21 من قوله: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً..)

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:92، 93].
يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه.

الشيخ: ومعنى هذا أن الله جل وعلا حرم على الناس دماءهم، فليس لأحد أن يقتل أحدًا إلا بحق، ثم إذا وجب الحق فالذي يتولى ذلك هو ولي الأمر، إن كان قصاصًا قصاصًا، إن كان حدًّا حدًّا، فولي الأمر أو نائبه من القضاة والأمراء إن كان ما يثبت بالحكم الشرعي هم الذين يتولون ذلك، وليس لأفراد الرعية أن يتعدى على أحد، فذلك إلى ولاة الأمور؛ لأن ذلك هو الواجب عليهم تنفيذ ما أوجب الله ﷺ من قصاص أو حدود، ولهذا قال: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث..، فلا يحل دم مسلم قد التزم الإسلام واستقام على الإسلام ليس له شيء من هذه الثلاث، بل عليه أن يتقي الله، وأن يحذر ما حرم الله عليه، وأن يتباعد عن كل ما يغضب الله جل وعلا، وليس له إراقة دم أخيه، سواء كان إمامًا، أو قاضيًا، أو غير ذلك إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، وهو المحصن الذي قد تزوج، ووطئ الزوجة، ويقال له: المحصِن بالكسر، ويقال له: المحصَن بالفتح، وهو الذي تزوج زواجًا شرعيًا حصل معه الوطء، فهذا هو الثيب. والنفس بالنفس قتله فيقتل قتله مكافأه فيقتل به إذا توافرت الشروط الشرعية في ذلك.
ثالثًا: التارك لدينه يعني المرتد عن الإسلام، يقول النبي ﷺ: من بدل دينه فاقتلوه.
التارك لدينه المفارق للجماعة، يعني مفارق لجماعة المسلمين، وإن كان بينهم، وإن كان بين أظهرهم أتى بناقض من نواقض الإسلام فقد فارق الجماعة، وإن كان بينهم موجودًا.
وهذه الثلاث تجمع أسباب القتل، فإن التارك لدينه يشمل جميع أنواع المرتدين كلهم، أنواع المرتدين داخلون في التارك لدينه المفارق للجماعة، ويلحق بذلك قطاع الطريق، فإنهم قد تركوا دينهم الذي يلزمهم، وهو الكف عن أذى الناس، وعن ظلم الناس، فإذا تعرضوا لهم في الطرقات أو في البلاد بالقوة والسلاح فهم قطاع طريق، فلولي الأمر إذا أمسكهم أن يقتل أو يصلب أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفيهم من الأرض؛ حفظًا لأمن المسلمين، واحتياطًا لهم، وحرصًا على استتباب الأمن، ولهذا قال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92] يعني ما كان يليق بالمؤمن، ولا يجوز له أبدًا أن يتعدى على أخيه، اللهم إلا في الخطأ، فالخطأ يقع من الإنسان، قد يرمي صيدًا فيصيب إنسان، يسقط منه السلاح، وهو يعمل فيه شيئًا فيصيب أحداً، رمى الشبح رمية الغرض فيصيب أحدًا إلى غير هذا من أسباب الخطأ، ولهذا عقب هذا بقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، ولهذا ما يليق بالمؤمن أن يتعاطى أسبابًا يحصل بها القتل لعظم الجريمة، وعظم الخطأ، وعظم الوعيد في ذلك!. فلا يقدم على ذلك ويتعمد ذلك إلا من ضعف إيمانه، وقل خوفه من الله ، وغلب عليه داعي الهوى والشيطان، فلهذا شرع الله أن يعاقب في القصاص، فإن سمحوا فالدية، فإن سمحوا عن القصاص والدية فإليهم، لكنه متوعد بهذا الوعيد العظيم، ومن تاب تاب الله عليه .

وقوله تعالى: إِلَّا خَطَأً قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر:
من البيض لم تظعن بعيدا، ولم تطأ على الأرض إلا ريط برد مرحل

ولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه، وهي أسماء بنت مخرمة، وذلك أنه قتل رجلًا يعذبه مع أخيه على الإسلام، وهو الحارث بن يزيد الغامدي، فأضمر له عياش السوء، فأسلم ذلك الرجل، وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه فحمل عليه فقتله، فأنزل الله هذه الآية، قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أبي الدرداء لأنه قتل رجلا، وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف، فأهوى به إليه فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي ﷺ، قال: إنما قالها متعوذا فقال له: هل شققت عن قلبه؟، وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء.
وقوله: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ هذان، واجبان في قتل الخطأ، أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم، وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة، وحكى ابن جرير عن ابن عباس، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصدًا للإيمان، وروي من طريق عبدالرزاق عن معمر، عن قتادة قال: في مصحف أبي "فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزئ فيها صبي"، واختار ابن جرير أنه إن كان مولودا بين أبوين مسلمين أجزأ، وإلا فلا، والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرا أو كبيرا.
قال الإمام أحمد: أنبأنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبدالله بن عبدالله، عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله: إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. قال: أعتقها. وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره.
وفي موطأ مالك، ومسند الشافعي، وأحمد، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي من طريق هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله ﷺ: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا قالت: رسول الله ﷺ، قال: أعتقها، فإنها مؤمنة.
وقوله: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ هي الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم، وهذه الدية إنما تجب أخماسًا، كما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن من حديث الحجاج بن أرطأة، عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك، عن ابن مسعود، قال: قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة، لفظ النسائي قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبدالله موقوفًا، كما روي عن علي وطائفة، وقيل: تجب أرباعًا، وهذه الدية إنما تجب على العاقلة لا في ماله.
قال الشافعي رحمه الله: لم أعلم مخالفا أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة، وهو أكثر من حديث الخاصة، وهذا الذي أشار إليه رحمه الله قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها. وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثًا لشبهة العمد.

الشيخ: كذا عندكم؟
الطالب: لا، أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض.
الشيخ: نعم هذا الصواب مثل ما عندكم؛ لأن القتل الذي يوجب الدية على العاقلة نوعان: أحدهما: عمد الخطأ، والذي يسمى شبه العمد، مثل هذه التي رمتها بالحجر فقتلتها، صار الرمي بالحجر من أسباب قتلها، فهو عمد فيه خطأ، ما أرادت قتلها، ولكن صار سببًا لقتلها بهذا الرمي.
والثاني خطأ محض، ما في عمد، كالذي يرمي الصيد أو يرمي الغرض الهدف فأصاب إنسانًا فهذا خطأ محض.
وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثًا لشبهة العمد.
وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فرفع يديه، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وبعث عليًا فودى قتلاهم، وما أتلف من أموالهم حتى ميلغة الكلب، وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال.
وقوله: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب، وقوله: فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي: إذا كان القتيل مؤمنا ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير، وقوله: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ الآية، أي: فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرًا أيضا عند طائفة من العلماء، وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها كما هو مفصل في كتاب الأحكام.
الشيخ: والأظهر النصف كما جاء في الأخبار نصف الدية إذا كان من قوم كفار له ذمة.
ويجب أيضًا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أي: لا إفطار بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس استأنف، واختلفوا في السفر هل يقطع أم لا، على قولين.
وقوله: تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا أي: هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين، واختلفوا فيمن لا يستطع الصيام، هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا كما في كفارة الظهار، على قولين:
أحدهما: نعم كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر هاهنا؛ لأن هذا مقام تهديد، وتخويف، وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل، والترخيص.
والقول الثاني: لا يعدل إلى الطعام؛ لأنه لو كان واجبًا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا قد تقدم تفسيره غير مرة.
الشيخ: وهذا هو الصواب فليس فيه إلا العتق، فإن لم يستطع فالصيام، أما الإطعام فإنما هو في حكم الظهار، والوطء في رمضان، أما القتل فليس فيه إلا هذا أو هذا؛ لأنه أعظم، وجريمته أكبر، فصارت عقوبته أشد، إذا استطاع العتق وجب العتق، فإن عجز صام شهرين متتابعين، وإن عجز بقي في ذمته هذان الأمران حتى يستطيع أحدهما، إن استطاع أعتق، وإن لم يستطع صام.
س: حكم الظهار يجوز فيه الإطعام؟
الشيخ: نعم بنص القرآن.
س: بالنسبة لدية الكفار ما يفرق بين أهل الكتاب، والمجوس؟
الشيخ: نعم، إن كان بيننا، وبينهم ميثاق، ولو مجوس، أو غيرهم.
س: المشركون الذين يقدمون للعمل؟
الشيخ: مستأمنون.
س: ولو كانوا مشركين؟
الشيخ: ولو كانوا مشركين، إن قتله خطأ ففيه الدية، أو الكفارة، وإن قتله عمدًا ففيه دية مغلظة.
س: إذا مات، والصيام عليه؟
الشيخ: يشرع لمن خلفه أن يصوموا عنه من الأقارب، والورثة، من مات وعليه صيام صام عنه وليه إن تيسر.
س: قول من قال أن دية الكافر نصف دية المسلم أيش دليله؟
الشيخ: جاء في عدة أحاديث عن النبي ﷺ منها حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي قضى فيه بنصف الدية.
.........
س: المرأة الكافرة نفس الكافر؟
الشيخ: مثله سواء، نصف ونصف.
س: الدليل على تنصيف المرأة في الدية؟
الشيخ: ثبت في الحديث المرأة نصف الرجل.