14 من حديث: (أَقْبلَ رجل إلى نبي الله صلى اللهُ عليه وسلم، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من اللَّه تعالى)

10/321-وعن عبداللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما قَالَ: أَقْبلَ رجُلٌ إِلى نَبِيِّ اللَّه ﷺ، فَقَالَ: أُبايِعُكَ عَلَى الهِجرةِ وَالجِهَادِ أَبتَغِي الأَجرَ مِنَ اللَّه تعالى. قال: فهَلْ مِنْ والدِيْكَ أَحدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نعمْ بَلْ كِلاهُما قَالَ: فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّه تَعَالَى؟ قَالَ: نعمْ قَالَ: فَارْجعْ إِلى والدِيْكَ، فَأَحْسِنْ صُحْبتَهُما. متفقٌ عَلَيهِ. وهذا لَفْظُ مسلمٍ.

وفي روايةٍ لهُما: جاءَ رجلٌ فاسْتَأْذَنُه في الجِهَادِ فقَالَ: أَحيٌّ والِداكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ففِيهِما فَجاهِدْ.

11/322- وعنه عن النَّبيّ ﷺ قال: لَيْسَ الْواصِلُ بِالمُكافئ، وَلكِنَّ الواصِلَ الَّذي إِذا قَطَعتْ رَحِمُهُ وصلَهَا رواه البخاري.

وَ قَطعتْ بِفَتْح القافِ وَالطَّاءِ. وَرَحِمُهُ مَرْفُوعٌ.

12/323-وعن عائشة قَالَتْ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: الرَّحمُ مَعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّه، وَمَن قَطَعَني قَطَعَهُ اللَّه متفقٌ عليه.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث كالتي قبلها في الحث على صلة الرحم، وأنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في صلة الرحم وبر الوالدين والإحسان إليهما فإن حقهما عظيم، ولهذا قال النبي ﷺ لهذا الرجل الذي سأله أنه جاء للهجرة والجهاد قال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد، قال: ارجع فأحسن إليهما فبرهما من أهم الجهاد، ومن أهم القرب إلى الله ، فهذا يدل على أن بر الوالدين والإحسان إليهما من أفضل الجهاد والقرب، وفي اللفظ الآخر: ارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك وإلا فبرهما.

وهكذا قوله ﷺ: ليس الواصل بالمكافئ الواصل الحقيقي ليس هو المكافئ، الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها، هذا الواصل الكامل الذي قد جاهد نفسه إذا قطعت رحمه وأذته لم يقطعها بل وصلها وأحسن إليها، كما تقدم في الرجل الذي قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحلم عليهم ويجهلون علي، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، قال له ﷺ: لئن كنت كما قلت لكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك، فالمؤمن يجاهد نفسه ويصبر على صلة الرحم والإحسان إليهم وإن أساؤوا وإن قطعوا، لا يكون مثلهم يكون خيرا منهم، لا يكافئهم ولكن يصلهم ويحسن إليهم فيرفق بهم ويدعو الله لهم بالهداية، هكذا المؤمن صبور، والله يقول جل وعلا: وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

ومن أحق الناس بهذا الأرحام أن يتواصوا مع أن هذا واجب المؤمنين جميعا، يجب على أهل الإيمان جميعا أن يتواصوا بالحق وأن يتواصوا بالصبر، وعلى القرابات بوصف خاص أن يفعلوا ذلك أيضا، وسبق أنه ﷺ قال: لما خلق الله الخلق قامت الرحم فقالت: يا رب هذه مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الرب : ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، وفي اللفظ الآخر: أن الرحم تقول: أنا الرحم من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله فالرحم هي القرابة، أقربهم الآباء والأمهات والأجداد والجدات والأولاد وأولادهم، ثم الإخوة وأولادهم، ثم العمومة وأبناؤهم، الأقرب فالأقرب .

وجاء رجل قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب فجعل بر الوالد في الرابعة لعظم حق الأم، ثم الأقرب فالأقرب، فالواجب على المؤمن أن يكون وصولا للرحم، بارا بالوالدين، صبورا حليما يرجو ما عند الله من المثوبة ويخشى ما عنده من العقوبة ، ومن أعظم صلة الرحم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتوجيه جاهلهم وإرشادهم، ومواساة فقيرهم، والشفاعة لهم في الخير، والدفاع عنهم في الحق إلى غير ذلك مما ينفعهم. وفق الله الجميع.

13/324- وعن أُمِّ المُؤْمِنِينَ ميمُونَةَ بنْتِ الحارِثِ رضي اللَّه عنها أَنَّهَا أَعتَقَتْ وَليدَةً وَلَم تَستَأْذِنِ النَّبِيَّ ﷺ، فلَمَّا كانَ يومَها الَّذي يدورُ عَلَيْهَا فِيه، قَالَتْ: أشَعَرْتَ يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَعْتَقْتُ ولِيدتي؟ قَالَ: أَوَ فَعلْتِ؟ قَالَتْ: نَعمْ، قَالَ: أَما إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيتِهَا أَخوالَكِ كَانَ أَعظَمَ لأجرِكِ متفقٌ عَلَيهِ.

14/325-وعن أَسْمَاءَ بنْتِ أَبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي اللَّه عنهما قَالَتْ: قَدِمتْ عليَّ أُمِّي وهِي مُشركة في عهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ فَاسْتَفتَيْتُ رَسُول اللَّه ﷺ قلتُ: قَدِمتْ عَليَّ أُمِّي وَهِى راغبةٌ، أَفأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعمْ صِلي أُمَّكِ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَقَولُهَا: راغِبةٌ أَي: طَامِعةٌ عِندِي تَسْأَلُني شَيئًا، قِيلَ: كَانَت أُمُّهَا مِنْ النَّسبِ، وقِيل: مِن الرَّضاعةِ، والصحيحُ الأَول.

15/326- وعن زينب الثقفِيَّةِ امْرأَةِ عبداللَّهِ بن مسعودٍ رضي اللَّه عَنْهُ وعنها قَالَتْ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: تَصدَّقنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ولَو مِن حُلِيِّكُنَّ قَالَتْ: فَرجعتُ إِلى عبداللَّه ابنِ مسعودٍ فقلتُ لَهُ: إِنَّك رجُلٌ خَفِيفُ ذَات اليَدِ وإِنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قدْ أمَرَنَا بالصدقةِ، فأْتِه فاسأَلْهُ، فإنْ كان ذلك يُجْزِئُ عنِّي وَإِلاَّ صَرَفُتَهَا إِلى غَيركُمْ. فَقَالَ عبداللَّهِ: بَلِ ائتِيهِ أَنتِ، فانطَلَقْتُ، فَإِذا امْرأَةٌ مِن الأَنَصارِ بِبابِ رسولِ اللَّه ﷺ حاجَتي حاجتُهَا، وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ قَدْ أُلقِيتْ علَيهِ المهابةُ. فَخَرج عَلَيْنَا بلالٌ، فقُلنَا لَهُ: ائْتِ رسولَ اللَّه ﷺ، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرأَتَيْنِ بِالبَابَ تَسأَلانِكَ: أَتُجزِئُ الصَّدَقَةُ عنْهُمَا عَلَى أزواجِهِما وَعلى أَيتَامٍ في حُجُورِهِمَا؟ وَلا تُخْبِرهُ منْ نَحنُ، فَدَخل بِلالٌ علَى رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَسأَلَهُ، فَقَالَ لهُ رسولُ اللَّه ﷺ مَنْ هُمَا؟ قَالَ: امْرأَةٌ مِنَ الأَنصارِ وَزَيْنبُ. فقالَ رَسُول اللَّه ﷺ: أَيُّ الزَّيانِبِ هِي؟ قَالَ: امرأَةُ عبداللَّهِ، فقال رَسُول اللَّه ﷺ: لَهُمَا أَجْرانِ: أَجْرُ القرابةِ، وَأَجْرُ الصَّدقَةِ متفقٌ عليه.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها في الحث على الصدقة وصلة الرحم والوالدين، وأن الصدقة فيهما في الوالدين والأقارب أفضل من الصدقة في غيرهما، صدقة الإنسان في والديه وفي أقاربه مضاعفة، له أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة، أجر الصلة، وأجر البر، ولهذا قال جل وعلا: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36] قدم الوالدين على من بعدهم على ذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب إلى آخره، فالصدقة على الوالدين مقدمة على جميع الأقارب، وذلك من برهما والإحسان إليهما، ثم يليهما بقية الأقارب من الأولاد والإخوة وغير ذلك.

وتقدم قول النبي ﷺ لما سأله سائل قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب، وفي هذا أنه ﷺ قالت له ميمونة زوجته ﷺ أم المؤمنين بنت الحارث: يا رسول الله أشعرت أني أعتقت فلانة؟ جارية لها أعتقتها، قال: أفعلت؟ قالت: نعم، قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك لكان أعظم لأجرك يبين ﷺ أن صلة الرحم والصدقة في الأقارب أفضل من العتق، يعني لو أنها تصدقت بالعبد باعته وقسمت ثمنه على أقاربه المحاويج لكان أفضل من العتق، أو أعطته إياهم إن كانوا في حاجة إلى خدمته أفضل من العتق، أما إنك لو أعطيتها أخوالك الأخوال أبعد من الأم والأب والإخوة أما إنك لو أعطيتها أخوالك لكان أعظم لأجرك.

وهكذا في الصحيح من حديث أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة رضي الله عنها -أخت عائشة من أبيها- جاءتها أمها من مكة وأمها مشركة وقت الهدنة، وقت الصلح الذي بين النبي ﷺ وبين أهل مكة، في الهدنة جاءتها راغبة تطلب الرفد، تطلب المساعدة، فقالت أسماء: يا رسول الله إن أمي جاءت وهي راغبة في الصلة والإحسان أفأصلها؟ يعني وهي على دين قومها مشركة؟ قال: نعم صليها فدل ذلك على أن الأقارب والوالدين يبر فيهم ويوصلون وإن كانوا على غير دينك، إن كانت الوالدة أو الوالد أو الأخ أو العم على غير دينك ما دام في حال هدنة حال صلح حال معاهدة -ما هو بحال حرب- يوصلون، ولهذا أمر النبي ﷺ أسماء أن تصل أمها وهي كافرة لأنها في حال الهدنة، وحال الأمن بين المشركين وبين المسلمين والمعاهدة، والله يقول سبحانه: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] فأذن في صلة الأقارب وإن كانوا على كفر ما داموا في عهد وأمان ليسوا في حرب، أما في حال الحرب لا، الحرب بيننا وبينهم ما يعطون شيئا، بل يقاتلون إذا كانوا مع الكفار يقاتلون لا يوصلون، لكن في حال الهدنة وحال الأمانة وحال المعاهدة لا بأس أن يصل الإنسان قراباته، وفي صلته لهم دعوة إلى الإسلام أيضا وترغيب في الإسلام إذا وصلهم مع كفرهم صار هذا من أسباب ترغيبهم في الإسلام ودعوتهم إليه، وأن أقاربهم لم ينسوه مع كفرهم.

وهذا كله واضح في الترغيب في الخير، والحث على الإحسان إلى الأقارب رجاء أن يهديهم الله، رجاء أن يسلموا وإن كانوا كافرين، وكثير من الناس ينسى أقاربه ولا يعرف صلتهم لا بالزيارة ولا بالمال ولا بالصدقة، وهذه مصيبة يجب الحذر منها.

كذلك قوله ﷺ: يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فذهبت زينب امرأة ابن مسعود تسأل النبي ﷺ مع امرأة أخرى هل تجزئ الصدقة في أزواجهن وأيتامهن؟ قال النبي ﷺ: نعم، لكما أجران الصدقة في الزوج والقريب اليتيم أجران، كون المرأة تعطي زوجها المحتاج تتصدق عليه كذلك أيتامها تنفق عليهم لها أجران: أجر الصلة، وأجر الصدقة. وفق الله الجميع.

16/327- وعن أَبي سُفْيان صخْر بنِ حربٍ في حدِيثِهِ الطَّويل في قصَّةِ هِرقل أَنَّ هِرقْلَ قَالَ لأَبي سفْيان: فَماذَا يأْمُرُكُمْ بِهِ؟ يَعْني النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: قُلْتُ: يقولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحدَهُ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، واتْرُكُوا مَا يقُولُ آباؤُكمْ، ويأْمُرُنَا بالصَّلاةِ، والصِّدْقِ، والعفَافِ، والصِّلَةِ متفقٌ عَلَيهِ.

17/328-وعن أَبي ذر قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: إِنَّكُم ستفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا القِيرَاطُ.

وفي روايةٍ: ستفْتحُونَ مصْر وهِي أَرْضٌ يُسَمَّى فِيها القِيراطُ، فَاستَوْصُوا بِأَهْلِها خيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمة ورحِمًا.

وفي روايةٍ: فإِذا افْتتَحتُموها، فَأَحْسِنُوا إِلى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لهُم ذِمَّةً ورحِمًا أَو قَالَ: ذِمَّةً وصِهرًا رواه مسلم.

قَالَ العُلَماءُ: الرَّحِمُ الَّتي لهُمْ كَوْنُ هَاجَر أُمُّ إِسْماعِيلَ ﷺ مِنْهمْ. والصِّهْرُ: كونُ مارِية أُمِّ إِبراهِيمَ ابنِ رَسُول اللَّه ﷺ منهم.

18/329- وعن أبي هريرةَ قَالَ: لما نزلَتْ هذِهِ الآيَةُ: وَأَنْذِر عشِيرتكَ الأَقربِينَ [الشعراء:214] دعا رسولُ اللَّه ﷺ قُرَيْشَا فاجْتَمعُوا فَعَمَّ، وخَصَّ وَقالَ: يَا بَني عبدِ شَمسٍ، يا بَنِي كَعْب بنِ لُؤَي، أَنقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كْعبٍ، أَنْقِذُوا أَنفُسَكُمْ مِن النَّار، يَا بَنِي عبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَني هاشِمٍ أَنقِذُوا أَنْفُسكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بني عبدالمطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسكُمْ مِن النَّارِ، يَا فاطِمَة أَنْقِذي نفْسَكَ منَ النَّار، فَإِني لا أَمْلِكُ لَكُمْ منَ اللَّه شيْئًا، غَيْر أَنَّ لَكُمْ رحِمًا سأَبلُّهَا بِبِلالِها رواه مسلم.

قوله ﷺ: بِبِلالِهَا هُوَ بفتحِ الباءِ الثَّانِيةِ وكَسرهَا والبِلالُ الماءُ. ومعنى الحديث: سأَصِلُهَا،

شبَّهَ قَطِيعَتَهَا بالحرارةِ تُطْفَأُ بالماءِ، وهذِهِ تُبَرَّدُ بالصِّلةِ.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها من الأحاديث تتعلق بصلة الرحم والحث على الإحسان إلى الأرحام والأقارب، تقدم أن الله جل وعلا توعد من قطع الرحم وعيدا شديدا فقال: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ[محمد:22-23] هذا وعيد عظيم يوجب الحذر من قطيعة الرحم والحث على صلة الرحم، فالمؤمن يجتهد في صلة أرحامه وأقاربه بالمال، وبالكلام الطيب، وبالزيارة وبالمكاتبة، إن كانوا بعيدين بالمكالمة الهاتفية، يعالج الأمور بما يستطيع مع العناية بالكلام الطيب والأسلوب الحسن في كل المشاكل، والحذر من العنف، فإن الأقارب يكون بينهم مشاكل فلا بد من حلها بالأسلوب الحسن والكلام الطيب، ومع الأسلوب الحسن ومع تحري الخير تحل المشاكل، أما مع العنف والشدة تزيد المشاكل، ولهذا قال الله سبحانه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بسبب رحمة من الله لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، وقال جل وعلا لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44]، وقال سبحانه في الدعوة: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، وقال: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46].

هكذا ما يقع بين الشباب، أو بين الأولاد وآبائهم يكون بالطرق الطيبة، إذا لم تعالج بالطرق الطيبة بقيت الوحشة والتهاجر والتقاطع، لكن يجب حل المشاكل بالكلام الطيب والأسلوب الحسن بين الشباب، بين الإخوة، بين الآباء والأولاد، بين الأمهات والأولاد، بين الأقارب، بين الجيران تحل المشاكل بالكلام الطيب والأسلوب الحسن والنصيحة والوصية حتى يزول محل الإشكال، فإذا كان معصية عولجت بالنصيحة والتوجيه حتى يترك المعصية، حتى يتوب إلى الله منها فتجتمع القلوب، لا بين الشباب ولا بين الأقارب ولا بين الجيران، كل منهم يجب عليهم أن يعالج الأمور بالكلام الطيب والأسلوب الحسن والعطف والرحمة، والحذر من الشدة والعنف لأن هذا من أعظم الأسباب التي تحل بها المشاكل كما سمعتم الله يقول: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران:159] يعني خاطبتهم باللين وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، وقال سبحانه لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44]، وقال سبحانه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

وفي حديث أبي سفيان لما كان في وفد قريش في الشام حال كفره قبل أن يسلم قبل الفتح في الهدنة التي كانت بين النبي ﷺ وبين قريش، كان أبو سفيان وهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس من سادات قريش، وهو رئيس الحرب يوم أحد ويوم الأحزاب، كان في وفد أهل مكة من قريش للتجارة وكان على كفره، فلما بلغ هرقل وجودهم بعث إليهم فأحضروا عنده، وقال: إني سائلكم، سألهم عن أقربهم نسبا إلى هذا النبي ﷺ؟ فقالوا: أبو سفيان، قل: إني سائله فإن صدقه فصدقوه، وإن كذب فكذبوه، فسأله عن مسائل عديدة نحو عشر مسائل منها أنه قال له وهي الأخيرة: بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأن نترك ما يقول آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والصلة والعفاف، قال: هكذا كان الأنبياء، هذه أوامر الأنبياء، يأمرهم بالصلاة والصدقة وصلة الرحم، هذه مع أمره لهم بالتوحيد وترك الشرك، فكان يأمرهم بصة الرحم ويأمر بالصدقة والصلاة وينهى عن الشرك وعما يقول آباؤهم من دعاء الآلهة والاستغاثة بالآلهة.

ولما نزل قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] صعد الصفا عليه الصلاة والسلام وناداهم ببطونهم: يا بني كعب بن لؤي، يا بني عبدالمطلب، يا بني قصي، يا بني عبد مناف يناديهم بأسماء آبائهم حتى قال: يا بني عبدالمطلب، حتى قال: يا عباس بن عبدالمطلب، يا صفية عمة رسول الله، يا فاطمة بنت رسول الله، سلوني من مالي ما شئتم، لا أغني عنكم من الله شيئا، اشتروا أنفسكم من الله فأمرهم أن يعبدوا الله وحده، وأن يشتروا أنفسهم من الله بالتقوى والتوحيد والإيمان، وبين لهم أن نسبهم من محمد لا يغني عنهم شيئا، وهكذا نسبهم من إبراهيم، أبيهم إبراهيم لا يغني عنهم من الله شيئا، وهكذا نسبهم من إسماعيل لا يغني عنهم من الله شيئا، ولهذا قال: فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، اشتروا أنفسكم يعني من الله بالتوحيد والإيمان لا أغني عنكم من الله شيئا فإذا كان الأنبياء وسيدهم محمد ﷺ لا يغنون من الله شيئا لمن كفر بالله وعصاه، فكيف بغيرهم؟ فالواجب طاعة الله ورسوله، والاستقامة على دين الله، والحذر من الاعتماد على الأنساب وشرف الآباء ونحو ذلك مما يغتر به الجهلة.

وقال أيضا عليه الصلاة والسلام في مصر: إذا فتحتم مصر فإن لأهلها ذمة ورحما، في رواية ذمة وصهرا، فإذا فتحت فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحما، وفي رواية وصهرا، فالرحم لأن هاجر منهم من مصر، هاجر أم إسماعيل، وهكذا مارية أم إبراهيم ابن النبي عليه السلام منهم، فأمر بالإحسان لهذه القرابة، قرابة امرأة واحدة أو امرأتان، فكيف بقرابة الجم الغفير والناس الكثير؟

فالمقصود أن الرحم لها شأن، وأن الواجب الإحسان إليها وصلتها، وأعظم الصلة دعوة الأرحام إلى توحيد الله، دعوتهم إلى دين الله، توجيههم إلى الخير، تحذيرهم من الشر، وإذا كانوا في قرية أو في قبيلة أحسن إلى القبيلة أو القرية، ودعوا إلى الله وأرشدوا، ونبهوا على ما عندهم من الخطإ بالحكمة، بالكلام الطيب والأسلوب الحسن لعلهم يهتدون، لعلهم يستجيبون، وتكون هذه القرابة رحمة من الله حين صارت عندهم وسببت لهم هذا الخير من الدعوة إلى الله والتوجيه، فإذا كان عندهم العالم طالب العلم قريب لهم من أسباب هدايتهم أن يكون بين أظهرهم، هذا العالم يرشدهم ويحذرهم ويدعوهم ويأمرهم وينهاهم، وإذا كان له قرابة عندهم كان هذا أيضا من الأسباب حتى يرحم قرابته، وحتى يدعوهم إلى الله، ويدعو من حولهم من الناس.

والمقصود من هذا كله الحث على الدعوة إلى الله، والصبر وإحسان، وإذا كان هناك رحم كان لهم وصية، زيادة عناية من أجل الرحم والقرابة، علاوة على ما يجب من الدعوة إلى الله، علاوة على ما في الدعوة إلى الله من الخير، وإن كانوا غير أرحام كما قال ﷺ: من دل على خير فله مثل أجر فاعله، فإذا دعا إلى الخير فله مثل أجر من هداه الله على يديه وإن كانوا من أبعد الناس جنا أو إنسا، إذا هداهم الله على يديه له مثل أجورهم، لكن إذا كانوا من الأقارب صار له مزية، صار له فضل آخر وأجر آخر، أجر هدايتهم وأجر صلتهم لأنهم رحم. وفق الله الجميع.

19/330-وعن أَبي عبداللَّه عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما قَالَ: سمعتُ رَسُول اللَّه ﷺ جِهارًا غيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: إِنَّ آلَ بَني فُلانٍ لَيُسُوا بأَوْلِيائي، إِنَّما وَلِيِّي اللَّهُ وصالحُ المؤْمِنِين، ولَكِنْ لَهُمْ رحِمٌ أَبُلُّها بِبِلالِها مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. واللَّفظُ للبخاري.

20/331- وعن أَبي أَيُّوب خالدِ بن زيدٍ الأنصاري أَن رجلًا قَالَ: يَا رسولَ اللَّه أَخْبِرْني بِعملٍ يُدْخِلُني الجنَّةَ، وَيُبَاعِدني مِنَ النَّارِ؟ فقال النبيُّ ﷺ: تعبُدُ اللَّه، وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتَصِلُ الرَّحِم متفقٌ عَلَيهِ.

21/332-وعن سلْمان بن عامرٍ ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: إِذا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمرٍ، فَإِنَّهُ بركَةٌ، فَإِنْ لَمْ يجِد تَمْرًا، فَالماءُ، فَإِنَّهُ طُهُورٌ وَقالَ: الصَّدقَةُ عَلَى المِسكِينِ صدقَةٌ، وعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وصِلَةٌ. رواه الترمذي، وَقالَ: حديث حسن.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بصلة الرحم، وأن الواجب على الأقارب أن يتواصلوا وأن يتراحموا كما قال الله جل وعلا فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ[محمد:22-23]، ومدح المؤمنين فقال: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الرعد:21] فالواجب على الأقارب أن يتواصلوا، فالإنسان يبر والديه ويصل أرحامه ويحسن إليهم، يقول ﷺ: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها، ويقول ﷺ: إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، إلا أن لهم رحما سأبلها ببلالها يعني سأصلها بصلتها، فإن القطيعة حرارة وشدة، والوصل بر ودواء وإطفاء للحرارة، ولهذا قال: سأبلها ببلالها.

فالمقصود أن الرحم غير الولاية، فالمؤمن وليه المؤمنون، وأصحابه المؤمنون، وإخوانه في الله المؤمنون، لكن قد تكون له رحم عندها نقص في الدين فيصلها لأجل البر والصلة -صلة الرحم-، ولعل الله يجعل ذلك سببا لهدايتها أيضا كما قال تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [الممتحنة:8]، ولما جاءت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما إلى النبي ﷺ تستأذنه تقول: إن أمي وفدت علي وهي كافرة أفأصلها؟ وذلك في الهدنة التي بين النبي ﷺ وبين أهل مكة، قال: نعم صليها فأمرها أن تصل أمها وتبر أمها مع كفرها، والله يقول جل وعلا في حق الكافرين وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15] يعني والديه الكافرين يحسن إليهما ولا يطيعهما في الباطل، لكن يحسن إليهما لأن هذا من أسباب هدايتهما، ولما سأله رجل قال: يا رسول الله أخبرني بعمل أدخل به الجنة؟ قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم فبين أن صلة الرحم من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار.

وقال عليه الصلاة والسلام: الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة فإذا كانت الصدقة على قريب كان لك فيها أجران: أجر الصلة، وأجر الصدقة، وإذا كانت على أجنبي لك أجر الصدقة فقط، ويقول ﷺ: من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه فالأرحام هم الأقارب، أقربهم الأم والأب، ثم الأولاد، ثم الإخوة وأولادهم، ثم الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ثم أولادهم، وهكذا، قال رجل: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب بالمال، والكلام الطيب، والمكاتبة، والمكالمة الهاتفية، والمشورة الطيبة، والشفاعة في الخير، والنصيحة، والدعوة إلى الخير، والتحذير من الشر، كل هذا صلة.

22/333-وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قَالَ: كَانَتْ تَحتي امْرأَةٌ، وكُنْتُ أُحِبُّها، وَكَانَ عُمرُ يكْرهُهَا، فَقَالَ لي: طَلِّقْها فأبيْتُ، فَأَتَى عَمرُ النبيَّ ﷺ، فَذَكر ذلكَ لَهُ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ: طَلِّقْهَا رواه أَبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

23/334-وعن أبي الدَّرْداءِ أَن رَجُلًا أَتَاهُ فقال: إِنَّ لي امْرَأَةً وإِن أُمِّي تَأْمُرُني بِطَلاَقِها؟ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يقولُ الْوالِدُ أَوْسطُ أَبْوابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذلِك الْبابَ، أَوِ احفظْهُ رواه الترمذي وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيح.

24/335- وعن البراءِ بن عازبٍ رضي اللَّه عنهما، عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: الخَالَةُ بِمَنْزِلَة الأُمِّ رواه الترمذي: وَقالَ حديثٌ حسن صحيح.

وفي الباب أَحاديث كِثيرة في الصحيح مشهورة، مِنْهَا حديث أَصحابِ الغارِ، وحديث جُرَيْجٍ وقَدْ سَبَقَا، وأَحاديث مشهورة في الصحيح حَذَفْتُهَا اخْتِصارًا، وَمِنْ أَهَمِّهَا حديثُ عمْرو بن عَبسَةَ الطَّوِيلُ المُشْتَمِلُ عَلَى جُمَلٍ كَثيرةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الإِسْلامِ وآدابِهِ وَسَأَذْكُرُهُ بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى في بابِ الرَّجَاءِ، قَالَ فِيهِ: دَخَلْتُ عَلى النبيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، يَعْني في أَوَّل النُبُوَّةِ، فقلتُ له: ما أَنتَ؟ قال: نَبيٌّ فقلتُ: وما نبيٌّ؟ قَالَ: أَرسلَني اللَّهُ تَعَالَى، فقلتُ: بِأَيِّ شَيءٍ أَرْسلَك؟ قَالَ: أَرْسلَني بِصِلةِ الأَرْحامِ، وكَسْرِ الأوثَانِ، وأَنْ يُوحَّدَ اللَّه لاَ يُشرَكُ بِهِ شَيءٌ وذكر تَمامَ الحديث. واللَّه أعلم.

الشيخ: هذه الأحاديث كالتي قبلها في الحث على بر الوالدين وصلة الرحم، الله جل وعلا حث على صلة الرحم ورغب في ذلك فقال: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد:21]، وقال: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ[محمد:22-23] .

فالواجب على كل مؤمن أن يبر والديه، وأن يصل أرحامه، وبر الوالدين أهم الأمور من جهة الرحم، فإن الوالدين هم الأقرب، ونعمتهما والإحسان إليهما أمر معروف، ولهذا وصل الله بهما خيرا في آيات كثيرات وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36]، أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14] ومن هذا حديث عمر وابنه عبدالله، لما كان عند عبدالله بن عمر امرأة لم تعجب عمر فقال له: طلقها، فلم يبادر، فاشتكاه عمر إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: طلقها هذا فيه دلالة على أن الوالد إذا أمر بطلاق زوجة الابن أنه يطلقها، وهذا محمول على أن عمر رأى منها ما يوجب ذلك، فلهذا طلب منه طلاقها.

وهكذا حديث طلب الأم، وأن الوالدين أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأمسك ذاك الباب أو أضعه، فطاعة الوالد هي أعظم، فإن الأم برها أكبر وحقها أعظم، فإذا أمرت بطلاق المرأة طلقت، اللهم إلا أن تكون هناك أسباب تمنع كأن يكون الأب ضعيف الإيمان والمرأة جيدة طيبة،أو الأم كذلك ضعيفة الإيمان والزوجة طيبة، فلا يلزم الولد طاعتهما، إنما الطاعة في المعروف كما قال ﷺ: إنما الطاعة في المعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فإذا كانت الزوجة طيبة والأب والأم هما اللذان تعديا عليها وهما اللذان رمياها بما لا ينبغي فهذا غير داخل في الأمر، ولا يلزم الولد طاعتهما فيما يخالف المعروف.

وكذلك حديث عمرو بن عبسة وما جاء في معناه من أنه ﷺ لما سئل بما بعثت؟ قال: بعثت بكسر الأصنام، وصلة الأرحام، وأن يعبد الله وحده.

وهكذا أبو سفيان لما سأله هرقل، لما بلغه هرقل خبر النبي ﷺ ودعوته وذكر له أن رهطا من قريش في الشام فطلبهم، وكان معهم أبو سفيان، فسألهم: من أقربهم إليه؟ فقالوا: إنه أبو سفيان، فقال: إني سائله، فإن كذب فكذبوه، فسأله هرقل عن أسئلة منها أنه قال: بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده وألا نشرك به شيئا، ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، وصلة الرحم، والعفاف، فقال: إن كان كما قلت فإنه لنبي، ولو قدرت أن أصل إليه لغسلت عن قدميه، المقصود أن أبا سفيان أخبر مثل ما أخبر عمرو بن عبسة أن الرسول ﷺ كان يأمرهم بالصلاة والصدقة وصلة الرحم، ويأمرهم بتوحيد الله وطاعته وترك الإشراك به سبحانه وتعالى، فصلة الرحم من أهم القربات، وبر الوالدين أكبر وأعظم، فالواجب على المؤمن أن يحرص على بر والديه وصلة أرحامه، والحذر من العقوق والقطيعة.

41- باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم

قَالَ الله تَعَالَى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23]، وَقالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد:25]، وَقالَ تَعَالَى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23-24].

1/336-وعن أَبي بكرةَ نُفيْع بنِ الحارثِ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: أَلا أُنَبِّئُكمْ بِأكْبَرِ الْكَبائِرِ؟ ثلاثًا، قُلنا: بلَى يَا رسولَ اللَّه: قَالَ: الإِشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الْوالِديْن وكان مُتَّكِئًا فَجلَسَ، فَقَالَ: أَلا وقوْلُ الزُّورِ، وشهادُة الزُّورِ فَما زَال يكَرِّرُهَا حتَّى قُلنَا: ليْتهُ سكتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

2/337-وعن عبداللَّهِ بنِ عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما عن النَّبي ﷺ قَالَ: الْكبائرُ: الإِشْراكُ بِاللَّه، وعقُوق الْوالِديْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، والْيمِينُ الْغَموس رواه البخاري.

اليمِين الْغَمُوسُ التي يَحْلِفُهَا كَاذِبًا عامِدًا، سُمِّيت غَمُوسًا، لأَنَّهَا تَغْمِسُ الحالِفَ في الإِثم.

3/338-وعنه أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: مِنَ الْكبائِرِ شتْمُ الرَّجلِ والِدَيْهِ قالوا: يَا رسولَ اللَّه وهَلْ يشْتُمُ الرَّجُلُ والِديْهِ؟، قَالَ: نَعمْ، يَسُبُّ أَبا الرَّجُلِ، فيسُبُّ أَباه، ويسُبُّ أُمَّهُ، فَيسُبُّ أُمَّهُ متفقٌ عَلَيهِ.

وفي روايةٍ: إِنَّ مِنْ أَكْبرِ الكبائِرِ أَنْ يلْعنَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ، قِيلَ: يَا رَسُول اللَّهِ كيْفَ يلْعنُ الرجُلُ والِديْهِ؟، قَالَ: يسُبُّ أَبا الرَّجُل، فَيسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسبُّ أُمَّه، فيسُبُّ أُمَّهُ.

الشيخ: هذه الآيات الكريمات والأحاديث فيها التحذير من العقوق للوالدين وقطيعة الرحم، العقوق من أكبر الكبائر، وقطيعة الرحم من أكبر الكبائر، والعقوق الإساءة إلى الوالدين، الإساءة إليهم بالسب أو الضرب أو غير هذا مما يعد إساءة، أو عدم النفقة عليهم مع حاجتهم ونحو ذلك، يقول الله جل وعلا: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23] وعقوق الوالدين هو أقبح شيء في القطيعة، وأعظم قطيعة لأن الوالدين هما أقرب الناس إليك، فعقوقهما وقطيعتهما من أكبر الكبائر، قال جل وعلا: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد:25]، وقال جل وعلا: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]، وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] في آيات كثيرات تحث على الإحسان للوالدين والبر لهما، والفطر السليمة تأبى ذلك حتى الكفار، حتى الكافر يعرف أن عقوق الوالدين من أقبح القبائح

وفي الحديث الصحيح حديث أبي بكرة يقول النبي ﷺ: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت. فالعقوق من أقبح الكبائر، وهكذا شهادة الزور من أقبح الكبائر، فالواجب الحذر من ذلك، والواجب برهما والإحسان إليهما وإرضاؤهما وطيب الكلام معهما، قال النبي ﷺ: من الكبائر شتم الرجل والديه قيل: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ استنكر الناس هل يسب الرجل والديه؟ استنكر الصحابة ذلك، قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه يعني المتسبب بسبب والديه ساب لهما، الذي يسب آباء الناس وأمهات الناس يسبون أبويه، فهو المتسبب في سبهما، ويقول ﷺ: الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، واليمين الغموس اليمين الفاجرة، نسأل الله العافية.

فالواجب على كل مسلم أن يحذر العقوق والقطيعة، وأن يحاسب نفسه، وأن يجتهد في بر والديه والإحسان إليهما بالكلام والفعل، ومن ذلك الإنفاق عليهما عند الحاجة، وخفض الصوت عندهما، والمسارعة إلى تحقيق رغبتهما في غير معصية الله، وكذلك إكرام صديقهما وإنفاذ عهدها من بعدهما، كل هذا من برهما.

4/339-وعن أَبي محمد جُبيْرِ بنِ مُطعِمٍ أَن رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ قَالَ سفيان في روايته: يعْني: قاطِع رحِم. متفقٌ عَلَيهِ.

5/340-وعن أَبي عِيسى المُغِيرةِ بنِ شُعْبةَ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمهَاتِ، ومنْعًا وهاتِ، ووأْدَ البنَاتِ، وكَرَهَ لكُمْ قِيل وقالَ، وَكَثْرَةَ السَؤالِ، وإِضَاعة المالِ متفقٌ عليه.

قولُهُ: مَنْعًا معنَاهُ: منعُ مَا وجَبَ عَلَيْهِ، وَ هَاتِ: طَلَبُ مَا لَيسَ لَهُ، وَ وَأْدَ البنَاتِ معْنَاه: دَفْنُهُنَّ في الحَياةِ، وَ قِيلَ وقَالَ مَعْنَاهُ: الحدِيثُ بِكُلِّ مَا يَسمعُهُ، فيقُولُ: قيلَ كَذَا، وقَالَ فُلانٌ كَذَا مِمَّا لا يَعلَمُ صِحَّتَهُ، وَلا يَظُنُّهَا، وكَفى بالمرْءِ كذِبًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ. وَ إِضَاعَةُ المَال: تَبذِيرُهُ وصرفُهُ في غَيْرِ الوُجُوهِ المأْذُون فِيهَا مِنْ مَقَاصِدِ الآخِرِةِ والدُّنيا، وتَرْكُ حِفْظِهِ مَعَ إِمْكَانِ الحفْظِ. وَ كثرةُ السُّؤَالِ الإِلحاحُ فِيمَا لا حاجةَ إِلَيْهِ.

وفي الباب أَحادِيثُ سبقَتْ في البابِ قبله كَحَدِيثَ وأَقْطعُ مَنْ قَطَعكِ وحديث مَن قطَعني قَطَعهُ اللَّه.

الشيخ: هذان الحديثان وما جاء في معناهما كل ذلك يتعلق بصلة الرحم وبر الوالدين، بر الوالدين وصلة الرحم من أهم الواجبات، ومن أهم القربات، والعقوق والقطيعة من أكبر السيئات، ومن أكبر الكبائر، ولهذا في هذا الحديث الصحيح يقول ﷺ: لا يدخل الجنة قاطع رحم، ويقول جل وعلا في كتابه العظيم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ[محمد:22-23]، وقوله جل وعلا: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد:25].

فالواجب على المؤمن أن يتقي الله، وأن يصل رحمه بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، بالمال إذا كانوا فقراء وهو قادر، إلى غير هذا من وجوه الصلة ولو بالمكاتبة، ولو من طريق الهاتف، المقصود أنه يعتني بأقاربه ولا يجفوهم، والأم والأب أهم الأقارب وأقرب الأقارب، فبرهما أهم الأمور، ولهذا قال: وعقوق الأمهات والأم برهما أعظم وحقها أكبر، قال رجل: يا رسول من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب فالأم أولا، ثم الأب، ثم بقية الأقارب من أولاد وإخوة وغيرهم.

وفي حديث المغيرة بن شعبة يقول ﷺ: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات والعقوق القطيعة والإساءة، ووأد البنات قتل البنات، كان بعض أهل الجاهلية يقتلون بناتهم، ويقولون: نخشى العار إذا كان كبرت نخشى العار أن تقع في الفاحشة، هذا من جهلهم، قال الله تعالى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] فلا يجوز قتل البنت خوفا من أن تقع في العار، بل الواجب تربيتها وإحسان تربيتها وصيانتها وتحذيرها مما يضرها.

وكذلك حرم على الناس منعا وهات، كونه يبخل بالواجب ويسأل ما ليس له هذا ما يجوز الإنسان يبخل بالواجب بل عليه يؤدي الواجبات من الزكاة وغيرها، ويحذر أن يسأل ما ليس له، وأن يشحذ وهو في غنى.

وكره قيل وقال، فلا ينبغي للمؤمن أن يكون هدفه وديدنه قيل وقال، قيل كذا، قال كذا، فإن هذا يقع في الكذب، وربما أفشا ما يضر الناس، فيجب ألا يتحدث إلا بالشيء الطيب، يقول الله سبحانه: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114]، ويقول النبي ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت هذا الواجب على الإنسان إما أن يقول خيرا، وإما أن يصمت، وهكذا يحرم على العبد إضاعة المال، لا يجوز أن يضيع ماله في الباطل، في الملاهي، في المعاصي، بل يصون المال ويحفظه وينفقه في وجوه البر والخير والمصالح والمباح.

كذلك كثرة السؤال للعالم، أو إلى الناس بغير حاجة، بعض الناس قد ... ليظهر أنه طالب علم، وأنه جيد، للرياء، أو بعض الناس لإحراج غيره وإيذاء غيره، وهكذا سؤال المال، سؤال الأغنياء، سؤال الناس وعنده ما يسد حاجته، لا يسأل إلا عند الحاجة، يقول النبي ﷺ: إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك حمالة يصلح بين الناس، أو دين غارم ما عنده شيء لحاجة وفاء الدين.

ورجل أصابته فاقة فقر وحاجة حتى يقوم فيسأل الناس فيحصل له ما يسد حاجته، حتى يصيب قواما من عيش، رجل أصابته فاقة يعني حاجة وشدة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش يعني سدادا من عيش حتى يصيب ما يسده من سبب، أو وظيفة، أو مرتب يعنيه يسد حاجته.

والثالث: رجل أصابته فاقة، فقام ثلاثة من ذوي الحاجة من قومه من المعروفين بالخير من قومه يشهدون له أنه أصابته فاقة إذا كان غنيا ثم أصابته نكبة فلا بد أن يشهد الثلاثة أنه أصابته نكبة وأنه افتقر حتى يساعد من الزكاة وغيرها، وما سواهن سحت، هكذا جاء في حديث قبيصة.

فالواجب على المؤمن أن يتحرى في أعماله وأقواله، وأن يحذر قطيعة الرحم والعقوق، وسؤال الناس ما في أيديهم، وظلم أولاده وبناته، إلى غير هذا مما حرم الله عليه.

ولما خلق الله الرحم قامت وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال جل وعلا: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلكِ لكِ، وفي اللفظ الآخر: من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته فالرحم لها حق الصلة فصلتها من أسباب وصل الله لك وإعانته لك، وقطعها من أسباب قطيعة الله لك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

42-باب فضل بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه

1/241- عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما أَن النَّبيّ ﷺ قَالَ: إِن أَبرَّ البرِّ أَنْ يصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ.

2/342- وعن عبداللَّهِ بن دينارٍ عن عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما أَنَّ رجُلًا مِنَ الأَعْرابِ لقِيهُ بِطرِيق مكَّة، فَسلَّم عَليْهِ عبداللَّه بْنُ عُمرَ، وحملهُ عَلَى حمارٍ كَانَ يرْكَبُهُ، وأَعْطَاهُ عِمامةً كانتْ عَلَى رأْسِهِ، قَالَ ابنُ دِينَارٍ: فقُلنا لهُ: أَصْلَحكَ اللَّه إِنَّهمْ الأَعْرابُ وهُمْ يرْضَوْنَ بِاليسِيرِ. فَقَالَ عبداللَّه بنُ عمر: إِنَّ أَبَا هَذَا كَان وُدًّا لِعُمَرَ بنِ الخطاب ، وإِنِّي سمِعْتُ رَسُول اللَّه ﷺ يقول: إِنَّ أَبرَّ البِرِّ صِلةُ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ.

وفي روايةٍ عن ابن دينار عن ابن عُمَر أَنَّهُ كَانَ إِذا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمارٌ يَتَروَّحُ عليْهِ إِذَا ملَّ رُكُوب الرَّاحِلَةِ، وعِمامةٌ يشُدُّ بِها رأْسهُ، فَبيْنَا هُو يوْما عَلَى ذلِكَ الحِمَارِ إذْ مَرَّ بِهِ أَعْرابيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ فُلانَ بْنَ فُلانٍ؟ قَالَ: بلَى: فَأَعْطَاهُ الحِمَارَ، فَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا، وأَعْطاهُ العِمامةَ وَقالَ: اشْدُدْ بِهَا رأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحابِهِ: غَفَر اللَّه لَكَ، أَعْطَيْتَ هذَا الأَعْرابيِّ حِمارًا كنْتَ تَروَّحُ عليْهِ، وعِمامَةً كُنْتَ تشُدُّ بِهَا رأْسَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُقولُ: إِنْ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْد أَنْ يُولِّي وإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمر ، روى هذِهِ الرِّواياتِ كُلَّهَا مسلم.

3/343-وعن أَبي أُسَيْد بضم الهمزة وفتح السين مالكِ بنِ ربِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إذ جاءَهُ رجُلٌ مِنْ بني سَلَمة فقالَ: يا رسولَ اللَّه هَلْ بَقِيَ مِن بِرِّ أَبويَّ شيء أَبرُّهُمَا بِهِ بَعدَ مَوْتِهِمَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، الصَّلاَةُ علَيْهِمَا، والاسْتِغْفَارُ لَهُما، وإِنْفاذُ عَهْدِهِما مِنْ بَعْدِهِما، وصِلةُ الرَّحِمِ الَّتي لا تُوصَلُ إِلاَّ بِهِمَا، وإِكَرَامُ صَدِيقهما رواه أَبُو داود.

الشيخ: في هذه الأحاديث الدلالة على شرعية إكرام أصدقاء الآباء والأمهات والأقارب، وأن من البر أن يكرم الرجل أهل ود أبيه وود أمه، وأصدقاء أقاربه الطيبين، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه، ولما سأله رجل قال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به؟ قال: نعم، الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدها من بعدهما يعني وصيتهم الوصية الشرعية، وإكرام صديقهما فجعل من ودهم ومن برهم إكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما كإكرام الأعمام والخالات، والأخوال والعمات، كل هذا من بر الوالدين، ومن حق الوالدين بعد وفاتهما، كما أنه من حقهما في حياتهما أيضًا، فينبغي للمؤمن أن يجاهد نفسه في هذا، وأن يحرص على بر والديه، وصلة أرحامه، وإكرام أصدقائهم، والإحسان إليهم إذا كانوا أهلا لذلك. أما إذا كانوا أهل كفر وضلال، أو أهل بدع ومنكرات ظاهرة فهذا محل نظر ومحل اجتهاد، فإن رأى صلتهما ترغيبا في الخير ودعوة إلى الله فعل ذلك، وإن رأى غير ذلك لمصلحة شرعية فلا بأس.

وفيه أيضًا عناية ابن عمر بأصدقاء أبيه عمر، وإكرامه لهذا الرجل الذي كان أبوه صديقا لعمر، كان يركب المطية في أسفاره، ويكون معه أيضا حمارا يتروح عليه إذا مل الدابة، فصادفه في بعض أسفاره أعرابي كان أبوه صديقا لعمر، وظاهر الحال أنه كان حافيا فأعطاه ابن عمر الحمار الذي كان يتروح عليه، وأعطاه عمامة على رأسه، وقال: شد بها رأسك، فلما سئل عن هذا، فقيل: يا أبا عبدالرحمن إن الأعراب يكفيهم القليل، فقال: إن أبا هذا كان ودا لعمر، ولهذا أكرمه من أجل أن أباه كان صديقا لعمر رضي الله عنه، ففي هذا شاهد لقوله: وإكرام صديقهما.

وإذا كان هذا في أصدقائهم دل ذلك على تأكد بر الوالدين وصلة الرحم والإحسان إليهم بالكلام الطيب والفعل الطيب لقول الله جل وعلا: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:21]، وقوله عليه الصلاة والسلام في الرحم: يقول الله جل وعلا في الرحم: من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته، ويقول ﷺ: من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أجله، فليصل رحمه، ويقول ﷺ: لا يدخل الجنة قاطع رحم. نسأل الله للجميع التوفيق.

4/344-وعن عائشة رضي اللَّه عنها قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خديجةَ رضي اللَّه عنها، ومَا رَأَيْتُهَا قَطُّ، ولَكنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّما ذَبح الشَّاةَ، ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاء، ثُمَّ يَبْعثُهَا في صدائِق خدِيجةَ، فَرُبَّما قلتُ لَهُ: كَأَنْ لَمْ يكُنْ في الدُّنْيَا إِلاَّ خديجةُ، فيقولُ: إِنَّها كَانتْ وكَانَتْ، وكَانَ لي مِنْهَا ولَدٌ متفقٌ عَلَيهِ.

وفي روايةٍ: وإنْ كَانَ لَيذبحُ الشَّاءَ، فَيُهْدِي في خَلائِلِهَا مِنْهَا مَا يسَعُهُنَّ.

وفي روايةٍ: كَانَ إِذَا ذَبحَ الشَّاةَ يَقُولُ: أَرْسِلُوا بِهَا إِلى أَصْدِقَاءِ خَدِيجةَ.

وفي روايةٍ قَالَت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخُتُ خَديجَةَ عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ، فَعَرفَ اسْتِئْذَانَ خَديجَةَ، فَارْتَاحَ لَذَلِكَ فقالَ: اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خوَيْلِدٍ.

قوْلُهَا: فَارتَاحَ هُوَ بِالحاءِ، وفي الجمْعِ بَيْنَ الصحيحين لَلْحُمَيْدِي: فَارْتَاعَ بِالعينِ ومعناه: اهْتَمَّ بِهِ.

5/345-وعن أَنس بن مالكٍ قَالَ: خَرجْتُ معَ جرير بن عبداللَّه الْبَجَليِّ في سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُني فقلتُ لَهُ: لاَ تَفْعلْ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيتُ الأَنصارَ تَصْنَعُ برسُول اللَّه ﷺ شَيْئًا آلَيْتُ عَلى نَفْسي أَنْ لا أَصْحبَ أَحدًا مِنْهُمْ إِلاَّ خَدمْتُهُ. متفقٌ عَلَيهِ.

الشيخ: في هذين الحديثين كالأحاديث السابقة الدلالة على شرعية إكرام أصدقاء الوالدين، وأصدقاء أهل الخير، وأصحاب أهل الخير عملا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه يعني محاب أبيه وأصدقائه، ولما سئل قيل: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بهما؟ قال رسول الله ﷺ: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما كل هذا من حق الوالدين، إنفاذ وصاياهم الشرعية، والدعاء لهم، وإكرام أقاربهم وأصدقائهم.

وفي هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة؛ لأن الرسول ﷺ كان يكثر من ذكرها ويدعو لها ويشهد لها بالخير رضي الله عنها، وهي أول أزواجه، وهي أم أولاده، وهي التي أتاه الوحي وهي في حباله، لما نزل من حراء ذهب إليها وقال: دثروني دثروني، زملوني زملوني، كانت نعم المرأة رضي الله عنها وأرضاها، فكانت عائشة تقول له: كأنه ليس في الدنيا إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت، إنها كانت أم أولادي، وكانت تفعل كذا، وتفعل كذا، وتفعل كذا يثني عليها، وهذا من الاعتراف بالمعروف، ومن أخلاقه الكريمة عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]، فكان يعرف لها فضلها ويعرف لها حسن تبعلها وجميل إكرامها للنبي عليه الصلاة والسلام، وعنايته به عليه الصلاة والسلام، فكان يذبح الشاة فيوزعها بين أصدقاء خديجة، يذبح الشاة ويقول: أرسلوها إلى فلانة وفلانة وفلانة أصدقاء خديجة، لأنه توفيت رضي الله عنها في مكة قبل الهجرة، ولما استأذنت أختها هالة بنت خويلد أذن لها وارتاح لصوتها وقال: هذه هالة بنت خويلد أخت خديجة هذا يدل على كرم أخلاقه ﷺ وإحسانه إلى أزواجه حتى من مات منهن عليه الصلاة والسلام، فينبغي للمؤمن التأسي بالنبي ﷺ في إكرام الزوجات الطيبات، وإكرام أصدقائهن وأقاربهن، وألا ينسى الفضل الذي جرى بينه وبينهن، والله المستعان.

43- باب إكرام أهل بيت رَسُول الله ﷺ وبيان فضلهم

قَالَ الله تَعَالَى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، وَقالَ تَعَالَى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

346- وعن يزيد بن حيَّانَ قَالَ: انْطلَقْتُ أَنا وحُصيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وعمْرُو بن مُسْلِمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرقمَ ، فلَمَّا جَلسْنا إِلَيهِ قَالَ لَهُ حُصيْنٌ: لَقَد لَقِيتَ يَا زيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رسولَ اللَّه ﷺ، وسمِعْتَ حَدِيثَهُ، وغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيتَ خَلْفَهُ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سمِعْتَ مِنْ رسولِ اللَّه ﷺ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي واللَّهِ لَقَدْ كَبِرتْ سِنِّي، وقَدُم عهْدي، ونسِيتُ بعْضَ الَّذِي كنتُ أَعِي مِنْ رسولِ اللَّه ﷺ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ، فَاقبَلُوا، وَمَالا فَلا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قام رَسُول اللَّه ﷺ يَوْمًا فِينَا خطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعي خُمّا بَيْنَ مكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّه، وَأَثْنى عَليْه، ووعَظَ، وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بعْدُ: أَلا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رسولُ ربِّي فَأُجيبَ، وأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلهُما كِتابُ اللَّهِ، فِيهِ الهُدى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتابِ اللَّه، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّه، ورغَّبَ فِيهِ. ثمَّ قَالَ وأَهْلُ بَيْتِي، أُذكِّركم اللَّه في أهلِ بيْتي، أذكِّرُكم اللَّه في أهل بيتي فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: ومَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يَا زيْدُ؟ أَلَيْسَ نساؤُه مِنْ أهلِ بيتهِ؟ قَالَ: نساؤُه منْ أهلِ بيتِهِ، وَلَكِن أَهْلُ بيْتِهِ منْ حُرِم الصَّدقَة بعْدَهُ، قَال: ومَنْ هُم؟ قَالَ: هُمْ آلُ عليٍّ، وآلُ عَقِيلٍ، وآلُ جَعْفَر، وَآلُ عبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هُؤلاءِ حُرِمَ الصَّدقَةَ؟ قَالَ: نعَمْ. رواه مسلم.

وفي روايةٍ: أَلا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقْلَيْن: أَحدُهَما كِتَابُ اللَّه وَهُو حبْلُ اللَّه، منِ اتَّبَعه كَانَ عَلَى الهُدى، ومَنْ تَرَكَهُ كانَ عَلَى ضَلالَةٍ.

2/347- وعَن ابنِ عُمرَ رضي اللَّه عنهما، عن أَبي بَكْر الصِّدِّيق مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: ارْقُبُوا مُحَمَّدًا ﷺ في أَهْلِ بيْتِهِ، رواه البخاري.

ومعنى: ارقبوه راعوه واحترموه وأكرموه. والله أعلم.

الشيخ: هذه الآيات والأحاديث فيما يتعلق بأهل بيت النبي ﷺ، وأهل بيته هم أزواجه رضي الله عنهن، وأقاربه من بني هاشم وهم: آل العباس، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر بن أبي طالب، كلهم من أهل بيته، المقصود بنو هاشم حرموا الصدقة، قال فيها النبي: إنها لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد، والله يقول جل وعلا: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، وقال جل وعلا: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، وشعائره وحرماته ما حرم وشرع وعظم سبحانه وتعالى من عبادات، ومن أنساب، ومن غير ذلك، فأهل بيت النبي ﷺ من الحرمات التي حرمها، وجعل الصدقة عليهم حراما، وأوجب إكرامهم والإحسان إليهم لقربهم من رسول الله ﷺ، وكونهم عشيرته وأهل بيته.

ولما خطب النبي ﷺ الناس يوم غدير خم، وهو ماء بين مكة والمدينة منصرفه من حجة الوداع في آخر حياته عليه الصلاة والسلام خطب الناس وذكرهم وأمرهم بتقوى الله، ورغبهم في الخير، ثم أوصاهم بالقرآن أوصاهم بكتاب الله قال: إني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، وفي اللفظ الآخر: وحبل الله من تمسك به نجا، ومن أعرض عنه هلك فكتاب الله فيه الهدى والنور، فالواجب التمسك به والاستقامة عليه والحذر من مخالفته، قال: وأذكركم الله في أهل بيتي هم الثقل الثاني أذكركم الله في أهل بيتي، سئل زيد عن أهل بيته أليس أزواجه منهم؟ قال: بلى أزواجه من أهل بيته، وأهل بيته من جهة النسب هم بنو عمه الأدنون، وهم بنو العباس بن عبدالمطلب، وبنو عقيل بن أبي طالب، وبنو جعفر بن أبي طالب، وبنو علي بن أبي طالب، ومن كان في نسبهم، فالواجب الإحسان إليهم من بيت المال، ومن المسلمين، وكف الأذى عنهم، وتعليم جاهلهم وإرشادهم وتوجيههم إلى الخير لإسلامهم ولقربهم من رسول الله ﷺ؛ لأن لهم جهتين: جهة القرابة، وجهة الإسلام، وفي حديث العباس: والله لا يؤمنوا حتى يحبوكم لله ولقرابتي فهم يحبون لإسلامهم وإيمانهم، ويحبون لقرابتهم من رسول الله ﷺ، فالواجب أن يعرف لهم فضلهم، وأن يحسن إليهم، وأن يكف الأذى عنهم زيادة على غيرهم من المسلمين.

ثم قال: أذكركم الله بعدما أوصى بالقرآن قال: أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي يعني أحسنوا إليهم، وكفوا الأذى عنهم، لكن لا يغلى فيهم كما تفعله الرافضة، الرافضة غلت فيهم وعبدتهم من دون الله، وهذا باطل، ولكن يحبون في الله، إذا كانوا مسلمين طيبين يحبون في الله، ويحسن إليهم، ويكف الأذى عنهم، ويواسى فقيرهم وأشباه ذلك من أنواع الإحسان.

ويقول الصديق أبو بكر: "ارقبوا محمدا في أهل بيته" يعني أحسنوا إليهم وتذكروا قرابتهم من رسول الله ﷺ، وكفوا الأذى عنهم لإسلامهم وإيمانهم، وقربهم من رسول الله ﷺ. وفق الله الجميع.