أحاديث وآثار في أنواع العقوبات التي نزلت بأصحابها 01

وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ أَنْ قَدْ حَفَزَهُ شَيْءٌ، فَمَا تَكَلَّمَ حَتَّى تَوَضَّأَ، وَخَرَجَ، فَلَصِقْتُ بِالْحُجْرَةِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكُمْ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي فَلَا أُجِيبُكُمْ، وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلَا أَنْصُرُكُمْ، وَتَسْأَلُونِي فَلَا أُعْطِيكُمْ".

وَقَالَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ: إِنَّ مِنْ غَفْلَتِكَ عَنْ نَفْسِكَ، وَإِعْرَاضِكَ عَنِ اللَّهِ أَنْ تَرَى مَا يُسْخِطُ اللَّهَ فَتَتَجَاوَزَهُ، وَلَا تَأْمُرُ فِيهِ، وَلَا تَنْهَى عَنْهُ، خَوْفًا مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضُرًّا وَلَا نَفْعًا.

وَقَالَ: مَنْ تَرَكَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، مَخَافَةً مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، نُزِعَتْ مِنْهُ الطَّاعَةُ، وَلَوْ أَمَرَ وَلَدَهُ أَوْ بَعْضَ مَوَالِيهِ لَاسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ.

وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتْلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: 105]، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ - وَفِي لَفْظٍ: إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ - أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ.

وَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا خَفِيَتِ الْخَطِيئَةُ لَمْ تَضُرَّ إِلَّا صَاحِبَهَا، وَإِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُغَيَّرْ، ضَرَّتِ الْعَامَّةَ.

وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: تُوشِكُ الْقُرَى أَنْ تُخَرّبَ وَهِيَ عَامِرَةٌ، قِيلَ وَكَيْفَ تُخَرَّبُ وَهِيَ عَامِرَةٌ؟ قَالَ: إِذَا عَلَا فُجَّارُهَا أَبْرَارَهَا، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ مُنَافِقُوهَا.

وَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: سَيَظْهَرُ شِرَارُ أُمَّتِي عَلَى خِيَارِهَا، حَتَّى يَسْتَخْفِيَ الْمُؤْمِنُ فِيهِمْ كَمَا يَسْتَخْفِي الْمُنَافِقُ فِينَا الْيَوْمَ.

وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ قَالَ: يَأْتِي زَمَانٌ يَذُوبُ فِيهِ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، قِيلَ: مِمَّ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مِمَّا يَرَى مِنَ الْمُنْكَرِ لَا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ.

وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، وَهُمْ أَعَزُّ وَأَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ، فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ.

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ، مَا شَأْنُكَ؟ أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ.

وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَغْشَى مَنْزِلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَيَعِظُهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ، فَرَأَى بَعْضَ بَنِيهِ يَوْمًا يَغْمِزُ النِّسَاءَ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا بُنَيَّ، مَهْلًا يَا بُنَيَّ فَسَقَطَ مِنْ سَرِيرِهِ، فَانْقَطَعَ نُخَاعُهُ، وَأُسْقِطَتِ امْرَأَتُهُ، وَقُتِلَ بَنُوهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِمْ: أَنْ أَخْبِرْ فُلَانًا الْخَبَرَ: أَنِّي لَا أُخْرِجُ مِنْ صُلْبِكَ صِدِّيقًا أَبَدًا، مَا كَانَ غَضَبُكَ لِي إِلَّا أَنْ قُلْتَ مَهْلًا يَا بُنَيَّ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه:

أما بعد:

فهذه الأحاديث والآثار كلها تبين لنا عظم خطر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الواجب على أهل الإيمان التعاون على هذا الأمر العظيم، والتواصي بهذا الحق العظيم؛ وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن به صلاح العالم وبه استقامة المؤمنين، ولأن به نجاتهم والسلامة من الكربات العامة، ولأن فيه التعاون على البر والتقوى وإقامة أمر الله في أرض الله. 

فالواجب على أهل العلم وعلى كل مؤمن أن يقوم بهذا الواجب حسب الطاقة فاتقوا الله ما استطعتم، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولهذا مدح الله هذه الأمة بقوله جل وعلا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110] ومدح المؤمنين فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 71].

وقال جل وعلا: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104] هؤلاء هم المفلحون، أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أهل التواصي بالحق، أهل التناصح، وذم كفار بني إسرائيل وعابهم وتوعدهم لعدم تناهيهم عن المنكر ولعنهم على ذلك فقال سبحانه: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ۝ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78، 79] وقال عليه الصلاة والسلام: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.

وفي حديث عائشة أن النبي ﷺ دخل ذات يوم قد حفزه النفس ثم صعد المنبر فقال: يا أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر يخبر عن الله يقول أن الله يقول لهم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وقبل أن تسألوني فلا أعطيكم، وقبل أن تستغفروني فلا أغفر لكم يعني أن الناس قد يعاقبون بعدم إجابة السؤال، وعدم النصر على الأعداء بسبب تساهلهم بهذا الواجب.

وقد تقدم الحديث الصحيح يقول ﷺ لما قالت زينب: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال ﷺ: نعم إذا كثر الخبث وفي حديث الصديق أنه خطب الناس بعدما توفي النبي ﷺ وقال: "يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها وإني سمعت النبي ﷺ يقول..وهي قوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: 105] بعض الناس يتأولها على غير تأويلها ويرى المعنى أنك إذا اهتديت أنت ما يضرك أن لا تأمر ولا تنهى وهذا غلط، فمن الهداية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يكون مهتديًّا الهداية الكاملة إلا إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، أما إذا قصر فتكون هدايته ناقصة، وفيه أنه قال ﷺ: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب أوشك يعني قرب أن يعمهم الله بعقاب. 

فالواجب على كل مؤمن أن يعتني بهذا الأمر ويحذر التساهل بهذا الأمر ويتواصى المؤمنون بذلك؛ لأن المعصية متى ظهرت ضرت العامة كما في الحديث، وإذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، المعصية بينه وبين ربه هذا إلى الله، ولا تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت في الأسواق وبين الناس فلم تنكر ضرت العامة وعمت العقوبة إلا من رحم الله فالواجب التواصي بالحق والتناصح كما قال جل وعلا: والعصر ۝ إن الإنسان لفي خسر ۝ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 1-3] وقال جلا وعلا: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: 71]. 

فلا بدّ من التناصح والتواصي والتعاون على البر والتقوى حسب الطاقة، فالذي يستطيع أن ينكر بيده ينكر بيده، كالهيئة والإنسان مع أهله في بيته وولي الأمر والأمير حسب التعليمات التي عنده حسب القدرة، فمن عجز أنكر بلسانه: اتق الله يا فلان، هذا لا يجوز، هذا منكر، هذا محرم، اتق الله راقب الله، ومن عجز ينكر بقلبه، يكره بقلبه ولا يحضر المنكر، ويفارق المنكر ولا يحضر أهله..... وفق الله لما يحب ويرضى وأن يرزقنا وإياكم الاستقامة، وأن يعذنا وإياكم من مضلات الفتن، ووفقنا وجميع المسلمين للاستقامة على الحق والسلامة من أسباب غضب الله وعقابه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

السؤال: أعظم الله مثوباتكم، هذه طالبة: تقول إن المعلمة علقت أمانة في رقابنا تسألنا عنها يوم القيامة وهي أن لا نعطي طالبة أخرى مجهودنا الشخصي حتى تتعلم كل طالبة حل الواجب بنفسها، وفي اليوم الثاني: حضرت إليّ بعض الزميلات يردن مني أن أكتب لهن تعبيرًا عن الإسلام في مادة اللغة الإنجليزية، وهي الأمانة التي كلفتنا بها المعلمة فوالله لقد أنساني الشيطان لعنه الله تلك الأمانة، وأخذت أكتب لهن فهل عليّ ذنب علمًا بأنني كنت ناسية، وإذا أخبرت المعلمة بذلك لم تسامحني، فهل لها حق في ذلك أم ماذا؟

الشيخ: التعاون بين الطالبات حق، التعاون بين الطالبات في الإفادة والبحث والمناقشة، أما شيء سري كالأسئلة التي يؤمرون بعدم بيان جوابها حتى تجتهد كل طلبة لا تخبرها خليها تجتهد وتبحث وتسأل وتجتهد، أما البحث العام بينهن في مسائل العلم ولتحصيل الفائدة فهذا حق، لكن الأسئلة السرية التي معروف عندكن أنها سرية فليس لكل واحدة أن تخبر الأخرى لأنها إذا أخبرتها وتساهلت صارت الطالبة ما تبالي ولا تجتهد ولا تبحث تقلد غيرها، فالواجب تركها تبحث وتجتهد. 

أما البحث العام فيما بينهن الدراسة العامة بينهن فكل واحدة تحرص على أن تفهم أختها ما قد يخفى عليها، وأن تجتهد في نصيحتها في توجيهها تعليمها البحث المناسب في الكتاب الفلاني في الكتاب الفلاني وما أشبه ذلك من التعاون، أما شيء سري الذي أنتم تعرفون أنه سري وأن المعلمات أخبرتكن أنه سري لا تخبريها وكل واحدة تجتهد.

السؤال: هل يترتب عليه إثم يا شيخ؟

الشيخ: ما دام ناسية ما يضرها، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.

السؤال: أعظم الله مثوباتكم، سائل يقول: كيف نجمع بين قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 173] وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2]؟

الشيخ: لا منافاة بين الآيتين، فهو شديد العقاب لمن خالف أمره وتعدى حدوده ولم يبال ولم يتب، وغفور رحيم لمن أناب إليه وتاب إليه وأقلع عن ذنوبه، فالتائب المقلع من الذنوب له المغفرة والرحمة، والمصر العاصي الذي لا يبالي يستحق العقوبة إلا أن يعفو الله عنه .

السؤال: يقول البعض أن المرأة عندما تتوضأ يجب أن ترجع شعرها إلى الوراء كالرجل فهل هذا صحيح؟

الشيخ: لا، ليس له أصل، شعرها على حاله، الذي قدام قدام والذي وراء وراء.

السؤال: ما حكم تقبيل الرجل لمحارمه وأيضًا ما حكم تقبيل الرجل لربيبة زوجته؟

الشيخ: ما في بأس، المحارم لا بأس، المحارم كأخواته عماته خالاته، لا مانع أن يقبلهن من دون شهوة، يقبل ما بين العينين، يقبل الرأس لا بأس، ربيبة زوجته محرمًا له إذا كان دخل بأمها: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: 23] فإن كان دخل بأمها فهي محرمًا له.. يقبل بين العينين على الرأس في الخد، كان الصديق رضي الله عنها يقبل عائشة على خدها.

السؤال: ما حكم تحية المسجد في وقت النهي هل هي واجبة أم مستحبة؟

الشيخ: تحية المسجد سنة في جميع الأوقات، تحية المسجد ركعتان في كل وقت على الصحيح حتى ولو كان الإمام يخطب إذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب لا يجلس حتى يصلي ركعتين.

وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا، كَمَثَلِ الْقَوْمِ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، وَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا.

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، وَإِنْ كُنَّا لَنَعُدَّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ".

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتِ النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا سَقَتْهَا، وَلَا هي تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ.

وَفِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ تَرَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ دِينَهُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أُمِرُوا بِشَيْءٍ تَرَكُوهُ، وَإِذَا نُهُوا عَنْ شَيْءٍ رَكِبُوهُ، حَتَّى انْسَلَخُوا مِنْ دِينِهِمْ كَمَا يَنْسَلِخُ الرَّجُلُ مِنْ قَمِيصِهِ.

وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ، كَمَا أَنَّ الْقُبْلَةَ بَرِيدُ الْجِمَاعِ، وَالْغِنَاءُ بَرِيدُ الزِّنَا، وَالنَّظَرُ بَرِيدُ الْعِشْقِ، وَالْمَرَضُ بَرِيدُ الْمَوْتِ.

وَفِي الْحِلْيَةِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ لَا تَأْمَنْ سُوءَ عَاقِبَتِهِ، وَلَمَا يَتْبَعُ الذَّنْبَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ إِذَا عَمِلْتَهُ، قِلَّةُ حَيَائِكَ مِمَّنْ عَلَى الْيَمِينِ وَعَلَى الشِّمَالِ - وَأَنْتَ عَلَى الذَّنْبِ - أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وَضَحِكُكَ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وَفَرَحُكَ بِالذَّنْبِ إِذَا ظَفِرْتَ بِهِ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وَحُزْنُكَ عَلَى الذَّنْبِ إِذَا فَاتَكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وَخَوْفُكَ مِنَ الرِّيحِ إِذَا حَرَّكَتْ سِتْرَ بَابِكَ وَأَنْتَ عَلَى الذَّنْبِ وَلَا يَضْطَرِبُ فُؤَادُكَ مِنْ نَظَرِ اللَّهِ إِلَيْكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وَيْحَكَ هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ ذَنْبُ أَيُّوبَ فَابْتَلَاهُ بِالْبَلَاءِ فِي جَسَدِهِ وَذَهَابِ مَالِهِ؟ اسْتَغَاثَ بِهِ مِسْكِينٌ عَلَى ظَالِمٍ يَدْرَؤُهُ عَنْهُ، فَلَمْ يُعِنْهُ، وَلَمْ يَنْهَ الظَّالِمَ عَنْ ظُلْمِهِ، فَابْتَلَاهُ اللَّهُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَنْ عَصَيْتَ.

وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: بِقَدْرِ مَا يَصْغَرُ الذَّنْبُ عِنْدَكَ يَعْظُمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَبِقَدْرِ مَا يَعْظُمُ عِنْدَكَ يَصْغَرُ عِنْدَ اللَّهِ.

وَقِيلَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى، يَا مُوسَى إِنَّ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ مِنْ خَلْقِي إِبْلِيسُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا أَعُدُّ مَنْ عَصَانِي مِنَ الْأَمْوَاتِ.

وَفِي الْمُسْنَدِ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: 14].

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَقَالَ حُذَيْفَةُ: إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَصِيرَ قَلْبُهُ كَالشَّاةِ الرَّيْدَاءِ.

الشيخ: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث والآثار عن السلف كلها تدل على عظم خطر المعاصي والتشاغل بها، وأن الواجب على المؤمن أن يحذرها وأن لا يتساهل بها فإن المعصية تجر إلى المعصية حتى يسود القلب ويظلم ويصيبه الران المذكور في قوله جل وعلا: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: 14] وأنت يا عبد الله مخلوق لعبادة الله ومأمور بالاستقامة عليها ومأمور بالحذر من كل ما يخدشها وينقصها ويضعفها. 

وفي الحديث الثاني يقول ﷺ: إياكم ومحقرات الذنوب، فإنها تجتمع على العبد حتى تهلكه يعني إياكم والأشياء التي تحقرونها من الذنوب والتشاغل بها، فالذنوب لا يجوز احتقارها بل ينبغي الحذر منها، ومثَّل ذلك بجماعة في السفر ينزلون منزلًا وليس عندهم ما يوقدون به لطعامهم فيأتي هذا بعود وهذا بعود وهذا بالبعرة ثم يوقدون نارًا ثم ينضجون ما معهم من الطعام، تجمع عودا عودا بعرة بعرة حتى تجمع سواد ثم أوقدوا نارًا ثم أنضجوا ما معهم فهكذا السيئات تجتمع سيئة سيئة سيئة حتى تجتمع على العبد حتى تهلكه، ولا حول ولا قوة إلا بالله!، فالحزم والحذر من جميع السيئات ويقول أنس : إنكم لتعملون أعمالًا من السيئات هي أدق في أعينكم من الشعر -يعني تحتقرونها- كنا نعدها في عهد النبي ﷺ من الموبقات، يعني أنكم تتساهلون بأشياء وتستصغرونها لقلة علمكم ولقلة الفهم، وكان الصحابة يعدونها في زمن النبي من الموبقات يعني من المهلكات.

وفي الصحيحين أن امرأة حبست هرة، عن النبي ﷺ أنه قال: كان فيمن قبلكم امرأة حبست هرة فلم تطعمها، ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض هرة: القط المعروف، حتى ماتت جوعًا فدخلت بها النار يعني عذبت بسببها فإذا كان من عذب هرة أو شبهها كدجاجة أو حمامة أو عصفور إذا كان من عذب هؤلاء يستحق أن يعذب في النار فكيف بمن يعذب بني آدم ويظلمهم وهم محترمون معصومون يكون ذنبه أكبر وأخطر، فهذه فيها عبرة وعظة، امرأة عذبت في هرة وأنت يا ابن آدم قد تعذب مسكين مظلوم محرم الدم والمال معصوم وأنت تؤذيه بالكلام بالفعال بأنواع الظلم.

والمعصية متى خفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن متى ظهرت ضرت العامة ولهذا يقول....: انظر إلى عظم من عصيت.. المعصية أنواع: منها التساهل في حق الله، فالواجب الحذر وأنت بين ملكين يكتبان أعمالك فالعاقل ينظر ويتأمل أولًا أنه أقدم على شيء لا يرضاه الله فهو سبحانه ينبغي أن يعظم وهو إلهاكم المعبود الحق.

الأمر الثاني: أنها تجر إلى غيرها تجر إلى قسوة القلوب تجر إلى خطايا أخرى فينبغي للمؤمن أن يكون حذر مستحضر أن الله يراه وأن المعاصي وسيلة إلى المعاصي فكل معصية وسيلة إلى معصية، لأن من عاقب الشيء السيئة بعدها.

رزق الله الجميع التوفيق والهداية والحذر إنه ولي ذلك والقادر عليه.

السؤال: لوحظ في زماننا هذا كثرة التبرج من النساء خاصة في الأسواق والمنتزهات العامة، وقد يصل الأمر ببعضهن إلى السفور، فهل من رأى مثل هذه الأمور وجب عليه إنكارها، وكيف يكون ذلك؟

الشيخ: الواجب على من رأى المنكر إنكار ذلك، سواء كان .... أو مع غيرهن لأن الله يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: 71] ويقول جل وعلا: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: 104] ويقول النبي ﷺ: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان إنسان يقول: يا أمة الله اتقي الله هذا لا يجوز، اتقي الله راقبي الله .... يدخن، يجر ثيابه، ينكر عليه يراه يغتاب أخاه يقول: يا أخي اتق الله الغيبة لا تجوز، الغيبة ذكرك أخاه بما يكره اتق الله، والله يقول: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات: 12] .... هكذا المرابي ..... إلى غير ذلك ....

السؤال: هل يجوز لي تأدية فريضة الحج عن أحد الوالدين المتوفين إذا كان قد أدى الفريضة من قبل أو لم يؤدها؟

الشيخ: يشرع له أن تؤده عنها، وإذا كان ما أداها تتأكد، وإن كان له مال وجب إخراجها من ماله إذا كان مات وما يستطيع وجب إخراجها من ماله أما إذا كان مات وهو لا يستطيع فليس عليه شيء، لكن إن أديت عنه كان مستحبًا ولها أجر، لك أجر ولأبيك أجر، وهكذا أمك ....

السؤال: هل يجوز تأدية العمرة لأحد الوالدين سواء كان متوفى أو على قيد الحياة ولكن لظروف الصحية لا يستطيع تأديتها؟

الشيخ: العمرة مثل الحج تؤدى عن الميت وعن الحي العاجز لكبر سنه ولمن مرض مرضًا لا يرجا برؤه أما الميت....

السؤال: لدي عمال يعملون في مزرعة ثم هربوا ولم يستوفوا حقهم؛ والآن قد مضى عليهم أكثر من ست سنين وأجورهم موجودة لدي فهل أتصدق عنهم بنية أن تكون لهم أم ماذا؟

الشيخ: نعم، أنت بالخيار إن شئت أبقيتها حتى يرجعوا وأوصلتها لديهم إن كانوا معروفين إن كان لهم عنوان معروف وإلا تصدقت بها عنهم بالنية.

السؤال: ما حكم فعل العادة السرية؟

الشيخ: فعل العادة السرية منكر لا يجوز، الاستمناء باليد نوع من الزنا لا يجوز، يقول الله جل وعلا:  وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ  ۝ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5- 7] فجعل من ابتغى غير الزوجة والسرية عادٍ يعني ظالم، وفيها مضار هذه العادة السرية لها مضار كثيرة ذكرها أهل العلم لها مضار كثيرة فالواجب الحذر منها.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَإِنَّكُمْ أَهْلٌ لِهَذَا الْأَمْرِ مَا لَمْ تَعْصُوا اللَّهَ، فَإِذَا عَصَيْتُمُوهُ بَعَثَ عَلَيْكُمْ مَنْ يَلْحَاكُمْ كَمَا يُلْحَى هَذَا الْقَضِيبُ بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ لَحَا قَضِيبَهُ فَإِذَا هُوَ أَبْيَضُ يَصْلِدُ.

وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ وَهْبٍ قَالَ أن الرَّبُّ : قَالَ فِي بَعْضِ مَا يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنِّي إِذَا أُطِعْتُ رَضِيتُ، وَإِذَا رَضِيتُ بَارَكْتُ، وَلَيْسَ لِبِرَكَتِي نِهَايَةٌ، وَإِذَا عُصِيتُ غَضِبْتُ، وَإِذَا غَضِبْتُ لَعَنْتُ، وَلَعْنَتِي تَبْلُغُ السَّابِعَ مِنَ الْوَلَدِ".

وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ وَكِيعٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا عَنْ عَامِرٍ قَالَ: كَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ عَدَّ حَامِدَهُ مِنَ النَّاسِ ذَامًّا.

وذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: لِيَحْذَرِ امْرُؤٌ أَنْ تَلْعَنَهُ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرِي مِمَّ هَذَا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ يَخْلُو بِمَعَاصِي اللَّهِ فَيُلْقِي اللَّهُ بُغْضَهُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.

وَذَكَرَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لِأَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ لَمَّا رَكِبَهُ الدَّيْنُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْرِفُ هَذَا الْغَمَّ بِذَنْبٍ أَصَبْتُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

وَهَاهُنَا نُكْتَةٌ دَقِيقَةٌ يَغْلَطُ فِيهَا النَّاسُ فِي أَمْرِ الذَّنْبِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ تَأْثِيرَهُ فِي الْحَالِ، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ تَأْثِيرُهُ فَيُنْسَى، وَيَظُنُّ الْعَبْدُ أَنَّهُ لَا يُغَبّرُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:

إِذَا لَمْ يُغَبِّرْ حَائِطٌ فِي وُقُوعِهِ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ غُبَارُ

وَسُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا أَهْلَكَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ مِنَ الْخَلْقِ؟ وَكَمْ أَزَالَتْ من نِعْمَةٍ؟ وَكَمْ جَلَبَتْ مِنْ نِقْمَةٍ؟ وَمَا أَكْثَرَ الْمُغْتَرِّينَ بِهَا الْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ، فَضْلًا عَنِ الْجُهَّالِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُغْتَرُّ أَنَّ الذَّنْبَ يَنْقَضُّ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، كَمَا يَنْقَضُّ السُّمُّ، وَكَمَا يَنْقَضُّ الْجُرْحُ الْمُنْدَمِلُ عَلَى الْغِشِّ وَالدَّغَلِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: اعْبُدُوا اللَّهَ كَأَنَّكُمْ تَرَوْنَهُ، وَعُدُّوا أَنْفُسَكُمْ في الْمَوْتَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ قَلِيلًا يُغْنِيكُمْ، خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُلْهِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِرَّ لَا يَبْلَى، وَأَنَّ الْإِثْمَ لَا يُنْسَى.

وَنَظَرَ بَعْضُ الْعُبَّادِ إِلَى صَبِيٍّ، فَتَأَمَّلَ مَحَاسِنَهُ، فَأُتِيَ فِي مَنَامِهِ وَقِيلَ لَهُ: لَتَجِدَنَّ غِبَّهَا بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

هَذَا مَعَ أَنَّ لِلذَّنْبِ نَقْدًا مُعَجَّلًا لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصِيبُ الذَّنْبَ فِي السِّرِّ فَيُصْبِحُ وَعَلَيْهِ مَذَلَّتُهُ.

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ عَجِبْتُ مِنْ ذِي عَقْلٍ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ لَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ، ثُمَّ هُوَ يُشْمِتُ بِنَفْسِهِ كُلَّ عَدُوٍّ لَهُ، قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ يَعْصِي اللَّهَ وَيَشْمَتُ بِهِ فِي الْقِيَامَةِ كُلُّ عَدُوٍّ.

وَقَالَ ذُو النُّونِ: مَنْ خَانَ اللَّهَ فِي السِّرِّ هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَهُ فِي الْعَلَانِيَةِ.

الشيخ: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث والآثار كلها تفيد الحذر من المعاصي وأن عواقبها وخيمة وأن الإصرار عليها يسبب شرًا عظيمًا على صاحبه وأن ذلك قد يتأخر وقد لا يعجل قد يمهل له وينظر ثم تحل العقوبة، كما قال جل وعلا: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: 183] وقال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم: 42] وقال تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: 182]. 

فالواجب على العبد الحذر من المعاصي سرًا وجهرًا فلا يظن أن إسرارها وإخفاءها يعفيه من شرها فقد يجر ذلك إلى أن يفضح بها ويعلن بها ويعاقب بسببها فالواجب الحذر من سرًا وجهرًا، ولهذا قال جل وعلا: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135، 136] فشرط في المغفرة عدم الإصرار فالواجب الحذر. 

وفي حديث عائشة يقول ﷺ: يا معشر قريش، إنكم أحق الناس بهذا الأمر مالم تعصوا الله يعني بالولاية، فإذا عصيتم الله بعث الله عليكم من .. فهذه فيه دلالة على أن المعاصي متى اقترفها العبد فهو على خطر عظيم من العقوبات العاجلة والآجلة، فلا ينبغي للعاقل أن يأمن عقوبة الذنب، ويروى في الآثار الإلهية، يقول جل وعلا: (إذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ سابع ولد)، يعني أن من شؤم المعاصي والشر قد يفعله الإنسان ثم نسله ثم نسله يتوارثون هذا من شؤم المعاصي يتوارثون أولاده ثم أولادهم كل طبقة تقتدي بالطبقة التي قبلها فهذا يوجب الحذر، والواجب على الإنسان أن يحذر من السيئات وأن لا يعملها لا سرًا ولا جهرًا فإذا كانت جهرًا كانت أعظم في الفضيحة وصار أسوة لغيره في الشر يقول النبي ﷺ: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد معصية سرًا ليلًا ثم يصبح فيفضح نفسه ويقول: عملت كذا وفعلت كذا.

فالمعاصي آثارها خبيثة آثارها سيئة، فالواجب الحذر منها من صغيرها وكبيرها، جليها وخفيها، وأن يتذكر الإنسان من يعصي؟! فإنه يعصي ربه الذي خلقه فليتأمل أن المعصية ليست لفلان ولفلان بل هي معصية لله الذي خلقك وأوجدك وغذاك بالنعم، فالواجب أن تحذره وأن تبتعد عنه وأن تحاسب نفسك .... فالبر عاقبته حميدة، والشر عاقبته وخيمة، رزق الله الجميع التوفيق والهداية والحذر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

السؤال: ما حكم لبس الساعات المطلية بماء الذهب، علمًا بأن نسبته ضئيلة جدًا وأحيانًا يوجد مكتوبًا أيضا على الساعات ذات القيمة الرخيصة جدا؟

الشيخ: الذهب لا يحل للرجال، لا في الملابس ولا في الأواني ولا في الساعات وإذا تحقق أنها مطلية بالذهب لم تجز للرجال، ويجب الحذر من ذلك، وعدم التساهل، والنبي عليه الصلاة والسلام قال في الذهب والحرير: حل لإناث أمتي حرام على ذكورها فالواجب الحذر من ذلك، وأن لا يلبس إلا شيئًا سليمًا فضة أو حديدًا أو مخلوطًا بالفضة والحديد، أما الذهب فالواجب أن لا يتعرض له، وأن لا يتساهل في هذا الأمر.

السؤال: رجل طاف طواف الوداع في صبيحة اليوم الثاني عشر ثم عاد لرمي الجمرات فماذا عليه؟

الشيخ: الوداع لا يكون إلا بعد كل شيء بعد أعمال الحج كلها، فمن طاف الوداع قبل أن يرمي الجمرة في اليوم الثاني عشر فعليه دم إلا إذا كان عاجزا على الطواف فليرحل، وإذا طاف ثم رمى فليعتبر نفسه لم يطف لأن النبي قال: ( ... حتى يكون آخر عهده بالبيت).

السؤال: نحن من أهل الطائف وخرجنا من مكة قبل طواف الوداع على أن نعود إليه فهل يلزم تأديته في شهر ذي الحجة أم يجوز بعده بالشهور الأخرى؟

الشيخ: من خرج ولم يطف الوداع عليه دم ولا تنفعه العودة، إذا خرج إلى الطائف أو إلى الرياض أو المدينة أو جدة عليه دم وما عاد ينفع العودة.

السؤال: رجل خرج من منى بعد رمي الجمرات في اليوم الحادي عشر لأن كفيله أوجب عليه أن يكون في الطائف في ذلك اليوم ووكلني بالرمي عنه فهل عليه شيء؟

الشيخ: عليه دم، إن كان ترك الرمي وهو يستطيع ولا يجوز طاعة كفيله ولا غير كفيله بل يلزمه البقاء حتى يكمل حجه، والله يقول: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: 196] فعليه دم على ترك الرمي....

السؤال: تركت المبيت بمنى ليالي أيام التشريق نظرًا لأنني كنت أقوم بخدمة الحجاج في إحدى العمارات بمكة المكرمة من حراسة وصيانة فما الحكم في هذه الحالة؟

الشيخ: الأقرب والله أعلم أنه لا شيء عليه معذور كالسقاة والرعاة والطبيب فكل من يحتاج الناس إليه يكون معذورا.

[فَصْلٌ مِنْ آثَارِ الْمَعَاصِي]

وَلِلْمَعَاصِي مِنَ الْآثَارِ الْقَبِيحَةِ الْمَذْمُومَةِ، الْمُضِرَّةِ بِالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.

فَمِنْهَا: حِرْمَانُ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ، وَالْمَعْصِيَةُ تُطْفِئُ ذَلِكَ النُّورَ.

وَلَمَّا جَلَسَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ يَدَيْ مَالِكٍ وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ وُفُورِ فِطْنَتِهِ، وَتَوَقُّدِ ذَكَائِهِ، وَكَمَالِ فَهْمِهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى اللَّهَ قَدْ أَلْقَى عَلَى قَلْبِكَ نُورًا، فَلَا تُطْفِئْهُ بِظُلْمَةِ الْمَعْصِيَةِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:

شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي
وَقَالَ اعْلَمْ بِأَنَّ الْعِلْمَ فَضْلٌ وَفَضْلُ اللَّهِ لَا يُؤْتَاهُ عَاصِي

وَمِنْهَا: حِرْمَانُ الرِّزْقِ، وَفِي الْمُسْنَدِ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَكَمَا أَنَّ تَقْوَى اللَّهِ مَجْلَبَةٌ لِلرِّزْقِ فَتَرْكُ التَّقْوَى مَجْلَبَةٌ لِلْفَقْرِ، فَمَا اسْتُجْلِبَ رِزْقُ اللَّهِ بِمِثْلِ تَرْكِ الْمَعَاصِي.

وَمِنْهَا: وَحْشَةٌ يَجِدُهَا الْعَاصِي فِي قَلْبِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ لَا تُوَازِنُهَا وَلَا تُقَارِنُهَا لَذَّةٌ أَصْلًا، وَلَوِ اجْتَمَعَتْ لَهُ لَذَّاتُ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا لَمْ تَفِ بِتِلْكَ الْوَحْشَةِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَحِسُّ بِهِ إِلَّا مَنْ فِي قَلْبِهِ حَيَاةٌ، وَمَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيلَامٌ، فَلَوْ لَمْ تُتْرَكِ الذُّنُوبُ إِلَّا حَذَرًا مِنْ وُقُوعِ تِلْكَ الْوَحْشَةِ، لَكَانَ الْعَاقِلُ حَرِيًّا بِتَرْكِهَا.

وَشَكَا رَجُلٌ إِلَى بَعْضِ الْعَارِفِينَ وَحْشَةً يَجِدُهَا فِي نَفْسِهِ فَقَالَ لَهُ:

إِذَا كُنْتَ قَدْ أَوْحَشَتْكَ الذُّنُوبُ فَدَعْهَا إِذَا شِئْتَ وَاسْتَأْنِسِ

وَلَيْسَ عَلَى الْقَلْبِ أَمَرُّ مِنْ وَحْشَةِ الذَّنْبِ عَلَى الذَّنْبِ، فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَمِنْهَا: الْوَحْشَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَلَاسِيَّمَا أَهْلُ الْخَيْرِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ يَجِدُ وَحْشَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَكُلَّمَا قَوِيَتْ تِلْكَ الْوَحْشَةُ بَعُدَ مِنْهُمْ وَمِنْ مُجَالَسَتِهِمْ، وَحُرِمَ بَرَكَةَ الِانْتِفَاعِ بِهِمْ، وَقَرُبَ مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ، بِقَدْرِ مَا بَعُدَ مِنْ حِزْبِ الرَّحْمَنِ، وَتَقْوَى هَذِهِ الْوَحْشَةُ حَتَّى تَسْتَحْكِمَ، فَتَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَوَلَدِهِ وَأَقَارِبِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، فَتَرَاهُ مُسْتَوْحِشًا مِنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنِّي لَأَعْصِي اللَّهَ فَأَرَى ذَلِكَ فِي خُلُقِ دَابَّتِي، وَامْرَأَتِي.

وَمِنْهَا: تَعْسِيرُ أُمُورِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَتَوَجَّهُ لِأَمْرٍ إِلَّا يَجِدُهُ مُغْلَقًا دُونَهُ أَوْ مُتَعَسِّرًا عَلَيْهِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ مَنْ تَلَقَّى اللَّهَ جَعَلَ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا، فَمَنْ عَطَّلَ التَّقْوَى جَعَلَ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ عُسْرًا، وَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ! كَيْفَ يَجِدُ الْعَبْدُ أَبْوَابَ الْخَيْرِ وَالْمَصَالِحِ مَسْدُودَةً عَنْهُ وَطُرُقَهَا مُعَسَّرَةً عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أُتِيَ؟

وَمِنْهَا: ظُلْمَةٌ يَجِدُهَا فِي قَلْبِهِ حَقِيقَةً يَحِسُّ بِهَا كَمَا يَحِسُّ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ إِذَا ادْلَهَمَّ، فَتَصِيرُ ظُلْمَةُ الْمَعْصِيَةِ لِقَلْبِهِ كَالظُّلْمَةِ الْحِسِّيَّةِ لِبَصَرِهِ، فَإِنَّ الطَّاعَةَ نُورٌ، وَالْمَعْصِيَةَ ظُلْمَةٌ، وَكُلَّمَا قَوِيَتِ الظُّلْمَةُ ازْدَادَتْ حَيْرَتُهُ، حَتَّى يَقَعَ فِي الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَالْأُمُورِ الْمُهْلِكَةِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، كَأَعْمَى أُخْرِجَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَتَقْوَى هَذِهِ الظُّلْمَةُ حَتَّى تَظْهَرَ فِي الْعَيْنِ، ثُمَّ تَقْوَى حَتَّى تَعْلُوَ الْوَجْهَ، وَتَصِيرُ سَوَادًا فِي الْوَجْهِ حَتَّى يَرَاهُ كُلُّ أَحَدٍ.

قَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ لِلْحَسَنَةِ ضِيَاءً فِي الْوَجْهِ، وَنُورًا فِي الْقَلْبِ، وَسَعَةً فِي الرِّزْقِ، وَقُوَّةً فِي الْبَدَنِ، وَمَحَبَّةً فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، وَإِنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوَادًا فِي الْوَجْهِ، وَظُلْمَةً فِي الْقَبْرِ وَالْقَلْبِ، وَوَهْنًا فِي الْبَدَنِ، وَنَقْصًا فِي الرِّزْقِ، وَبُغْضَةً فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَعَاصِيَ تُوهِنُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ، أَمَّا وَهْنُهَا لِلْقَلْبِ فَأَمْرٌ ظَاهِرٌ، بَلْ لَا تَزَالُ تُوهِنُهُ حَتَّى تُزِيلَ حَيَاتَهُ بِالْكُلِّيَّةِ.

وَأَمَّا وَهْنُهَا لِلْبَدَنِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ قُوَّتُهُ مِنْ قَلْبِهِ، وَكُلَّمَا قَوِيَ قَلْبُهُ قَوِيَ بَدَنُهُ، وَأَمَّا الْفَاجِرُ فَإِنَّهُ - وَإِنْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ - فَهُوَ أَضْعَفُ شَيْءٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَتَخُونُهُ قُوَّتُهُ عِنْدَ أَحْوَجِ مَا يَكُونُ إِلَى نَفْسِهِ فَتَأَمَّلْ قُوَّةَ أَبْدَانِ فَارِسَ وَالرُّومِ، كَيْفَ خَانَتْهُمْ، أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهَا، وَقَهَرَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِقُوَّةِ أَبْدَانِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ؟

وَمِنْهَا: حِرْمَانُ الطَّاعَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلذَّنْبِ عُقُوبَةٌ إِلَّا أَنْ يَصُدَّ عَنْ طَاعَةٍ تَكُونُ بَدَلَهُ، وَيَقْطَعَ طَرِيقَ طَاعَةٍ أُخْرَى، فَيَنْقَطِعَ عَلَيْهِ بِالذَّنْبِ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ، ثُمَّ رَابِعَةٌ، وَهَلُمَّ جَرًّا، فَيَنْقَطِعُ عَلَيْهِ بِالذَّنْبِ طَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَهَذَا كَرَجُلٍ أَكَلَ أَكْلَةً أَوْجَبَتْ لَهُ مِرْضَةً طَوِيلَةً مَنَعَتْهُ مِنْ عِدَّةِ أَكَلَاتِ أَطْيَبَ مِنْهَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

الشيخ: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فهذه الآثار والأحاديث والمعاني التي ذكرها المؤلف الناتجة عن تعاطي المعاصي كلها معلومة لأهل الإيمان والبصائر؛ فإن المعاصي شرها عظيم وعاقبتها وخيمة، كما أن الطاعات والتقوى خيرها عظيم وعاقبتها حميدة؛ فالواجب على المؤمن أن يحذر شر المعاصي، وأن يبتعد عنها، وأن يلزم نفسه بطاعة الله واتباع شريعته وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: 2] وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: 4] وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق: 5]. 

فالواجب التمسك بالتقوى، وهي طاعة الله ورسوله والاستقامة على دين الله والحذر من جميع المعاصي لأن شرها عظيم وعاقبتها وخيمة، ..وقال مالك رحمه الله للشافعي وهما إمامان من أئمة الإسلام في القرن الثاني قال له لما حضر بين يديه يتعلم: إني أرى الله قد ألقى عليك من نوره فاحذر أن تطفئ ذلك بالمعصية، والمعاصي من أسباب ظلمة القلب وذهاب نوره، وهكذا قال الشافعي رحمه الله :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

وكيع شيخ له، وهو وكيع بن الجراح إمام من أئمة العلم، وكان الشافعي رحمه الله محمد بن إدريس الشافعي قد تتلمذ عليه ونقل عنه بعض الأحاديث فيقول:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي

فترك المعاصي والاستقامة على الطاعة من أسباب تحصيل العلم، من أسباب البركة في العلم والتوفيق، وتعاطي المعاصي والتساهل بأمر الله من أسباب حرمان العلم وقلته، وفي الحديث: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه فالمعاصي عواقبها وخيمة، وأشد ذلك في قلب العبد وفي طاعاته لله، فهي شر في الدين والدنيا جميعًا.

والواجب على جميع المكلفين أن يتقوا الله، وأن يستقيموا على دين الله، وأن يحذروا شر المعاصي.

نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

السؤال: طالبات في حفل مدرسي أو في فرح ينشدن الشعر بشكل جماعي من أجل تقوية الصوت فقط، وهذا النشيد بعيد عن التلحين الغنائي فما الحكم في ذلك، وهل هناك فرق بين النشيد الجماعي والنشيد الفردي؟

الشيخ: النشيد طيبه طيب وخبيثه خبيث، إن كان يتضمن الدعوة إلى الخير وإلى الإصلاح وإلى التقوى فهو مثل الشعر (إن من الشعر حكمة) وإن كان نشيدًا فيه أشياء منكرة صار مذمومًا كالشعر المذموم، يقول ﷺ: إن من الشعر حكمة، وكان ﷺ يسمع شعر حسان لأنه شعر يدعو إلى طاعة الله واتباع شريعته وتصديق النبي ﷺ، وابن رواحة، وابن أبي أوفى، وكعب بن مالك وغيرهم؛ لأنها أشعار مفيدة أما الأشعار التي تدعو إلى الباطل أو تثبط عن الطاعات أو تدعو إلى الفحش فهي محرمة، وهكذا النشيد إن كان على خير فهو طيب، وإن كان على شر فهو مذموم.

السؤال: بشكل جماعي؟

الشيخ: أما إذا كان للتعليم كونه يعلمهم ويقرؤون جميعًا لا بأس من باب التعليم أما التعبد بذلك لا، ما هو مشروع.. ولا في الأذكار ولا في غيرها كل يذكر الله على حسب حاله من غير رفع صوته على الآخر لكن يذكر الله على حسب التيسير .. أما المعلم إذا كان معه أربعة أو خمسة .... من باب التعليم فلا بأس ولا حرج في ذلك.

السؤال: إنسان كان يتابع الإمام حينما كان الإمام ساجدًا في السجدة الثانية والمأموم يريد أن يتابعه فإذا به يرفع الإمام ثم سجد المأموم وتيقن المأموم أنه فاتته السجدة مع الإمام فما الحكم؟

الشيخ: .. غفل أو نعس ثم لحق الإمام سجد ولحقه ما يضر.

السؤال: يقول الله في سورة الأحزاب: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [الأحزاب: 37] ما معنى قوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ما هي قصة هذه الآية، وما تفسيرها؟

الشيخ: هذه نزلت في زيد بن حارثة كانت عنده زينب وهو مولى النبي ﷺ فشاروه فيها فأشار عليه النبي ﷺ بأن يمسك زوجته، وأن يستقيم معها؛ ولكن زيد رغب عنها، وأنزل في قصته فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: 37] لما طلقها زيد وخرجت من العدة خطبها النبي ﷺ وتزوجها، فيظهر من الآية أنه كان في نفسه ﷺ شيء لو طلقها زيد لأخذها؛ لكنه ﷺ أشار عليه بأن يمسكها وأن يصبر عليها، ولكن زيد طابت نفسه منها فلما طلقها وخرجت من العدة تزوجها النبي ﷺ.

السؤال: هل تطهر النجاسات بالاستحالة؟

الشيخ: الصواب أنها تطهر بالماء إلا الخمر جاء فيها النص إذا اشتدت ثم تخللت طهرت، وإلا فالنجاسات لا بدّ لها من ماء.

السؤال: حججت هذا العام مع أبنائي القصر وكنت متمتعًا فأدى أولادي المناسك مثلي تمامًا إلا أني لم أهد عنهم لصغرهم فهل علي شيء، أما ما أهديته عن نفسي يشملهم؟

الشيخ: عليك على كل واحد فدية، إن نويت عنهم التمتع. فكل واحد عليه فدية تذبح عنهم ولو الآن تذبح الآن في مكة للفقراء عن كل واحد منهم؛ لأنهم جميعًا متمتعون.

....

وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَعَاصِيَ تُقَصِّرُ الْعُمُرَ وَتَمْحَقُ بَرَكَتَهُ وَلَا بُدَّ، فَإِنَّ الْبِرَّ كَمَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ، فَالْفُجُورُ يُقَصِّرُ الْعُمُرَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: نُقْصَانُ عُمُرِ الْعَاصِي هُوَ ذَهَابُ بَرَكَةِ عُمُرِهِ وَمَحْقُهَا عَلَيْهِ، وَهَذَا حَقٌّ، وَهُوَ بَعْضُ تَأْثِيرِ الْمَعَاصِي.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ تُنْقِصُهُ حَقِيقَةً، كَمَا تُنْقِصُ الرِّزْقَ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْبَرَكَةِ فِي الرِّزْقِ أَسْبَابًا كَثِيرَةً تُكَثِّرُهُ وَتَزِيدُهُ، وَلِلْبَرَكَةِ فِي الْعُمُرِ أَسْبَابًا تُكَثِّرُهُ وَتَزِيدُهُ.

قَالُوا وَلَا تُمْنَعُ زِيَادَةُ الْعُمُرِ بِأَسْبَابٍ كَمَا يُنْقَصُ بِأَسْبَابٍ، فَالْأَرْزَاقُ وَالْآجَالُ، وَالسَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ، وَالصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرُ، وَإِنْ كَانَتْ بِقَضَاءِ الرَّبِّ ، فَهُوَ يَقْضِي مَا يَشَاءُ بِأَسْبَابٍ جَعَلَهَا مُوجِبَةً لِمُسَبَّبَاتِهَا مُقْتَضِيَةً لَهَا.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: تَأْثِيرُ الْمَعَاصِي فِي مَحْقِ الْعُمُرِ إِنَّمَا هُوَ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحَيَاةِ هِيَ حَيَاةُ الْقَلْبِ، وَلِهَذَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْكَافِرَ مَيِّتًا غَيْرَ حَيٍّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل: 21].

فَالْحَيَاةُ فِي الْحَقِيقَةِ حَيَاةُ الْقَلْبِ، وَعُمُرُ الْإِنْسَانِ مُدَّةُ حَيَّاتِهِ فَلَيْسَ عُمُرُهُ إِلَّا أَوْقَاتَ حَيَاتِهِ بِاللَّهِ، فَتِلْكَ سَاعَاتُ عُمُرِهِ، فَالْبِرُّ وَالتَّقْوَى وَالطَّاعَةُ تَزِيدُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ عُمُرِهِ، وَلَا عُمُرَ لَهُ سِوَاهَا.

وَبِالْجُمْلَةِ، فَالْعَبْدُ إِذَا أَعْرَضَ عَنِ اللَّهِ وَاشْتَغَلَ بِالْمَعَاصِي ضَاعَتْ عَلَيْهِ أَيَّامُ حَيَاتِهِ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي يَجِدُ غِبَّ إِضَاعَتِهَا يَوْمَ يَقُولُ: يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: 24].

فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ تَطَلُّعٌ إِلَى مَصَالِحِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَطَلُّعٌ إِلَى ذَلِكَ فَقَدْ ضَاعَ عَلَيْهِ عُمُرُهُ كُلُّهُ، وَذَهَبَتْ حَيَاتُهُ بَاطِلًا، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَلُّعٌ إِلَى ذَلِكَ طَالَتْ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ بِسَبَبِ الْعَوَائِقِ، وَتَعَسَّرَتْ عَلَيْهِ أَسْبَابُ الْخَيْرِ بِحَسْبِ اشْتِغَالِهِ بِأَضْدَادِهَا، وَذَلِكَ نُقْصَانٌ حَقِيقِيٌّ مِنْ عُمُرِهِ.

وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عُمُرَ الْإِنْسَانِ مُدَّةُ حَيَّاتِهِ وَلَا حَيَاةَ لَهُ إِلَّا بِإِقْبَالِهِ عَلَى رَبِّهِ، وَالتَّنَعُّمِ بِحُبِّهِ وَذِكْرِهِ، وَإِيثَارِ مَرْضَاتِهِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَعَاصِيَ تَزْرَعُ أَمْثَالَهَا، وَتُولِدُ بَعْضَهَا بَعْضًا، حَتَّى يَعِزَّ عَلَى الْعَبْدِ مُفَارَقَتُهَا وَالْخُرُوجُ مِنْهَا، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ مِنْ عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَهَا، وَإِنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا، فَالْعَبْدُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً قَالَتْ أُخْرَى إِلَى جَنْبِهَا: اعْمَلْنِي أَيْضًا، فَإِذَا عَمِلَهَا، قَالَتِ الثَّالِثَةُ كَذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرًّا، فَتَضَاعَفُ الرِّبْحُ، وَتَزَايَدَتِ الْحَسَنَاتُ.

وَكَذَلِكَ جانب السَّيِّئَاتُ أَيْضًا، حَتَّى تَصِيرَ الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي هَيْئَاتٍ رَاسِخَةً، وَصِفَاتٍ لَازِمَةً، وَمَلَكَاتٍ ثَابِتَةً، فَلَوْ عَطَّلَ الْمُحْسِنُ الطَّاعَةَ لَضَاقَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَأَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ كَالْحُوتِ إِذَا فَارَقَ الْمَاءَ، حَتَّى يُعَاوِدَهَا، فَتَسْكُنَ نَفْسُهُ، وَتَقَرَّ عَيْنُهُ.

وَلَوْ عَطَّلَ الْمُجْرِمُ الْمَعْصِيَةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الطَّاعَةِ؛ لَضَاقَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَضَاقَ صَدْرُهُ، وَأَعْيَتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُهُ، حَتَّى يُعَاوِدَهَا، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْفُسَّاقِ لَيُوَاقِعُ الْمَعْصِيَةَ مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ يَجِدُهَا، وَلَا دَاعِيَةٍ إِلَيْهَا، إِلَّا بِمَا يَجِدُ مِنَ الْأَلَمِ بِمُفَارَقَتِهَا.

كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شَيْخُ الْقَوْمِ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ حَيْثُ يَقُولُ:

وَكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا

وَقَالَ الْآخَرُ:

فَكَانَتْ دَوَائِي وَهْيَ دَائِي بِعَيْنِهِ كَمَا يَتَدَاوَى شَارِبُ الْخَمْرِ بِالْخَمْرِ

وَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يُعَانِي الطَّاعَةَ وَيَأْلَفُهَا وَيُحِبُّهَا وَيُؤْثِرُهَا حَتَّى يُرْسِلَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ تَؤُزُّهُ إِلَيْهَا أَزًّا، وَتُحَرِّضُهُ عَلَيْهَا، وَتُزْعِجُهُ عَنْ فِرَاشِهِ وَمَجْلِسِهِ إِلَيْهَا.

وَلَا يَزَالُ يَأْلَفُ الْمَعَاصِيَ وَيُحِبُّهَا وَيُؤْثِرُهَا، حَتَّى يُرْسِلَ اللَّهُ علَيْهِ الشَّيَاطِينَ، فَتَؤُزُّهُ إِلَيْهَا أَزًّا.

فَالْأَوَّلُ قَوِيٌّ جَنَّدَ الطَّاعَةَ بِالْمَدَدِ، فَكَانُوا مِنْ أَكْبَرِ أَعْوَانِهِ، وَهَذَا قَوِيٌّ جَنَّدَ الْمَعْصِيَةَ بِالْمَدَدِ فَكَانُوا أَعْوَانًا عَلَيْهِ.

الشيخ: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه النصوص كلها مهمة وتدل على أن الاستكثار من المعاصي والتشاغل بذلك وسيلة إلى إدمانها والاستكثار منها والتألم عند مفارقتها، كما أن الطاعات إذا استكثر منها كان ذلك من أسباب سعادته واستكثاره منها وتألمه عند فراقها، فالمعاصي تنقص الحياة تنقص العمر، نقصًا معنويًا ونقصًا حسيًا، فنقصًا معنويًا لأن حياة الإنسان هي وقت طاعته لله واستقامته على دين الله هذه هي الحياة كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97].

وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24] فالحياة بطاعة الله واتباع شريعته والموت بالإعراض عن ذلك قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام: 122]

فالكافر ميت وإن عاش بين الناس بموت بقلبه وإعراضه عن الله وغفلته عن الله .... في الشرور والمعاصي والكفريات، وهكذا العاصي عنده موت عنده تساهل وعنده .. كبير بإدمانه على المعاصي واستكثاره منها وفيه بعض أنواع الموت من كونه أعرض عن الله في إدمانه على هذه المعاصي وإقباله عليها فصار ذلك نوع من الموت ونوعًا من ضياع العمر، وقد يكون ذلك أيضًا نقصًا حسيًا؛ لأن الله قدر أن هذا تكثر معاصيه فيقصر عمله في ذلك وهذا تكثر طاعته فيزداد عمره بذلك، فالبر والصلة والطاعات تزيد العمر معنى وحسًا، والمعاصي والكفريات تنقص العمر معنى وحسًا. 

فالعمر الحقيقي هو مدة بقائك مع الله في طاعته والاستقامة على دينه هذا العمر هذه الحياة، وإن كانت سنواتك قليلة، أما الأوقات الأخرى التي ضاعت في المعاصي والكفريات فليست هي الحياة، حياتك ما دمت مطيعًا لله مستقيمًا على طاعة الله مجتهدًا في الخير وإبعادًا عن الشر فهذه الحياة النافعة، وإذا أعرضت عن الله وغفلت ووقعت في المعاصي فحياتك كحياة البهائم ونقصت الحياة الحقيقية وصارت وصمة عليك هذه الحياة وشرًا عليك لكونك صرفتها فيما يضرك وفيما يغضب الله عليك وفيما يرضي الشيطان.

فاحرص يا عبد الله، ينبغي للعاقل أن يحرص على أن تكون حياته معمورة بطاعة الله، ومعمورة بالخير وبذكر الله، وبالكف عن الشرور، وبالاستقامة على الطاعة، وبالثبات على الحق، وأن يحذر كل الحذر أن تكون حياته مشمولة بالمعاصي مشروطة بالشرور فتكدر عليه هذه الحياة وتضيع عليه الكثير منها، والله جل وعلا يحب من عباده: أن يسألوه ويضرعوا إليه وأن يجتهدوا في طاعته ويرجو منه التوفيق والإعانة، ويكره منهم سبحانه: الغفلة والإعراض والتساهل بأمره ، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

السؤال: هل يجوز وضع جريد النخل والزهور على القبور بحجة تخفيف العذاب عن صاحب القبر إذا كان يعذب كما فعل الرسول ﷺ؟

الشيخ: هذا غير مشروع لأن الرسول ما فعله إلا مع قبرين أطلعه الله على عذابهما فوضع عليهما جريدتين وقال: لعله يخفف عنهما مالم ييبسا أما القبور الأخرى فلم يضع عليها شيء عليه الصلاة والسلام، وإنما وضع ذلك على قبرين أطلعه الله على عذابهما، وغيره لا يطلع على عذاب المقبورين ولا يعلم ذلك، فذلك من أمور الغيب لا يعلم ذلك الناس حتى يضع عليها جريدة، فلا يستحب لا جريد ولا نخل؛ لأن الرسول لم يضع ذلك على قبور أهل البقيع ولا قبور الشهداء، ولو كان سنة وقربة لفعله ﷺ، وفعله أصحابه رضي الله عنهم.

السؤال: لقد قرأت في كتاب: (وقاية الإنسان من الجن والشيطان) تحت عنوان: كيف تطرد الجن من البيت؟ يقول: إذا تيقنت فعلًا أن البيت فيه جني فتكون طريقة إخراجه كالآتي: تذهب أنت واثنان معك إلى هذا البيت وتقول: أناشدكم بالعهد الذي أخذه عليكم سليمان أن تخرجوا أو ترحلوا من بيتنا، أنشادكم الله أن تخرجوا ولا تؤذوا أحدًا وتكرر هذا ثلاثة أيام، وإذا استشعرت بعد ذلك بشيء في البيت تحضر ماء في إناء وتضع إصبعك فيه وتقرب فاك منه وتقول: بسم الله آمنا بالله الذي ليس منه شيء يمتنع، وبعزة الله التي لا تضام، وسلطان الله المنيع نحتجب إلى آخر الدعاء، ثم تقرأ سورة الصافات إلى قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: 10] ثم بعد هذا تتبع الماء جوانب الدار فيخرجون منه بإذن الله تعالى، فما الحكم في هذا؟

الشيخ: ليس عليه دليل، الرسول ﷺ أرشد إلى ما هو أخصر من هذا قال: يقول الإنسان إذا دخل بيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، هكذا يقول ﷺ: من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك فإذا أحس بشيء فليقل هذا ويكرر أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وهكذا: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ويكثر من قراءة القرآن، ويكفي هذا والحمد لله، هذا هو الذي أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام وعلمه أمته وإذا جرب شيء ..... أو شيء ينفع فلا حرج إن جرب شيء ينفع يؤذيهم ويخرجهم ولا محذور فيه فلا بأس؛ لكن الأصل هو ما بين النبي ﷺ وأرشد إليه.

السؤال: ما الحكم لو ترك الإنسان الفاتحة عمدًا أو سهوًا في الصلاة الجهرية أو السرية؟

الشيخ: إذا كان مأمومًا لا يضر ذلك، إن كان جاهل أو ناسيًا لأن الفاتحة في حقه تسقط بالحق والنسيان وتسقط إذا جاء والإمام راكع وتجزئه الركعة، أما إذا كان إمامًا أو منفردًا لا تسقط، يعني إذا نسيها فركعت تقوم بركعة مقامها وتأتي بركعة ثانية فإذا سلم وطال الفصل يعيد الصلاة؛ لأنها ركن في حق الإمام والمنفرد لا بدّ منها وإذا نسيها بركعة قامت الركعة الأخرى مقامها وأتى بركعة زائدة حتى يكمل، أما المأموم فهي في حقه واجبة تسقط بالسهو والنسيان وتسقط بالفوات إذا جاء والإمام راكع ركع معه وأجزأته كما جاء في حديث أبي بكرة .

السؤال: يقول امرأة نذرت نذرًا بأنه إذا حصل أمر من الأمور أن تخرج مبلغًا من المال وقد نسيت مقدار المبلغ الذي قد نذرت بإخراجه فماذا تفعل؟

الشيخ: تعمل بالظن إن نسيت إن نذرت بمائة أو مائتين أو كذا تعمل بغالب ظنها فاتقوا الله ما استطعتم إن نذرت إن الله رزقها ولد أو إن الله شفاها من مرضها أن تتصدق بألف ريال أو مائة ريال ثم نسيت تعمل بالظن تجتهد وتعمل بظنها.

السؤال: رجل به جراحات يخرج منها ماء أصفر أي القيح باستمرار فعليه أن يتوضأ عند كل صلاة أم يجزئه وضوؤه الأول ما لم ينقض بسبب آخر؟

الشيخ: هذا فيه خلاف هل القيح ينقض أو ما ينقض؟ إن توضأ احتياطًا فحسن، كالمستحاضة تتوضأ على كل فرض احتياطًا، وإلا فالصواب أنه لا ينقض بالقيح وإنما ينتقض بالدم كالمستحاضة، وأما القيح التي يخرج من جروح أو دمامل فالصواب أنه لا ينقض لكن من توضأ عند كل وقت خروجًا من الخلاف فذلك حسن لقوله ﷺ: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

فَصْلٌ

وَمِنْهَا: - وَهُوَ مِنْ أَخْوَفِهَا عَلَى الْعَبْدِ - أَنَّهَا تُضْعِفُ الْقَلْبَ عَنْ إِرَادَتِهِ، فَتُقَوِّي إِرَادَةَ الْمَعْصِيَةِ، وَتُضْعِفُ إِرَادَةَ التَّوْبَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا، إِلَى أَنْ تَنْسَلِخَ مِنْ قَلْبِهِ إِرَادَةُ التَّوْبَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَوْ مَاتَ نِصْفُهُ لَمَا تَابَ إِلَى اللَّهِ، فَيَأْتِي بِالِاسْتِغْفَارِ وَتَوْبَةِ الْكَذَّابِينَ بِاللِّسَانِ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، وَقَلْبُهُ مَعْقُودٌ بِالْمَعْصِيَةِ، مُصِرٌّ عَلَيْهَا، عَازِمٌ عَلَى مُوَاقَعَتِهَا مَتَى أَمْكَنَهُ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَمْرَاضِ وَأَقْرَبِهَا إِلَى الْهَلَاكِ.

[فَصْلٌ إِلْفُ الْمَعْصِيَةِ]

وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْسَلِخُ مِنَ الْقَلْبِ اسْتِقْبَاحُهَا، فَتَصِيرُ لَهُ عَادَةً، فَلَا يَسْتَقْبِحُ مِنْ نَفْسِهِ رُؤْيَةَ النَّاسِ لَهُ، وَلَا كَلَامَهُمْ فِيهِ.

وَهَذَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْفُسُوقِ هُوَ غَايَةُ التَّهَتُّكِ وَتَمَامُ اللَّذَّةِ، حَتَّى يَفْتَخِرَ أَحَدُهُمْ بِالْمَعْصِيَةِ، وَيُحَدِّثَ بِهَا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَمِلَهَا، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ كَذَا وَكَذَا.

وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ النَّاسِ لَا يُعَافَوْنَ، وَتُسَدُّ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ التَّوْبَةِ، وَتُغْلَقُ عَنْهُمْ أَبْوَابُهَا فِي الْغَالِبِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَارِ أَنْ يَسْتُرَ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ ثُمَّ يُصْبِحُ يَفْضَحُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَهَتَكَ نَفْسَهُ، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ.

وَمِنْهَا: أَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي فَهِيَ مِيرَاثٌ عَنْ أُمِّةٍ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ .

فَاللُّوطِيَّةُ: مِيرَاثٌ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ.

وَأَخْذُ الْحَقِّ بِالزَّائِدِ وَدَفْعُهُ بِالنَّاقِصِ، مِيرَاثٌ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ.

وَالْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، مِيرَاثٌ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

وَالتَّكَبُّرُ وَالتَّجَبُّرُ مِيرَاثٌ عَنْ قَوْمِ هُودٍ.

فَالْعَاصِي لَابِسٌ ثِيَابَ بَعْضِ هَذِهِ الْأُمَمِ، وَهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ.

وَقَدْ رَوَى عَبْدُاللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لِأَبِيهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ قُلْ لِقَوْمِكَ: لَا يَدْخُلُوا مَدَاخِلَ أَعْدَائِي، وَلَا يَلْبَسُوا مَلَابِسَ أَعْدَائِي وَلَا يَرْكَبُوا مَرَاكِبَ أَعْدَائِي، وَلَا يَطْعَمُوا مَطَاعِمَ أَعْدَائِي، فَيَكُونُوا أَعْدَائِي كَمَا هُمْ أَعْدَائِي.

وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَعْصِيَةَ سَبَبٌ لِهَوَانِ الْعَبْدِ عَلَى رَبِّهِ وَسُقُوطِهِ مِنْ عَيْنِهِ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَانُوا عَلَيْهِ فَعَصَوْهُ، وَلَوْ عَزُّوا عَلَيْهِ لَعَصَمَهُمْ، وَإِذَا هَانَ الْعَبْدُ عَلَى اللَّهِ لَمْ يُكْرِمْهُ أَحَدٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج: 18] وَإِنْ عَظَّمَهُمُ النَّاسُ فِي الظَّاهِرِ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِمْ أَوْ خَوْفًا مِنْ شَرِّهِمْ، فَهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ أَحْقَرُ شَيْءٍ وَأَهْوَنُهُ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ يَرْتَكِبُ الذَّنْبَ حَتَّى يَهُونَ عَلَيْهِ وَيَصْغُرَ فِي قَلْبِهِ، وَذَلِكَ عَلَامَةُ الْهَلَاكِ، فَإِنَّ الذَّنَبَ كُلَّمَا صَغُرَ فِي عَيْنِ الْعَبْدِ عَظُمَ عِنْدَ اللَّهِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُا فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَه كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا فَطَارَ.

الشيخ: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الكلمات كلها تدل على خطر المعاصي وأن الإصرار عليها والإقامة عليها فيه ضرر عظيم، ومنها: أن تلك السيئات تضعف القلب وتمرضه حتى لا يحس بخطر المعاصي وحتى يتثاقل عن الطاعة؛ فالمعاصي أمراض القلوب، وكلما زادت زاد المرض وزاد التأثر، وهي كلما زادت تحبها النفس وتهواها وتريدها فهي مضعفة للقلب مقسية له مشجعة على غيرها من البلاوي، ومع العادة لها والاستكثار منها قد لا يبالي بالمجاهرة قد يزول عنه الحياء بالكلية فلا يبالي بالتحدث بها وإخبار الناس بها، فيفعل المعصية بالليل ويستره الله فيصبح يتحدث يا فلان فعلت كذا ويا فلان فعلت كذا فيصبح وقد ستره الله فيفضح نفسه. 

فالمقصود أن المعاصي آثارها خبيثة تضعف القلب وتقسيه وتجره إلى المعاصي الأخرى وتسبب نزع الحياء والمجاهرة في الفساد كالتثاقل عن الطاعات فالواجب الحذر وعدم التشاغل بشيء منها الواجب الحذر، وإذا تكاثرت على العبد لم يحس بشيء من ألمها كما قال ابن مسعود : المؤمن يرى ذنبه كأنه في أصل جبل يخشى سقوطه عليه لخوفه من هذا الذنب وحذره منها بالتوبة إلى الله منه، والفاجر يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا. 

فالذي اعتاد الذنوب وخفت عليه المعاصي وتساهل بها كأن ذنبه كذباب وقع على أنفه ثم قال به هكذا وهكذا لا يبالي ولا يهتم بالتوبة ولا ينيب إلى الله بل في غفلته وسكرته يزداد من المعاصي ويضعف عن التوبة والرجوع إلى الله ..... وهذا من الأخطار العظيمة كون صاحب المعصية يتثاقل عن التوبة ويسارع إلى المزيد منها ولا يحس بألمها ولا عاقبتها الوخيمة ... قال تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: 14] وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: 110]

فالواجب عليك أيها المؤمن الحذر من السيئات كلها والبدار بالتوبة وما قد وقع منك، يجب التوبة ويجب الحذر هذه هي طريق النجاة ما دمت في هذه الحياة..... والزم التحذير منها وعدم مخالطة أهلها لعلك تنجو، وفق الله الجميع.

السؤال: رجل كان يصلي ثم ترك الصلاة لمدة شهرين ثم عاد وتاب وصلى فهل يقضي صلاة الشهرين، فإذا كانت الفترة أكثر أو أقل بترك الصلاة فهل عليه قضاؤها إذا تاب وعاد للمحافظة عليها؟

الشيخ: ليس عليه قضاء لأن ترك الصلاة كفر، فإذا تاب إلى الله توبة صادقة غفر له ولم يقض، يقول الله جل وعلا: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38] فالتوبة تجب ما قبلها فإذا تاب إلى الله توبة صادقة كفر الله عنه ذنوبه، وليس عليه قضاء لا صوم ولا صلاة.

السؤال: رجل يذهب من الطائف إلى منى يوم النحر للمجزرة فيجد لحوم الهدي والأضاحي قد ذبحت وتركها الحجاج في المجزرة فيتصرف فيها الجزار ويبيعها للناس بثمن زهيد جدًا فهل علينا في شرائها والأكل منها حرج؟

الشيخ: الواجب على الجزار أن يطعم الناس منها حتى يأخذ كل واحد ما تيسر منها ولا يبيع على الناس يأخذ نصيب ويدع الناس يأخذون هذا هو الواجب عليه لأن هذا له ولغيره من الفقراء فإذا وزعها صاحبها فالحمد لله وإلا فليأخذ منها نصيب وإلا يدعها.... إلا إذا ما وجد أحد يأكل منها .... لأن المضحي أو المهدي تخلى عنه فمن أخذ منها شيء فهو له.

السؤال: إنني عندما استقمت وهداني الله كنت أجد حلاوة للإيمان لا أجدها في هذا الوقت فدلني جزاك الله خيرًا إلى حلاوة الإيمان التي فقدتها الآن، هل هي بتقصير مني أم ماذا؟

الشيخ: .. الواجب عليك الرجوع إلى الله والحرص على الإقبال عليه ومحبته وتعاطي الأسباب التي تبذل حلاوة الإيمان وبقاءه كما قال النبي ﷺ: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا فإذا استحضرت هذا أن الله ربك ومعبودك الحق وأن الإسلام دينك، وأن محمدًا رسولك إذا استحضرت هذا بالعمل والجد فهذا مما يعيد إليك حلاوة الإيمان وهكذا قوله ﷺ: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحب إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار والله يقول: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31] فيجب عليك الحذر من السيئات والتوبة إلى الله منها والاجتهاد بالتلذذ بالطاعة والإقبال عليها وأدائها على الوجه الأكمل حتى تجد لذتها.

السؤال: يقول البعض يستحب لبس الساعة باليد اليمنى بدلًا من اليسرى مخالفة لليهود، فهل هذا صحيح؟

الشيخ: الأمر في هذا واسع، النبي لبس الخاتم باليمنى واليسرى والساعة مثله، سواء لبسها باليمين أو باليسار، لكن اليمين أولى بالزينة والنبي ثبت عنه هذا وهذا، لبس الخاتم باليمين وباليسار.

السؤال: إنسان عليه دين بالعملة المصرية فهل يجوز أداؤه بعملة غير مصرية؟

الشيخ: نعم إذا اتفقوا على ذلك فلا بأس، سئل النبي ﷺ: يا رسول الله نبيع بالدراهم ونأخذ الدنانير ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم قال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها حتى تفترقا .. فإذا باع بالعملة المصرية ثم أخذ مقابلها بالعملة السعودية أو غيرها يدًا بيد بالحال في المجلس فلا بأس..