111 من حديث: (إن اللَّه تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها..)

بَابُ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الأَيْمَانِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [الأحزاب:5] وَقَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ [الكهف:73].

6664- حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ –يَرْفَعُهُ- قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ، أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ.

6665- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ، أَوْ مُحَمَّدٌ عَنْهُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ: أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنْتُ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، لِهَؤُلاءِ الثَّلاثِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: افْعَلْ وَلا حَرَجَ، لَهُنَّ كُلِّهِنَّ يَوْمَئِذٍ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلا حَرَجَ.

6666- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِالعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: لا حَرَجَ، قَالَ آخَرُ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: لا حَرَجَ، قَالَ آخَرُ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: لا حَرَجَ.

الشيخ: وهذا كله يُبين لنا توسعة الشريعة وسامحتها في هذه الأمور، وأن الإنسان إذا فعل الشيء غلطًا ونسيانًا لم يتعمده فإنه لا يُؤاخذ بذلك؛ لقول الله جلَّ وعلا: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5]، وقوله سبحانه: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله: قد فعلتُ.

فإذا قال: والله لا يكلم فلانًا، أو والله لا يزور فلانًا، أو عليه الطلاق لا يزور فلانًا، أو عليه الحرام لا يزور فلانًا، أو لا يُكلم فلانًا، ثم نسي فكلَّمه ناسيًا؛ فلا حنثَ عليه، ويمينه باقية؛ لأنه لم يتعمّد، أو كلَّمه يظنّه غير فلانٍ -اشتبه عليه- فغلط، يحسب أنه فلان وليس بفلانٍ كذلك.

وهذا عام في اليمين والطلاق والتحريم على الصحيح، وقال بعضُ أهل العلم أنَّ هذا خاصّ باليمين فقط، أما الطلاق والتحريم فلا، والصواب أنه عام؛ لأنَّ الأدلة عامَّة: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [الأحزاب:5]، رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، فالنصوص عامَّة، فلا يقع الحنث، وإذا كان معصية لم يقع الإثمُ.

وهكذا مثل: لو أفطر في رمضان ناسيًا، فلا إثم عليه، أو ظنَّ غروب الشمس واجتهد بسبب الغيوم، وظنَّ أن الشمس قد غربت فأفطر، فلا إثم عليه، لكن متى تبين أنَّ الشمس لم تغرب قضى ذلك اليوم؛ لأنه بان أنه من رمضان ولم يُكمله، بان أنه في النهار، فجمهور أهل العلم على هذا الحكم.

وهكذا لو وسوس، وقع في قلبه شيء ولم يتكلم، وسوس أنه يُطلق، وسوس أنه يحرم، أو وسوس أنه يحلف، ولكن ما ..... فإنَّ هذا يُعفا عنه؛ لقوله ﷺ: إنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم.

فلو عزم أن يُطلق، ولكن ما تكلم ولا كتب شيئًا ..... فإنه لا يقع شيء في ذلك؛ لأنه من حديث القلوب، ومن وساوس الصدور، ومن حديث النفس، حتى يكتبه أو يتكلم به، وهذا من رحمة الله ؛ لأن الإنسان قد يغلط ويعزم على الطلاق، أو على العتق، أو على التحريم، ثم يرجع ولا يتكلم بشيءٍ: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ  [البقرة:185]، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

الأسئلة:

س: ...........؟

ج: الحكم واحد على الصحيح.

س: .............؟

ج: ما هناك دليل واضح، التفريق ما عليه دليل، ما قاله بعض الحنابلة ما عليه دليل.

س: ...........؟

ج: لا، ما يُخالف هذا، لكن فضل الله في مسألة الحسنات زيادة أجرٍ؛ إذا همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتب الله له حسنة، أما إذا همَّ بالسيئة ولم يعملها لا يكون عليه شيء، هذه القاعدة، حتى يفعلها، فإذا فعل السيئة كُتبت واحدة، فإن تركها من أجل الله كُتبت له حسنة.

س: .............؟

ج: على طريقه ماشي؛ لأن النوع الثالث الذي أعطاه الله مالًا ولم يُعطه علمًا، فهو لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعرف لله فيه حقًّا، فهو في أخبث المنازل، والرابع: لا أعطاه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو كان لي مثل فلانٍ لعملتُ فيه مثل عمله، قال: فهما في الوزر سواء، يعني: هذا بتصويبه على الباطل، وحرصه عليه لو قدر، هذا يُؤخذ من الحديث نفسه.

س: الذي يأكل وهو ناسٍ وهو صائم؟

ج: لا شيء عليه، لا كفَّارة، ولا قضاء.

س: وإذا جامع وهو ناسٍ؟

ج: الصحيح كذلك صومه صحيح، ولا كفَّارة عليه، وبعض العلماء استثنى الجماع، ولا دليلَ على ذلك، ولهذا في اللفظ الآخر: مَن أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاءَ عليه، ولا كفَّارة.

س: إذا رأيتُه يشرب ناسيًا؟

ج: تُنبهه؛ لأنه منكر، إذا رأيتَ مَن يشرب في الصيام أو يأكل نبهه: أنت صائم، تُخبره، تُنكر عليه.

6667- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلَّى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: فَأَعْلِمْنِي، قَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، وَاقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا.

الشيخ: الشاهد من هذا أنه لم يأمره بإعادة ما مضى؛ لجهله، وكونه حديث عهدٍ بالإسلام، فلم يأمره بقضاء ما مضى لجهله، وإنما أمره بإعادة الحاضرة التي في الوقت، ولم يقل: الصَّلوات الماضية أعدها، فدلَّ ذلك على عذره بالجهل.

س: إذا كان يوم غيم وأفطر جاهلًا؟

ج: فيه خلاف، والصواب أنه يقضي.

س: ............؟

ج: كذلك في هذا أنه ﷺ ردَّ عليه السلام، لما جاء وسلَّم ردَّ عليه، مع أنه يُشاهده وهو عنده، فدلَّ على أنه إذا شغل عن أخيه بشيءٍ -بصلاةٍ أو غيرها- ثم سلَّم يرد عليه السلام، ما يقول: سلمتُ عليك من سابقٍ، فالرجل هذا صلَّى ثم سلَّم، فردَّ عليه النبيُّ، ثم ذهب يُصلي، ثم جاء فسلَّم، فردَّ عليه، ثم ذهب وصلَّى، ثم سلَّم وردَّ عليه.

ومن هذا لو دخل في الصف ..... وسلَّم عليه، ودخل في الصف، ثم لما صلَّى ما تيسر سلَّم عليه؛ لا حرج في ذلك، بعض الناس قد يستنكر هذا ويقول: هذا بدعة، هذا لا وجهَ له، فالسلام لا يأتي إلا بالخير، فإن شغله بالصلاة ثم سلَّم على أخيه ليتحدّث معه أو ليسأله عن أولاده أو كذا، لا بأس، لا حرج في هذا.

6668- حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ هَزِيمَةً تُعْرَفُ فِيهِمْ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: أَبِي، أَبِي". قَالَتْ: "فَوَاللَّهِ مَا انْحَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ"، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ.

الشيخ: وهذا لأنَّ أباه دخل في القتال، والتبس الناس يوم أحد لما دخل الجيش خيل المؤخرة من المسلمين؛ فاضطرب الناس، فكاد يقتل بعضهم بعضًا من شدة الاقتراب والاختلاط، وكان الإمامُ مع الناس، فالتبس أمره، وقتله بعض الناس يحسب أنه من المشركين، فقال: "غفر الله لكم" يقول ولده حذيفة.

6669- حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْفٌ، عَنْ خِلاسٍ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ.

6670- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، فَمَضَى فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ انْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، فَكَبَّرَ وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَلَّمَ.

الشيخ: وهذا يبين أن ترك التشهد الأول نسيانًا لا يضرّ الصلاة، أنه يُعفا عن ذلك، وعليه سجود السهو، إذا قام من التشهد الأول ناسيًا فإنه يُكمل صلاته، ويسجد سجدتين للسهو، سواء كان إمامًا أو منفردًا، والمأموم تابع لإمامه، وهذا النسيان أسقط عنه هذا الجزء الواجب وجبره سجود السهو.

فمقصود المؤلف أن هذا أثر -أن سهوه أثَّر- في صحة صلاته، ولو تعمده لبطلت صلاته، فدلَّ ذلك على أن السهو يُؤثر في إسقاط الواجب، وعدم بطلان الصلاة.

6671- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ عَبْدَالعَزِيزِ بْنَ عَبْدِالصَّمَدِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلاةَ الظُّهْرِ، فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، قَالَ مَنْصُورٌ: لا أَدْرِي: إِبْرَاهِيمُ وَهِمَ أَمْ عَلْقَمَةُ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لا يَدْرِي: زَادَ فِي صَلاتِهِ أَمْ نَقَصَ، فَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ، فَيُتِمُّ مَا بَقِيَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ.

الشيخ: وهذا جاء مُفسرًا في اللفظ الثاني، وأنه قام إلى الخامسة، فلما سلَّم من الخامسة في العصر وشوش الناس، وسألهم: ما شأنكم؟ قالوا: صليتَ خمسًا يا رسول الله، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين للسهو عليه الصلاة والسلام، وقال لهم: إنه لو حدث أمرٌ في الصلاة لأنبأتُكم به، ولكني بشرٌ، أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكروني، فدلَّ ذلك على أن الإنسان إذا نسي شيئًا من صلاته فزاد أو نقص؛ إن زاد ..... الزيادة؛ لأنها نسيانًا، وعليه سجود السهو، كما لو صلَّى الظهر أو العصر أو العشاء خمسًا، أو المغرب أربعًا، أو الفجر ثلاثًا ناسيًا، فإنه يسجد للسهو فقط، وكذا لو نقص: سلَّم من ثنتين في المغرب أو الظهر أو العصر، أو سلَّم من ثلاثٍ في الرباعية، فإنه يُنبه فيُكمل، ثم إذا كمَّل وسلَّم سجد سجدتي السَّهو بعد السلام، السنة أن يكون بعد السلام إذا كان سلَّم عن نقص ركعة فأكثر، مثل قصة ذي اليدين في صلاة النبي ﷺ، في إحدى صلاتي العشي -الظهر أو العصر- سلَّم من ثنتين، ثم قام فنبه، فلما نبّه كمّل صلاته، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلَّم عليه الصلاة والسلام.

س: ...........؟

ج: يُسنّ بعد الصلاة، إذا سجد للسهو سلَّم أيضًا من سجود السهو.

س: سجود السَّهو واجب؟

ج: نعم.

6672- حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا [الكهف:73]، قَالَ: كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا.

6673 - قَالَ أَبُو عَبْدِاللَّهِ: كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لَهُمْ، فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ، فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلاةِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي عَنَاقٌ جَذَعٌ، عَنَاقُ لَبَنٍ، هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَكَانَ ابْنُ عَوْنٍ يَقِفُ فِي هَذَا المَكَانِ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، وَيُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِمِثْلِ هَذَا الحَدِيثِ، وَيَقِفُ فِي هَذَا المَكَانِ، وَيَقُولُ: لا أَدْرِي: أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لا؟ رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

الشيخ: جاء في الرواية الأخرى التَّصريح بأنها لن تُجزئ عن أحدٍ بعدك، ..... بردة بن نيار ذبح قبل صلاة العيد يوم النحر، وظنَّ أن اليوم يُجزئ فيه الذبح قبل الصلاة، فأخبره ﷺ أنَّ شاته شاة لحمٍ ما تُجزئ في الضَّحية، فقال: يا رسول الله، إنَّ عندي جذعة من المعز هي خيرٌ من شاتي لحمٍ، فقال: اذبحها، ولن تُجزئ عن أحدٍ بعدك، وصار من خصائصه .

والمعنى أنَّ المعز لا يُجزي فيها إلا الثَّني، وهي المسنة التي تمَّت سنة، أما الضَّأن فيُجزئ، الجذع الذي مضى له نصف سنةٍ؛ لأنه بإذن الله أسرع نموًّا وتربيةً من المعز، فالجذع منه يقوم مقام الثَّني من المعز، ولهذا في الحديث الآخر: لا تذبحوا إلا مُسنّة، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضَّأن رواه مسلم.

6674- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ ذَبَحَ فَلْيُبَدِّلْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ.

س: لو ذبح قبل الصلاة ولم يكن عنده إلا عناقًا؟

ج: لا، هذا خاصٌّ بالرجل؛ لأنَّ الرسول قال: لن تُجزئ عن أحدٍ بعدك صريح.

س: .............؟

ج: مقصوده أنَّ هذه وما أشبهها يعمّها الحكم: الطلاق، والأيمان، والأكل، والشرب، وغير ذلك.

س: قوله: إلا أن يعسر عليكم يشترط العسر؟

ج: جاء في روايةٍ أخرى تُفسّر أنه ليس بشرطٍ، ولهذا أمرهم أن يذبحوا جذعةً من الضَّأن.

 

بَابُ اليَمِينِ الغَمُوسِ

وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:94]، دَخَلًا: مَكْرًا وَخِيَانَةً.

6675- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا فِرَاسٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ.

 

الشيخ: اليمين الغموس هي التي يقتطع بها مالُ أخيه بغير حقٍّ، قال بعضُ أهل العلم: معناها أنها تغمسه في الإثم، ثم في النار -نعوذ بالله.

شف كلامه على قتل اليمان أبو حذيفة.

س: .............؟

ج: ما لها كفَّارة اليمين الغموس، إثمها أعظم اليمين، الكفَّارة تكون فيما هو أسهل، في المستقبل لا يفعله ثم فعله، أو تركه ثم، أو لا يفعل ثم فعل، أما اليمين الغموس فهي عظيمة، إذا وقع فيها عليه التوبة إلى الله، وردّ الحق إلى أهله، فلو قال مثلًا: والله ما عندي لك شيء، وهو عنده هذا الشيء، أقرضه مثلًا ألف ريـال أو أكثر أو أقل، ثم طالبه بالحقِّ وقال: ما عندي لك شيء، ولا أقرضتك شيئًا، ولا عنده بينة، قد أحسن به الظنّ، ولا أشهد عليه، فحلف أنه ما عنده له شيء، فهذه اليمين الغموس، هذا من جنسها، هذا من أمثالها، فإذا هداه الله يردّ الحقَّ إلى صاحبه ويتُب إلى الله ويكفي.

س: إذا عرض وقال: ما لك عندي حقّ ..؟

ج: وهو كاذب وإلا صادق؟ وهو عنده حقٌّ له؟ هذه يمين غموس إذا حلف عليها؛ لأنَّ الحقَّ قد يكون قرضًا، قد يكون دَيْنًا، قد يكون عاريةً خانها، أمانةً خانها، لا بد على حسب نيته.

الطالب: الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ حُذَيْفَة فِي قصَّة قتل أَبِيه الْيَمَانِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْمَنَاقِبِ، وَفِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: "بَقِيَّةُ خَيْرٍ" بِالْإِضَافَةِ لِلْأَكْثَرِ، أَيِ اسْتَمَرَّ الْخَيْرُ فِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْميهَنِيِّ: "بَقِيَّةٌ" بِالتَّنْوِينِ، وَسَقَطَ عِنْدَهُ لَفْظُ: "خَيْرٍ"، وَعَلَيْهَا شَرح الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ: أَيْ بَقِيَّةُ حُزْنٍ وَتَحَسُّرٍ مِنْ قَتْلِ أَبِيهِ بِذَلِكَ الْوَجْهِ، وَهُوَ وَهْمٌ سَبَقَهُ غَيْرُهُ إِلَيْهِ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ خَيْرٌ بِقَوْلِهِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَبَاهُ خَطَأً: "عَفَا اللَّهُ عَنْكُمْ"، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ الْخَيْرُ فِيهِ إِلَى أَنْ مَاتَ.

الشيخ: نعم، قد يستشكل فيُقال: لم يذكر فيه أنه أمر القاتل بالكفَّارة، أما الدية فتسقط بسماح حذيفة؛ لأنه قتل خطأ، فالجواب -والله أعلم- أنه ..... لئلا يعرف مَن قتله؛ لأن الناس اضطربوا، وحصل القتالُ فيما بينهم، فلم يعرف مَن قتله، ولهذا لم يذكر أنه قتله فلان، ولم يذكر أنَّ النبي ﷺ أمره بالكفَّارة، فهذا يدل على أن المسلم إذا قُتل بين جماعةٍ لا يُرى مَن قتله تضيع كفَّارته فيهم ..........

س: .............؟

ج: إذا قال: "عليَّ عهد الله أني لا أُخبر عن هذا السرّ" فلا يجوز له أن يُخبر، وإن خبّر عليه الإثم، وليست بيمينٍ، ليست يمينًا، بل عليه التوبة إلى الله إذا أفشا السرَّ.

س: ..............؟

ج: الصحيح أنه يقضي، لو أكل في الصباح يحسب أنَّ الليل باقٍ، ثم بان أنه أكل نهارًا؛ يقضي، هذا الذي عليه جمهورُ أهل العلم، وهكذا لو ظنَّ أن الشمس غربت، ثم بانت؛ عليه القضاء عند الجمهور.

س: بعضهم يقول: ما الدليل؟

ج: الدليل أنه بان أنه في النهار، وهو واجبٌ عليه أن يصوم النهار كله، وظهر أنه أكل في النهار، وكان من واجبه ألا يفرط، من واجبه أن يجتهد ويحتاط ولا يعجل في الفطر ولا يُؤخّر الأكل، ثم أيضًا هذا باب إذا فُتح عظم فيه البلاء والتَّساهل.

س: حصل مرةً مع الرسول ﷺ؟

ج: قيل: إنهم قضوا، وقيل: لم يقضوا، من حديث أسماء، قال بعضُ السلف: لا بدّ من قضاءٍ، فالجمهور على القضاء، وبعضهم قال: لا قضاء.

س: هل أكتم السرّ على أهل المعاصي؟

ج: المجاهر يُبين حاله حتى يردع، أما مَن كان سرًّا مثلما قال الرسولُ ﷺ: مَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة.

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:77]، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:224]، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [النحل:95]، إلى قوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل:91].

س: هناك تقديم وتأخير في الآيات؟

الطالب: قال: وَالصَّوَابُ: وَقَوله: وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِلَى قَوْلِهِ: وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

الشيخ: تقديم وتأخير نعم.

6676- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا .. إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران:77].

6677- فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ؟ فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ، قُلْتُ: إِذن يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ.

الشيخ: يعني: في كندة، في بلاده ..... قومه في اليمن، وفي اللفظ الآخر أنه رجلٌ فاجرٌ لا يُبالي ما حلف عليه، قال: ليس لك إلا ذلك؛ شاهداك أو يمينه، والمعنى أنه ليس للمُدعي إلا اليمين عند عدم البينات المثبتة لدعواه، ولو كان المدَّعى عليه فاجرًا كافرًا خبيثًا ليس له أن يأخذ ما في يده بغير حقٍّ، ولهذا قال: شاهداك أو يمينه، وفي اللفظ الآخر هنا: البينة أو يمينه.

ومن هذا حديث ابن عباس: لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم، ولكن البينةَ على المدَّعي، فالمدَّعي ضعيف، فلا بدّ من بينةٍ تقويه، وإلا فالأصل سلامة المدَّعى عليه وبراءته، وإن كان كافرًا.

وفي هذا عظم خطر اليمين الكاذبة -نعوذ بالله- وأنها خطر عظيم يجب الحذر منه وعدم التَّساهل، وتقدم حديث عبدالله بن عمرو: الكبائر: الإشراك بالله، والعقوق، وقتل النفس، واليمين الغموس، وهذه اليمين الغموس -نعوذ بالله- قد يتساهل بها، ويستبعد عقوبتها، ثم تُحيط به وهو لا يشعر -نسأل الله السلامة في الدنيا قبل الآخرة، نعوذ بالله.

س: ............؟

ج: يعني: يصبر بها نفسه، يحبس بها نفسه عليها، يعني: يلزم نفسه بها؛ لأنَّ من طبيعة النفوس؛ الله فطرها على كراهة الباطل، وإنكار الباطل، فالمجرم يحبس نفسه على اليمين ليأخذ مال أخيه -نسأل الله العافية.

بَابُ اليَمِينِ فِيمَا لا يَمْلِكُ وَفِي المَعْصِيَةِ وَفِي الغَضَبِ

6678- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَسْأَلُهُ الحُمْلانَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ أَوْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ.

6679- حَدَّثَنَا عَبْدُالعَزِيزِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. ح، وَحَدَّثَنَا الحَجَّاجُ، حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَاللَّهِ بْنَ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ [النور:11] العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا فِي بَرَاءَتِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ: وَاللَّهِ لا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى الآيَةَ [النور:22]، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي"، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: "وَاللَّهِ لا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا".

الشيخ: ويظهر في هذا فضل الصديق ، ومُسارعته إلى الخيرات، مع ما فعل مسطح، ولكنه سبَّاق رضي الله عنه إلى الخير، ولهذا ردَّ إليه نفقته وقال: "والله لا أنزعها عنه أبدًا" لما سمع الله يقول: وَلَا يَأْتَلِ يعني: لا يحلف أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ يعني: ليُحسنوا إليهم، ويُعطوهم، والله المستعان.

6680- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَاسْتَحْمَلْنَاهُ، فَحَلَفَ أَنْ لا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا.

الشيخ: يعني: تحللتها بالكفَّارة، وفي اللفظ الآخر: إلا أتيتُ الذي هو خير، وكفَّرتُ عن يميني، وهذا يُبين لنا مثلما تقدَّم أنه ما ينبغي للإنسان أن يلج في يمينه، يقول: حلفتُ، مثلما يفعل بعض العامَّة؛ يحلف أن حنثه منكر، لا، يحلف بالله أنه ما يصل فلانًا، ولا يزور فلانًا، ولا يُعطي فلانًا عطيةً؛ من ولده، ولا من أخيه، ولا من أقاربه، ثم يلج في اليمين، لا تلج في اليمين، ارجع إلى الصواب وكفِّر عن يمينك، ليست الكفَّارة حرامًا عليك، وليس اللِّجاج في اليمين واجبًا عليك، ولكنه الشيطان يُزين للناس الباطل، ويحسب العامي أنه في لجاجة اليمين وقطيعته لأرحامه أن هذا برّ -نسأل الله السلامة.

س: قوله: عليَّ الحرام كذا؟

ج: مثل اليمين سواء، إذا رأى المصلحة يُكفِّر، إلا إذا كان أراد تحريم زوجته؛ صار بذلك مُظاهرًا، عليه كفَّارة الظِّهار، أما لو قال: عليه الحرام لا يفعل، عليه الحرام لا يزور فلانًا، قصده منع نفسه، ما قصده تحريم الزوجة، هذا حكمه حكم اليمين مثلما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم:1].

س: هل يُعتبر معصيةً الحلف ألا يُنفق عليه؟

ج: .....؛ لأنَّ الذي يظهر منه أنه لما أظهر الدَّعوة الخبيثة ورمى عائشة بما رماها به صار فاسقًا، ليس أهلًا لأن يُحسن إليه، لكن كان يمكن أن يُؤمر بالعمل والكسب، وهو شابٌّ، فهو من باب الإحسان، من باب الصلة التي لا تلزم الصديق؛ لأن مسطحًا أولًا بعيد، وثانيًا بالإمكان أن يعمل ويكتسب، ولها أسباب أخرى، ما هناك دليلٌ على وجوب النَّفقة على الصديق، إنما هو من باب التَّكرم، من باب الإحسان، فلما سمع ما قال منه قطعها عنه، فلما نزلت الآيةُ ردَّها إليه، وليست صلة الرحم كلها واجبة، فيها الواجب، وفيها المستحبّ.

س: الترجمة فيها ..... المعصية؟

ج: باب؟

س: باب اليمين فيما لا يملك وفي المعصية وفي .....

ج: الحكم عام، ما يلزم قصد بذلك فعلة الصديق.

س: ...........؟

ج: جاء هذا وهذا، جاء في الرواية: فكفِّر عن يمينك، وائتِ الذي هو خير، وفي الأخرى: فائتِ الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك، وفي بعضها: ثم ائتِ الذي هو خير، يُقدم الكفَّارة، الأمر واسع، أما في الظهار فلا بدّ أن يبدأ بالكفَّارة: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3]، أما في غير الظهار فمُخيّر، إذا بدأ بها كان أفضل: فكفِّر عن يمينك، ثم ائتِ الذي هو خير.

 

بَابُ إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لا أَتَكَلَّمُ اليَوْمَ، فَصَلَّى، أَوْ قَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ، أَوْ كَبَّرَ، أَوْ حَمِدَ، أَوْ هَلَّلَ، فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَفْضَلُ الكَلامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ  إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ: تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران:64]، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "كَلِمَةُ التَّقْوَى [الفتح:26] لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".

 

الشيخ: والمعنى: أن الناس في أيمانهم وطلاقهم وعتقهم وسائر تصرُّفاتهم على حسب آرائهم ونيَّاتهم؛ لأنَّ الأعراف تختلف، فليست أعراف الناس على حدٍّ سواء، وليس الناس في النيات على حدٍّ سواء، فكلٌّ على نيَّته فيما هو محتمل، ما كان يحتمله الكلام فهو على نيَّته فيه، وعلى عُرف بلاده.

قد يكون عُرف هذه البلد ضد عرف البلد الآخر في بعض الكلمات، وبعض الاصطلاحات، فإذا قال: "والله لا أتكلم اليوم"، يُسأل عن نيته: هل قصده لا يتكلم لا يُسبّح، ولا يُهلل، ولا يقرأ، ولا  يحلف بكل شيءٍ، أو يكون ...... بهذه النية، وإنما بعض الناس إذا قال: والله لا أتكلم اليوم، أو لا أُكلم أحدًا اليوم، معناه الكلام المعتاد: كيا فلان افعل كذا، وسوِّ كذا، وأشباه ذلك، فهو على نيته، فلو كان قصده أنه لا يُسبح، ولا يُهلل، فهي يمين يجب تركها؛ لأنه يلزمه أن يقرأ الفاتحة، يلزمه أن يُكبر في الصلاة، يلزمه أشياء واجبة عليه، وعليه كفَّارة اليمين، لكن في الغالب أنَّ مراده الكلام العادي: لا يُكلم فلانًا، أو ما يُكلم فلانًا الكلام العادي، ولهذا سمَّى النبيُّ ﷺ التَّسبيح كلامًا: أفضل الكلام: سبحان الله، وسمَّى الربُّ جلَّ وعلا القرآنَ كلامًا: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ [الفتح:15]، وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة:6]، وكتب النبيُّ إلى هرقل: تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ [آل عمران:64] سمَّى الآية كلمة، إلى غير هذا.

المقصود أنَّ الأمور تُفسر بالنيات وبالأعراف جميعًا.

س: ............؟

ج: هو ما ينبغي أن يحلف على ألا يتكلم، إذا كان أراد بالكلام العادي يُكره له ذلك، أما إذا أراد بالكلام الذي فيه ردّ السلام، وفيه التَّسبيح، وفيه قراءة القرآن الواجبة؛ فهذا حرام منكر، يجب أن يحنث، لكن إذا أراد كلامًا عاديًّا ما هو بواجبٍ كره له ذلك، مثلما أنكر النبيُّ على أبي إسرائيل لما نذر ألا يتكلم، وأن يقف في الشمس.

6681- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ.

الشيخ: سمَّاها كلمة، وهذا الحديث احتجَّ به العلماءُ على أنَّ الكافر الذي لا يقول: لا إله إلا الله، ويُنكرها، إذا قالها عند الموت حُكم بإسلامه، ولهذا طالبه النبيُّ ﷺ أن يقولها.

وهكذا إذا قالها عند الجهاد، عند المصافّة إذا قالها كُفّ عنه؛ لحديث أسامة، هذا إذا كان ممن لا يقولها ويُنكرها، كما هي حال الأعراب، أما إذا كان كفره بغير ذلك -مَن كان كفره مثلًا في ترك الصلاة، أو بجحد وجوبها، أو بسَبِّ الله، أو بسَبِّ الرسول- فلا يُكفُّ عنه إلا بإيجاد توبةٍ صادقةٍ، ورجوعٍ صادقٍ واضحٍ.

6682- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ.

الشيخ: مع اختصارها فيها هذا الفضل العظيم، مع اختصارها وقلّة مُؤنتها، ومن ذلك قوله ﷺ: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبّ إليَّ مما طلعت عليه الشمسُ أخرجه مسلم في "الصحيح"، وتقدَّم قوله: أفضل الكلام: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر رواه مسلم في "الصحيح" عن سمرة قال: أحبُّ الكلام إلى الله أربع، لا يضرُّك بأيّهنَّ بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر كلمات مُوجزات هي خير الكلام، وأفضل الكلام.

6683- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُالوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى: مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ النَّارَ، وَقُلْتُ أُخْرَى: "مَنْ مَاتَ لا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ الجَنَّةَ".

الشيخ: يعني: مَن مات مُوحِّدًا، أخذها ابنُ مسعودٍ من أدلةٍ أخرى، مثل حديث لما سُئل: أي الذنب أعظم؟ سأله ابنُ مسعودٍ، قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، وقال في الحديث الآخر: مَن مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة في حديث جابر، المقصود أنَّ هذا الذي قاله ابن مسعودٍ مأخوذ من الأحاديث الصَّحيحة.

بَابُ مَنْ حَلَفَ أَنْ لا يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ شَهْرًا وَكَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ

6684- حَدَّثَنَا عَبْدُالعَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلَيْتَ شَهْرًا؟! فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ.

بَابُ إِنْ حَلَفَ أَنْ لا يَشْرَبَ نَبِيذًا، فَشَرِبَ طِلاءً، أَوْ سَكَرًا، أَوْ عَصِيرًا لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ

6685- حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، سَمِعَ عَبْدَالعَزِيزِ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ -صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ- أَعْرَسَ، فَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِعُرْسِهِ، فَكَانَتِ العَرُوسُ خَادِمَهُمْ، فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا سَقَتْهُ؟" قَالَ: "أَنْقَعَتْ لَهُ تَمْرًا فِي تَوْرٍ مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى أَصْبَحَ عَلَيْهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ".

الشيخ: وهذا داخلٌ فيما تقدَّم –العرف- الحِنْثُ في اليمين على حسب العُرف، فإذا حلف ألا يشرب نبيذًا، فشرب نبيذًا ما يُسمَّى: نبيذًا عندهم، حنث، وما لا يُسمَّى: نبيذًا عندهم لا يحنث به.

س: الإيلاء خاصٌّ وإلا عام؟

ج: آلى من زوجاته.

س: يجوز للمُسلم؟

ج: يجوز إذا رأى المصلحة في ذلك، لكن لا يجعله أربعة أشهر، لا يزيد على أربعة أشهر كما قال تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [البقرة:226]، أربعة أشهر فأقل يجوز إذا رأى المصلحة في ذلك.

س: ............؟

ج: إما كان قبل الحجاب، وإلا بعد الحجاب، لكن مع التَّستر، قدَّمت لهم الطعام مع التَّستر، يجوز، ..... تقدم كل شيء مع التَّستر، إذا كانت مؤمنةً تُحضر الطعام، وتحضر الحطب، وتُعطيهم الماء ..

6686- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ، فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا".

الشيخ: تقدَّم أنه لا بأس بدبغ جلد الميتة واستعماله في اليابس والرطب؛ لهذا الحديث وأشباهه.

س: ...........؟

ج: سواء كان عصيرًا أو غيره، مثل: التمر يُنبذ في ماء، مثل: زبيب يُنبذ، مثل: بسر، مثل: أشياء أخرى ينبذونها في الماء حتى يحلو؛ لأنَّ بعض الماء قد يكون ..... لا يصلح، فينبذون فيها حتى يحلو ويشربه الإنسان.

س: ...............؟

ج: إذا كان يُسمَّى: نبيذًا، إذا كان في عُرفهم يُسمَّى: نبيذًا.

بَابُ إِذَا حَلَفَ أَنْ لا يَأْتَدِمَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الأُدْمِ

6687- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ".

الشيخ: يعني ثلاثة أيام تباعًا، كما تقدَّم في الرواية الأخرى، وهذا مما يدل على تقللهم وعدم عنايتهم بهذه المآكل والطيبات، وأنهم يأكلون ما تيسر، وما يعلق قوتهم، ويكتفون بذلك، ولا يتكلَّفون، قد يكون لهم الطعام الطيب، واللحوم في بعض الأحيان، وقد يكون التَّمر في بعض الأحيان، وقد يكون اللبنُ في بعض الأحيان، قد يكون الشعيرُ في بعض الأحيان، هكذا كانت حالهم على حسب التَّيسير.

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ بِهَذَا.

الشيخ: أيش قال على التَّعليق؟

الطالب: قال: أي: محمد بن كثير -بالثاء المثلثة- البصري، وهو أحد مشايخ البخاري، وسفيان هو الثوري.

الشيخ: فقط ..

الطالب: وَكَذَا التَّعْلِيقُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ مَضَى ذِكْرُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ. قال: وإنما ذكره البخاري مُذاكرةً عن ابن كثير؛ إشارةً لدفع ما يُتوهم من العنعنة للطريق التي قبلها من الانقطاع، وقد صرَّح في هذا الطريق بقوله: إنه قال لعائشة، أي: أنَّ عابسًا والد عبدالرحمن قال لعائشة في هذا، يعني: سألها بعد أن لقيها عن هذا الحديث.

الشيخ: ماشي، نعم.

6688- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا، أَعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَهَبْتُ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا، فَانْطَلَقُوا، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ! فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ حَتَّى دَخَلا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزِ، قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ الخُبْزِ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا.

الشيخ: وهذه من آيات الله، ومن معجزة نبيه عليه الصلاة والسلام، وسبق في هذا نظائر كثيرة في بركة الطعام، وفيه من الفوائد: أنه لا مانع من تجزئة الناس؛ إما لضيق المكان، أو قلَّة الطعام، لا مانع أن يُجزؤوا، فإذا كان المكان ضيقًا أو كان الطعامُ قليلًا فيُجزَّؤون جماعةً بعد جماعةٍ، والله أنزل فيه البركة، هذا الخبز الذي مع أنس -حمله أنس- أنزل الله فيه البركة حتى شبع منه هؤلاء الجماعة: سبعون أو ثمانون، وهذا له نظائر كثيرة بدعائه عليه الصلاة والسلام، والله جعل فيما يدعو فيه من البركة خيرًا عظيمًا، جعله معجزةً ظاهرةً لصدقه فيما جاء به عليه الصلاة والسلام.

س: ............؟

ج: لعله يأتي، تمَّت الترجمة؟

الطالب: نعم.

الشيخ: من المؤلف، مثال من المؤلف، يعني هذا من المؤلف، يعني.

س: .............؟

ج: هذا يختلف على حسب العُرف، إذا كان ما له نيَّة فعلى حسب العُرف، أما إن كانت له نية فهو على نيته، وأما إن كان ما له نيَّة فعلى العُرف، إذا كان له عُرف: ما يرى أنَّ التمر إدام، ولا يعتبره إدامًا بالخبز؛ لا يكون حانثًا إلا بالأدم التي تعرفونها.

س: .............؟

ج: نعم، هذا الخبز ............

بَابُ النِّيَّةِ فِي الأَيْمَانِ

6689- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.

الشيخ: وهذا الحديث أصلٌ من الأصول العظيمة، وقد افتتح به المؤلفُ في كتابه "الصحيح"، وجعله مقام الخطبة، وقال الشافعي رحمه الله: "إنه يدخل فيه سبعون بابًا من العلم"، هذا الحديث العظيم في الحقيقة هو شطر الإسلام، فإنَّ الإسلام شيئان: نية ومُوافقة للشريعة، فهذا يتعلق بالنية، وحديث عائشة: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ يتعلق بالشقِّ الثاني.

فكل عملٍ يفعله المسلمُ يتقرب به إلى الله ﷺ لا بدّ فيه من هذين الأمرين: النية والموافقة للشريعة، حديث عمر يتعلق بالنية، وحديث عائشة برواياتها يتعلق بموافقة الشريعة: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، وفي اللفظ الآخر: بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى، فجميع أعمالنا التي نتعبَّد بها ونتقرب بها إلى الله لا تصحّ إلا بنيةٍ خالصةٍ لله ، مع نيَّة العبادة.

بَابُ إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ

6690- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ كَعْبٍ -وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118]، فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ.

الشيخ: واحتجَّ به العلماءُ على أنه ينبغي للمؤمن ألا يتصدَّق بماله كله، بل يُبقي له شيئًا لحاجته، كما أمر النبيُّ كعبًا، وفي لفظٍ قال له: يُجزئك الثلث.

المقصود أنه ينبغي للمؤمن أن يكون له شيء يكفيه الحاجة إلى الناس، يكفيه ويمنعه من الحاجة إلى الناس، ولا يتصدَّق بماله ويبقى كَلًّا على الناس، اللهم إلا أن يكون له كسبٌ يقوم بحاله، كما فعل الصديقُ وأنفق أمواله كلها، فإذا كان له كسبٌ فلا بأس.

بَابُ إِذَا حَرَّمَ طَعَامَهُ

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:1- 2]، وَقَوْلُهُ: لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:87].

6691- حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ: أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ [التحريم:4] لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا [التحريم:3]؛ لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا، وقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى: عَنْ هِشَامٍ: وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، فَلا تُخْبِرِي بِذَلِك أَحَدًا.

الشيخ: وهذا يُبين لنا شدّة غيرة النساء، وأنه يجب الحذر من ذلك، والتَّيقظ لذلك، فإنَّ النبي ﷺ كان يشرب عسلًا عند زينب، فغارت من ذلك عائشة، وتواصت مع حفصة أن تقولا له شيئًا يمنعه منه، وكان يكره الرائحة الكريهة، فقالتا له: إنا وجدنا منك ريح مغافير! يعني: نبت له رائحة كريهة، فقال: ما أكلتُ مغافير، ولكنه عسلٌ، وفي اللَّفظ الآخر: رعت نحلُه العرف يعني: لعلها رعت من هذا الشجر الذي فيه هذه الرائحة، فلهذا حلف ألا يعود إليه، وفي روايةٍ أخرى: أن ذلك كان بسبب مارية.

فالحاصل أنَّ الله جلَّ وعلا قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:1- 2]، فهذا من لطفه ؛ إذا حرم الإنسانُ شيئًا مما أحلَّ الله له: كطعامٍ، أو شرابٍ، أو جاريته، أو كلام فلان، كفاه كفَّارة اليمين، إذا قال: عليه الحرام لا يأكل طعام فلان، عليه الحرام ما يأكل الطعام الفلاني، والله ما يُكلم فلانًا، والله ما يزور فلانًا، كل هذه الأيمان كلها تقع من الغضب، فيُكفّرها كفّارة اليمين: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ، فهكذا لو قالت المرأةُ: زوجي عليَّ حرام، أو تقول لزوجها: أنت عليَّ حرام، فيها كفَّارة اليمين؛ لأنها لا ظهارَ لها، إنما الظِّهار للرجال: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة:3].

س: في الحديث ما في لفظ التَّحريم؟

ج: في روايةٍ أخرى: والله؛ لأنه أُنزل منزلة التحريم، أو كان في بعض الرِّوايات، أيش قال الشارح عليه؟

الطالب: .........

الشيخ: فيه الحلف، حلف ..... ما في رواية التحريم؟ تأمَّلوها بعد ذلك، تأمّل كونه يقول: نزله منزلة اليمين، منزلة التحريم.

س: ..........؟

ج: يعني: قال عطاء، زعم معناها قال.

الطالب: ..... ولن أعود إليه وقد حلف.

الشيخ: هذا نعم، ..... العرب تستعمل زعم على معنيين: أحدهما: زعم بمعنى كذب، أو قال ما يظن أنه الكذب، والمعنى الثاني: قال، مثل قول ضمام بن ثعلبة لما قدم على النبي ﷺ في وفد بني بكر: "زعم رسولك أن الله بعثك بكذا"، زعم رسولك يعني: قال رسولك، ومثلما قال الخليل: "زعم يونس في كتابه" يعني: قال يونس، هذا كثيرٌ في لغة العرب.

س: ...............؟

ج: هذا من تفسير الآية نعم.

بَابُ الوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَقَوْل الله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7].

6692- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الحَارِثِ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ؟! إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا، وَلا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ البَخِيلِ.

6693- حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ.

6694- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى القَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ، فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ، فَيُؤْتى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتَى عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.

س: عندنا: فيُؤتيني؟

الشيخ: كان المقام واحدًا، يعني: يُعطي ..... يعطي أشياء لولا النذر ما أعطاها، ما بذلها، يُعطيني الله جلَّ وعلا.

فالحاصل أنَّ النذر لا يُقدِّم شيئًا، ولا يُؤخِّره، ولا يردّ من قدر الله شيئًا، فلا ينبغي، ولهذا نُهي عنه، والغالب أن النَّاذر يندم ويثقل عليه الوفاء؛ لأنه نذر عن شيءٍ توهَّمه: أنَّ هذا يُسبب شفاء المرض، أو ردّ الغائب، أو حصول الحاجة، والأمر ليس كذلك، لم يجعله سببًا، وإنما يُستخرج به من البخيل، قد تقع منه أشياء كبيرة تشقّ عليه، فلا ينبغي له التَّورط في النَّذور، بل ينبغي له إذا أراد عبادةً أن يتطوع بها، طيبةً بها نفسه، لا عن إلزامٍ، ولا عن نذرٍ: صلاة، أو صدقة، أو حج، أو غير ذلك، يكون عن رغبةٍ، عن اختياره، لا عن نذور.

وإذا وقع النذرُ وجب الوفاءُ، كما قال تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]، إذا وقعت النذور الطيبة وجب الوفاءُ بها، والله أثنى على الموفين بها، تقدّم، وقال في الحديث الصحيح: مَن نذر أن يُطيع الله فليُطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه هذا واجبٌ، أما بقية النذور الأخرى فهي محل التَّفصيل، وبكل حالٍ فالنذر مُطلقًا لا يأتي بخيرٍ كما قال النبيُّ ﷺ.

س: ..............؟

ج: غير الزكاة، لولا النذر ما تصدّق بهذا المال، ولا أتى هذه العبادة: لله عليَّ إن شفى الله مريضي أن أتصدَّق بألف ريـال، أو مئة ألف ريـال، لولا هذا النذر ما كان عنده طيب نفسٍ وسماح نفسٍ بأن يتصدَّق بهذا المال.

س: النَّهي هنا؟

ج: ظاهره التَّحريم، والمشهور عند أهل العلم الكراهة.

س: ..... يقول: ..... عليَّ حرام، أو نذرتُ، أو لله عليَّ ألا آكل كذا، أو لا أشرب كذا، الراجح من أقوال العلماء أنَّ ذلك لا ينعقد إلا إذا قرنه بحلفٍ، فيلزمه كفَّارة يمين؟

ج: لا، الصواب أنه ينعقد، لكن فيه كفَّارة يمين، الصواب أنه ينعقد، نذر منعقدة، وعليه كفَّارة يمين، إلا أن تكون معصية؛ فليس له أن يُوفي في المعصية، وعليه الكفَّارة على قولين، والأرجح أنَّ عليه كفَّارة أيضًا حتى في نذر المعصية ما دام مسلمًا، ما دام ما هو بنذر شرك، ولهذا في الصحيح: كفَّارة النذر كفَّارة اليمين.

وينبغي أن يعلم أنَّ غالب العلماء -خصوصًا المتقدمين- يخفى عليهم أشياء من السنة؛ فيقولون بمحض اجتهادهم، على حسب ما بلغهم من السنة، ثم تبلغ السنة مَن بعدهم ممن جمعها واعتنى بها؛ فيظهر لهم من الأحكام ما لم يظهر لمن قبلهم بسبب خفاء بعض السنة عليهم، فليس كل واحدٍ يجمع الأحاديث ويحفظها كلها.

بَابُ إِثْمِ مَنْ لا يَفِي بِالنَّذْرِ

6695- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ -قَالَ عِمْرَانُ: لا أَدْرِي: ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ- ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلا يَفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ.

الشيخ: والمحفوظ قرنان بعد قرنه، كما ثبت هذا في حديث عمر، وفي حديث ابن مسعود: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حديث عمر: "خير هذه الأمة قرنه ﷺ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، فهي ثلاثة قرون مفضلة، ثم تتغير الأحوال بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر به النبيُّ ﷺ في القرن الرابع؛ تغيّرت الأحوال كثيرًا، ولهذا قال: ثم يجيء قومٌ يشهدون ولا يُستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يُؤتمنون يعني: تتغير الأحوال بينهم بسبب ضعف الإيمان ونقص الإيمان، وظهور المعاصي والسيئات والبدع والأهواء.

ويظهر فيهم السمن يعني: يميلوا إلى الدنيا وملاذها حتى تعظم أجسامُهم في الغالب بسبب عدم العناية بأمر الآخرة والإعداد لها.

المقصود من هذا أنَّ القرون المفضلة هي خير هذه الأمة، وفي حديث ابن مسعود: خير الناس، فخير الأمة هم خير الناس؛ لأنَّ هذه الأمة هم خير الأمم، فمَن كان خيرها فهو خير الناس.

وفي هذا دلالة على أن التفضيل بالأعمال الصَّالحات والتَّقوى، فلما كان القرنُ الأول أكمل تقوى صار أفضل، ثم الذين يلونهم كان أكمل بعد الذي قبله فهو أفضل، ثم الذين يلونهم أكمل وكان أفضل، وهكذا القرون بعد ذلك تتفاوت في ظهور الخير وقلّة الشر، والعكس.

بَابُ النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ

وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [البقرة:270].

6696- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِالمَلِكِ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ.

بَابُ إِذَا نَذَرَ أَوْ حَلَفَ أَنْ لا يُكَلِّمَ إِنْسَانًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَسْلَمَ

6697- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ.

الشيخ: استنبط المؤلفُ من هذا أنه إذا حلف ألا يُكلم فلانًا، أو حرَّم ألا يُكلم فلانًا في الجاهلية؛ أن عليه الكفَّارة في هذا بعد إسلامه.

بَابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ

وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلاةً بِقُبَاءٍ، فَقَالَ: "صَلِّي عَنْهَا"، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.

6698- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيَّ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ.

الشيخ: أيش قال الشارحُ على الباب الأخير؟

الطالب: قَوْلُهُ: "بَابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ" أَيْ: هَلْ يُقْضَى عَنْهُ أَوْ لَا، وَالَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ يَقْتَضِي الْأَوَّلَ، لَكِنْ هَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ؟ خِلَافٌ يَأْتِي بَيَانه.

قَوْله: "وَأمر ابنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلَاةً بِقُبَاءٍ" يَعْنِي: فَمَاتَتْ، فَقَالَ: "صَلِّي عَنْهَا"، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَصَلَهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ -أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ- عَنْ عَمَّتِهِ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا كَانَتْ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْيًا إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ، فَأَفْتَى عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنَتهَا أن تمشي عَنْهَا.

وَأخرجه ابنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ مرّةً: عَن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: "إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ قَضَى عَنْهُ وَلِيُّهُ"، وَمِنْ طَرِيقِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَعْتَكِفَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَعْتَكِفْ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاس: "اعْتكف عَن أمِّك".

وَجَاء عَن ابن عمر وابن عَبَّاسٍ خِلَافُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ" إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: "لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ".

وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بن أبي رَبَاح، عَن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: "لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُوم أحدٌ عَن أحدٍ"، أوردهُ ابنُ عَبْدِالْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ مَوْقُوفًا، ثُمَّ قَالَ: وَالنَّقْل فِي هَذَا عَن ابن عَبَّاسٍ مُضْطَرِبٌ.

قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ الْإِثْبَاتِ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ، وَالنَّفْيِ فِي حَقِّ الْحَيِّ، ثُمَّ وَجَدْتُ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِهِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ بِمَا إِذَا مَاتَ وَعَلَيهِ شَيْءٌ وَاجِبٌ: فَعِنْدَ ابن أبي شيبَة بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ، فَقَالَ: "يُصام عَنهُ النَّذر".

وَقَالَ ابن الْمُنِير: يحْتَمل أن يكون ابنُ عُمَرَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "صَلِّي عَنْهَا" الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ ﷺ: إِذا مَاتَ ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ فَعَدَّ مِنْهَا الْوَلَدَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِهِ، فَأَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ مَكْتُوبَةٌ لِلْوَالِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ، فَمَعْنَى "صَلِّي عَنْهَا" أَنَّ صَلَاتَكِ مُكْتَتَبَةٌ لَهَا، وَلَوْ كُنْتِ إِنَّمَا تَنْوِي عَنْ نَفْسِكِ كَذَا.

قَالَ: وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِالْوَلَدِ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ ابنُ وَهْبٍ وَأَبُو مُصْعَبٍ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَام مَالِكٍ، وَفِيه تعقب على ابن بَطَّالٍ؛ حَيْثُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، لَا فَرْضًا، وَلَا سُنَّةً، لَا عَنْ حَيٍّ، وَلَا عَنْ مَيِّتٍ.

وَنُقِلَ عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ لَجَازَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَلَكَانَ الشَّارِعُ أَحَقَّ بِذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ أَبَوَيْهِ، وَلَمَا نُهِيَ عَن الِاسْتِغْفَارِ لِعَمِّهِ، وَلَبَطَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا [الأنعام:164]. انْتَهَى.

وَجَمِيعُ مَا قَالَ لَا يَخْفَى وَجْهُ تَعَقُّبِهِ، خُصُوصًا مَا ذَكَرَهُ فِي حَقِّ الشَّارِعِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَعُمُومُهَا مَخْصُوصٌ اتِّفَاقًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسخ: قَالَ: "صلِّي عَلَيْهَا"، وَوجه بِأَنَّ "عَلَى" بِمَعْنَى "عَنْ" عَلَى رَأْيٍ، قَالَ: أَوِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى قُبَاء.

ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنّفُ حَدِيث ابن عَبَّاسٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ "الْوَصَايَا"، وَذَكَرْتُ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.

الشيخ: يكفي نعم، ما أفتى به ابنُ عمر وابنُ عباس وجيه؛ النبي ﷺ قال: مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه، والصيام عبادة بدنية، فإذا صام عنه وليُّه فلا يُستنكر أن يُصلِّي عنه وليه، إذا نذرها ولم يُؤدِّ الصلاة المنذورة، بخلاف الصَّلوات التي عليه غير منذورة، فإنَّ هذه لا يُصلَّى عنه، إن كان نسيها أو اختلَّ عقلُه حتى تركها فلا شيء عليه، وإن كان تعمَّد تركها فالأمر أعظم، فلا يُصلِّ أحدٌ على أحدٍ لعدم الدليل.

كان هذا فيما إذا نذر صلاة ركعتين في المسجد الحرام، في قباء، في أي مكانٍ، مثل: الصدقة، ومثل: الصيام، فقول ابن عباس وابن عمر في هذا جيد؛ لأنَّ معناه أن كل عبادةٍ بدنيةٍ -الصوم وهكذا الصلاة- نذر إذا أوجبه على نفسه قام مقامه وليُّه، كما في الصيام، هذا وجه ما قاله ابن عباس وابن عمر، أما بدون ذلك فلا؛ لعدم الدليل.

وقال بعضُ أهل العلم أنه مُطلقًا يجوز أن يُصلي عنه، ويصوم عنه، من باب الهدية، ولكن هذه أشياء توقيفية، لا ينبغي أن يُقال فيها هكذا، والأولى والصواب أن يُقال: ما جاء به الشرعُ مما يُفعل عن الميت فُعل: كالصدقة عنه، والدعاء له، والحج عنه، والعمرة عنه، هذا جاء به الشرع، ووفاء الدَّين، أما ما سوى ذلك مما لم يرد الشرعُ به فالأولى ترك ذلك، ومن ذلك الصلاة؛ لأنه لم يرد الشرعُ بأنه يُصلِّي أحدٌ على أحدٍ، إلا ما يتعلق بالطواف وصلاة الطواف، فإنها تابعةٌ له، أو ما جاء في أثر ابن عمر وابن عباس، هذا في النذر خاصةً.

أما ما سوى ذلك من كونه يقرأ عنه، ويُهدي له ثواب القراءة، أو يُصلي عنه، أو يصوم عنه تطوُّعًا، هذا هو محل الخلاف بين أهل العلم، والأظهر والأقرب عدم فعل ذلك؛ لعدم الدليل، ولأنَّ العبادات توقيفية، فيقتصر فيها على ما جاء في الشرع، هذا هو مذهب الشافعي وجماعة، وهو قولٌ جيدٌ، وأما مَن مات وعليه صيام فهذا شيء واجب: كرمضان، ونذر تأخّر عنه، فيُوفى عنه.

س: .............؟

ج: هذا محل الخلاف، الجمهور يقولون: لا يُوفي بها، ويُروى عن ابن عمر وابن عباس أنه يُوفي بها، واختلف على ابن عباس في ذلك ..... العيني ذكره ابن عمر؟

الطالب: نعم.

الشيخ: عمَّن؟

الطالب: ..... فقال مالك في "الموطأ": إنه بلغه أنَّ عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقول: "لا يُصلِّ أحدٌ عن أحدٍ، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ" .....

الشيخ: هذا أولًا بلاغ، والبلاغات ضعيفة، ثانيًا: هذا في غير النَّذر، لو صحَّ فلا منافاةَ بين الروايتين.

س: ...........؟

ج: بعضهم يحكي أنَّ هذا قول الجمهور، لكن مَن تأمَّل يظهر له أن الأكثر خلاف ذلك، وعلى عدم الفعل الذي يظهر من كلام ابن القيم في "الروح" نقول: الأكثرين، ولكن فيه نظر.

س: ............؟

ج: الصيام جاء فيه النصّ: مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه، بخلاف الصلاة.

6699- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاقْضِ اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ.

بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لا يَمْلِكُ وَفِي مَعْصِيَةٍ

6700- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِالمَلِكِ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ.

6701- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، وَرَآهُ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ.

وَقَالَ الفَزَارِيُّ: عَنْ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ.

6702- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ.

6703- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ: أَنَّ طَاوُوسًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ يَقُودُ إِنْسَانًا بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ، فَقَطَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ.

الشيخ: وهذا واضحٌ في أنَّ هذا هو الشيء الذي ينبغي، ولا ينبغي أن يشبه ابن آدم بالبهيمة يُقاد به في أنفه، ولهذا قطعه النبيُّ ﷺ، وأمره أن يقوده بيده.

س: ............؟

ج: ...... حتى ولو نذره هذا نذر قبيح.

6704- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ، وَلا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ.

قَالَ عَبْدُالوَهَّابِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

الشيخ: جاء في روايةٍ أخرى: إنَّ الله غنيٌّ عن تعذيب هذا نفسه، هكذا قصة عقبة بن عامر لما ..... أن تحجَّ حافية، أمرها أن تركب، وأن تُكفِّر عن يمينها، وهكذا أبو إسرائيل نذر أربعة أشياء: أن يقوم ولا يقعد، وأن يبقى في الشمس ولا يستظلّ، وألا يتكلم، وأن يكون صائمًا، فأمره النبيُّ ﷺ أن يُتمَّ صومه، ويدع هذه الأمور التي تكلَّف بها؛ أن لا يستظلَّ، ولا يقعد، ولا يتكلم، دلَّ ذلك على أنه لا ينبغي النَّذر في هذا: نذر السكوت، ونذر البقاء في الشمس –الوقوف- وعليه كفَّارة اليمين كما هو القاعدة المعروفة، وإن لم تُذكر هنا فهي معروفة فيمَن ترك خلاف ما نذر.

س: ............؟

ج: قد يكون لمزيد العناية ما نبَّه الشارح .....، تكرار المؤلف لا يُستنكر، تكراره ما يُستنكر -المؤلف رحمه الله.

بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامًا، فَوَافَقَ النَّحْرَ أَوِ الفِطْرَ

6705- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ أَبِي حُرَّةَ الأَسْلَمِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ لا يَأْتِيَ عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلَّا صَامَ، فَوَافَقَ يَوْمَ أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَقَالَ: " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، لَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الأَضْحَى وَالفِطْرِ، وَلا يَرَى صِيَامَهُمَا".

الشيخ: ولا تدخل في نذر المؤمن؛ لأنها أيام ..... غير داخلة في النذر، فلو نذرها عينًا صار نذر معصية، وعليه كفَّارة يمين.

س: مَن نذر أن يصوم الدَّهر؟

ج: كذلك يُكفِّر كفَّارة يمين؛ لأنه منهي عنه: لا صام مَن صام الدهر، فالنَّذر المكروه عليه كفَّارة يمين.

6706- حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثلاثَاء أَوْ أَرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ، فَوَافَقْتُ هَذَا اليَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: "أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنُهِينَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ"، فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ مِثْلَهُ، لا يَزِيدُ عَلَيْهِ.

الشيخ: المعنى: لا تصم.

س: ............؟

ج: محتمل، أقل أحواله الكراهة: لا صام مَن صام الأبد، لا صام، ولا أفطر ظاهره التَّحريم، وأقل أحواله الكراهة، ومَن نذر عليه كفَّارة يمين ولا يصوم.

بَابٌ: هَلْ يَدْخُلُ فِي الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ: الأَرْضُ، وَالغَنَمُ، وَالزُّرُوعُ، وَالأَمْتِعَةُ

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا.

وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَحَبُّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، لِحَائِطٍ لَهُ، مُسْتَقْبِلَةِ المَسْجِدِ.

6707- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلا فِضَّةً، إِلَّا الأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالمَتَاعَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلامًا يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ.