تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا..}

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غيلان قال: حدَّثنا رشدين، عن زبان، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِبَادًا لَا يُكَلِّمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، قِيلَ: وَمَنْ أُولَئِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مُتَبَرِّئٌ مِنْ وَالِدَيْهِ، رَاغِبٌ عَنْهُمَا، وَمُتَبَرِّئٌ مِنْ وَلَدِهِ، وَرَجُلٌ أَنْعَمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَكَفَرَ نِعْمَتَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ.

الشيخ: المعنى صحيحٌ، وهو وعيدٌ شديدٌ تدل عليه الأحاديث الصَّحيحة، لكن السَّند ضعيفٌ؛ لأن رشدين وزبان كلاهما ضعيف.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ: أَنْبَأَنَا الْعَوَّامُ -يَعْنِي ابْنَ حَوْشَبٍ- عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ -يَعْنِي السَّكْسَكِيَّ- عَنْ عَبْدِاللَّهِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً لَهُ فِي السُّوقِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بها ما لم يُعطَ؛ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا الآية [آل عمران:77]. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ الْعَوَّامِ.

الشيخ: وفي اللَّفظ الآخر: ثلاثة لا يُكلِّمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: رجلٌ على فضل ماءٍ بالفلاة يمنعه من ابن السَّبيل، ورجلٌ بايع سلعةً رجلًا بعد العصر، فحلف له بالله لقد أُعطي بها كذا وكذا، وليس كذلك، ورجلٌ بايع إمامًا لا يُبايعه إلا للدّنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يُعط منها لم يفِ، المقصود كونه يُبايع على سلعةٍ بالكذب، داخلٌ في هذا الوعيد الشَّديد، نعوذ بالله، وإذا كان بعد العصر صار أشدّ؛ يختم نهارَه بالكذب، نسأل الله العافية.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ فَضْلَ مَاءٍ عِنْدَهُ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ –يَعْنِي: كَاذِبًا- وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَفَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يفِ له.

ورواه أبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

الشيخ: الحديث مُخرَّجٌ في "الصحيحين"، عندك في "الشعب" ما علَّق عليه؟

الطالب: .......

الشيخ: نعم.

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:78].

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ: أَنَّ مِنْهُمْ فَرِيقًا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَيُبَدِّلُونَ كَلَامَ اللَّهِ وَيُزِيلُونَهُ عَنِ الْمُرَادِ بِهِ؛ لِيُوهِمُوا الْجَهَلَةَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَيَنْسبُونَهُ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا وَافْتَرَوْا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ يُحَرِّفُونَهُ.

وَهَكَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمْ يُحَرِّفُونَ وَيَزِيدُونَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ، لَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ ويتأوَّلونه عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ.

وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ التَّوراة والإنجيل كما أنزلهما اللهُ تعالى لم يُغيّر منها حَرْفٌ، وَلَكِنَّهُمْ يُضِلُّونَ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ وَكُتُبٍ كَانُوا يَكْتُبُونَهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ: وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فأما كتب الله فإنها محفوظة لا تُحَوَّلُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

مُداخلة: فيه تعليق على قول المؤلف: وهكذا روى البخاري عن ابن عباسٍ: أنهم يُحرِّفون ويزيدون. هو قول وهب بن منبه ..... قال في الحديث المروي عن البخاري: لم أجده في البخاري، ولكن انظر "تحفة الأحوذي" كتاب "التفسير". وأما قول ابن منبه فعلّق عليه ..... قال: في هذه المقالة نظر؛ فإنَّ الذي يقرأ التّوراة والإنجيل الآن لا يشكّ أنَّ بعض ما فيها لا يمكن أن يكون من عند الله، بقطع النَّظر عمَّا يُقرره المؤرخون المنصفون من أنَّ بين التوراة التي أُنزلت على موسى والتّوراة التي تداول الآن فجوة زمنية شاسعة، والأمر كذلك بالنّسبة للإنجيل.

الشيخ: هو ظاهر السنة والقرآن: أنهم يُحرِّفون ويُغيِّرون ويزيدون وينقصون، نسأل الله العافية، استحفظوا على كتاب الله، لكن خانوا، نسأل الله العافية.

س: قوله: يضلون .....؟

ج: هذا وهذا، لكن الأقرب بالضم، بالتحريف: يضلّون الناس.

س: قوله: وأنَّ أحدًا من خلق الله لا يُحرّف كلام الله؟

ج: لا، هذا غلطٌ.

فَإِنْ عَنَى وَهْبٌ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَهَا التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ وَالزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ، وَأَمَّا تَعْرِيبُ ذَلِكَ الْمُشَاهَدِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَفِيهِ خَطَأٌ كَبِيرٌ، وَزِيَادَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَنُقْصَانٌ وَوَهْمٌ فَاحِشٌ، وَهُوَ من باب تفسير المعرب المعبر، وَفَهْمُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ، بَلْ جَمِيعُهُمْ فَاسِدٌ، وَأَمَّا إِنْ عَنَى كُتُبَ اللَّهِ الَّتِي هي كتبه من عِنْدِهِ.

الشيخ: هذا ليس بجيدٍ، بل الأكثر مثلما أخبر النبيُّ ﷺ: افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة، لا بدَّ من طائفةٍ على الحقِّ، عندك في نسخة "الشعب": بل جميعهم؟

الطالب: نعم.

الشيخ: هذا غلطٌ: (جميعهم) لا، فيهم طائفةٌ سليمة، اليهود والنَّصارى فيهم أهل الحقِّ، استقاموا على الهدى وعلى التوراة، نعم، وأكثرهم مثلما فعلت الأمّة هذه؛ أكثرهم ضلَّ، نسأل الله العافية. حطّ على (بل جميعهم) إشارة.

فَتِلْكَ كَمَا قَالَ: مَحْفُوظَةٌ لَمْ يَدْخُلْهَا شيءٌ.

س: تعليق المؤلف هنا على الأثر ما يُغني عن التَّعليق في نسخة "الشعب" على الأثر؟

ج: لا، ما يُغني؛ لأنَّ قوله: (في نفسها) هو حفظها، لكن هم الذين غيَّروا، هذا الكلام ما يُغني عن ..... هم الذين غيَّروا، الله ما غيَّرها، لو غيَّرها سبحانه يكون نسخًا، صار من كلام الله، لكن في نفسها محفوظة، لكن غيَّرها مَن ضلَّ عن السَّبيل، وبقيت على الحقِّ بالنسبة إلى أهل الحقِّ والطائفة المنصورة والطائفة السَّليمة، وإنما غيَّرها أكثرُهم -يعني بعض المنحرفين منهم- بالزيادة والنَّقص في كتبهم.

س: ............؟

ج: هذا هو، نعم، لكن لا يلزم منها –يعني- عند أهل الحقِّ ..... سليمة، يجدها مَن يجدها ممن وفَّقه الله، كما في .....

س: قول الحافظ: (بل جميعهم) حافظهما، يعني: الكتب التي بين أيديهم الآن التي عُرِّبت؟

ج: ما قال: جميعها، قال: جميعهم، هذا يعود على الرجال، نعم.

س: يقول: بل جميعهم فاسد قبل الرسالة أم بعدها؟

ج: قبلها وبعدها، فيهم مَن أسلم وهداه الله: كعبدالله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهم.

س: وبعدما أتمَّ اللهُ الدِّينَ يعتبر أنَّ جميعهم فاسدٌ؟

ج: الذين لم يُسلموا، أمَّا مَن أسلم ما هو بفاسدٍ، مَن تابع محمدًا ﷺ وقبل الحقَّ، نعم.

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ۝ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:79- 80].

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ الْقُرَظِيُّ حِينَ اجْتَمَعَتِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ نَعْبُدَكَ كَمَا تَعْبُدُ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ نَصْرَانِيٌّ يُقَالُ لَهُ الرَّئِيسُ: أَوَذَاكَ تُرِيدُ منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أَوْ كَمَا قَالَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَعْبُدَ غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي، وَلَا بِذَلِكَ أَمَرَنِي، أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ في ذلك من قوله: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ إلى قوله: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:79- 80].

فقوله: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيْ: مَا يَنْبَغِي لبشرٍ آتاه اللهُ الكتابَ والحكمةَ وَالنُّبُوَّةَ أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ: اعْبُدُونِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَيْ: مَعَ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا لَا يَصْلُحُ لِنَبِيٍّ وَلَا لِمُرْسَلٍ، فَلِأَنْ لَا يَصْلُحَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرَهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا يَنْبَغِي هَذَا لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانَ يَعْبُدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. يعني: أهل الكتاب كانوا يعبدون أحبارَهم وَرُهْبَانَهُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية [التوبة:31].

وَفِي "الْمُسْنَدِ" وَالتِّرْمِذِيِّ -كَمَا سَيَأْتِي- أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَبَدُوهُمْ! قَالَ: بَلَى، إِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ، فَاتَّبَعُوهُمْ، فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ.

فَالْجَهَلَةُ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ وَمَشَايِخِ الضَّلَالِ يَدْخُلُونَ فِي هَذَا الذَّمِّ وَالتَّوْبِيخِ، بِخِلَافِ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ من العلماء العاملين؛ فإنهم إنما يأمرون بما يأمر اللهُ به، وبلَّغتهم إياه رسلُه الكرام، وإنما يَنْهَوْنَهُمْ عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ، وَبَلَّغَتْهُمْ إِيَّاهُ رُسُلُهُ الْكِرَامُ، فَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ هُمُ السُّفَرَاءُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي أَدَاءِ مَا حَمَلُوهُ مِنَ الرِّسَالَةِ وَإِبْلَاغِ الأمانة، فقاموا بذلك أتمَّ القيام، وَنَصَحُوا الْخَلْقَ، وَبَلَّغُوهُمُ الْحَقَّ.

وَقَوْلُهُ: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ أَيْ: وَلَكِنْ يَقُولُ الرَّسُولُ لِلنَّاسِ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو رَزِينٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ حُكَمَاءَ، عُلَمَاءَ، حُلَمَاءَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وغير واحدٍ: فقهاء. كذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ.

وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: يَعْنِي أَهْلَ عِبَادَةٍ وَأَهْلَ تَقْوَى.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ: حَقٌّ عَلَى مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا، تُعَلِّمُونَ أَيْ: تُفَهِّمُونَ مَعْنَاهُ. وَقُرِئَ: تُعَلِّمُونَ، بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّعْلِيمِ.

الشيخ: وهكذا الرَّباني، وهو الذي يعتني بالعلم والعمل، الرَّباني هو البصير بأمر الله، الحكيم في أمر الله، علمًا وعملًا، ويُعلّم الناس، ويعمل بعلمه، ويُعلمهم قولًا وعملًا، فهو قدوة في أعماله الطَّيبة، وهو أيضًا معلم بلسانه الرَّباني، قال بعضُهم: هو الذي يعلم صغارَ العلم قبل كباره. المقصود الحكيم في التربية والتعليم، الذي يُعلِّم الناس –يُعلِّم كلًّا ما يُناسبه- يُعلِّم الصَّغير ما يُناسبه، ويُعلِّم الوسطَ ما يُناسبه، ويُعلِّم الكبيرَ ما يُناسبه، فهو يعتني بطبقات المتعلِّمين ويُوجِّههم إلى الخير على قدر فهمهم وعلمهم ومداركهم.

وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ تَحْفَظُونَ أَلْفَاظَهُ.

ثم قال الله تعالى: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيْ: وَلَا يَأْمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ: لَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَلَا مَلَكٍ مُقَرَّبٍ: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَيْ: لَا يفعل ذلك إلا مَن دعا إلى عبادة غير الله، ومَن دَعَا إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ دَعَا إِلَى الْكُفْرِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ الآية [النحل:36].

الشيخ: هذا يُبين أنَّ مَن عبد الملائكة أو الأنبياء فقد أتى بكفرٍ: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، فبين سبحانه أنَّ عبادة الأنبياء والملائكة كفرٌ بعد الإسلام: إذا دعاهم، واستغاث بهم، ونذر لهم، وسجد لهم، وذبح لهم، ونحو ذلك؛ فقد أتى الكفرَ بعد الإسلام، سواء كانوا أنبياء، أو ملائكة، أو صالحين، أو جنًّا، أو أصنامًا، أو غير ذلك.

فالشِّرك: هو نفسه صرف العبادة لغير الله، كائنًا مَن كان.

والتوحيد: هو عبادة الله وحده، والإخلاص له. والشِّرك ضدّ ذلك: صرف العبادة لغير الله، أو بعضها لغير الله، كائنًا مَن كان؛ ولهذا بعث الرسل عليهم الصَّلاة والسلام يقولون لهم: اعبدوا الله، يقولون للأمم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45].

المقصود أنَّهم بُعِثُوا ليُوجِّهوا الناسَ إلى عبادة الله وحده، ويُنذروهم الشِّرك به سبحانه، ولا فرقَ في ذلك بين النبي والملك، والصَّالح والصنم، ونحو ذلك.

س: ألا يدخل في تعريف التوحيد: البراءة من المشركين؟

ج: البراءة من الشرك وأهله .....، أمَّا الموالاة والمعاداة هذه فيها تفصيلٌ، تختلف: بعضها كفر، وبعضها معصية.

وقال: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45]، وَقَالَ إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء:29].

س: حديث عدي بن حاتم درجة الصحّة؟

ج: فيه ضعف، لكن مشهور بين العلماء، والمعنى صحيحٌ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، منهم مَن عبدهم من دون الله، ومنهم مَن أحلَّ بهم الحرام، وحرَّم بهم الحلال.

س: في كتب العقيدة أنَّ مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يحكمون على معينٍ بجنةٍ أو نارٍ، هل هذا لأهل القبلة؟

ج: لا يشهدون إلا مَن شهد له الله أو الرسول، لكن على العموم المؤمن في الجنة، والكفار في النار، على العموم المؤمنون في الجنة، والكفار في النار، لكن المعين فلان ابن فلان لا يُشهد له إلا إذا كان شهد له الله أو الرسول، أو عُلم أنه مات على الكفر.

س: هذا لأهل القبلة أو لعامّة الناس؟

ج: لجميع الناس، لكن الكفّار على العموم، مَن مات على العموم فهو في النار: اليهود والنَّصارى وأشباههم من الكفار، وعموم مَن مات على الإيمان فهو من أهل الجنة، قال الله جلَّ وعلا: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا [التوبة:72]، وقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الحجر:45]، وقال في الكفَّار: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113]، فمَن مات على الكفر بالله فهو من أهل النار مطلقًا، ومَن مات على الإيمان بالله ورسوله فهو من أهل الجنة، أما التَّعيين فعلى حسب ما جاء في النصوص: أبو لهب في النار بعينه، وأشباهه مَن مات على الكفر بالله: كفرعون وأشباهه، ومَن مات على الإيمان بعينه: كالخلفاء الراشدين، والعشرة المشهود لهم بالجنة، وثابت بن قيس، وعبدالله بن سلام، ومَن جاءت له الشّهادة بالجنة بعينه، أما العموم فالمؤمنون في الجنّة، والكفّار في النَّار.

س: على السؤال من قبل أمس: وإذا كان الشخصُ ارتدَّ ومات على الردّة؟

ج: يكون بعينه من أهل النار إذا عُرف أنَّه مات على الردّة.

س: حديث: "أوصاني جبريلُ بالجار إلى أربعين جارًا"؟

ج: ما وجدته؟

الطالب: في "السلسة الضعيفة" أحسن الله إليك: قال الشيخ ناصر حفظه الله: حديث "أوصاني جبرائيلُ عليه السلام بالجار إلى أربعين دارًا: عشرة من هاهنا، وعشرة من هاهنا، وعشرة من هاهنا، وعشرة من هاهنا" ضعيف.

أخرجه البيهقي عن أم هانئ بنت أبي صُفرة، عن عائشةَ مرفوعًا، وقال: في إسناده ضعفٌ. كذا في "نصب الراية".

وقد رُوي عن كعب بن مالكٍ، وهو: "ألا إنَّ أربعين دارًا جوار، ولا يدخل الجنةَ مَن خاف جارُه بوائقَه"، قيل للزهري: أربعين دارًا؟ قال: "أربعين هكذا، وأربعين هكذا". ضعيفٌ.

أخرجه الطَّبراني في "الكبير" عن يوسف بن السفر، عن الأوزاعي، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله، إني نزلتُ محلةَ بني فلان، وإنَّ أشدّهم لي أذًى أقربهم لي جوارًا. فبعث النبيُّ ﷺ أبا بكر وعمر وعليًّا أن يأتوا بابَ المسجد فيقوموا عليه فيصيحوا: "ألا ..." ثم ذكر الحديث.

ويوسف بن السفر أبو الفيض فيه مقال. كذا قال الزيلعي، وقد ألان القول جدًّا في ابن السّفر هذا، فإنَّ مثل هذا القول: (فيه مقال) إنما يُقال فيمَن هو مختلفٌ في توثيقه وتجريحه، وابن السّفر هذا متّفق على تركه، بل كذَّبه الدَّارقطني، وقال البيهقي: هو في عداد مَن يضع الحديثَ. وقد مضت بعضُ أحاديثه الموضوعة؛ ولهذا قال الهيثمي بعد أن ساق له هذا الحديث في "المجمع": وفيه يوسف بن السفر، وهو متروك.

قلتُ: وقد خالفه هقل بن زياد فقال: حدَّثنا الأوزاعي، عن يونس، عن ابن شهابٍ الزهري قال: قال رسولُ الله ﷺ: .. فذكره مرسلًا، أخرجه أبو داود في "المراسيل": حدَّثنا إبراهيم بن مروان الدّمشقي: حدَّثني أبي: حدَّثنا هقل بن زياد، به. ويأتي لفظُه بعد حديثٍ.

وهذا سندٌ رجاله ثقات، ولولا إرساله لحكمتُ عليه بالصحّة، وعلى مَن يقول بصحّة المرسل أن يأخذ به: كالحنفية؛ ولهذا أقول: إنَّ قول صاحب "الهداية" وما قاله الشَّافعي: "إنَّ الجوار إلى أربعين دارًا" بعيدٌ، وما يرويه فيه ضعفٌ، لا يتَّفق مع قول الحنفية: إنَّ الحديثَ المرسل حُجّة. فتأمَّل.

والحديث قال الحافظُ العراقي في "تخريج الإحياء" بعد أن ساقه من الوجهين المرسل والموصول: إنَّه حديثٌ ضعيفٌ. وكذا قال الحافظ في "الفتح".

قلتُ: وأمَّا قوله: "ولا يدخل الجنة ..." فصحيحٌ؛ لأنَّه جاء من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: لا يدخل الجنةَ مَن لا يأمن جارُه بوائقَه أخرجه مسلم والبخاري في "الأدب المفرد"، وهو مخرَّجٌ في السلسلة الأخرى.

وقد رُوِيَ الحديثُ عن أبي هريرة أيضًا، وهو: "حقّ الجوار إلى أربعين دارًا هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، يمينًا، وشمالًا، وقدّام، وخلف". ضعيفٌ جدًّا.

رواه أبو يعلى في "مسنده": حدَّثنا محمد بن جامع العطار: حدَّثنا محمد بن عثمان: حدَّثنا عبدالسلام ابن أبي الجنوب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا.

وعن أبي يعلى رواه ابنُ حبان في "الضّعفاء"، وأعلَّه بعبدالسلام هذا وقال: إنه منكر الحديث.

قلتُ: وأقرّه الزيلعي في "نصب الراية"، ثم تناقض ابنُ حبان فذكره في "الثقات"، انظر: "تيسير الانتفاع".

وقال أبو حاتم: متروك الحديث.

قلتُ: وفيه علّة أخرى؛ فقال الهيثمي في "المجمع" (8/168): رواه أبو يعلى عن شيخه محمد بن جامع العطار، وهو ضعيفٌ.

قلتُ: بل هو أسوأ حالًا. قال أبو زُرعة: ليس بصدوقٍ، ومحمد بن عثمان -وهو الجُمَحي المكيّ- ضعيفٌ، فهذه علّة ثالثة؛ ولهذا قال الحافظُ العراقي في "تخريج الإحياء": إنه حديثٌ ضعيفٌ.

وقد رُوِيَ مُرسلًا، وهو: "الساكن من أربعين دارًا جارٌ". ضعيفٌ، أخرجه أبو داود في "المراسيل" (450) عن الزهري مرسلًا مرفوعًا، وفيه: قيل للزهري: وكيف أربعون دارًا؟ قال: أربعون عن يمينه، وعن يساره، وخلفه، وبين يديه. ورجاله ثقات، فهو صحيحٌ عند مَن يحتجّ بالمرسل، كما سبق بيانُه قبل حديثٍ.

وقد اختلف العلماءُ في حدِّ الجوار على أقوالٍ ذكرها في "الفتح" (10/367)، وكل ما جاء تحديده عنه ﷺ بأربعين ضعيفٌ لا يصحّ، فالظاهر أنَّ الصواب تحديده بالعُرف، والله أعلم.

الشيخ: بارك الله فيك، جزاك الله خيرًا، على كل حالٍ ينبغي للمؤمن أن يعتني بالجار مطلقًا، ولو إلى أربعين، وإن كانت ضعيفة، لكن فيها هذا المرسل الصَّحيح: مرسل الزهري، مراسيل الزهري ضعيفة، لكن على كل حالٍ وجود هذا الطّريق يحصل في النفس بعض الشيء من الاستئناس بها، والإنسان لا يتساهل بالجيران، ولو بأكثر من ثلاثة، أربعة، خمسة، إلى أربعين، يُحْسِن إلى الجيران ويجتهد، كلما قربوا منه فهم أولى بالإحسان؛ ولهذا قال النبيُّ لعائشة لما سألته: أي الجارين أحقّ بالإحسان؟ قال: مَن كان أقربهما منكِ بابًا، مقصوده: كلما كان الجارُ أقرب بابًا فهو أولى بالعناية، والرسول أطلق عليه الصلاة والسلام: فليُكْرِم جارَه، ينبغي إكرام الجار ولو كان بينك وبينه بيوتٌ أخرى، لكن إذا كان لصيقك: أمام، أو خلف، أو يمين، أو شمال؛ كان أقرب وأولى بالعناية ممن بَعُدَ.

س: والمرسلات هذه يُستأنس بها في فضائل الأعمال؟

ج: نعم، ما في شكّ.

س: إذا كان الجارُ القريبُ كافرًا، والذي بَعُدَ مسلمًا، أيّهما أولى به؟

ج: المسلم له حقَّان: حقّ الجوار، وحقّ الإسلام. المسلم أولى ولو كان أبعد؛ لأنَّ له حقَّين.

س: إذا كان هناك جارٌ كتابيٌّ .....؟

ج: لا، فقط تُحسن إليه، لا تُؤذيه، لا تبدأه بالسلام ولو كان جارًا، لكن تُحسِن إليه، تتصدق عليه إذا كان فقيرًا، تكفّ عنه الأذى منك ومن أولادك؛ لأنَّ هذا من أسباب دخوله في الإسلام، ومما يُرغِّبه في الإسلام، والجيران ثلاثة أقسام:

جارٌ مسلمٌ قريبٌ، له ثلاثة حقوقٍ: حق الإسلام، وحق الجوار، وحق القرابة.

وجارٌ قريبٌ، أو جارٌ مسلمٌ وليس بقريبٍ، فله حقَّان: حقّ الجوار، وحقّ الإسلام، وحقّ القرابة إن كان ليس بمسلمٍ.

والجار الثالث: جارٌ كافرٌ وليس بقريبٍ، فله حقٌّ واحدٌ؛ وهو حقّ الجوار فقط: في كفِّ الأذى، وفي الإحسان إليه، والحرص على دعوته للإسلام، ومُواساته إن كان فقيرًا، إلى غير هذا من وجوه الخير، لكن لا يبدأه بالسَّلام.

س: .............؟

ج: له حقّان: حقّ الجوار، وحقّ القرابة.

س: .............؟

ج: ما أعلم فيه مانعًا؛ لأنَّه من باب الصَّدقة، من باب الإحسان، ومن باب الصَّدقة.