولا يشقّ على أهله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، فإذا رأى الرجوعَ عن يمينه رجع وكفَّر، وهكذا مع أولاده، وهكذا مع جيرانه، وهكذا مع عملائه في التجارة، وهكذا غير ذلك، فينبغي ألا يلج في اليمين يقول: أنا حلفت وفقط! بل ينظر ويتأمَّل ويعمل الأصلح، والكفَّارة بحمد الله تحلّ المشكل، إذا ظهر أن المصلحة في الحنث حنث وكفَّر.

فالمقصود أن قوله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] لا يمنع من الحنث إذا ظهرت المصلحةُ، كما أنه لا يمنع من اليمين إذا ظهرت المصلحة في اليمين، فقد حلف النبيُّ ﷺ في مواضع كثيرة للتأكيد، قال أحمد: أنه على أكثر من ثمانين موضع يؤكد فيها المقام عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قوله: فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم، قلتُم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، في مواضع كثيرة أكَّد المقام باليمين؛ ليؤكد المقام، وليكون ذلك أدعى للعمل بما حلف عليه الصلاة والسلام وآكد.

فهكذا أنت تأسَّى بنبيك ﷺ فيما ترى فيه الحلف، تقول: والله لأزورنَّ فلانًا، والله لأعودنَّ فلانًا، والله لأكرمنَّ فلانًا، إذا رأيته أهلًا لهذا الأمر، الحلف على ذلك تأكيد للمقام، وإن كنت فاعلًا ولا بدّ، ولكن من باب التأكيد.

س: مَن حلف يمينًا أنه يترك هذه المعصية ثم رجع للمعصية؟

ج: عليه التوبة إلى الله، عليه التوبة إلى الله وكفَّارة يمين جميعًا، لا يرجع، لا يجوز له الرجوع: والله لا يشرب الخمر، والله لا يتعاطى التدخين، والله لا يعقّ والديه، يلزمه هذا، ولو ما حلف، لكن إذا حلف صار هذا تأكيدًا للمقام، فيلزمه الكفُّ عن المعصية، فإذا بُلي بها -نعوذ بالله من ذلك- فعليه الكفَّارة والتوبة جميعًا؛ كفَّارة اليمين مع التوبة والنَّدم.

س: ............؟

ج: الإمارة مثلما سمعت الحديث لا ينبغي سؤالها إلا إذا اقتضت المصلحةُ ذلك، الأصل أنه لا ينبغي سؤالها؛ لأنها خطر، الإمارة والقضاء ونحو ذلك من الأمور التي يترتب عليها أمانات وحقوق للناس، لكن إذا بُلي بها أعانه الله عليها، إذا بُلي بها ولم يطلبها أعانه الله عليها، ولهذا قال النبيُّ لعبدالرحمن: إنَّك إن أُعطيتها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها يعني: حري ألا يُوفق عليها إذا أخذها عن مسألةٍ، أما إذا أخذها عن إلزامٍ له ولم يطلبها فهو حري بالإعانة والتوفيق، لكن إذا اقتضت المصلحةُ أن يطلبها فقد قرر المحققون من أهل العلم جواز ذلك للمصلحة، إذا رأى المصلحة للمسلمين والخير للمسلمين في أن يطلبها؛ لأنه يرى نفسه أهلًا لها، ويرى أن الأمور ضائعة، وأن الذين فيها ليسوا أهلًا لها، أو أنها متروكة هذه المسألة أو هذه الوظيفة فلا بأس أن يسألها للمصلحة، واحتجُّوا على هذا بقصة يوسف؛ أن الله ذكرها وأقرَّها: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] يعني: يجعله على المالية، وزيرًا للمالية، ثم تولى الملك بعد ذلك، فهو طلب هذا لمصلحة المسلمين؛ حتى يصرف الأموال على الوجه المرضي.

وكذلك قصة عثمان بن أبي العاص الثقفي حين قال لرسول الله: اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم، واقتدِ بأضعفهم، فلم يُنكر عليه ذلك؛ لأنَّ عثمان رأى المصلحة في ذلك، رأى المصلحة في أن يكون وليًّا لأهل الطائف؛ ليُصلح شُؤونهم، ويقوم على أمرهم.

فإذا كان الإنسانُ في قريةٍ أو في قبيلةٍ ويرى أن غيره لا يقوم بالواجب، وأن الواجب عليه متعين أن يقوم بالواجب هو، وقال لولي الأمر: اجعلني عليهم؛ ليتولى مصالحهم، وينظر في أمورهم، فليس قصده الدنيا، ولا الرغبة فيما عند الناس، وإنما قصده وجه الله والدار الآخرة، ليس قصده إلا الإصلاح؛ هذا مأجور، ولا حرج، يُرجى أن يُعان لصلاح نيته، وللأسباب التي حملته على ذلك، فهذا شيء مخصوص، هذا شيء مُستثنى.

س: الإمارة تشمل الإدارة؟

ج: حتى ولو على اثنين.

س: إدارة المدارس؟

ج: عام، وإن سمّوها إدارةً هي إمارة.

س: له أن يسأل القضاء؟

ج: من هذا الباب إذا رأى المصلحة الشرعية.

س: النهي عن سؤال الإمارة؟

ج: الأصل في النهي التحريم.

6624- حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ.

6625- وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِج أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ.

الشيخ: يلج بالفتح؟ انظر كلامه ......

الطالب: قَوْلُهُ: وَاللَّهِ لَأَنْ يَلج بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهِيَ اللَّامُ الْمُؤَكِّدَةُ لِلْقَسَمِ، وَ"يَلِج" بِكَسْرِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا.

الشيخ: طيب، هذه فائدة، فيها الوجهان: يلج يقدم الكسر ..... كنت أظن أن الفتح مقدم، وأيش قال العيني؟

الطالب: قال: وفي "الصحاح": لججت بالكسر.

الشيخ: ألج، نعم.

الطالب: بالكسر لجاج ولجاجة، ولجاج بالفتح لغة.

الشيخ: ظاهر الصحاح تقديم الكسر ..... الفائدة من هذا أنَّ لها وجهين والحمد لله، يقال: لج يلج، مثل: ضرب يضرب، خرَّ يخرّ، ويلج يلجج، مثل: فرح يفرح، وتعب يتعب، فيها اللغتان.

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاللَّهِ، لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

6626- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ –يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنِ اسْتَلَجَّ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا، لِيَبَرَّ يَعْنِي: الكَفَّارَةَ.

الشيخ: انظر كلامه على .....

الطالب: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: "فَقَالَ" بِالْفَاءِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ.

وَقَوْلُهُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، لَكِنْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ كَرَّرَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ هَذَا الْقَدْرَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْ صَحِيفَةِ هَمَّامٍ، مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْهُ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ حَدِيثَ نَحْنُ الْآخِرُونَ.

الشيخ: بعده قوله يلج، الكلام على يلج؟

الطالب: قَوْلُهُ: وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِج بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهِيَ اللَّامُ الْمُؤَكِّدَةُ لِلْقَسَمِ، وَيَلِج بِكَسْرِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، بَعْدَهَا جِيمٌ، مِنَ اللَّجَاجِ، وَهُوَ أَنْ يَتَمَادَى فِي الْأَمْرِ وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ، وَأَصْلُ اللَّجَاجِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْإِصْرَارُ عَلَى الشَّيْءِ مُطْلَقًا، يُقَالُ: "لَجِجْتُ أَلَجُّ" بِكَسْرِ الْجِيمِ فِي الْمَاضِي، وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ.

قَوْلُهُ: أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ سَقَطَ، قَوْلُهُ: فِي أَهْلِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ الْمَعْمَرِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْد ابن مَاجَهْ.

قَوْلُهُ: آثَمُ بِالْمَدِّ، أَيْ: أَشَدّ إِثْمًا.

قَوْلُهُ: مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ عَبْدِالرَّزَّاقِ: مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا تَتَعَلَّقُ بِأَهْلِهِ بِحَيْثُ يَتَضَرَّرُونَ بِعَدَمِ حِنْثِهِ فِيهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ، فَيَفْعَلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ، وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَحْنَثُ، بَلْ أَتَوَرَّعُ عَنِ ارْتِكَابِ الْحِنْثِ خَشْيَةَ الْإِثْمِ. فَهُوَ مُخْطِئٌ بِهَذَا الْقَوْلِ، بَلِ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ وَإِقَامَةِ الضَّرَرِ لِأَهْلِهِ أَكْثَرُ إِثْمًا مِنَ الْحِنْثِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَنْزِيلِهِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْحِنْثُ لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: آثَمُ بِصِيغَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَهُوَ لِقَصْدِ مُقَابَلَةِ اللَّفْظِ عَلَى زَعْمِ الْحَالِفِ أَوْ تَوَهُّمِهِ، فَإِنَّهُ يتَوَهَّمُ أَنَّ عَلَيْهِ إِثْمًا فِي الْحِنْثِ، مَعَ أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: الْإِثْمُ فِي اللَّجَاجِ أَكْثَرُ مِنَ الْإِثْمِ فِي الْحِنْثِ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِهِ، وَأَصَرَّ عَلَيْهِ كَانَ أَدْخَلَ فِي الْوِزْرِ وَأَفْضَى إِلَى الْإِثْمِ مِنَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ اللَّهَ عُرْضَةً لِيَمِينِهِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ.

قَالَ: "وَآثَمُ" اسْمُ تَفْضِيلٍ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُطْلَقَ لِلَّاجِ فِي الْإِثْمِ، فَأُطْلِقَ لِمَنْ يَلِجُّ فِي مُوجِبِ الْإِثْمِ اتِّسَاعًا.

قَالَ: وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّجُ مِنَ الْحِنْثِ خَشْيَةَ الْإِثْمِ، وَيَرَى ذَلِكَ، فَاللَّجَاجُ أَيْضًا إِثْمٌ عَلَى زَعْمِهِ وَحُسْبَانِهِ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا يَبْعُدُ أَنْ تَخْرُجَ أَفْعَلُ عَنْ بَابِهَا، كَقَوْلِهِمُ: "الصَّيْفُ أَحَرُّ مِنَ الشِّتَاءِ"، وَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِثْمَ فِي اللَّجَاجِ فِي بَابِهِ أَبْلَغُ مِنْ ثَوَابِ إِعْطَاءِ الْكَفَّارَةِ فِي بَابِهِ.

قَالَ: وَفَائِدَةُ ذِكْرِ أَهْل فِي هَذَا الْمَقَامِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهِيَ مَزِيدُ الشَّفَاعَةِ لِاسْتِهْجَانِ اللَّجَاجِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَهْلِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي غَيْرِهِمْ مُسْتَهْجَنًا فَفِي حَقِّهِمْ أَشَدَّ.

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْحَانِثِ فَرْضٌ.

قَالَ: وَمَعْنَى "يَلِج" أَنْ يُقِيمَ عَلَى تَرْكِ الْكَفَّارَةِ.

كَذَا قَالَ، وَالصَّوَابُ عَلَى تَرْكِ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَقَعُ التَّمَادِي عَلَى حُكْمِ الْيَمِينِ، وَبِهِ يَقَعُ الضَّرَرُ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.

الشيخ: الخلاصة من هذا أن قوله آثم له يعني: إذا كان يحصل الإثم، يعني: قد يكون الحنث ..... ما فيه إثم، قد يكون كلاهما ليس فيه إثم، لكن عبَّر النبيُّ ﷺ بقوله: آثم بأن هذا قد يفعله تحرُّجًا الشخص، قد يلج: يستمر؛ تأثمًا وخشية أن يكون عليه إثم، فبين ﷺ أنه آثم له عند الله كونه يستمر في الشرِّ على أهله، والضَّرر على أهله، والإصرار على ما يضرهم، هذا آثم له من كونه يحنث الذي يتوهم أنه لا يجوز له.

أما إذا كان الأمر واضحًا في أنه إثم فهذا معناه يحتاج إلى معنى آخر؛ فإنه ينظر في الأمرين: فأيّهما كان أقرب إلى الصواب فعله، لكن الغالب أن الإنسان يلج في اليمين ويستمر عليها؛ لاعتقاده أن عليه إثمًا في الحنث، فبين الرسولُ ﷺ أنَّ لجاجته في إيذائه أهله، وإصراره على ما يُؤذي أهله أشد في الإثم.

وبكل حالٍ، هو يُبين له ﷺ أنه ينبغي له أن يُلاحظ عدم المشقة على أهله، وعدم تكليفهم ما يضرُّهم، وأن يرضى بالكفَّارة التي جعلها الله له فرجًا ومخرجًا في ذلك، على اختلاف وتنوع ما يقع من الإنسان، على اختلاف ذلك وتنوعه، فإذا توهم أن حنثه فيه إثم فالآثم له والأشد أن يستمر فيما يضرُّ أهله، والناس يختلفون في هذا كثيرًا: فإنه قد يكون لجَّ في أمرٍ ضرره عظيم على أهله؛ كأن يمنعها من والديها، أو يمنعها من زيارة أهلها، أو يمنعها من الخروج أبد الآباد، ولا تخرج أبدًا، فإن هذا فيه مشقة كبيرة، فهي محتاجة: قد تخرج لجارةٍ، قد تخرج لأهلٍ، قد تضطر للخروج لأمورٍ مهمةٍ، فهذا في حلفه وإصراره على اليمين آثم له وأشد شرًّا على أهله، كذلك قد يحلف على بعض أولاده بما يضرُّهم: كأن يحلف أنهم لا يقرؤون، ولا يفعلون كذا، ولا يخرجون إلى كذا.

المقصود أنه ينظر في الأمر: فما توقع أنه يأثم به في الحنث فإنه آثم له أن يستمر في اليمين، وأن يُصرَّ على رأيه ولو كانت فيه مشقة على أهله أو والديه أو غير ذلك.

س: ................؟

ج: الله أعلم، ما أعرف أيش السر، المناسب أنه يقدم الأحاديث، لكن لعلَّ له سرًّا، يعني: هو يستغرب هذا من المؤلف، ولكن لعلَّ له سرًّا، قد يُقال على عادته: أنه يبدأ بالآثار في التراجم، ثم يأتي بالأحاديث التي هي دليل الآثار، يعني يُبين فيها أنه عمل بها السلف، عمله السلف، كأن يقول: باب كذا، وقال فلان كذا، قال الحسن كذا، قال ابن عمر كذا، قال عروة كذا، فتكون الآثار المعلقة لبيان مَن قال بهذا الأمر ومن عمل به، ثم يذكره بعدها من باب الدليل، لا من باب أن الأثر مُقدَّم وأنه أولى به، لا، لكن من باب بيان الأحكام، ثم يأتي بالدليل عليها، فلعل لهذا أسبابًا، لعلَّ هذا هو السبب في تقديم أثر الصديق، الصديق فعل هذا، وجاء الدليل يطابق ما فعله الصديق، ويُبين صواب الصديق، فكأنه قال: باب حكم كذا وكذا، ثم ذكر الدليل عليه، لعلَّ هذا هو السبب ......

الطالب: قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: "حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ" جَزَمَ أَبُو عَليٍّ الغساني بِأَنَّهُ ابن مَنْصُور.

الشيخ: يكفي، يكفي.

 

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: وَايْمُ اللَّهِ

6627- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ.

 

الشيخ: وفي هذا بيان أنَّ لولي الأمر أن يُبين فضل مَن يرى من الجنود والأتباع والحاشية إذا كان قد يخفى أمره على الناس، ويُبين خطأهم فيما قد يفعلون من الطعن والعيب فيمَن لا يستحق ذلك، وأن هذا من باب الأمانة التي يُؤديها وليُّ الأمر، وفيه هدم لما كانت عليه الجاهلية من احتقار العتقاء الأُمراء الموالي، وعدم تقديمهم للإمارات ونحوها، فالنبي أراد بهذا عليه الصلاة والسلام هدم هذه العادات الجاهلية، فأمَّر زيد بن حارثة في غزوة مؤتة على الناس، وهو مولاه وعتيقه، وفيهم جعفر بن أبي طالب ابن عمه، وفيهم عبدالله بن رواحة، وفيهم جماعة من أعيان الصحابة، وأمَّر عليهم زيدًا، ثم بعث بعثًا بعد ذلك في آخر حياته فأمَّر عليهم أسامة بن زيد، وهو مولاه أيضًا وعتيقه، فقال هذا الكلام: إنكم تطعنون في إمرته، وقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه زيد، ولقد كان خليقًا للإمارة، وإنه لمن أحبّ الناس إليَّ، وإنَّ هذا من أحبّ الناس إليَّ من بعده.

المقصود أنَّ هذا فيه بيان منزلة زيد وابنه أسامة، وبيان أنه لا حرج أن يُولَّى المولى والمملوك ونحوهم الإمارات إذا رأى وليُّ الأمر [في] ذلك المصلحة ......؛ لأنَّ المقصود هو المصالح، ليس المقصود نسب فلان، ولا نسب فلان، فإذا كان هذا المولى أو هذا الأعجمي أو هذا المملوك خليقًا بالإمارة، خليقًا بهذا الشيء، فلا مانع أن يُوليه وليُّ الأمر، وأن يقوم بهذا العمل، كما فعل مع أسامة وأبيه.

س: .............؟

ج: ..............